أسرار بلاغية
| ٢٩١ | برنامج لمسات بيانية (نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (24)) *كلمة (قليلاً) ما دلالتها وما إعرابها؟ (قليلاً) فيها احتمالان في الإعراب محتمل أن نعربها مفعول مطلق يعني تمتيعاً قليلاً أي قليل وصف للمصدر أو نعربها ظرف زمان أي زمناً قليلاً. فإذن من حيث الإعراب تحتمل الحدث وهو تمتيعاً قليلاً وتحتمل الزمن زمناً قليلاً، وهو حذف الموصوف لأنه لو ذكر الموصوف لتحدد بشيء واحد لو قال زمناً أو تمتيعاً لحدد. حذف والآن يشمل الاثنين معناه يمتعهم تمتيعاً قليلاً زمناً قليلاً فجمع المعنيين بالحذف، الآن اتسع واستفدنا أنه يمتعهم تمتيعاً قليلاً زمناً قليلاً ولو ذكر لخصص الذي ذكره وأطلق الآخر. لو أراد أن يقول تمتيعاً قليلاً زمناً قليلاً، الحذف أغنى عن أن يقول تمتيعاً قليلاً زمناً قليلاً فشمل المعنيين وقال (نمتعهم قليلاً). بدل العبارة الطويلة حذف فتوسع المعنى (فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (82) التوبة) بدل أن يقول فليضحكوا ضحكاً قليلاً زمناً قليلاً وليبكوا بكاء كثيراً زمناً كثيراً حذف فجمع المعنيين وأحياناً يكون الحذف أبلغ من الذكر وقد يكون الحذف للتوسع في المعنى وأحياناً الذكر يكون للتخصيص مثل (هو يُكرم) إطلاق و (هو يكرم فلاناً) تحديداً. إذن حينما يحذف لا بد أن تدل (قليلاً) على المعنيين نمتعهم تمتيعاً قليلاً زمناً قليلاً ولما تُعرب تُعرب باحتمالين، والحذف هنا جائز. *في البقرة قال (ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126)) بضمير المفرد وفي لقمان بالجمع (نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ) فما الفرق بينهما؟ حتى نفهم المسألة نقرأ سياق آية البقرة لأن السياق هو الذي يوضح (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126)) إذن آية البقرة في مكة (رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَدًا آمِنًا) وقبل أن توجد مكة، ولما قال (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِنًا (35) إبراهيم) هذا بعد البناء بعد أن صارت بلداً. فإذن آية البقرة في مكة وآية لقمان عامة (نمتعهم قليلاً) كلاماً عاماً وليس في بلد معين ولا أناس معينين. أيها الأكثر؟ الآية في لقمان، فجاء بضمير الكثرة وتسمى الكثرة النسبية (نمتعهم قليلاً) يعني يُعبَّر عن الأكثر بالضمير الذي يدل على الكثرة والجمع ويعبر عن الأقل بالمفرد. و (من) تحتمل ذلك إذن فمن كفر فأمتعه قليلاً وهؤلاء أقل من الذين قال فيهم أمتعه قليلاً هذا أقل من الذين نمتعهم فجاء بضمير الجمع. في القرآن يراعي هذا الشيء (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ (42) وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ (43) يونس) الذين يستمعون أكثر من الذين ينظرون فقال يستمعون هذه تسمى مناسبة وهذا ما جعل المفعول في لقمان بالجمع وفي البقرة بالمفرد. *قال تعالى(وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً) في آية البقرة ونمتعهم بالجمع في آية لقمان؟ هذا يدخل فيه أكثر من مسألة. مسألة التعظيم ذكرنا أنه لماذا قال (إن الله عليم بذات الصدور) وقلنا أن قبلها جاء بالجمع (إلينا مرجعهم) ثم هنا جاء بالمفرد وفي البقرة بالعكس ذكر الإفراد أولاً ثم الجمع. هذه فيها أكثر من مناسبة (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) البقرة) هذه جمع سيأتي بعدها مفرد، بعد الجمع يأتي المفرد، ضمير التعظيم (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ). والأمر الآخر قال (أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ) البيت نسبه تعالى إلى نفسه وصاحب البيت يتولى الأمر وربنا صاحب البيت يتولى هذا فقال (وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً) وهو قال طهرا بيتي للطائفين هو صاحب البيت ويتولى من يسيء فهي أنسب من كل ناحية وقال بيتي فمناسبة أكثر للإفراد. *في لقمان قال (إلينا مرجعهم) ولم يقلها في البقرة؟ إبراهيم سأل ربه (وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ) إذن لما قال فأمتعه قليلاً كان من دعاء إبراهيم لما قال (وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ) والرزق فيه تمتيع إذن هذه المسألة ليست متعلقة بالتبليغ وإنما هو طلب الرزق (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ) الجواب (فأمتعه قليلاً) لأنه طلب الرزق فالجواب يكون فأمتعه قليلاً وهذه ليست في التبليغ أما آية لقمان ففي التبليغ (ومن كفر) والسياق مختلف تماماً. فإذن لما كانت الآية في التبليغ قال (وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا) أما في آية البقرة ليست في التبليغ فقال (فأمتعه قليلاً). في لقمان قال (وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) ولم يقلها في البقرة أيضاً، هؤلاء في آية لقمان الكفار موجودين أما هؤلاء الذين قال فيهم الآية في سورة البقرة لم يخلقوا بعد هذا باعتبار ما سيكون هم ليسوا مخلوقين أصلاً قال (اجعل هذا بلداً آمناً) فكيف يقول فلا يحزنك كفره هم غير موجودين ويأتون بعده بقرون، أما في آية لقمان فهو معاصر لهم يبلغهم. *في لقمان قال (نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (24)) وفي البقرة قال (وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126))؟ أيها الأشد أن تقول إلى عذاب غليظ أو إلى عذاب النار وبئس المصير؟ عذاب النار. عندما يقول عذاب غليظ هل معناه أنك ستحرقه؟ كلا لأنك لم تصرح أنه بالنار، عندما تقول سأعذبه عذاباً غليظاً هل معناه أنك ستحرقه؟ لم تصرح أنه بالنار، أما عذاب النار فيها حرق فأيها الأشد؟ عذاب النار. لم يذكر نار في لقمان وفي البقرة ذكر ناراً وبئس المصير إذن هذا العذاب أشد، ذكر النار وقال أنه بئس المصير. عذاب غليظ لا يشترط أن يكون بالنار قد يكون بعضا غليظة. قال عذاب النار في أهل مكة وإبراهيم يطلب البلد الآمن والرزق، السيئة في مكة تتضاعف أكثر بكثير من مكان آخر وكذلك الحسنة تتضاعف في مكة والسيئة في مكة تتضاعف فمن أساء في مكة في بلد الله الحرام ليس كمن أساء في غيرها، نفس السيئة إذا فعلها شخص في مكة ليست عقوبتها كمن أساء في غير مكة السيئة فيها تتضاعف والحسنة فيها تتضاعف فإذن عندما تكون السيئة تتضاعف فالعذاب يتضاعف ويشتد لذا قال عذاب النار وبئس المصير لأن ذكر السيئة والكفر في مكة ليس كالكفر في غير مكة والمعصية في مكة ليست كالمعصية في غير مكة الحسنة أكثر والسيئة أكثر ولذلك شدّد العذاب فقال عذاب النار وبئس المصير. الوقفة كاملة |
| ٢٩٢ | برنامج لمسات بيانية (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا (212) البقرة) ما دلالة التذكير (زين) ولم يقل زينت مع أن الدنيا مؤنث؟ من حيث الحكم النحوي يجوز وليس فيه إشكال لأن الحياة مؤنث مجازي والمؤنث المجازي الذي ليس له مذكر من جنسه فمثلاً البقرة مؤنث حقيقي لأن الثور ذكر من جنسها، النعجة لها كبش من جنسها، إذا كان هنالك مذكر من جنسه هذا مؤنث حقيقي. كلمة سماء ليست مؤنث حقيقي وكذلك الشمس مؤنث مجازي والقمر مذكر مجازي, إذن كون (الحياة) مؤنث مجازي يجوز تذكيره وتأنيثه، هذا لغوياً؟ ثم هنالك فاصل بين الفعل والفاعل (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) والفاصل حتى في المؤنث الحقيقي يمكن تذكيره هذه القاعدة (أقبل اليوم فاطمة) طالما فصلنا بين العامل والمعمول يجوز تذكيره وتأنيثه. إذن من حيث النحو ليس فيه إشكال من حيث أمران: كونه مجازي وكون هنالك فاصل. لكن لماذا اختار التذكير؟ هنالك قراءة أخرى وهي (زَيّن للذين كفروا الحياةَ) بالبناء للمعلوم والفاعل الشيطان (الحياة مفعول به)، وهذه القراءة لا يمكن أن يقول فيها زَيّنت لذا التذكير صار واجباً. إذن في الآية قراءتان: قراءة زَين بالبناء للمعلوم وهو يلزم التذكير صار فيها معنيين، ما دام هنالك قراءة أخرى أصبحت (زينت) لا تنسجم مع القراءة الثانية. الوقفة كاملة |
| ٢٩٣ | برنامج لمسات بيانية *في سورة غافر (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35)) لم يقل على قلب كل متكبر جبار، فهل الطبع على كامل قلب المتكبر الجبار أو على كل القلوب؟ وما الفرق بين الصيغتين؟ يذكر فيه المفسرون معنيين: يطبع على كل قلبه بحيث لا يترك من قلبه شيء وعلى قلوب كل المتكبرين ولو قال على قلب كل متكبر لكان المعنى واحد، سيشمل قلوب ولكن ليس كلها ولو قال على قلب كل متكبر يعني على جميع قلوب المتكبرين. الآية (على كل قلب) جمعت معنيين: يعني القلب كله لم يترك منه شيئاً طُبِع عليه كله وليس على بعض القلب وإنما على كل القلب وعلى كل القلوب، دلالتان ذكرها المفسرون: على القلب كله بحيث لم يترك منه شيئاً وعلى قلوب كل المتكبرين. على كل قلب لها معنيين: يطبع على القلب كاملاً وعلى القلوب كلها. أما على قلب كل متكبر جبار لها معنى واحد وهو فقط على قلوب المتكبرين ليس فيه على كل قلب. على قلب ليس فيها شمولية (على قلب كل متكبر جبار) والاختيار القرآني أفاد الشمولية بنوعين: الطبع على القلب كله وعلى قلوب كل المتكبرين أجمعين ولو قال على قلب كل متكبر ستعني شمولية واحدة. الوقفة كاملة |
| ٢٩٤ | برنامج لمسات بيانية .(أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (31)) فكرة عامة عن الآية: ربنا تعالى أول مرة ذكر خلق السموات على العموم وما فيها وذكر تسخير السموات والأرض على العموم ثم ذكر بعض ما فيهما فذكر في الآية السابقة تسخير الشمس والقمر (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ (29) لقمان) هذه من آيات السماء وهنا في الآية ذكر تسخير بعض ما في الأرض لأنه قبلهما قال (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ (20)) إجمالاً ثم ذكر بعض ما في السماء والآن يذكر قسماً مما في الأرض ما سخره ربنا قال (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ (31)) فذكر هناك جريان الشمس والقمر وذكر هنا جريان الفلك، هناك (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى (29)) وهنا (كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى) وهنا ذكر بعض آيات الأرض وهو الفلك التي سخرها لنا ربنا (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ) وذكر الشمس والقمر. هنا قال (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ) ما المقصود بنعمة الله؟ هنا فيها احتمالان: يعني تجري بسبب نعمة الله هو الذي سخرها فتسخيرها من نعم الله يعني جريانها نعمة من الله، والباء هنا سبب يعني تجري بسبب نعمة الله، والاحتمال الثاني تجري بنعمة الله بما تحمله من البضائع مما أنعم الله به على الإنسان، البضائع من نعم الله (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ (42) هود) تجري بهم أي تحملهم. فإذن تجري بنعمة الله فيها احتمالان بسبب الله وجريانها نعمة من نعم الله لو لم يسخرها لم تجري، سخرها وسخر البحر (وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ (32) إبراهيم) (اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ (12) الجاثية) هذا أمر والاحتمال الثاني تجري بما تحمله من النعم، من البضائع وهي كلها من نعمة الله. الأمران مقصودان في الآية وهذا من باب التوسع في المعنى والمعنيين مرادان أنها تجري بنعمة الله أي بسبب نعمة الله سخرها ولولا نعمة الله لم تجري. في قصة نوح حدد دلالة واحدة للجريان بمعنى تحملهم (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ). *ما دلالة اقتران صبار مع شكور في الآية؟ قبلها قال (لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ (31)) ما هذه الآيات التي يرنا إياها الله تعالى في البحر؟ منها آيات في التسخير ومنها آيات في أسرار البحار التي يطلع عليها الناس وما فيها من العجائب ومنها آيات في ضعف الإنسان إذا ركب البحر وعجزه (وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا (67) الإسراء) الإنسان وخوفه وهذه كلها آيات كيف يعتري الخوف راطب البحر ويتبين ضعف الإنسان وعجزه أمام هذا المخلوق الكبير، وآيات في قدرة الله إذا شاء ينجي وإذا شاء يغرق. (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) صبار على طاعة الله وعلى الشدائد، صبّار (على وزن فعال) من صبر على وزن فعال من صيغ المبالغة إما صبار على طاعة الله أو على ما يصيبه من الشدائد. والشكور على ما أفاض به عليه من النعم، وشكور على وزن فعول كثير الشكر. الصبر عام قد يكون صبر عن المعصية أو صبر على الطاعة أو صبر على الشدة فالطاعات تحتاج إلى صبر مثل الصلاة والصوم (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا (132) طه) والصوم نصف الصبر والصبر نصف الإيمان، الطاعات تحتاج إلى صبر والشدائد تحتاج إلى صبر والله تعالى يطلب منا أن نشكر على النعم (وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (46) الروم) (اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) الجاثية) (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13) سبأ) وقد يكون الشكر على النجاة وقال تعالى على لسان الناجين من البحر (قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) الأنعام) والنجاة أيضاً نعمة. هل يقترن الصبار مع الشكور دائماً؟ الصبار لم يرد في القرآن كله إلا مع الشكور بينما الشكور قد تأتي منفردة (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3) الإسراء) (إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) فاطر) الشكور تأتي منفردة وغير منفردة أما الصبار فلم تأتي في جميع القرآن وحدها وإنما مقترنة بالشكور. لماذا اقترن الصبار بالشكور في هذه الآية طكالما أن الشكر ينفرد؟ لما قال تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ) هذا اقتضى شكر بعدها مباشرة (وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (32)) هذا اختبار الصبر، ذكر اختبار الصبر وليس الشكر إذن لما ذكر أمرين ذكر النعم وذكر التهديد (وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ) قرن الصبر بالشكر وجاء بالوصفين على صيغة مبالغة لأن الإنسان يحتاج الصبر على وجه الدوام ويحتاج الشكر على وجه الدوام. هناك ملاحظة عامة في القرآن إذا ذكر تهديداً في البحر أو خوفاً فيه قرن الصبر والشكر وإن لم يذكر التهديد والتخويف ذكر الشكر وحده. قال تعالى في سورة لقمان (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (31)) ذكر الصبر والشكر، في سورة الشورى (وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (32) إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (33) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ (34)) اي يهلكهم، هذا تهديد يهلكهم ويهلك من فيها. ذكر أمرين لما هددهم ذكر الصبر والشكر. إذا لم يذكر التهديد يذكر الشكر وحده (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) النحل) لم يذكر صبّار لأن الآية كلها نعم، (وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (46) الروم) كلها نعم، (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) فاطر) (اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) الجاثية) إذا لم يذكر تهديداً ذكر الشكر وحده وإذا ذكر التهديد قرن صبّار مع شكور في جميع القرآن وقدّم صبار على شكور. الوقفة كاملة |
| ٢٩٥ | برنامج لمسات بيانية (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33)) * قال تعالى (اتَّقُوا رَبَّكُمْ) ولم يقل اتقوا الله كما ورد في بعض آي القرآن الكريم فما دلالة اختيار كلمة (ربكم) تحديداً؟ ربنا سبحانه وتعالى أمر الناس أن يتقوا ربهم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ) أولاً بإفراد الرب (ربكم) وإضافة إلى ضمير (ربكم) يدل على أن لهم رباً واحداً وليست أرباب، رب واحد للخلق أجمعين وليس هو رب فئة دون فئة أو شعب أو دون شعب، قسم كانوا يقولون هو رب شعب دون شعب وكانوا يقولون هو رب إسرائيل، إذن هو رب الجميع (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ) رب واحد وهو رب الجميع، هم كانوا يعتقدون أن هنالك أرباباً (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ (31) التوبة) أيضاً فرعون قال (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) النازعات) (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ (127) الأعراف) (أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) يوسف) فإذن هو رب واحد لجميع الناس فقط وهو رب الناس جميعاً ليس رب شعب دون شعب ولا فئة دون فئة، رب واحد. ثم اختيار لفظ الرب له دلالته فهنا الرب هو المربي والسيد والقيم والمنعم إذن بيده النفع والضر لما كل هذه بيده هو الذي ينفع ويضر يمسك رحمته لأن الرزاق من معاني الرب والسيد والمنعم والقيم إذن بيده النفع والضر، (الله) إسم العلم، اللفظة في اللغة الله العلم في اللغة والرب والمنعم هذه صفات وكل واحدة لها دلالة الرزاق ليس معناها الرحمن، (إن لله تسعاً وتسعين إسماً) يسمونها أسماء وصفات (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى (8) طه) يعني هي أسماؤه وصفاته وإسمه العلم الله. الله يستعمل في غير الله نقول رب الدار (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ (42) يوسف) (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) يوسف) الرب ليست خاصة بالله ونقول من رب الدار؟ أي من مالكها؟ * هل تكون التقوى من الله أو من الرب؟ التقوى هي لله لكن بصفاته، لما فيه من صفات يتّقوه. أحياناً الناس يتقون شخصاً ويحذرونه لما له من صفة كرئيس أو غيره إما لكونه عزيزاً أو رئيساً فيتقونه لصفته. القرآن قال اتقوا الله، إذن السياق هو الذي يختار. إذن هو الآن (اتقوا ربكم) معناه بيده النفع والضر والناس يتقون من بيده ذلك يخشون أن يقطع عنهم النفع أو يدخل عليهم الضر، هذا واحد ثم قال بعدها (وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ) والوالد هو المربي والرب أول معنى له هو المربي فإذن مناسبة، الرب الوالد هو مربي أولاده والرب هو المربي فتتناسب مع اتقوا ربكم. الرب هو المعلم والقيم والمرشد والمربي وهي مناسبة مع الوالد وهو القيم على أبنائه ويربيهم وهو المنفق عليهم إذن هناك تناسب، إذن اختيار الرب هنا مناسب لقوله تعالى (وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ). *في قوله تعالى (وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ) هذه جملة صفة والقياس كما نعلم أنه في جملة الصفة لا يجزي فيه والد عن ولده كما قال (وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (281) البقرة) (يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) النور) فلماذا لا يأتي هنا بـ (فيه)؟ جملة الصفة يكون فيها عائد يعود على الموصوف ضمير قد يكون مذكوراً وقد يكون مقدّراً وهنا مقدر يعني النحاة يقدرون لا يجزي فيه هذا من حيث التقدير، هو جائز الذكر وجائز التقدير لأنه ذكرها في مواطن أخرى (وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ) يبقى لماذا اختار عدم الذكر؟ الأمران جائزان وقد ذكرا في مواطن. عادة الحذف يفيد الإطلاق عموماً يعني فلان يسمعك أو فلان يسمع، يسمع أعم، يقول الحق أو يقول، يقول أعم، عدم ذكر المتعلقات يفيد الإطلاق، يعطي المال أو يعطي، يعطي أعمّ. إذن هو الآن أظهر التعبير بمظهر الإطلاق لم يذكر (فيه) معناه أظهره بمظهر الإطلاق. حق السؤال لماذا لم يذكر هنا وفي مواطن ذكر؟ لو جزى والد عن ولده لو دفع في يوم القيامة هل هذا الجزاء يختص بهذا اليوم أو بما بعده؟ بذلك اليوم، لو جزى والد عن ولده (بدون فيه) لو جزى عنه يعني لو قضى عنه ما عليه، هذا الجزاء سيكون الجنة، لو جزى لى يكون في ذلك اليوم انتهى وإنما الخلود وسيدخل الجنة، إذن الجزاء ليس في ذلك الوقت وإنما أثر الجزاء سيمتد، الجزاء سيكون في هذا اليوم ولكن الأثر هو باق ولذلك حيث قال لا يجزي لم يقل (فيه) في كل القرآن مثال: (وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ (48) البقرة) ما قال (فيه)، (وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ (123) البقرة) بخلاف الآيات التي فيها (فيه) (وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (281) البقرة) توفى في ذلك اليوم وإما يذهب للجنة وإما إلى النار. (يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) في ذلك اليوم وبعدها ليس فيه تقلب لأنه يذهب للجنة، ذِكر (فيه) خصصها باليوم فقط لما قال (ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ) هذا في يوم القيامة وليس مستمراً يومياً، الذي في الجنة توفي والذي في النار توفي عمله، التوفي في يوم القيامة توفية الحساب في يوم هو يوم القيامة وأثر التوفية إما يذهب إلى الجنة وإما إلى النار، تقلّب القلوب والأبصار في يوم القيامة ثم يذهب الناس إلى الجنة ولا يعود هناك تقلب قلوب ولا أبصار، وأصحاب النار في النار. لو جزى والدٌ عن ولده لكان أثر الجزاء ليس خاصاً في ذلك اليوم وإنما تمتد إلى الخلود إلى الأبد ولذلك لم يذكر (فيه) وأخرجه مخرج الإطلاق. لذلك حيث قال لا تجزي لم يقل (فيه) لنفي المتعلق وما يترتب عليها فيما بعد. *(لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ (233) البقرة) وفي سورة لقمان (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا (33)) فما دلالة هذه الصيغة؟ الولد يقع على الولد وولد الولد أي الأحفاد أما المولود لا يقع إلا على من ولِد منك. فقول عندي ولد غير قول عندي مولود والولد تستعمله العرب لمن ولِد منك ولمن بعده. الولد يعني ابني أو ابن ابني أما المولود فهو ابني. في الآية الولد لو شفع للأب الأدنى أي لأبيه الذي ولِد منه لن تقبل شفاعته فكيف بالآخرين؟!، (وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا) هذه خاصة، الأب الأقرب. (لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ) هذه عامة سواء كان ابنه أو حفيده ويقولون أحياناً الحفيد أعز من الولد. لكن المولود خاصة فجاءت (وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا) يعني لا يشفع لأبيه الأقرب فكيف بغيره؟! فإن كان لا يشفع للأقرب فلن يشفع لغيره. سؤال: أليست اللغة العربية تبدو عصيّة على الفهم من خلال ما تفضلتم به الآن؟ نزل بها القرآن الكريم ومعظمنا لا يجيدها فضلاً عن الأجانب الذين لا يتعلمون الفصحى فكيف يفهمون كتاب الله عز وجل؟ هناك الفهم العام المارد به العمل المكلف به هذا ليس فيه إشكال لكن النحو والاشتقاق مثلاً ففيه لكل واحد طريقة فطالب النحو غير طالب الصرف غير طالب الاشتقاق غير طالب البلاغة وهكذا كل واحد له طريقه في هذه المسألة وليس كل الناس مكلفون بهذا الأمر إنما هم مكلفون بسلامة الاعتقاد وحسن العمل. ومن أراد أن يتذوق كلام الله فعليه أن يتعلم اللغة العربية فهي متسعة ولكن ليست صعبة فنحن مهما تعلّمنا نجهل أكثر بكثير مما نعلم، هذا هو الواقع وكلنا تلاميذ وكل واحد في مرحلة. * (وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ) وفي البقرة قال (وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً (48) البقرة) فما الفرق بين الوالد والولد والنفس؟ لا ننسى أنه في هذه السورة نفسها في لقمان ذكر الوالدين والوصية بهما (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) والسورة تحمل إسم لقمان (والد) وهي مأخوذة من موقف وموعظة لقمان لابنه وكيف أوصاه ووصية ربنا بالوالدين وهي داخل وصية لقمان لابنه، إذن هذه أنسب أولاً مع إسم السورة ومع ما ورد في السورة من الإحسان إلى الوالدين والبر بهما ومصاحبتهما في الدنيا معروفاً، في البقرة لم يذكر هذا. فإذن ذكر الوالد والولد في آية لقمان مناسب لما ورد في السورة من الإحسان إلى الوالدين والبر ومع أنه قال (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) ذكّر هنا أن هذا لا يمتد إلى الآخرة وإنما خاص بالدنيا. في هذه الآية (لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ) هذا في الآخرة إذن المصاحبة بالمعروف والإحسان إليهما وما وصى به في السورة لا يمتد إلى الآخرة (وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ) إذن الإحسان مرتبط بالدنيا فقط (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) إذن لا يتوقع الأب أن ولده سيجزي عنه في الآخرة، عليه أن لا يتوقع ذلك وأن هذه المصاحبة ستنقطع في الدنيا وهي في أمور الدنيا وليست في أمور الآخرة فإذن هذه مناسبة لقطع أطماع الوالدين المشركين أنه إذا كان ولدهما مؤمناً فلا ينفع عنهما ولا يدفع ولا يجزي عنهما شيئاً في الآخرة فإذن هي مناسبة لما ورد في السورة من ذكر الوالدين والأمر بالمصاحبة لهما ونحوه. *في الآية (وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا) قدم الوالد على الولد فلماذا؟ لأن الوالد أكثر شفقة على الولد فالوالد يتمنى أن ينقذ ابنه بأي سبيل من السبل، أية وسيلة بدافع الشفقة وليس بدافع التكليف، أي أب يتمنى أن يدفع عن ابنه الضر إذا رأى أنه سيصيبه فقدم الوالد بدافع الشفقة لأن الأب أحرص على ابنه وأحرص على نفعه وأحرص على دفع الضر عنه. سؤال من المقدم: في مكان آخر في نفس تصوير الموقف قال تعالى (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) عبس) المرء هو الذي يفر من والديه، فما الفرق؟ فرق بين الجزاء والفرار، هذا الإنسان يريد أن يخلو بنفسه وليس في موقف جزاء هذا ولا إنقاذ، حتى الآن في البيت أحياناً يقول أحدهم اتركوني وحدي، عنده ما يشغله، عنده شيء يفكر فيه (لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) عبس) فهذا موقف فرار يريد أن يخلو بنفسه، ماذا قدّم؟ ماذا هناك؟ كيف يفعل؟ هذا موقف آخر غير هذا الموقف، موقف ثاني هذا، هذا موقف جزاء وذاك موقف الفرار لينظر ماذا هناك؟ كيف سينجو؟ ماذا قدّم (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) عبس) والفرار المعلوم في الدنيا أولاً المرء يفر من الأباعد ثم ينتهي بأقرب الناس إليه، هكذا عندما تفرّ تفر أولاً من البعيد فالأخ هو أبعد المذكورين (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) عبس) آخر من يفر منهم هم الأبناء لأنهم ألصق الناس بقلبه. وقدّم الفرار من الأم على الفرار من الأب لأن الأب أقدر على النفع والدفع من الأم، في الدنيا الأب هو الذي يدفع أما الأم يمكن أن تبكي وتصيح والأب هو الذي يدفع، هذا الأعرابي الذي بشر بمولودة فقالوا جاءتك مولودة فقال والله ما هي بنعِم الولد نصرُها بكاء وبِرُّها سرقة (تأخذ من مال زوجها وتعطي). إذن الفرار رتب بهذا الترتيب، الفرار من أخيه لأنه أبعد المذكورين قد لا يلتقي به مدة طويلة ولو كانا في مكان واحد في مدينة واحدة وحتى مع الأم والأب هناك بيت شرعي وحده خارج عن امه وأبيه هو يومياً مع زوجه وبنيه لكن قد تمر أشهر دون أن يرى أمه وأبيه، فإذن يوم المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، الصاحبة هو يومياً يأوي إليها وبنيه لأنه قد يفارق الإنسان زوجته ولكن يبقى أولاده معه، الصاحبة هنا بمعنى الزوجة وأحياناً يصير خلاف على الأبناء، إذن البنين آخر من يفر منهم. كل كلمة في اللغة لها دلالة وقد يكون لها أكثر من دلالة مثل المشترك اللفظي والأضداد لكن السياق هو الذي يحددها حتى المترادفات توضع في سياقها. * (وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا) يجزي جاء بصيغة بالفعل وجازٍ بصيغة إسم الفعل فما دلالة اختلاف الصيغة؟ الأقوى هو الإسم لأنه يدل على الثبوت، ربنا وصّى الأبناء بالآباء إذن هذا تكليف شرعي يعني الإحسان إلى الأبوين تكليف شرعي ثابت. الأب ليس مكلفاً الإنفاق على الولد إذا بلغ سن الرشد فإذن بعد البلوغ يصير الإبن مكلفاً بنفسه وبأبيه، إذن بعد البلوغ الإبن هو المكلّف وهو المطلوب منه الإحسان إلى والديه وليس العكس فهذا والأب على وجه الشفقة،الإحسان إلى الأبوين الأبناء هم مكلفون فيه على وجه التكليف والآباء إحسانهم على وجه الشفقة وليس على وجه التكليف. بعد البلوغ الأب ليس مكلفاً شرعاً بالإحسان إلى أبنائه والإنفاق عليهم وإنما الإبن هو مكلف شرعاً بالإحسان إلى والديه إذن الأثبت هو الحكم الشرعي (وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا) بالإسمية الدالّة على الثبوت ولكن بدافع الشفقة أما هذه بدافع التكليف الشرعي ربنا أجبره وكلّف به الفرد. (وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ) هذا بدافع الشفقة و (وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا) هذا بدافع التكليف لأن الإبن هو مكلّف بالإحسان إلى الأب. أصلاً المصاحبة ليست واحدة فلا يمكن أن يساوي بينهما، واحدة مصاحبة واجبة من الإبن لأبيه بدافع التكليف وواحدة بدافع الشفقة من الأب لابنه وليس مكلفاً شرعاً. * هل هناك لمسات أخرى في هذه الآية؟ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا) ما معنى شيئاً؟ شيئاً فيها احتمالان إما شيئاً من الجزاء معناه سيصير (شيئاً) مفعول مطلق لفعل (يجزي) يجزي شيئاً من الجزاء أنا لا أجزيك شيئاً من الجزاء، هذه يسمونها البعضية والكُلية: ضربته كل الضرب، ضربته بعض الضرب، يسير الضرب، شيئاً من الضرب هذه كلها مفعول مطلق. (شيئاً) فيها احتمالان إما لا يجزي شيئاً من الجزاء أو لا يجزي شيئاً من الأشياء الملموسة مثل (وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا (36) النساء) شيئاً فيها احتمالان وليست مثل (ولا يشرك به أحداً) أحداً يعني شخص. (شيئاً) فيها دلالتان إما شيئاً من الشرك لأن الشرك هو درجات هناك شرك أصغر وشرك أكبر أو شيئاً من الأشياء كل شيء سواء كان أحداً من الناس أو الأصنام أو غيره. إذن (لا تشركوا به شيئاً) فيها دلالتان: لا تشركوا به شيئاً من الشرك ولا شيئاً من الأشياء، لا شيئاً من الشرك بأن تستعين بغير الله فالشرك درجات كما أن الإيمان درجات ولا شيئاً من الأشياء. (شيئاً) إما لا شيئاً من الجزاء أو شيئاً من الأشياء مثلاً هو مدين لواحد أو تعدّى على واحد أو سبّ واحداً أو قذف واحداً هذا يتعلق بالأشخاص. اشتريت شيئاً من السوق (شيئاً هنا مفعول به)، (أنا لا أظلمك شيئاً من الظلم) يعني لا أظلمك ظلماً ولو كان قليلاً، كيف نعرب (ظلماً)؟ مفعول مطلق. لا أظلمك شيئاً إذا قصدت به شيئاً من الظلم فهو مفعول مطلق وإذا قصدت به شيئاً من الأشياء فهو مفعول به. بحسب ما يقصد من الكلام وهذا من باب التوسع في المعنى، هو لم يرد أن يحدد معنى واحداً ولو أراد لجاء بشيء يحدده لو قال شيئاً من الجزاء أو شيئاً من الأبناء لصار مفعول مطلق تحديداً هو أراد الإطلاق العام سواء في الجزاء أو في ما يجزى به من الأشياء. (شيئاً) نفهمها هنا للوالد والولد معاً. إذن يحتمل معنييان المصدرية والمفعول به وضربنا سابقاً مثلاً (فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (82) التوبة) وقلنا أنها تحتمل المصدر وتحتمل الظرف، وقتاً قليلاً أو ضحكاً قليلاً (بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (15) الفتح) هل قليل من الأمور أو قليل من الفقه؟ فِقهم قليل أو الأمور التي يفقهها قليلة؟ * أي المعنيين أفضل؟ أنت ماذا تريد؟ هل تريد الإطلاق؟ هل تريد كليهما أو تريد أن يخصص؟ إذا لم يوجد قرينة سياقية يجمع المعاني ويكون هناك توسع في المعنى ما لم يكن هناك قرينة تحدد أحدهما. (إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33)) لا تغرنّكم هذا نهي عن الإغترار بالحياة الدنيا. وأولاً هو نسب الغر للحياة الدنيا أصلها فلا تغتروا بالحياة الدنيا فكأن الحياة الدنيا والشيطان ينصبان الشَرَك لغرّ الإنسان، لو قال لا تغتروا فقط سيكون النهي متعلقاً بالإنسان. (لا) ناهية، هو ينهي الحياة الدنيا عن أن تغرّ الإنسان وينهي الشيطان عن غرّه والمعنى لا تغتروا لأن الحياة الدنيا تنصب لكم الشرك كأنما الحياة الدنيا والشيطان هما قائمان على نصب الشراك لإيقاع الإنسان بالعداوة. المعنى لا يغتر الإنسان بهذه الحياة لكن والصيغة نهى الحياة الدنيا عن أن لا تغر المسلم. الغرور هو الشيطان وما قال الشيطان، هنالك فرق بين الغُرور والغَرور، الغرور مصدر والغَرور صيغة مبالغة على وزن فعول أي كثير الغرّ للآخرين فهو لم يقل الشيطان لأن الشيطان أشهر من يغرّ الإنسان لكن كل من يغرّ يدخل في ذلك قد يغر شخصٌ شخصاً آخر فيخدعه ويغره فإذن اختار الغرور وليس الشيطان حتى يشمل ويعم كل من يغر شخصاً آخر، ونلاحظ أنه أكّد الفعلين بالنون (فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ) ، (وَلَا يَغُرَّنَّكُم) في خارج القرآن فلا تغرّكم أو تغرركم بفك الإدغام، هذه النون نون التوكيد الثقيلة مثل (ليسجنّنّ) والخفيفة مثل (وليكوننّ). المعنى أنه نهي مؤكد، لماذا نهي مؤكد؟ لأن الدنيا والشيطان يغرّان الإنسان قطعاً لا محالة إذن النهي ينبغي أن يكون مؤكداً فلما كان غرهما مؤكد ينبغي أن يكون النهي مؤكداً وقدم الحياة الدنيا على الشيطان لأنها مبتغى الإنسان الأول حتى لما يغرّه الشيطان يغرّه بالدنيا، هو يكدح من أجل الدنيا والشيطان قال (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى (120) طه) عموم ما في السعادة والراحة والدنيا، دنيا فقدمها لأنها مبتغى الإنسان والشيطان إذا أراد أن يغر الإنسان فبسببها. لم يقل لا تغرنكم الدنيا وإنما قال الحياة الدنيا لأن الحياة هي المطلب الأول. الوقفة كاملة |
| ٢٩٦ | برنامج لمسات بيانية قال تعالي في سورة الشعراء : { فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ } [ الشعراء : 38 ] . وقال في سورة الواقعة : { قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ [49] لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ [50]} [ الواقعة : 49 – 50 ] . سؤال : لماذا قال في الشعراء : { لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ } باللام , وقال في الواقعة : { إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ } بحرف الجر ( إلي ) ؟ الجواب : إن ( إلي ) تفيد انتهاء الغاية . وإن اللام قد تكون للتعليل , وذلك نحو قولهم : ( أعددتك لهذا اليوم ) , و ( كنت هيأتكم لهذا اليوم ) , وقد تكون للانتهاء بمعني ( إلي ) نحو : ( ذهبت لخالد ) أي : ( إلي خالد ) و ( كل يجري لأجل ) . والأظهر أن اللام في الشعراء تفيد التعليل , وليست للانتهاء ؛ ذلك أن معني الانتهاء أن جمع السحرة مستمر إلي ذلك اليوم , وليس الأمر كذلك , فإن السحرة جئ بهم وجمعوا قبل ذلك اليوم , وليس الجمع مستمرا إلي ذلك اليوم . وأما في سورة الواقعة فإن ( إلي ) تفيد الانتهاء , وذلك أن الأولين والآخرين يستمر جمعهم إلي ميقات ذلك اليوم , وهو يوم القيامة . ويصح أن يؤتي في يوم القيامة باللام علي إرادة التعليل , وأن يؤتي بـ ( إلي ) علي معني انتهاء الغاية . قال تعالي : { فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } [ آل عمران : 25 ] فجاء باللام . وقال : { قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيبَ فِيهِ } [ الجاثية : 26 ] فجاء بـ ( إلي ) . (أسئلة بيانية في القرآن الكريم الجزء الثاني الوقفة كاملة |
| ٢٩٧ | برنامج لمسات بيانية * (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) آل عمران) فيها قراءتان بالرفع والنصب فما الفرق؟(د.فاضل السامرائى) في آية واحدة قرئت قراءتين متواترتين (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) آل عمران) بتقديم خبر (كان) و(أن قالوا) إسمها مؤخر، والقراءة الثانية (وما كان قولُهم إلا أن قالوا) قولُهم إسم (كان) والمصدر المؤول خبرها، إذن من حيث اللغة ليس فيها إشكال ويبقى السؤال ما سبب الاختيار؟ أو لماذا قرئت مرتين؟ معناه أن هنالك معنى كل قراءة لها معنى، أما من حيث اللغة والنحو فليس فيها إشكال. نأخذ الأصل بالرفع يعني ما كان قولُهم إلا هذا وحتى يتضح الكلام نجعل (هذا) هي مكان (إلا أن قالوا). ما كان قولُهم بالرفع، (ما كان) يصير هذا خبر، إذن ما كان قولُهم إلا هذا القول لم يقولوا غيره في هذا المقام وهو مقام حرب وقتال (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) آل عمران) ما كان قولُهم إلا هذا القول يعني في هذا المكان لم يقولوا إلا هذا الشيء يطلبون المغفرة والتثبيت والنصر (ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) ما كان قولُهم (بالرفع) إلا هذا القول في هذا الموقف لم يقولوا غيره. أما بالنصب (قولَهم) تصبح ما كان هذا إلا قولَهم يقدّم الخبر، في الرفع ما كان قولُهم إلا هذا (هنا خبر) الآن نقدّم الخبر تصير ما كان هذا إلا قولَهم. نضع مكان (إلا أن قالوا) (هذا) حتى تتضح المسألة للسامع. أول مرة (ما كان قولُهم إلا هذا) يعني أنهم ما قالوا إلا هذا الكلام في هذا الموقف لم يقولوا غيره. الآن نقدّم الخبر، في النصب ما كان هذا إلا قولهم لم يقله أحد غيرهم، لم يقل هذا إلا هؤلاء لأن هذه الفئة المؤمنة. الآن صار عندنا معنيين: المعنى الأول أنهم لم يقولوا غير هذا القول وهذا المقال وهذا الدعاء في هذا الموقف والقول الآخر لم يقل هذا القول غيرهم، أنهم وحدهم هم الذين قالوا هذا القول فصار مدح في القول والأشخاص في القراءتين مدح القائل ومدح المقول. إذن باجتماع القراءتين المتواترين أصبح المدح للقائل والمقول وإثباتُها ما كان قولَهم. مثل ما أخي إلا هذا، ما هذا إلا أخي يعني ليس هو صديقي وإنما أخي، أما ما أخي إلا هذا يعني ليس عندي أخ إلا هذا، وهذه أيضاً فيها حصر. الوقفة كاملة |
| ٢٩٨ | برنامج لمسات بيانية قال تعالي في سورة الأنعام : { قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ } [ الأنعام : 90 ] . وقال في سورة يوسف : { وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } [ يوسف : 104 ] . سؤال : لماذا قال في الأنعام ( أجرا ) , وقال في يوسف : ( من أجر ) ؟ ولماذا قال في الأنعام ( ذكري ) , وقال في يوسف : ( ذكر ) ؟ الجواب : 1- ( الذكر ) أعم من ( الذكري ) , فإن ( الذكر ) يكون بمعني التذكير والموعظة , ويكون بمعني الحفظ للشئ , ويكون بمعني الشرف , وله معان أخري . اما ( الذكري) فإنها بمعني التذكير , فهي بعض معاني الذكر . ولما كان الذكر أعم ناسب ذلك قوله : ( من أجر ) بـ ( من ) الدالة علي الاستغراق والعموم والتوكيد . وناسبت الذكري قوله : ( أجرا ) الذي هو أقل عموما وتوكيدا من قوله : ( من اجر ) . 2- إن من معاني ( الذكر ) – كما ذكرنا – الحفظ للشئ - , وناسب ذلك ذكره بعد قصة يوسف ؛ الذي حفظه ربنا من كل كيد . ومن معانيه الشرف , والصيت , وناسب ذلك ذكره بعد قصة يوسف ؛ الذي اصبح له الشرف والصيت . 3- إن آية الأنعام واحدة في سياقها , وهي قوله سبحانه : { أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ } [ الأنعام : 90 ] . وبعدها أمر آخر , وذلك قوله : { وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ ....} [ الأنعام : 91 ] وما قبلها في الرسل الآخرين . أما السياق في يوسف , فهو سياق رسالة الاسلام , وهو أكثر إفاضة وتوسعا في سياقه . قال تعالي : { ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ [102] وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [103] وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ [104] وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ [105] وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ [106] أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ [107] قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [108]} [ يوسف : 102 – 108 ] . والتوسع في السياق والإفاضة فيه يدل علي الاهتمام به وتوكيده فناسب ذلك إدخال ( من ) الاستغراقيه ؛ للدلالة علي الشمول والاستغراق , وتوكيد ما دخلت عليه . وإضافة إلي هذا , إن قوله : { مِنْ أَجْرٍ } أكثر عددا في الحروف من قوله : ( أجرا ) فناسبت السعة السعة والايجاز الايجاز . فكانت المناسبة من أكثر من وجه . 4- قوله : { إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } يعني أنه تذكير لهم , وأنه حفظ لهم من الضياع والانحلال والانحطاط والهلاك , وأنه شرف لهم , فلا يحيون كحياة البهائم . وهذه المهمة شاقة علي رسول الله , وهي أشق من مجرد التذكير , فلربما ظن ظان أن ذلك يستدعي طلب الأجر علي هذه المهمة , فنفي ذلك علي سبيل الاستغراق , والتوكيد . وليس السياق كذلك في الأنعام , فإن الذكري إنما هي جزء من الذكر كما ذكرنا , فناسب كل تعبير موضعه . (أسئلة بيانية في القرآن الكريم الوقفة كاملة |
| ٢٩٩ | برنامج لمسات بيانية سؤال : ما الحكمة في اختلاف خواتيم الآيات من الآية الستين إلي الآية الرابعة والستين في سورة النمل ؟ الجواب : إن كل آية ختمت بما يناسب السياق : 1- قال تعالي : { أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ } [ النمل : 60 ] . ختم الآية بقوله : { بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ } . ومعني ( يعدلون ) : ينحرفون عن الحق ,ذلك أنهم يعلمون ما ورد في الآية , كما أخبر عنهم ربنا سبحانه , فقد قال عنهم : { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } [ لقمان : 25 ] . وقال : { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } [ العنكبوت : 63 ] . فلما كانوا يعلمون ذلك , ناسب أن يقول فيهم : إنهم قوم يعدلون , أي : ينحرفون عن الحق , وعن طريقه الواضح البين ؛ لأن من علم ذلك انبغي له أن يعبد الله وحده ويوحده . 2- وقال في الآية الحادية والستين : { أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } [ النمل : 61 ] . أي : بل أكثرهم لا يعلمون شيئا من الأشياء معتدا به لقلة من ينظر في دقائق هذه المصنوعات , ولا يعلمون كثيرا مما ذكر في الآية والحكمة منها , ولذلك لا يفهمون بطلان ما هم عليه من الشرك . ف فناسب أن يختم الآية بما ختم . 3- وقال في الاية الثانية والستين : { أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } [ النمل : 62 ] . فهم إذا وقعوا في مأزق عظيم وانقطعت بهم السبل , لجؤوا إلي ربهم , وحتي إذا أنجاهم نسوا ربهم , وعادوا إلي ما هم عليه , كما أخبر عنهم سبحانه بقوله : { قُلْ أَرَأَيْتَكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [40] بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ [41]} [ الانعام : 40 – 41 ] . وقوله : { وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ } [ الزمر : 8 ] . فكأنهم نسوا ما كانوا فيه من الحاجة إلي ربهم , والناسي به حاجة إلي التذكير والتذكر , فقال لهم : { قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } . 4- قال تعالي : { أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ النمل : 63 ] . ذكر أولا صفات هؤلاء القوم بأنهم قوم يعدلون , بل أكثرهم لا يعلمون , وقليلا ما يتذكرون , ثم ذكر بعد ذلك تنزيهه سبحانه وعلوه عما يشركون , فالآيات السابقة في صفات أولئك المخلوقين المشركين وانحرافهم وجهلهم , وقلة تذكرهم . وذكر في هذه الآية تنزيهه سبحانه عن شركهم . 5- وقال تعالي : { أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } [ النمل : 64 ] . فبدأ بسؤال ينكرونه , وهو الحياة بعد الموت , ثم طلب منهم البرهان علي معتقداتهم وشركهم , بعد كل ما ذكر , وبعد ما ألزمهم الحجة , فقد قال لهم بعد كل تقرير : { أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ } وهم يقولون في أنفسهم أو بألسنتهم : نعم . فقال لهم : { هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } . فقد ذكرنا البراهين والدلالة علي التوحيد وبطلان الشرك , فهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين . فكان ذلك أنسب شئ وألزمه للحجة . الوقفة كاملة |
| ٣٠٠ | برنامج لمسات بيانية قال تعالي : { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ } [ آل عمران : 14 ] . سؤال : إن الآية ذكرت الرجال ولم تذكر النساء , فقد جاء فيها : { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء } , ولم تذكر حب الشهوات للرجال من النساء , فلم ذلك ؟ الجواب : من أوجه : الأول : أن ربنا قال : { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ } , ولم يقل : ( زين للرجال ) , والناس يدخل فيهم الرجال والنساء . الثاني : أنه عندما ذكر البنين ألمح إلي رغبة النساء في ذلك , فإنهن يرغبن في البنين , كما يرغب الرجال , ويحملنهم في أحشائهن , ولكنه لم يشأ أن يخدش حياءهن , فيذكر حبهن للرجال . ثم إن الرجال قد يجهرون بذلك , ويسعون في هذا الأمر , وينفقون الأموال في ذلك , فصرح بذكرهم , وألمح في هذا المعني إلي النساء , ولا يحسن أن يقال فيهن كما يقال في الرجال . الثالث : أنه ذكر القناطير المقنطرة من الذهب والفضة , والنساء لا يختلفن عن الرجال في حبهن لذلك , بل ربما يفقنهم فيه . فشملت الآية عموم الناس . الوقفة كاملة |
إظهار النتائج من 291 إلى 300 من إجمالي 396 نتيجة.