أسرار بلاغية

٢٨١ برنامج لمسات بيانية *(سبّح لله) بصيغة الماضي وفي بعض السور (يسبح) بصيغة المضارع فهل هذا مقصود بذاته؟ نلاحظ أنه كل سورة تبدأ بـ (سبّح) بالفعل الماصي لا بد أن يجري فيها ذكر للقتال في كل القرآن أي سورة تبدأ بـ (سبّح) فيها ذكر للقتال والمبدوءة بـ (يسبح) ليس فيها ذكر للقتال أبداً. سورة الصف (4) كل التي تبدأ بـ (سبّح) لا بد أن يجري فيها ذكر القتال. في سورة الحديد (10) ليس هنالك سورة في القرآن تبدأ بـ (سبح) إلا ويجري فيها ذكر للقتال وليس هنالك سورة في القرآن تبدأ بـ (يسبح) إلا لم يذكر فيها القتال. هذا توجيه للناس في الحاضر والمستقبل أن يتركوا القتال، أن لا يقاتلوا، الذي جرى جرى في تاريخ البشرية والله تعالى حكيم فعل ما فعل ودعا الناس يفعلون ما يشاؤون، هو التوجيه للخلق، للعقلاء، للناس، للمسلمين أنه في الحال والاستقبال عليهم أن يتركوا القتال ويعيشوا حياتهم، ينصرفوا إلى التعاون وما هو أنفع وما هو أجدى وما هو خير. هو توجيه لما يقول (يسبح) المضارع يدل على الحال والاستقبال لم يذكر القتال وكأنما هو توجيه - والله أعلم - للخلق في حاضرهم ومستقبلهم أن يتركوا القتال، أن لا يتقاتلوا فيما بينهم، أن يتفاهموا، أن يتحاوروا، أن يتحادثوا، أن تكون صدورهم رحبة، هذا أنفع لهم من القتال، الماضي ماضي ذهب لكن (يسبح) كأنه توجيه لعباده. الرابط بين القتال والتسبيح: التنزيه عما لا يليق والقتال لا يليق كما قالت الملائكة (قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (30) البقرة). * ما دلالة استعمال (ما) في قوله تعالى (يسبح لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ (1)) في سورة الجمعة؟(د.فاضل السامرائى) توجد ظاهرة في آيات التسبيح في القرآن كله. إذا كرّر (ما) فالكلام بعدها يكون على أهل الأرض. وإذا لم يكرر (ما) فالكلام ليس على أهل الآرض وإنما على شيء آخر.في سورة الحشر وكذلك في سورة الصفّ وفي سورة الجمعة (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2)) وفي سورة التغابن. هذه قاعدة عامة في القرآن والتعبير القرآني مقصود قصداً فنياً. وهذا في مقام التسبيح ولم أتحقق من هذه القاعدة في غير مقام. *لماذا قدم السموات على الأرض؟(د.فاضل السامرائى) أولاً من الذين كان يسبح سابقاً أهل السماء أو أهل الأرض؟ أهل السماء لأن أهل الأرض لم يكونوا موجودين أصلاً، قبل أن خلق آدم فبدأ بمن هو أسبق تسبيحاً، بمن هو أدوم تسبيحاً (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20) الأنبياء) (فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (38) فصلت) فبدأ بأهل السماء لأنهم أسبق في التسبيح قبل خلق آدم ولأنهم أدوم تسبيحاً، أدوم في هذه العبادة. * في الجمعة (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1)) عندما يبدأ بـ سبح دائماً تنتهي بقوله العزيز الحكيم، ولما يأتي بصيغة الفعل المضارع (يسبح لله) تغيرت فصارت (الملك القدوس) في سورة الجمعة وفي التغابن (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)) تغيرت نهاية الاية ، ما الفرق ؟(د.فاضل السامرائى) ربنا يقول في آيات عدة في سور (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) التسبيح هو التنزيه، هل المستضعف هو الذي يحتاج إلى التنزيه أو العزيز؟، الحكيم من الحُكم هو الذي يحتاج إلى التنزيه والحكيم من الحكمة أم الخالي من الحكمة والحكم؟ إذن التسبيح أولى بالعزيز وبالحكيم بمعنييها الحكمة والحكم. في الجمعة (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1)) ما هو القدوس؟ القدوس هو البالغ في التنزيه، في النزاهة وهو الكامل في صفاته كلها، هذا القدوس، البالغ في النزاهة. هذا المبالغة مع الكمال في الصفات الأخرى. المَلِك يحتاج إلى التنزيه أكثر، كلما علت منزلته يحتاج إلى تنزيه، العزيز ليس بالضرورة أن يكون ملكاً. ليس كل عزيز ملك، إذن الملك هو أعلى الأعزة وهو حتى يكون في تمام الثناء يحتاج أن يكون في أعلى التنزيه. لما ذكر الملِك ذكر القدوس. الوقفة كاملة
٢٨٢ برنامج لمسات بيانية آية (2): * على ماذا يعود الضمير في ترونها في آية سورة الرعد (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا)؟(د.فاضل السامرائى) القدامى جعلوا فيها احتمالين: 1. قالوا أنه يجوز أن تعود على العمد بمعنى (بغير عمد مرئية) . 2. ويجوز أن تعود على السماء بمعنى رفع السموات بغير عمد وهاأنتم ترونها مرفوعة بغير عمد. فمن حيث التعبير يحتمل الاثنين وهذا جائز من حيث اللغة والفرّاء كان من اللغويين وليس من المفسرين ومع هذا وضع الاحتمالين فهي تجوز نحوياً وتُسمّى بالتعبيرات الاحتمالية وقد يكون هناك غرض للاحتمال كما هناك غرض للتحديد. نأتي الآن إلى الناحية العلمية ونسأل هل هناك عمد غير مرئية كالجاذبية أو غيرها؟ أو هناك أمور أخرى يمكن أن يذكرها لنا العلماء؟ أنا شخصياً لا أفضّل رأياً على رأي إلا بعد أن يقول العلماء كلمتهم ويقطع العلم بأحد الشيئين فالآية تحتمل المعنيين فإذا قطع العلم بأحدهما آخذ به. والله تعالى أعلم إن كان هناك عمد غير مرئية فهو سبحانه يفعل ما يشاء (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ(65))الحج. وقد يضع أسباباً في خلقه وإذا أراد خلق السبب وقد يكون أمسكها بدون عمد والله أعلم. * في سورة الرعد (اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا (2)) بعض النحويين قالوا أن الجملة (بغير عمد) في محل رفع حال، حال السموات بمعنى أن السموات بغير عند. بعض المفسرين قالوا أنها بغير عمد وبعضهم قال أن فيها عمد لكن لا نراها فما هو الرأي البياني واللغوي في هذه الآية الكريمة؟(د.فاضل السامرائى) هذا تعبير احتمالي. *يعني مرفوعة بعمد لا نرى العمد أم نراها بلا عمد؟ القدامى قبل أكثر من ألف سنة بحثوها، تكلموا فيها من حيث اللغة. يقولون هذه الآية تحتمل معنيين أنه رفع السموات بغير عمد وهاأنتم ترونها استئناف. والاحتمال الثاني بعمد غير مرئية، أنتم لا ترون العمد. *لكنه قال (بغير عمد) كان يمكن أن يقول بعمد لا ترونها، ينفي رؤية العمد؟ بغير عمد ترونها يعني بغير عمد مرئية . *أنا أفهم منها مرئية بغير عمد يعني ليس لها عمد! بعمد غير مرئية، بغير عمد مرئية. *(بغير) هي ملتصقة بعمد فنفت الأعمدة أصلاً؟ نفت الأعمدة المرئية. *إذن هناك أعمدة غير مرئية. يعني نفت الأعمدة المرئية ولكن لم ينف الأعمدة غير المرئية يعني ربما يكون هناك عمد غير مرئية؟ هذا التعبير فيه احتمالان، هذا قبل ألف سنة. *الذين يتكلمون في الإعجاز العلمي الآن يقولون هنالك عمد! إذن تدخل فيها *لكن مسألة ايهما أدل على طلاقة القدرة الإلهية أن تكون بعمد أو بغير عمد؟ ربنا أعرف بهذه المسائل، هو يضع الأسباب والمسببات ويضع النواميس، وهو واضعها كلها. *إذن تحتمل وليست هناك قرينة سياقية تحدد؟ لا، هذا تعبير احتمالي كما قرره العلماء من قديم، يحتمل أنها بغير عمد و(ترونها) استئناف، هاأنتم ترونها بغير عمد أو بغير عمد مرئية، نفى العمد المرئية. *هو قال ترونها! بغير عمد ترونها يعني بغير عمد مرئية ممكن يراها غيرك وأنت لا تراها *إذا قلت مثلاً دخل زيد بكتاب ودخل زيد بغير كتاب؟ هذه غير، *إذا قلت دخل زيد بغير كتاب تراه، أنا أرى زيداً لكن بدون كتاب ؟ لكن قد يكون الكتاب مخبأ، لماذا قلت (تراه)؟ *هل وجود غير قبل كتاب أو غير قبل (عمد) لا ينفي وجود العمد؟ هي موصوفة، العمد مقيدة هنا، لم يقل بغير عمد، (بغير عمد) مطلقة. (بغير عمد ترونها) الآن قيدت على المعنى الثاني، أنتم لا ترونها كما ذكرت الآن دخل خالد بغير كتاب تراه. *يعني أنا أراه بغير كتاب. أنت تراه لكن هو قد يكون عنده كتاب، أنت نفيت رؤية الكتاب يمكن هو وضع الكتاب في مكان آخر. *أنا نفيت رؤية الكتاب؟ ما قلت بغير كتاب، إذا قلت بغير كتاب. *يعني لا ظاهر ولا باطن؟ لكن إذا قلت بغير كتاب أراه. *ممكن يكون هناك كتاب لكنه موارى إذا كان الوصف هنا ينطبق على كتاب. هي أصلاً تحتمل أن (ترونها) تعود على السموات وتحتمل أنها تعود على العمد! ومن هنا جاء الاحتمال أصلاً. *أليس هناك قرينة سياقية تحدد معنى معيناً؟ لو كان هناك قرينة لما صار هناك اختلاف أصلاً. *إلى ماذا تميل حضرتك؟ كأنما هي بغير عمد لكن إذا ثبت أن هناك عمد فالنص يحتمل وليس فيه إشكال. *قال تعالى في سورة لقمان (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) وفي سورة الرعد قال (اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) فما الفرق بين رفع وخلق؟(د.فاضل السامرائى) كل تعبير مناسب لمكانه لو نظرنا في الرعد قال (المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ (1) اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2)) لما قال (وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ) الإنزال إنما يكون من فوق أي من مكان مرتفع فناسبها رفع السموات. ثم استوى على العرش (اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) العرش فوق السموات إذن رفع السموات حتى تكون مرتفعة. ثم قال (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) وهي من الأجرام السمواية وهي مرتفعة إذن يناسب رفع السموات. أما في لقمان فليس فيها شيء من ذلك بعد هذه الآية في لقمان قال (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ (11)) خلق الله مناسب لخلق السموات (خلق السموات) (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ). إذن السياق في الرعد يناسبه رفع السموات والسياق في لقمان يناسبه خلق السموات وبعدها (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ) فكل تعبير في مكانه. الوقفة كاملة
٢٨٣ برنامج لمسات بيانية فى معظم القرآن يجمع (هدى) مع (على) (أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) البقرة) أما مع الضلال فيذكر (في) فما دلالة هذا؟ دائماً (على) تأتي مع الهدى و(في) تأتي مع الضلال فما اللمسة البيانية في هذا؟ (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (24) سبأ) (فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45) التوبة). (على) مقصود بها الاستعلاء، و (في) للظرفية. (على الهدى) يعني متمكن مبصر لما حوله، في الطريق متثبت، ثابت عليه، (في) معناه ساقط فيه، لما يقول (فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11) يونس) أي ساقطون (فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ (71) طه) يثبتهم فيها يجعلها قبوراً لهم. (في) تفيد الظرفية في الأصل لما يقول (فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11) يونس) (فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) يعني ساقطين في اللجة، ساقطين فيها والساقط في الشيء ليس كالمستعلي، ولذلك هو يستعمل (في) مع الريب والشك والطغيان والضلال. * لكن هذه الأحرف قد يتعاور بعضها مكان البعض؟ قسم يذهب إلى أنه يتعاور وقسم يقول قد تكون للتضمين أحياناً . * ما معنى التضمين؟ تضمن فعل معنى فعل آخر يصل بهذا الحرف فيكون له معنيان مثل (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) النور) ما قال يخالفون أمره معناها يبتعدون ينحرفون فحذرنا من الابتعاد وليس المخالفة كلها، يخالفون هنا ضمّنها معنى فعل ثاني يبتعدون، لو قال يخالفون أمرنا يعني يخالفونه كله. هو حذرنا من الابتعاد فقط وليس من المخالفة. إذا خالفها كلها، هذا أمر فظيع! هو حذرنا من مجرد الابتعاد. مسألة التضمين فيها رسالة، التضمين في القرآن له رسالة. الوقفة كاملة
٢٨٤ برنامج لمسات بيانية (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا (26) البقرة) ما معنى فما فوقها؟ هل هو بمعنى دونها؟ كلمة فوق قد تستعمل للزيادة في الحجم أكبر منها أو الزيادة في الوصف لما تقول هو حقير وفوق الحقير يعني هذا دون هذا، فوق الحقير هو دون الحقير. إذن (فوق) فيها أمرين في الوصف إذا قلنا فوق سيصبح ترقي إلى أسفل وإذا في المدح سيكون أعلى هو كريم فوق الكريم والخسيس فوق الخسيس. إذن فوقها جمعت أمرين متناقضين تماماً لما قال (فما فوقها) سواء كان في حجمها أو في صفاتها، الآن جمع أمرين سواء في الحجم ضرب مثلاً في العنكبوت (كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ (41) العنكبوت) والذباب (وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا (73) الحج) لا يستحي، وما فوقها بمعنى ما دونها في الصفات. إذن فما فوقها جمعت أمرين لو قال فما دونها لا تجمع الأمرين. نقول هو لئيم وفوق اللئيم أي أسوأ منه.إذن فما فوقها في الصفات وفي الكبر والحجم. استطراد من المقدم: كيف نفهم فما؟ (فما) بمعنى الذي فوقها ولا يفهم منها أن ما دونها غير مخصوص بالكلام. فما فوقها تجمع أمرين وأصلاً فوق في اللغة تأتي بهذين المعنيين وهي ظرف. الوقفة كاملة
٢٨٥ برنامج لمسات بيانية آية (35): * (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ (35)) على من يعود هذا الكلام؟ قيل إن هذا الكلام من قوم نوح هم الذين قالوا فتراه يعني افترى الوحي على الله كل هذا افتراه على الله، وقيل هذا كلام قريش معترض بين القصة، كلام قريش لسيدنا محمد جملة معترضة بين القصة، أثناء القصة التفت للمسألة قال (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) وفي آخر القصة ذكر (تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا (49) هود) في أثناء القصة إلتفت لهم. * (قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي) وكأن هذا رد سيدنا محمد على قومه وهو ينبئهم عن قصة سيدنا نوح؟ منطوق الآية يصلح لكل رسول، كل رسول كذبه قومه ورموه بالافتراء لماذا كذبوه قالوا يفتري على الله، يعني لماذا كذب الرسل هو ليس مرسل معناه أنه افترى على الله فإذن منطوق الآية يصلح لكل رسول كذبه قومه والرد يصلح لكل من قال ذلك، عموم لأصحاب الرسالات، لو قيل لسيدنا محمد فسيكون هذا الرد عليه. * لكن الموقف أو الموقع من آيات سيدنا نوح ربما يحتاج إلى نظر لأنه حينما أقرأها وأنا أحفظها أتصور أن هذا كلام سيدنا نوح! لذلك هم قالوا، قسم ذهب إلى أن هذا في سياق قصة سيدنا نوح رموه بالافتراء فقال هذا الأمر وقسم قال هي معترضة وتصلح للجميع. * عندما يقول (فَعَلَيَّ إِجْرَامِي) أي إجرام يقصد؟ الافتراء، لو افترى على الله أليس هذا إجراماً؟ (قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي) الذي افترى على الله مجرم فعليه إثم ذلك، (فَعَلَيَّ إِجْرَامِي) يعني عليّ إثم الافتراء ، يفتري على الله الكذب. * هنا قال (قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ) لماذا لم يقل مثلاً من إجرامكم كما قال عليّ إجرامي؟ لماذا جاءت هكذا؟ هم اختلفوا في معنى هذا التعبير. قسم قال أنا إن افتريته عليّ إثم ذلك وأنتم عليكم ما ترتكبون من الآثام والإجرام (وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ) لي عملي ولكم عملكم. أنا بريء مما تعملون وأنتم بريئون مما أعمل ، قسم ذهب إلى هذا، كل واحد يتحمل نتيجة عمله إن أجرم فهو عليه الإثم إن افتريته فعلي إجرامي وأنتم أيضاً تتحملون إجرامكم. هذا الظاهر في معنى التعبير هذا. قسم ذكر ذكره مع الآخر يحتمل، قال لهم إن افتريته فعلي إجرامي لكن أنا بريء مما تدّعون ومما تجرمون في حقي، أنا بريء، وأنتم تجرمون في حقي تنسبون إليّ الافتراء، الآية تحتمل معنيين، أنا بريء مما تنسبون إليّ. * أي المعنيين ترجح؟ كلاهما. لكن يبقى السؤال لماذا قال (قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ) وليس إجرامكم. هم رموه بأمر واحد وهو الافتراء على الله، هذا إجرام. لكنهم هم مستمرون في الإجرام ليس إجراماً واحداً وإنما هم مليئون بالإجرام ليس أمراً واحداً، ولو قال أنا بريء من إجرامكم يعني أمر واحد، هم مستمرون في الكفر والتكذيب وما إلى ذلك . * ولهذا جاء بها بصيغة الفعل وليس إجرامي بالإسمية وتجرمون بالفعلية؟ أنتم رميتوني بأمر واحد، وأنا بريء مما تجرمون، هي ليست مسألة واحدة وإنما هي أمور كثيرة فلا يمكن أن يقول من إجرامكم. * ما الفرق بين الآيتين (قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) سبأ) و (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ (35) هود)؟ وما دلالة نسب الإجرام للمؤمنين والعمل لغير المؤمنين؟ (د.فاضل السامرائى) آية سبأ (قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25)) هي في سياق الدعوة والتبليغ والمحاجّة وهذا من باب الإنصاف في الكلام حتى يستميلهم يقول نحن لا نُسأل عما أجرمنا إذا كنا مجرمين كما لا تُسألون أنتم عن إجرامنا إذا كنا كذلك. أراد أن يستميل قلوبهم فقال (عما تعلمون) هذا يسموه من باب الإنصاف في الدعوة، غاية الإنصاف لا يريد أن يثيره خاصة في باب التبليغ يريد أن يفتح قلبه بالقبول وإذا قال تجرمون معناه أغلق باب التبليغ. وقال قبلها (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (24)) هذا في باب الدعوة وفي باب التبليغ يجعله في باب الإنصاف في الكلام حتى لا يغلق الباب وهذا غاية الإنصاف. لأن السياق في سورة سبأ هو في سياق الدعوة (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ (22)) (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ (24)) (قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26)) يريد أن يستميل قلوبهم وألا يغلق الباب فقال لهم كذلك. في حين في آية سورة هود (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ (35) هود) هذه في قصة سيدنا نوح  (قل إن افتريته فعلي إجرامي) لأن الذي يفتري على الله تعالى مجرم (قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ) إذا أنتم نسبتم إليّ الافتراء ولست كذلك أنتم مجرمون بحقي إذا نسبتم الإفتراء إليّ أني أفتري على الله وأنا لست كذلك فأنتم مجرمون بحقي إذن وإن افتريته فأنا مجرم (فعلي إجرامي) وإن لم أكن كذلك فأنتم نسبتم الافتراء إليّ وأنا بريء من ذلك فأنتم إذن مجرمون بحقي. المقصود بتجرمون نسبة الافتراء إلى نبي الله هذا هو إجرام القوم في حقه، هذا أمر. والأمر الآخر قال (فعلي إجرامي) واحد وقال (تجرمون) جمع كثير وفيه استمرار لأنهم هم نسبوا إليه أمراً واحداً (افتريته) افترى الرسالة، افترى الكلام (فعلي إجرامي) لكن هم مستمرون إجرامهم كثير مستمر هذا قيل في باب غلق الدعوة لما قال له ربه تعالى (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (36) هود) هنا مفاصلة وليس كتلك الآية السياق الذي فيها محاجّة يأمل أنهم يعودوا فيستميل قلوبهم، هذا انغلق هنا (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ) انتهت المسألة وصارت مفاصلة لأنه غلق باب الدعوة والتبليغ. (مما تجرمون) أي الإجرام المستمر من السابق وإلى الآن فتبقوا مجرمين إلى أن يهلككم ربكم لذا قال (تجرمون) ولم يقل من إجرامكم لأنه ليس إجراماً واحداً. ما يفعلونه من المعاصي هو إجرام مستمر لكن كلام نوح  كان منصباً على الافتراء (إن افتريته). الواو في قوله تعالى (وأنا بريء) هي عطف جملة على جملة. مع الرسول  قال (عما أجرمنا) هذا من باب الإنصاف كما أنت تتكلم مع شخص لا تريد أن تثيره فتقول: قد علِم الله الصادق مني ومنك وإن أحدنا لكاذب، هذا غاية الإنصاف لا تقول له أنت كاذب.الرسول  يريد أن يفتح القلوب ويستميلها لا أن يغلقها هذا يسمى غاية الإنصاف في الكلام. الوقفة كاملة
٢٨٦ برنامج لمسات بيانية آية (38): * تستمر القصة في الإخبار (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) هود) هنا قال (ويصنع) جاء الفعل بصيغة المضارع مع أن الفعل حدث في الماضي فلماذا؟ نحن في أكثر من مناسبة سابقة ذكرنا أن هذا يسمى حكاية الحال، يعني تذكر أمراً ماضياً تذكره بالفعل المضارع تنقله إلى المشاهدين كأنما هو الآن، (قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاء اللّهِ مِن قَبْلُ (91) البقرة) وهم قتلوهم. ويذكر في السيرة لأن الأمر المهم يؤتى به بالفعل المضارع. * مع أنه يتغير الفعل بعدها مباشرة (وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ) مر بالماضي وليس يمر بالمضارع كما قال (يصنع)؟ الآن يذكر الصنع لأنه هو مستمر بالصنع. حتى قسم قال التقدير أنه أخذ يصنع الفلك أو طفق يصنع الفلك هكذا يقدر قسم لكن عدم التقدير أولى، لماذا؟ لأنه لو قدرت أخذ يصنع الفلك ستحيله إلى بداية العمل (وَاصْنَعِ الْفُلْك) الآن أحاله إلى العمل المستمر وليس إلى ذات العمل . *(وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ) قال مر عليه وليس مر به مع أن القرآن الكريم يستخدم (مر به) (وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) المطففين) فلماذا يأتي بحرف الجر على مع الفعل مرّ؟ هل هي مر به أو مر على؟ هذا الكلام يدل على أن سيدنا نوح لا يصنع في طريق المارة وإنما في مكان متنحي أخفض من المكان. مر على (على) للاستعلاء، هم يمرون من علو وهو متنح عنهم في مكان وهم يمرون عليه وهو يصنع وليس في الطريق (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ (137) الصافات). بينما (وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ) هم في مستوى مرور واحد. * (وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِه) ما هو جواب (كلما)؟ قالوا يحتمل كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه، كلما مر ملأ سخروا منه، (قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ) هذه جملة استئنافية ، قسم ذهب أنه كل ما مر عليه ملأ سخروا منه. والقسم الثاني كلما مر عليه من قومه سخروا منه - قال، يعني لما مر عليه ملأ من قومه ساخر قال إن تسخروا منا. * يعني جواب كلما يمكن أن تكون سخروا منه ويمكن أن تكون قال إن تسخروا منا؟ لكن المعنى سيتغير لأن الدلالة كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه يعني ملأ يسخر منه لكنه ليس بالضرورة أنه يرد على كل ساخر، ليس بالضرورة، أحياناً يتركهم وأحياناً يرد والجملة (قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ) استئنافية. والأخرى كلما مر عليه ملأ ساخر قال (قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ) هو لا يترك ساخراً إلا ويرد عليه. يرد على كل واحد يسخر منه لكن ليس بالضرورة أن كلما مر ملأ يسخر منه. * حضرتك تميل إلى أيها؟ ربنا لو أراد أن يعين الجواب بالتحديد لقال كلما مر عليه ملأ من قومه يسخرون منه قال (إن تسخروا منا) لكن هذا التعبير يحتمل الأمرين، لماذا هذا الشيء؟ هو أراد أمراً أنه لا يمر ملأ إلا سخر ولا يترك ساخراً إلا رد عليه وهذا لا يحتمل إلا هذا التعبير. * جمع الإثنين بهذا التركيب؟ لا يمر عليه ملأ إلا سخر منه. * لو قال كلما مر عليه ملأ يسخرون منه؟ ربما يكون هناك ملأ غير ساخر لكن التعبير يجمع الإثنين. * كل ملأ مر عليه لا بد أن يسخر منه ؟ وهو لا بد أن يجيب. لا يترك ساخراً إلا ورد عليه. * يعني عموم مرور الملأ والسخرية وعموم الرد منه على كل ساخر؟ هذه التعبير يجمعها لو غير أي شيء أو جاء بتعبير يعين لا يجمع المعنيين والاثنان مقصودان. * هل بنفس المنطق (وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ) هل كان يمر عليه ملأ من غير قومه؟ هو مرسل إلى قومه (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ (25) هود). * في قوله تعالى (قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ) إن تسخروا جاء بصيغة المضارع مع أن الفعل حدث بالماضي حتى أنه قال (سخروا منه)؟ هو قال (كلما) إذن معناه أنه لما قال (كلما) تفيد الاستمرار والدوام. قال إن تسخروا منا معناها دوام السخرية والاستهزاء وليس إن سخرتم، دوام السخرية والاستهزاء دائمون عليها. * قال (قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا) مع أن قبلها قال (سَخِرُواْ مِنْهُ) لماذا لم يقل إن تسخروا مني؟ هم كانوا إذا رأوه سخروا منه وإذا رأوا المؤمنين سخروا منهم سخروا من الجانبين فهو يرد على الكل . * (فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ) لو قلنا أنها بصيغة المضارع لماذا لم يقل في المستقبل سنسخر منكم باعتبار أن الشيء سيحدث في المستقبل؟ نسخر فعل مضارع يدل على الحال والاستقبال, محتمل أن المؤمنين يسخرون من الكافرين في الحال لأنهم لا يعلمون ماذا سيحيق بهم، هؤلاء يسخرون ولا يعلمون ماذا سيحيق بهم فهؤلاء أولى بالسخرية، ترى واحد يلعب ويلهو وأنت تعلم ما سيحيق به وهو لاهٍ عابث لا يعلم فهؤلاء يستحقون السخرية فهم يسخرون منهم الآن ويسخرون منهم في المستقبل ويسخرون منهم في جهنم. * من آمن بنوح كانوا يعلمون أن الكافرين سيغرقون؟ نعم نوح بلّغهم. * ولهذا قال فإنا نسخر وليس سنسخر؟ يسخرون منهم الآن وعندما يغرقون وفي جهنم. * في المراحل كلها ولو قال سنسخر يخلصه للإستقبال؟ للإستقبال. *ما هو الفرق بين استهزأ بـ وسخر من؟ (د.فاضل السامرائى) هنالك أمران في اللغة يذكران في الاستعمال القرآني: أولاً الاستهزاء عام سواء تستهزئ بالأشخاص وبغير الأشخاص (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا (58) المائدة) الصلاة ليست شخصاً وإنما أقاويل وأفاعيل (وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا (9) الجاثية) (وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُوًا (231) البقرة) (قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ (65) التوبة) إذن الاستهزاء عام في الأشخاص وفي غير الأشخاص أما السخرية ففي الأشخاص تحديداً لم ترد في القرآن إلا في الأشخاص (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) هود). إذن الاستهزاء عام ومعنى الاستهزاء هو السخرية هم يقولون المزح في خفية وهو جانب من السخرية. الاستهزاء أعم من السخرية والسخرية خاصة بالأشخاص ولم ترد في القرآن إلا للأشخاص أما الاستهزاء فعامّ ورد في الأشخاص وغير الأشخاص (قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ (65) التوبة) الرسول شخص (وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا (9) الجاثية) ليس شخصاً. هذا أمر أن الاستهزاء عام في الأشخاص وغير الأشخاص والسخرية خاصة في الأشخاص خاصة في القرآن والأمر الآخر السخرية لم ترد إلا من فعل يفعله الشخص أما الاستهزاء فقد يستهزأ به من غير فعل. السخرية أنت تسخر منه وهو يفعل الفعل هذا أما الاستهزاء فليس كذلك. مثلاً نوح وهو يصنع الفلك هذا عمل (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) هود) هذا فعل وهم سخروا من فعل يفعله، (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ (79) التوبة) هذا فعل. الوقفة كاملة
٢٨٧ برنامج لمسات بيانية ية (39) : * (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ (39)) ما (مَنْ) هذه؟ كيف نفهمها في سياق الآية الكريمة؟ الآية الكريمة (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ)، (مَنْ) تحتمل أن تكون إسماً موصولاً بمعنى (الذي) وتحتمل أن تكون إسم استفهام سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخيزه يعني من الذي يأتيه عذاب يخزيه؟ الجملة ستكون معلقة كما يسمونه في باب النحو. (الذي) مفعول به لفعل (تعلمون) وإذا كانت استفهامية تصير الجملة مبتدأ وخبر (من) مبتدأ ويأتيه عذاب يخزيه خبر والجملة كلها مفعول به لـ(تعلمون) الإعراب اختلف والدلالة اختلفت. * حضرتك تميل إلى أيها؟ موصولة أم استفهامية ؟ هو لو أراد أن يعيّنه بمعنى واحد لقال (الذي) بدل (من) تعينت الموصولة. أو لو أراد أن يعين الاستفهام يقول من الذي فيتعين الاستفهام، لكن هكذا جعلها تحتمل المعنيين الاستفهامية والموصولة . * ماذا يسمى هذا في النحو إذا كانت موصولة أو استفهامية؟ هل له باب معين في النحو؟ هذا من باب الجمل الاحتمالية التي تحتمل أكثر من دلالة، أنت إذا قلت لأحد "ما بك داء" ماذا يفهم منها؟ * ليس بك داء؟ ليس بالضرورة، الذي بك داء، لو أردت النفي قطعاً أقول "ما بك من داء"، تحددت وخلصت للنفي جاءت (من) الاستغراقية فحددتها، "ما بك داء" تحتمل، ليس بالضرورة استفهامية وموصولة ، نافية وموصولة ، (ما عندك من علم) هذه نافية إلا إذا أردت أن تجعل أداة الاستفهام محذوفة، يمكن جعلها استفهامية ما عندك من علم؟ ما عندك علم؟ جائز حذف أداة الاستفهام وهذا الحذف موجود في القرآن مثل (إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113) قَالَ نَعَمْ (114) الأعراف) وفي آية أخرى (أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) الشعراء) حسب السياق وأحياناً يراد الاحتمال لأنه يؤدي أكثر من معنى وأحياناً يراد الابهام والبلاغة أحياناً تكون في الإبهام. * ربما يذهب العقل للإيضاح وفكرة الإيضاح دائماً ! الإيضاح في مكانه (فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78) طه) ما الذي غشيهم؟ أمر عظيم. لما يقال "ليت عينيه سواء" ما المراد بها؟ هل هي دعاء له أو عليه؟ يحتمل هذا وذاك. * (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ) لماذا يتغير الفعل في البداية (يأتيه) و(يحل) وربما يكون الإثنان بمعنى؟ عذاب يخزيه هذا عذاب الدنيا يعني الغرق وما إلى ذلك، ويحل عليه عذاب مقيم هذا في الآخرة مقيم ثابت والدنيا انتهت (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا (25) نوح) أُغرقوا في الدنيا وأُدخلوا ناراً في الآخرة. يخزيه معناه يفضحه ويذله، هذا في الدنيا، لما يقول (يأتيه) في عذاب الدنيا قال يأتيه والإتيان لا يستلزم الثبات قد يأتي ويذهب ليس بالضرورة أن الإتيان يبقى ملازماً بينما الحلول هو الثبات والدوام. فإذن قال (وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ) يعني العذاب لا يتحول عنه وهو عذاب الآخرة قال يحل لأن هذا يجب وحتى لا ينصرف الذهن أنه قد يذهب، لو قال يأتي يمكن أن يذهب ولذلك قال في عذاب الدنيا يأتيهم لأنه قد يذهب ويحل والحلول هو الوجوب والثبات والدوام ومقيم. * لماذا يخزيه ومقيم؟ مقيم لأن الآخرة، ويخزيه في الدنيا، لما قال يأتيه عذاب يخزيه هذا يفضحه ويذله في الدنيا خزي الآن والخزي هو في الدنيا والآخرة لكن هذا الإتيان الأول كما كانوا يسترذلون المؤمنين يهزأون منهم فربنا سبحانه وتعالى كيف كانوا يستهزئون بالمؤمنين فجاء بعذاب يخزيهم جزاء أفعالهم ثم يحل عليهم حلولاً ثابتاً دائماً مقيماً وهو عذاب الآخرة. العذاب الآن أمران عذاب الدنيا وعذاب الآخرة * ولهذا يغيّر مرة يأتيه ويحل ومرة يخزيه ومقيم. هذا مختلف عن ذاك، هل هذا بفعل ذنوبهم مع سيدنا نوح ولسخريتهم من سيدنا نوح ومن اتبعه؟ نعم هم قالوا (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ (27)) يخزيهم ربنا سبحانه وتعالى. * ألا يشفع لهم بأنهم كانوا يبحثون عن الله الحق سبحانه وتعالى حتى قالوا (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى (3) الزمر) يعني هم يعلمون وجود الله؟ أم أنهم يريدون دليلاً؟ لو جاءني أحد يقول لي أنا نبي مثلاً سأطالبه بالدليل ! كونه يعلم أن الله موجود ينبغي أن تكون عبادته كما يريد الله سبحانه وتعالى لا كما تريد أنت وتتصور فتتخذ شفعاء وأصنام تقربك تفتري على الله ، إذا كنت تريد عبادة الله أنت تعبده بما أراد هو لا بما تريده أنت أو بما يفتري عليه غيره. ولذلك يقولون أن العبادة فيها ركنان أن تكون خالصة وصواباً، خالصة لله بدون شريك وصواباً بالأمر الذي يريده هو سبحانه لا كما تريد أنت * كان المفروض منهم أن يؤمنوا لما رأوا المعجزات ! الآن جاءهم بالدليل، بالمنطق والدليل والمعجزات. الوقفة كاملة
٢٨٨ .(وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)) فكرة عامة على الآية: قال ربنا (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ) إذن هذه من حكمة لقمان وهي ليست فقط في كلامه يعني ما ذكر من الكلام وإنما في موقفه من توجيه ابنه لم يتركه (وهو يعظه) وهذه فيها توجيه للآباء أن لا يتركوا أبناءهم لأصدقاء السوء في الطرقات يتعلمون منهم ما يضرهم ولا ينفعهم وإنما ينبغي للآباء أن يتعهدوا ابناءهم ويوجهوهم ويعلموهم ما هو خير لهم فمن حكمة لقمان أنه ليس في ما قاله من الكلام فقط وإنما في وعظه ابنه أيضاً والوعظ بحد ذاته هذه في حد ذاتها حكمة. هذا يقول الأولون أن حكمة لقمان فيها جانبان: تكميل لنفسه بالشكر (أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ) وتكميل لغيره بوعظ ابنه. فيها جانبان إذا الحكمة لها جانبان في تكميل النفس وتكميل الآخرين، في إصلاح النفس وإصلاح الآخرين والأقرب هو الإبن. فإذن قوله (أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ) إشارة إلى الكمال وقوله (وهو يعظه) إشارة إلى التكميل تكميل ابنه. إذن ربنا لما قال (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ) قبلها ذكر (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ) إذن الحكمة لها جانبان جانب ما قاله شكر الله على إعطائه الحكمة وجانب النصح. حتى فيها دلالة أخرى وهو (ولقد آتينا لقمان الحكمة) الحكمة هي وضع الشيء في محله قولاً وفعلاً، توفيق العلم بالعمل، كان ممكناً أن يقول (هذا خلق الله) مباشرة بدون (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ) لكنه صدّر الآية بها لماذا؟ ذكرنا أن الحكمة أنه كلم ابنه ونصحه وهناك أمر آخر يدلنا على أن لقمان كان يعمل بما يقول بمعنى أنه هل من الحكمة أن يعطي الإنسان إنساناً وهو مخالف لقوله؟ لو خالف الإنسان قوله فعله فإن كلامه لا يمكن أن ينفع ولو جاء بأبلغ الحِكم. إذن ليس من الحكمة أن ينصح أحداً ثم يخالف هذا النصح. لما قال (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ) يعني أن كل ما قاله لابنه هو كان يطبقه على نفسه بحيث يكون مثالاً صالحاً لابنه ولا يجعل له ثغرة. أذكر أحد أساتذتي قال لي: قلت لابني صلِّ لماذا لا تصلي؟ فقال له يا أبي لماذا لا تصلي؟ قلت لابني لماذا تدخّن؟ قال يا أبت لم تدخن؟ فلما قال (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ) ليس من الحكمة أن يخالف قوله فعله. إذن هذه فيها إشارة إلى أن لقمان عندما وعظ ابنه كان يطبق كل ما قاله على نفسه فيكون قدوة صالحة لابنه. إذن فيها دلالة أخرى وليست الحكمة فقط في الأقوال التي قالها وإنما أيضاً جملة أمور فيها الحكمة أولاً تكملة لنفسه بالشكر لله ونصحه لابنه وأن يطبق ما قاله على نفسه؟ (وهو يعظه): الواو تحتمل أمرين: تحتمل أن تكون واو الحال وصاحب الحال لقمان، وتحتمل أن تكون الواو استنافية ولكلٍ دلالة. واو الحالية أي قال لابنه واعظاً أي في حالة وعظ وهذه إشارة إلى أنه لم يقلها هكذا بسرعة وإنما توخّى الوقت المناسب وتوخّى فراغ ابنه وهو استعداده فاختار الوقت المناسب والحال المناسبة فبدأ يعظه وليست نصيحة طارئة بسرعة إنما قال لابنه في حالة وعظ توخى الحالة التي يرى فيها استعداد ابنه لقبول النصيحة وإنما اختيار الوقت المناسب للوعظ، هذه حالة هو مستعد وابنه مستعد. واو الإستئنافية (وهو يعظه) هو من عادة لقمان أن يعظ ابنه لا يتركه. واو الاستئنافية تعني جملة جديدة، الجملة (وإذ قال لقمان لابنه يا بني لا تشرك بالله) هذا مقول القول وتكون (هو يعظه) استئنافية، إذن من شأن لقمان أن يعظ ابنه لا يتركه فيصير لها دلالتان أنه يختار الحالة المناسبة للوعظ وهو يتعهده لا يتركه.. لو بدل الجملة إلى الحال لو قال (واعظاً) تدل دلالة واحدة الحالية بينما لما حولها إلى جملة اكتسب معنيين معنى الاستئناف ومعنى الحالية فاكتسب معنيين أنه اختيار الوقت المناسب للوعظ والآخر هو لا يترك ابنه وهو من شأنه أن يعظ ابنه وهذه فيها توجيه للآباء في الحالتين أن يختاروا الوقت المناسب لوعظ أبنائهم وأن يتعاهدوهم فلا يتركوهم. *(يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ) بدأ بالشرك فهل لهذا من دلالة؟ هذه حكمة أولاً بدأ بقوله (يا بني) بُنيّ معناها تصغير ابن وإضافة إلى النفس (بُنيّ يعني ابني) فيها تحبيب ورفق وتلطف كما في نوح (وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ (42) هود) فيها شفقة به ورحمة. لما قال له (يا بني) الوعظ بدأ فيما ذكر فيما بعد (لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ) ولكن أراد أن يفتح قلبه وهذا توجيه للدعاة وللآباء أن يبدأوا بكلمة رفيقة فيها حنان وشفقة ورأفة لأن الكلام اللين يفتح القلوب والنفوس لا يصيح بابنه وإنما يأتي إلى ابنه بكلام لطيف ويضع يده على كتفه ويبدأ بالكلام اللطيف الهين عند ذلك ينتفع الإبن باللطف والحنان أكثر مما ينتفع بالقول. حتى ربنا سبحانه وتعالى قال (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) طه) اللين في القول يفتح القلوب العصية ويفتح النفوس لذا قال لقمان (يا بني) حنان ورفق ولطف وشفقة وحتى لو كان الإبن ينوي المخالفة يخجل من المخالفة. ثم بدأ (لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ) قبل العبادة . التوحيد رأس الإيمان وأول ما ينبغي أن يغرس في النفوس التوحيد لأن أساس الصلاح هو التوحيد. النهي عن الشرك مقدّم على العبادة لأنه لا تنفع عبادة مع الشرك فإذن بدأ بما هو أهمّ. ثم النهي عن الشرك يتعلمه الصغير والكبير يمكن أن تعلم الصغير لا إله إلا الله أما العبادة فلا تكون إلا بعد التكليف. لم يثبت كم كان عمر ابنه. ثم الانتهاء عن الشرك أيسر من العبادة وأسهل وكثير من الموحّدين يتهاونون في العبادة. الإنتهاء عن الشرك أيسر من القيام بالعبادة فبدأ بما هو أهم وأعمّ يعم الصغير والكبير وأيسر. *(إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) كيف يكون الشرك ظلم عظيم؟ مرّ بنا مثل هذا من حلقات، هو ظلم لأنه يسوي بين القادر والعاجز، العالم والجاهل، المنعِم والمحتاج إلى النعمة هذا ظلم وذكرنا في حينها أنه لو تقدّم جماعة لإشغال وظيفة في الدولة وقدموا اختباراً وأحدهم أجاب عن الأسئلة بأحسن إجابة وبأوضح كلام وآخر لم يجب عن ذلك ولا بكلمة واحدة صحيحة ولم يحسن الكلام ولم يحسن القول وسوّيت بينهما تكون ظالماً والفرق بين الخالق والمخلوق أكبر من هذا. إذن هو ظلم لأنك سويت بين العاجز وبين القادر، بين العالِم والجاهل، بين المنعِم والمحتاج للنعمة. الظلم واقع على النفس أولاً لأنك عبدت من لا يستحق العبادة فأهنت نفسك وقد يكون المعبود هو أقل فإذن أنت ظلمت نفسك. هذا امر ثم أنت أوردتها الهلاك أدخلتها النار، ظلمتها بأن حططت من قدرها وأهنتها وأدخلتها النار وأوردتها موارد الهلاك فكنت ظالماً. لماذا اختار الظلم؟ فطرة الإنسان تكره الظالم وحتى الظالم إذا وقع عليه ظلم يكرهه فهو يستسيغه من نفسه ولا يسيغه إذا وقع عليه. إذن طبيعة النفس تكره الظلم والظالمين حتى في الأفلام لما نرى إنساناً ظالماً يتحزّب المشاهدون ضده. أراد ذكر الظلم لأن النفس تكره الظلم فقال ظلم حتى تشمئز نفس ابنه. إضافة إلى أنه في تقديرنا لما قال (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) في تقديرنا أن الموجه والناصح والمعلم والداعية ينبغي أن يعلل الأوامر ولا يذكر هذا من دون تعليل، لا تكن أوامر فقط حتى يقبل كلامك لماذا لا تشرك بالله؟ لأن الشرك لظلم عظيم وهذا الظلم يقع عليك وعلى الآخرين فهذا التعليل من أدب الوعظ والتوجيه وأن لا تعطى الأوامر بدون تعليل.. الوقفة كاملة
٢٨٩ برنامج لمسات بيانية ما دلالة القسم بالعصر تحديداً في هذه السورة؟ من معاني العصر الدهر (العصور) هذا لغة، وربنا أقسم بالدهر لأنه الشاهد على ما أقسم عليه (إن الإنسان لفي خسر) والدهر هو أكبر شاهد، العصر هو أكبر شاهد على ما أقسم عليه وهو أن الإنسان لفي خسر إلا هؤلاء منهم من هلك ومنهم من قُتِل ومنهم من عُذّب والذي أحيا حياً من الناس ولم يؤمن كان خاسراً في عموم الحياة إلا هؤلاء. فإن شئتم أن تعلموا ذلك فاسألوا الدهر لأنه خير شاهد على ما أقسمت عليه. العصر هو الشاهد على أن الإنسان في خسر إلا هؤلاء الأصناف فلا شك أن الدهر والزمن والتاريخ هو شاهد دقيق على ما أصاب الإنسان غير المؤمن. يمكن أن يقال لماذا لم يقسم بوقت آخر كالفجر أو الضحى في هذه السورة مع أنه أقسم بها في مواطن أخرى؟ لأنه لو أقسم بها لم تكن مرحلة للإستشهاد. الفجر ليس هنالك مرحلة للإستشهاد فالناس ما زالوا في أول الزمن ليس هنالك شاهد أما العصر يعني مرّ فترة طويلة وقيل أنها وقت صلاة العصر وهذا من معانيها. من معانيها الدهر ومن معانيها وقت صلاة العصر والمعنيين مرادان في السورة، صلاة العصر بحد ذاتها أي إنسان الآن من الصباح إلى المساء هناك وقت كافي لتعرف حقيقته الناس من أول الدهر إلى زمن العصر والرسول  كما في الحديث بُعث من العصر إلى المغرب فإذن هذه مدة كافية للإستشهاد فيها ووقع فيها من أحداث أي هي مدة كافية للاستشهاد أما الفجر والناس لم يستيقظوا فكيف يكون استشهاد وكيف يكون دليلاً على الاستشهاد بأنهم في خسر ليست هنالك مدة كافية تدل على الاستشهاد ولو قال الضحى أيضاً نفس الشيء لم تكن هنالك مدة كافية للاستشهاد، الفجر أول النهار والضحى بدايته، كذلك المغرب، المغرب غروب الشمس إذن غروب الحياة وزوال الدنيا فما الفائدة من الاستشهاد؟ لقد غربت الدنيا وذهبت والناس ذهبوا إلى الحساب فما الفائدة من الاستشهاد؟ لذلك أنسب وقت للقسم والاستدلال هو العصر مدة كافية من أول النهار إلى ما قبل الغروب مدة كافية للاستشهاد والدلالة على ما يفعله الإنسان في هذا العمر الطويل والملاحظ أنه إذا ذكر الأقوان بعد القسم بالأوقات يناسب بين القوم وما يُقسم به. مثلاً قال (والفجر) لما ذكر الفجر قال (ألم تر كيف فعل ربك بعاد) وعاد من أوائل الدنيا بعد نوح. لما أقسم بالضحى (والشمس وضحاها) قال (كذبت ثمود بطغواها) لأن ثمود بعد عاد والضحى بعد الفجر. هنالك مناسبة بين القسم بالوقت وبين الأقوام فإذا ذكر الأقوام فهي مناسبة للوقت الذي يقسم به كمحطة في تاريخ البشرية كلها. فإذن العصر بمعنى الدهر وبمعنى وقت صلاة العصر وكلاهما مراد لأن العصر هو أحسن شاهد على الإنسان وما أحدث فيه من خسران. الوقفة كاملة
٢٩٠ برنامج لمسات بيانية ما الفرق بين التزكيتين (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) الشمس) (فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32) النجم) وما معنى التزكية في القرآن الكريم؟ كثير من الكلمات يسمونه من المشترك اللفظي بحيث له أكثر من معنى يصح في حال وآخر قديكون منهياً عنه. زكّى نفسه بها معنيين: طهّرها ومنه الزكاة (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا (103) التوبة) والزكاة هي النماء في الحقيقة والتطهير شيء آخر. قد أفلح من زكاها أي طهّر نفسه. (فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ) زكّى نفسه أي نسبها إلى التزكية قال أنا جيّد أنا خير من كذا ففي هذه الحالة لا يجوز فقال تعالى لا تزكوا أنفسكم لا تقولوا أنا أحسن من هذا أنا أفضل لأنه تعالى أعلم بمن اتقى. مثل فعل قوّم بمعنى عدّل وقوّم بمعنى أعطى للشيء قيمة كم تقوّم هذه الساعة مثلاً؟ أو هذه السلعة؟ ثوّم السلعة أي بيّن مقدار قيمتها. قوّم ولا تقوّم يعني عدّلها لكن لا تقوم قيمتها فإذن هذه من المشترك وكل واحدة لها معنى. قد أفلح من زكاها أي طهّرها، لا تزكوا أنفسكم أي لا تفتخر بنفسك وكل واحدة لها معنى. استطراد من المقدم: لاحظت أنك تقول مشترِك لفظي لا مشترَك فلماذا؟ يقال مشترِك، اشترك فعل لازم ليس متعدياً فاللازم إما أن يُبنى على حاله إذا جعلنا إسم المفعول يجب أن نقدر هنالك شيء إما جار ومجرور مشترك في التعبير كما نقول اشترك في كذا فيصير مشتَرك فيه يعني مشترَك في شيء أي المشترَك في أمر من الأمور أما إذا اشترك في المعنى يصير مشترِك لو قدّرنا الفعل لازماً بدون تقدير نقول مشترِك كما في قوله (فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (33) الصافات). الوقفة كاملة


إظهار النتائج من 281 إلى 290 من إجمالي 396 نتيجة.