| ٢٨٨١ |
قال تعالي في سورة التوبة : { ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ } [ التوبة : 26 ] .
وقال في سورة الفتنح : { فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ } [ الفتح : 26 ] بإضافة السكينة إلي ضميره سبحانه ( سكينة ) .
وقال في سورة الفتح : { هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ } [ الفتح : 4 ] . بتعريف السكينة بأل . فلم ذلك ؟
الجواب : حيث ذكر الرسول - صلي الله عليه وسلم - , أو كان موجودا في السياق , قال : ( سكينة ) بإضافة السكينة إلي ضميره سبحانه ؛ تعظيما وتكريما له . وحيث ذكر المؤمنين ولم يذكر الرسول – صلي الله عليه وسلم – أطلق السكينة , ولم يضفها إلي نفسه .
قال تعالي : { إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا } [ التوبة : 40 ].
وقال : { ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا } [ التوبة : 26 ] .
وقال : { إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى } [ الفتح : 26 ] كل ذلك بالاضافة إلي ضميره سبحانه .
في حين قال : { هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً } [ الفتح : 4 ] .
وقال : { لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً } [ الفتح : 18 ] .فاتضح مقام كل تعبير من التعبيرين .
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم
الجزء الثاني
ص : 62)
الوقفة كاملة
|
| ٢٨٨٢ |
قال تعالي في سورة هود : { وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } [ هود : 108 ] .
سؤال : ذكر ربنا أن أهل الجنة خالدون فيها إلا ما شاء ربك , فهل يعني ذلك أن ربنا قد يخرجهم منها ؟
الجواب : إن أهل الجنة خالدون فيها أبدا , كما أخبر ربنا في مواطن عدة من القرآن الكريم . وأما الآية المذكورة , فقد ذكر فيها أقوال منها :
أن الاستثناء عندما كان من أهل الجنة في الموقف يوم الحساب , قبل أن يحاسبوا ويقضي لكل فرد بجزائه , فالذين سعدوا لم يدخلوا الجنة بعد .
ومنها : أن ذلك الاستثناء إنما هو في البرزخ عندما في قبورهم .
ومنها : أن ذلك تحلة القسم ؛ إذ قال ربنا: { وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً [71] ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً [72]} [ مريم : 71 – 72 ] .
وذلك عندما يوضع الجسر علي متن جهنم , ويمر عليه الناس أجمعون , فهذا يدخل في الاستثناء .
وقيل : إن ذلك فيمن يدخل النار من عصاة المسلمين , ثم يخرجون منها إلي الجنة . وقيلت في ذلك أقوال أخري , والله أعلم .
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم
الجزء الثاني
ص : 65)
الوقفة كاملة
|
| ٢٨٨٣ |
قال تعالي علي لسان سيدنا يوسف لأبيه : { يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ } [ يوسف : 4 ] .
سؤال :
1- لماذا عبر عن الإخوة بالكواكب ولم يعبر عنهم بالنجوم ؟
2- ولماذا قدم الكواكب علي الشمس والقمر ؟
الجواب :
1- غبر عن الإخوة بالكواكب ؛ لأن الكواكب توابع بخلاف النجوم , وهؤلاء الإخوة إنما هم توابع لوالديهم .
2- وأما تقديم الكواكب علي الشمس والقمر ؛ فلأن المقام مقام تعظيم ليوسف , والإخوة أولي بتعظيم أخيهم والسجود له من الأبوين .
وهو أهون من تعظيم الأبوين وخرورهما له سجدا .
ثم إن الإخوة كانوا أسبق تعظيما ليوسف ؛ إذ قد عرفوه قبل أن يعلم به الأبوان , فناسب تقديم الكواكب .
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم
الجزء الثاني
ص : 65)
الوقفة كاملة
|
| ٢٨٨٤ |
قال تعالي في سورة يوسف : { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ } [ يوسف : 24 ] .
سؤال : هل هم سيدنا بامرأة العزيز , كما يقال ؟
الجواب : الذي يدل عليه التعبير – والله أعلم – أن سيدنا يوسف لم يهم بها , وذلك أن ( لولا ) حرف امتناع لوجود , وذلك نحو قولك : ( لولا أبوه لضربته ) , فأنت لم تضربه لوجود أبيه .
فإن قدمت ما يدل علي الجواب , فقلت ( كنت أضربه لولا أبوه ) , فأنت لم تضربه أيضا . والحكم واحد , وتقدم ما يدل علي الجواب أو تأخر .
وكذلك ههنا , فقد تقدم ما يدل علي الجواب , فالهم منتف لوجود البرهان , نظير قولك : ( لولا أن رأي برهان ربه ) . فامتنع الهم لوجود البرهان , وإلا لم يكن لقوله : ( لولا أ، رأي برهان ربه ) فائدة .
ونظير هذا التقديم في القرآن قوله تعالي : { قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ } [ الفرقان : 77 ] , وقوله : { إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا } [ القصص : 10 ] , وقوله : { إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا } [ الفرقان : 42 ] .
والحكم واحد تقدم أو تأخر , ونحو ذلك في ذكر الجواب مؤخرا قوله سبحانه : { وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً } [ الاسراء : 74 ] . ولو قلت : ( لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا لولا أن ثبتناك ) لكان المعني واحدا . وهذا نظير ذلك .
جاء في ( البحر المحيط ) : " والذي أختاره أن يوسف – عليه السلام – لم يقع منه هم ألبتة , بل هو منفي لوجود رؤية البرهان , كما تقول : ( قارفت الذنب لولا أن عصمك الله ... [ والتقدير هنا ] : لولا أن رأي برهان ربه لهم بها " .
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم
الجزء الثاني
ص : 66)
الوقفة كاملة
|
| ٢٨٨٥ |
- قال تعالي في سورة يوسف : { وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ } [ يوسف : 100 ] .
سؤال : لما ذكر إحسان الله به في إخراجه من السجن , ولم بذكر إخراجه من البئر ؟
الجواب : لم يذكر إخراجه من البئر ؛ لأنه أخرج من الرق والعبودية , ثم إلي السجن بتهمة مخلة بالشرف , فلا يكون في ذلك منة .
وأما إخراجه من السجن فإلي الإحسان إليه , وجعله عزيز مصر .
فاختلف الأمران .
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم
الجزء الثاني
ص : 68)
الوقفة كاملة
|
| ٢٨٨٦ |
سؤال : قال تعالي في سورة يوسف : { أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } [ يوسف : 109 ] .
ونحو ذلك قال في آيات عدة من القرآن الكريم , كما في [ غافر : 82 ] , و [ محمد : 10 ] , وغيرها بإضافة ( قبل ) إلي الضمير ( من قبلهم ) .
غير أنه قال تعالي في سورة الروم : { قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ } [ الروم : 42 ] .
فلم يضف ( قبل ) , وإنما قطعها عن الإضافة , فما السبب ؟
الجواب : إن قوله : { أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } ونحوه إنما هو تقرير لهم بأمر قد فعلوه , فهم قد ساروا ونظروا , وذلك في أسفارهم في طرقهم المعهودة , فقررهم بذلك . فقولك : ( ألم أقل لك كذا وكذا ؟ ) يعني أنك قد قلت له .
أما قوله : { قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ } فإنه أمر لهم بالسير والنظر علي العموم , وليس فيما اعتادوا عليه في أسفارهم فحسب . وهذا أوسع وأعم مما عهدوه وساروا فيه ونظروا , ولذا حذف المضاف إليه ؛ للتعميم , فقال : { كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } .فالسير أعم , والنظر أعم , والزمن أعم . والله أعلم .
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم
الجزء الثاني
ص : 69)
الوقفة كاملة
|
| ٢٨٨٧ |
استعمل ( القميص ) ثلاث مرات , كل مرة في دلالة :
1- فقد استعمل بينة مزورة للدلالة علي هلاكه واكل الذئب إياه , وذلك في قوله سبحانه : { وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ } [ يوسف : 18 ] .
2- واستعمل بينة صحيحة للوصول إلي الحكم وبراءة يوسف , وذلك في قوله تعالي : { إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ [26] وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ [27] فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ [28]} [ يوسف : 26 – 28 ] .
3- واستعمل بينة صحيحة للدلالة علي نجاة يوسف , وأنه لا يزال حيا , وبشري لوالده وسببا لرد بصره . وهو بينة صحيحة بقرينة الرائحة , وقرينة الرائحة تستعمل الآن في القضاء .
فقد استعمل بداية لحزن يعقوب عندما جاؤوا بقميصه , وأخبروه أن الذئب قد أكله , واستعمل نهاية لحزنه عندما جاء البشير , وألقاه علي وجهه , واستعمل للدلالة علي أنه لا يزال حيا .
واستعمل القميص لثلاث مراحل من حياته :
1- المرحلة الأولي : رميه في الجب , وصيرورته مملوكا بعد أن كان حرا , والفرقة بينه وبين أهله .
2- المرحلة الوسطي : سجنه وفقدان الحرية , والفرقة بينه وبين العزيز متولي أمره .
3- المرحلة الثالثة : في جمع شمله بأهله وسعادتهم اجمعين .
الموافقات في القصة :
1- القمصان ثلاثة .
2- الرؤي ثلاث : رؤيا يوسف , ورؤيا صاحبي السجن , ورؤيا الملك .
3- الرحلات إليه للامتيار من قبل إخزته ثلاث :
أ- عندما دخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون .
ب- الرحلة التي جاؤوا فيها بأخيهم , وفقد صواع الملك .
ت- الرحلة التي قالوا فيها : { مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ } , وقال لهم : { هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ } .
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم
الجزء الثاني
ص : 70)
الوقفة كاملة
|
| ٢٨٨٨ |
قال تعالي في سورة الرعد : { إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ [19] الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ [20] وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ [21] وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ } [ الرعد : 19 – 22 ] .
سؤال : لماذا جاء قسم من الصلات بالفعل المضارع , والقسم الآخر بالفعل الماضي ؟
الجواب : يمكن أن نضع إجابة موجزة بما ياتي :
1- ما كان له وقت محدد , أو ليس مستمرا استمرار بقية الصفات , غبر عنه بالفعل الماضي , وهو إقامة الصلاة والانفاق .
2- ما كان سابقا لكل الأوصاف المذكورة , عبر عنه بالفعل الماضي وهو الصبر , ولم يرد في القرآن صلة إلا بالماضي .
3- وما عدا ذلك , وهو المستمر مما ليس له وقت محدد عبر عنه بالفعل المضارع .
فقوله : { الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ } عام يشمل عموم جميع أوامره ونواهبه , وهو مستمر بالليل والنهار .
وقوله : { وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ } توكيد لما قبله , ولما كان ما قبله مستمرا أيضا , ويشمل أيضا جميع ما يعطونه للناس من مواثيق . وقوله : { وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ } يشمل عموم ما أمر به من الاطعام , وصلة الرحم وعموم ما أمر الله به أن يوصل , وقوله : { وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ } يفيد الاستمرار وعدم الانقطاع , فهو مستمر في كل حين . ونحوه قوله : { وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ } .
وأما قوله : { وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ } فإنه جاء به بالفعل الماضي ؛ لأنه أسبق من كل ما ذكر , ولأن تلك الصلات مترتبة علي حصول الصبر وتقدمه عليها . ولذا لم يرد الصبر صلة إلا بصيغة الماضي في القرآن الكريم . قال تعالي : { وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ } [ الشوي : 43 ] , وقال : { إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ } [ هود : 11 ] , وقال : { وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ } [ الرعد : 22 ] , وقال : { الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } [ النحل : 42 ] , وقال : { وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم } [ النحل : 96 ] .
وقوله : { وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ } عبر عنها بالماضي ؛ لأن لها أوقاتا محددة , وليست مستمرة استمرار الصفات الأخري كما ذكرنا , ولتحققها وتمكنها من أنفسهم .
ثم إنه أوقع الماضي صلة احتمل أن يراد به المستقبل , وذلك نحو قوله تعالي : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [159] إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [160]} [ البقرة : 159 – 160 ] .
فقوله { إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ } يفيد الاستقبال أي : يتوبون ويبينون ؛ لأنه واقع بعد الكتمان , والكتمان عبر عنه بالمضارع .
وقوله : { وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً } ليس ذلك مستمرا استمرار ما قبلها , وهو دون الصلاة التي تتكرر خمس مرات في اليو والليلة , فجاء بالفعل ماضيا كما ذكرنا .
وقوله : { وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ } جاء به المضارع ؛ لأن ذلك ليس له وقت محدد كالصلاة والانفاق الواجب .
ثم إن هذا له حالتان :
إنه إذا أتوا بمعصية درؤوها ودفعوها بالتوبة والحسنة , كما قال تعالي : { إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ } هود : 114 ] , وكما قال - صلي الله عليه وسلم - : " واتبع السيئة الحسنة تمحها " .
وأنهم لا يقابلون الشر بالشر , بل بالاحسان . والانسان كثيرا ما يسئ أو يساء إليه , ويدرأ ذلك كله بالحسنة .
جاء في ( روح المعاني ) في قوله : { وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ } [ الرعد : 22 ] : ويظهر أن اختصاص هذه الصلة بالماضي , وما تقدم بالمضارع أن ما تقدم قصد به الاستصحاب والالتباس , واما هي مترتبة علي حصول الصب , وتقدمه عليها . ولذا لم تأت صلة في القرآن إلا بصيغة الماضي ؛ إذ هو شرط في حصول التكاليف وإيقاعها " .
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم
الجزء الثاني
ص : 71)
الوقفة كاملة
|
| ٢٨٨٩ |
قال الله سبحانه في سورة الحجر : { وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ [16] وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ [17] إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ [18]} [الحجر : 16 - 18 ] .
وقال في سورة الصافات : { إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ [6] وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ [7] لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ [8] دُحُوراً وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ [9] إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ [10]} [ الصافات : 6 – 10 ] .
سؤال : لماذا قال في الحجر : { فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ } , وقال في الصافات : { فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ } ؟
الجواب : إن معني ( مبين ) ظاهر للمبصرين . ومعني ( ثاقب ) نافذ بضوئه وشعاعه المنير , ونير أي : متقد . والثقب : الخرق النافذ . و ( المارد ) هو العتي الشديد , فإن معني ( تمرد ) عتا . و ( الرجيم ) هو الملعون , وهو المطرود المبعد , والمرمي بالشهب , قال تعالي : { وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ } [ الملك : 5 ] .
والوصف بالمارد أقوي وأشد من الوصف بالرجيم . و ( الخطف ) هو الاستلاب والاختلاس والاخذ في خفة وسرعة , قال تعالي : { حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ } [ الحج : 31 ] .
و ( الاستراق ) أخذ الشئ بخفية . واستراق السمع قد يكون بالتنصت , ولا يقتضي الحركة . أما الخطف ففيه سرعة واختلاس واستلاب . فالمقام في الصافات أشد ؛ وأسرع , وفيه حركة وسرعة , وهو الخطف استدعي من الحفظ ما هو أشد , فقال :
أ- ويقذفون من كل جانب .
ب- وقال : ( دحورا ) وهو مصدر بمعني الحال , أي : مطرودين علي سبيل الاهانة والاذلال , أو مفعول له .
ت- وقال : { وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ } , وهو أقوي من ( حفظناها ) المذكورة في آية الحجر ؛ لأنه مصدر , وهو غير مقيد بزمن والمصدر أقوي من الفعل .
ث- وقال : { وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ } أي : دائم .
ج- وفال : { فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ } وهو أقوي من المبين ؛ لأنه مبين وزيادة , وأنه قد يخرق أجسادهم ويثقبها . أما المبين فقد يكون ذا نور قليل , ولا يقتضي شدته, فناسب كل تعبير موضعه .
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم
الجزء الثاني
ص : 74)
الوقفة كاملة
|
| ٢٨٩٠ |
قال تعالي في سورة الحجر في قوم لوط : { فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ [73] فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ [74] إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ [75] وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقيمٍ [76] إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤمِنِينَ [77]} [ الحجر : 73 – 77 ] .
ثم قال في أصحاب الأيكة : { وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ [78] فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ [79]} [ الحجر : 78 – 79 ] .
سؤال :
1- لماذا قال أولا في قوم لوط : { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ } , ثم قال بعدها : { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً } ؟
2- لماذا قال في أصحاب الأيكة : ( وإنهما ) بالتثنية , ولم يقل : ( وإنهم ) أو ( وإنها ) بالافراد ؟
الجواب : أما قوله : { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ } , فلأنه ذكر آيات , ولم يذكر آية واحدة , فقد قال :
1- فأخذتهم الصيحة مشرقين : وهذه آية , وهي الأخذ بالصيحة .
2- فجعلنا عاليها سافلها : وهذه آية أخري .
3- وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل : وهذه آية ثالثة , فقال : { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ } .
وأما في قوله : { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤمِنِينَ } , فهذا يعود علي قوله : { وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقيمٍ } , وذلك يعود علي الآثار الباقية من قرية قوم لوط , وهي آية وليست جميع الآيات , أي : إنها بطريق واضح .
- وأما قوله : { وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ } , فالضمير يعود علي محلي قوم لوط , وقوم شعيب أصحاب الأيكة , فإنهما بطريق واضحة مسلوكة . فأعاد الضمير عليهما بالتثنية .
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم
الجزء الثاني
ص : 76)
الوقفة كاملة
|