أسرار بلاغية
| ٢٧١ | بنامج لمسات بيانية (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) قد يكون المقصود بقوله (لينذر) القرآن أو الرسول فكلاهما منذر. قال تعالى (وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) يس (10) والمقصود به الرسول. وقال (لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ) الأحقاف (12). والمنذر ههنا الكتاب. فالرسول منذر والقرآن منذر. وقوله فمن كان حياه ذكرت فيه أقوال: منها أن المقصود به من كان حي القلب حي البصيرة فينتفع بالإنذار. وقيل إن المقصود به من كان عاقلاً متأملاً لأن الغافل كالميت. وقيل إن المقصود به من كان مؤمناً لأن الإيمان حياة فمن كان مؤمناً كان حياً قال تعالى (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ۚ ) الأنعام )۱۲۲ وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ ) الأنفال (24). وقيل إن المقصود من كان قلبه صحيحاً يقبل الحق ويأبى الباطل. وقيل إن المقصود به كل حي على وجه الأرض كقوله تعالى (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ۚ ) الأنعام (19). وقيل إن المقصود به من كان حياً في علم الله أي علم الله أنه سيؤمن بهذا الإنذار(1). وكل هذه الأقوال محتملة وأن كل هؤلاء معنيون بالإنذار. قال تعالى: (وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا)الكهف (4). وهذا إنذار للكافرين. وقال( لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ)الأحقاف (12). وقال (لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا)الفرقان (1). وقال (إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ۚ ) فاطر (18) وهذا إنذار للمؤمنين. فالإنذار عام لكل الخلق مؤمنهم وكافرهم، محسنهم ومسيئهم إلا أن الذي يترجح في ظني هنا والله أعلم أن المقصود بقوله (من كان حياً) ما قصده في أول السورة بقوله (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) وذلك لأنه قال بعد ذلك (وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) فجعل من كان حياً بإزاء الكافرين. وأن كان كل من ذكرته الأقوال محتملاً مطلوباً له الإنذار. ومعنى (وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) أي تجب عليهم كلمة العذاب (2). ومعنى (حق القول) في القرآن وجب العذاب كما ذكرناه في أول السورة. وذلك أن الله سبحانه قال في الأزل وقال في كتبه المنزلة على رسله أنه من كفر به أدخله النار وعذبه بعد إلزامهم بالحجة. والحجة هي ما أنزل الله على لسان رسله وبلغوهم به فيحق القول بعد الإنذار وإلزامهم الحجة. قال تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا) الإسراء (15). قال تعالي (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا) الإنسان (4). وقال (وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) الشورى (26) وقال (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) آل عمران (131). جاء في (التفسير الكبير): (وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) أما قول العذاب وكلمته كما قال تعالى ( وَلَٰكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) وقوله تعالى (حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ) وذلك لأن الله تعالى قال (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا) فإذا جاء حق التعذيب على من وجد منه التكذيب (3). وفي مقابلة الكافرين للحي في قوله (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) إشارة إلى أن الكفار أموات وهو ما ذكره ربنا في أكثر من موطن، قال تعالى (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ۚ ) الأنعام (122). جاء في (أنوار التنزيل) "وجعلهم في مقابلة من كان حياً إشعاراً بأنهم لكفرهم وسقوط حجتهم وعدم تأملهم أموات في الحقيقة" (4). إن هاتين الآيتين ارتبطتا بأول السورة ارتباطاً لطيفاً من نواح عدة. 1- فقد قال تعالى في أول السورة (يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) فقوله (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) يعني أنه ليس بشاعر وهو يناسب قوله( وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ) وقوله (عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) يقوي ذاك فإن الشعراء كما قال رب العزة في كل واد يهيمون فهذا مما يعضد هذا المعنى. ٢- وقوله (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) يعني أن القرآن ليس بشعر وهو يناسب قوله (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ) 3- أن قوله (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ) وقوله (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ ۖ) يناسب قوله (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا) 4- وأن قوله (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) يناسب قوله (ويحق وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ). 5- لقد وصف الله القرآن في أول السورة بأنه حكيم فقال (وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ)، ووصفه هنا بأنه مبين فقال (وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) ذلك أنه قال في أول السورة أنه على صراط مستقيم ومعرفة الصراط المستقيم من غيره تحتاج إلى حكمة والسير على الصراط المستقيم يحتاج إلى حكمة فوصفه بأنه حكيم. وههنا أراد أن يبين أن القرآن ليس بشعر وهذا أمر لا يحتاج إلى حكمة وإنما يحتاج إلى تبيين فقال (وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) فكان كل وصف في مكانه أنسب. 6- سمى الله تعالى ما أنزله على رسوله قرآناً وذكراً ههنا فقال (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ). وقال في أول السورة (وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ )وقال بعد ذلك (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) فسماه في الموطنين قرأناً وذكراً. وقد يكون من المناسب أن نذكر أنه قدم القرآن في أول السورة وأخر الذكر فقال (يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ) ثم قال في الآية الحادية عشرة (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) .وههنا قدم الذكر وأخر القرآن فقال (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ) ولعل من دواعي ذلك أنه في أول السورة بدأ بالكلام على القرآن ثم أخر الكلام على ما يشبه الطمس والمسخ وهو قوله (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا...) فقدم القرآن لذلك. وههنا بدأ بالطمس والمسخ وأخر الكلام على القرآن فقال (وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ...وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ) ثم قال بعد ذلك (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ) فأخر ذكر القرآن لذلك والله أعلم. وهو من الموافقات اللطيفة. وهذا من لطيف الارتباط والتناسب. الوقفة كاملة |
| ٢٧٢ | برنامج لمسات بيانية وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ) قدم الضمير العائد عليهم في الجار والمجرور (لَهُمْ) على ضمير الأنعام في قوله (فِيهَا) لأن الكلام إنما هو عليهم وهي مخلوقة لهم فهم سبب وجودها والعلة المسببة لخلقها ثم ذكر ضمير الأنعام بعد ذلك. ثم ذكر أن لهم فيها منافع عدا الركوب والأكل كالجلود والأوبار والأصواف وغيرها وكالحراثة وما إلى ذلك(1). والمشارب تعم شيئين اللبن وأدوات الشرب فإن من الجلود ما يتخذ أواني للشرب والأدوات من القرب وغيرها(2). فجمع بقوله (مَشَارِبُ) معنيين ولو قال لهم فيها شراب لم يفد إلا معنى واحداً وهو اللبن. وذكر المشارب بعد المنافع من باب ذكر الخاص بعد العام وذلك لأهميتها واعتناء العرب بها. وقدم الأكل على الشرب كما هو في سائر القرآن الكريم من تقديم الأكل على الشرب كقوله تعالى (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا) الأعراف (31) وذلك لأهمية الأكل وصعوبة الحصول عليه. ولأن الأكل من الأنعام أعم من الشرب فإن الأكل يكون من إناثها وذكورها صغارها وكبارها أما الشرب فيكون من الإناث خاصة وفي حالات خاصة فقدم ما هو أهم وأعم. وقد أخر ذكر المشارب عن بقية النافع لأن ما تقدم من المنافع يمكن الانتفاع به متى شاء صاحبها إلا المشارب فإنها لا تكون إلا في وقت معين وهو وقت الإرضاع ولا يكون في غيره فأخرها لمحدودية الانتفاع بها والله أعلم. (أَفَلَا يَشْكُرُونَ) أي لا يكون ذلك سبباً لشكرهم لاستدامة النعم عليها؟ وقال ذلك بصيغة الاستفهام لأن الاستفهام في نحو هذا أدعى إلى الحث واستثارة النفوس إلى مقابلة النعم بالشكر وأدل على بيان سوء صنيعهم إن لم يفعلوا. وجاء بالفاء الدالة على السبب وذلك لأنه تقدم ما يستدعي الشكر وهو ما ذكر من النعم. وأطلق الشكر ليتناول المنعم والنعمة. كما مر بيان ذلك في آية سابقة في السورة. الوقفة كاملة |
| ٢٧٣ | برنامج لمسات بيانية (لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ) لم يقل (لا ينصرونهم) لأن ذلك قد يدل على أنهم قادرون على النصر ولكن لا يفعلون ذلك وإنما قال (لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ) ليدل على عجزهم وضعفهم. (وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ) قيل: المعنى أن الآلهة لا يستطيعون نصرهم وإنما هم أي عابدوهم جند لهم يدافعون عنهم وينصرونهم فهم بدل أن ينتصروا بهم صاروا جنوداً لهم يدافعون عنهم لأنهم عاجزون عن الدفاع عن أنفسهم وهذا أسوأ ما يكون من خيبة الأمل وانقطاع الرجاء. جاء في (روح المعاني): "(وَهُمْ) أي أولئك المتخذون المشركون (لَهُمْ) أي لآلهتهم ( جُنْدٌ مُحْضَرُونَ) أي معدون لحفظهم والذب عنهم في الدنيا"(1). وجاء في (فتح القدير): "أي والكفار جند للأصنام محضرون أي يحضرونهم في الدنيا. قال الحسن: يمنعون منهم ويدفعون عنهم. وقال قتادة: أي يغضبون لهم في الدنيا. قال الزجاج: ينتصرون للأصنام وهي لا تستطيع نصرهم. وقيل: المعنى يعبدون الآلهة ويقومون بها فهم لها بمنزلة الجند. هذه الأقوال على جعل ضمير (هُمْ) للمشركين وضمير (لَهُمْ) للآلهة"(2). وقيل: بل المعنى أنهم جند لهم أي جند للآلهة محضرون للعذاب في الآخرة وذلك أن هذه الآلهة توقد بها النار يوم القيامة فتتقدمهم إلى النار وهم يتبعونهم إليها كما يتبع الجند قائدهم. أو أن الآلهة تكون جنداً لهم محضرة للعذاب. جاء في (الكشاف): "اتخذوا الآلهة طمعاً في أن يتقووا بهم ويعتضدوا بمكانهم والأمر على عكس ما قدروا حيث هم جند لآلهتهم معدّون (مُحْضَرُونَ) يخدمونهم ويذبون عنهم ويغضبون لهم والآلهة لا استطاعة بهم ولا قدرة على النصر. أو اتخذوهم لينصرونهم عند الله ويشفعوا لهم والأمر على خلاف ما توهموا حيث هم يوم القيامة جند معدون لهم محضرون لعذابهم لأنهم يجعلون وقوداً للنار"(3). وفيه معنى لطيف آخر وهو أن هذه الآلهة لا تستطيع نصرهم في حال أن لهم جنداً محضرين أي هي لا تستطيع النصر ولو كان لهم أي للآلهة جند محضرون معدون فكيف إذا لم يكن لهم ذلك؟ فلاشك أنهم سيكونون أعجز وأذل وأضعف. وعلى هذا تكون الواو واو الحال. وذكر الفخر الرازي معنى آخر: وهو أن الآلهة لا تستطيع نصرهم ولو كانت هي جنداً محضرين لنصرتهم أي حتى لو اجتمعت الآلهة وكانت جنداً معدة لنصرهم لم تستطيع أن تنصرهم فكيف إذا لم تكن كذلك؟ جاء في (التفسير الكبير) في قوله (لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ). "وهو يحتمل معنيين: (أحدهما) أن يكون العابدون جنداً لما اتخذوه آلهة كما ذكرنا. (الثاني) أن يكون الأصنام جنداً للعابدين. وعلى هذا ففيه معنى لطيف وهو أنه تعالى لما قال (لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ) أكدها بأهم لا يستطيعون نصرهم حال ما يكونون جنداً لهم ومحضرون(4) لنصرتهم فإن ذلك دال على عدم الاستطاعة. فإن من حضر واجتمع ثم عجز عن النصرة يكون في غاية الضعف بخلاف من لم يكن متأهباً ولم يجمع أنصاره"(5). وهذه المعاني كلها محتملة صحيحة: 1- فإن الآلهة عاجزة وإن عابديهم ينصرونهم ويدفعون عنهم وهم لهم جند محضرون. 2- وأنهم وآلهتهم سيكونون محضرين للعذاب في النار. 3- وأن الآلهة لا تستطيع أن تنصرهم ولو كان لها جند محضرون معدون للنصر فكيف وهي ليست كذلك؟ 4- وهي لا تستطيع أن تنصرهم ولو اجتمعت وكانت جنداً معدين لنصرة عابديهم. فجمع هذا التعبير كل هذه المعاني. ولو غير أي لفظ عن مكانه بتقديم أو تأخير لم يؤد هذه المعاني مجتمعة. فلو قال: وهم جند محضرون لهم. أو: وهم جند لهم محضرون. أو: ولهم هم جند محضرون. وكذلك لو قيل أي تعبير آخر لم يفد هذه المعاني مجتمعة. بل ربما اختل المعنى. فكان هذا التعبير أعدل التعبيرات وأحسنها وأجمعها للمعاني المطلوبة. الوقفة كاملة |
| ٢٧٤ | برنامج لمسات بيانية (فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) نهاه عن أن يحزن لما يقولونه فيه وفي دعوته. فهم يقولون فيه أنه كاذب وأنه شاعر وأنه ساحر وأنه مجنون، ويقولون في دعوته أنها ضلال وإفك وكذب وافتراء إلى غير ذلك مما يتناجون به من العداوة له وحربه، فنهاه عن أن يحزن لأقوالهم. وقد أطلق القول ليشمل ما يقولونه فيه وفيما يدعو إليه. ثم أستأنف معللاً ذلك بقوله (إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) فلمّ الحزن والله يعلم سرهم وجهرهم وهو قادر على إبطال ما يظهرون أو يضمرون؟ إن (مَا) في قوله( مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) تحتمل أن تكون اسماً موصولاً أي نعلم الذي يسرونه والذي يعلنونه. وتحتمل أن تكون مصدرية أي نعلم إسرارهم وإعلانهم وهو يعلم ذلك كله إسرارهم وما يسرونه وإعلانهم وما يعلنونه. ولو قال (مَا يُسِرُّونه وَمَا يُعْلِنُونَه) لتعنيت الموصولية الاسمية ولم تحتمل المصدرية فلم يذكر العائد ليشمل المعنيين جميعاً. وأطلق الإسرار والإعلان ليشمل كل ما يسرون وكل ما يعلنون في كل أمر من الأمور. فعلمه يعم الجميع ولا يخص شيئاً دون شيء. جاء في (روح المعاني):"و (مَا) موصولة والعائد محذوف أي نعلم الذي يسرونه من العقائد الزائغة والعداوة لك ونحو ذلك والذي يعلنونه من كلمات الإشراك والتكذيب ونحوها. وجوز أن تكون مصدرية أي نعلم إسرارهم وإعلانهم والمفعول محذوف. أو الفعلان منزلان منزلة اللازم. والمتبادر الأول وهو الأولى"(1). وقد قدم السر على الإعلان، قيل لأن مرتبة السر مقدمة على مرتبة العلن لأن السر يسبق الإعلان فهو علة لما يفعله الإنسان والعلة مقدمة على المعلول. وقيل إن العلم بالسر يدل على الإحاطة بالمعلومات كلها فمن كان يعلم السر فهو يعلم العلن من باب أولى. وقيل غير ذلك. جاء في (روح المعاني): "وتقديم السر على العلن لبيان إحاطة علمه سبحانه بحيث أن علم السر عنده كأنه أقدم من علم المعلن. وقيل لأن مرتبة السر متقدمة على مرتبة العلن إذ ما من شيء معلن إلا هو أو مباديه مضمر في القلب قبل ذلك. فتعلق علمه بحالته الأولى متقدم على تعلقه بحالته الثانية حقيقة. وقيل للإشارة إلى الاهتمام بإصلاح الباطن فإنه ملاك الأمر ولأنه محل الاشتباه المحتاج للبيان"(2). والملاحظ في القرآن الكريم أنه لا يقتصر على تقديم السر فهو كما يقدم السر على الإعلان قد يقدم الجهر على الإخفاء وذلك نحو قوله تعالى (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى-) الأعلى (7) وقوله (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ ) الأنبياء (110) وقوله (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) البقرة (284). وهو أحياناً يكتفي بذكر أحدهما دون الآخر فقد يكتفي بذكر الإسرار مثلاً كما قال تعالى (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) محمد (26). وقد يكتفي بذكر الأمور الظاهرة كذكر العمل والصنع ونحوهما وذلك كقوله تعالى (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) محمد (26). وقد يكتفي بذكر الأمور الظاهرة كذكر العمل والصنع ونحوهما وذلك كقوله تعالى (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ)) البقرة (96) وقوله (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)النور (30) وكل ذلك بحسب ما يقتضيه المقام. وقد قيل في تقديم الإخفاء على الإعلان أو الإعلان على الإخفاء أنه إذا تقدم الكلام على المنافقين أو الكفار قدم الإخفاء وإذا تقدم ذكر المؤمنين قدم الإبداء وهذا مطرد في جميع ما ورد من القرآن الكريم. جاء في (ملاك التأويل) في قوله تعالى (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) - البقرة (284) "أما آية البقرة فلم يجر فيها ذكر النفاق ولا صفة أهله وإنما الخطاب فيها وفي آية الدين قبلها وفيما أعقبت به بعد للمؤمنين فيما يخصهم من الأحكام فورد فيها قوله تعالى (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ )فقدم فيها بادي أعمالهم بناء على سلامة بواطنهم وتنزهم عن صفة المنافقين. ومنه قوله تعالى ( مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ )المائدة (99) فتقدم ذكر ما يبدونه لأنه خطاب للمؤمنين. وهذا جار مطرد فيما يلحق بها الضرب كما أن المراد بالبدء بالإخفاء على الإعلان حيث يتقدم ذكره أهل الكفر وينتظم الكلام بذكرهم كقوله تعالى (يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ) بعد قوله تعالى (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) وكقوله تعالى (مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ) بعد قوله (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) التغابن (2) وكقوله تعالى ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ) وقد تقدمها قوله تعالى (أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآَبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ) النمل (67). فاطرد ما ذكرناه من الطرفين على رعي الإيمان والنفاق. وجاء كل على ما يجب ويناسب"(2). وهذه ملاحظة صحيحة تتبعتها في مواطن قوله تعالى (مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ )وقد وردت في أربعة مواضع من القرآن الكريم وهي(البقرة (77)، هود (5)،النحل (23)، يس (76). وهذه المواطن خاصة بذكر الكافرين. وقد ورد قوله تعالى (مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ) بالخطاب في موطنين وهما قوله تعالى (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ)النحل (19). وقوله (يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) التغابن (4) وهما ليسا مختصين بالكافرين وإنما هما من المواطن التي تشمل عموم بني آدم وإن كان قد جرى فيها ذكر الكافرين. أما آية النحل فقد وقعت في سياق تعداد النعم على الإنسان وهي قوله (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ...) وتستمر إلى قوله (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا... وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ)… إلى أن يقول: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (17) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (19). فأنت ترى أنها ذكرت في سياق تعداد النعم. إلا أن الملاحظ أن السياق بدأ في الكلام على المشركين والشرك فقد بدأت السورة بقوله ( أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) وبدأت الآيات بقوله (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا.. الآيات. فهي إذن ذكرت بعد ذكر الإنسان الخصيم لربه المشرك به. ثم يأتي في عقب ذلك مباشرة قوله تعالى (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) ويستمر في الكلام على الكفار. وعلى هذا بكون الآية وقعت في سياق الكلام على المشركين والكافرين ولم يرد فيها ذكر للمؤمنين. وأما آية التغابن فقد وقعت في السياق الآتي: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (2 – 4). فالسياق لم يختص بالكلام على الكافرين إلا أنه جرى بعدها مباشرة ذكر الكافرين فقال: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (5 – 7). فتكون قد وقعت في سياق الكافرين سواء تقدمها ذكر الكافرين أم وقع في عقبها. وعلى أية حال تكون الملاحظة صحيحة فكل ما تقدم فيه السر على العلن كان في سياق الكلام على الكافرين سواء تقدم الآية أم كان في عقبها. غير أنه مع هذا الخط العام للتقديم والتأخير يكون التقديم والتأخير مناسباً للسياق الذي ترد فيه الآية. فقوله تعالى مثلاً (إِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ ) إنما قدم الإبداء فيه على الإخفاء لقوله تعالى ( يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ) فإن الحساب يكون على ما يبديه الإنسان ويفعله لا على ما يدور في نفسه من خواطر فإن ذلك ليس بوسع الإنسان أن يمنعه. "ولهذا لما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على الصحابة رضي الله عنهم وخافوا منها ومن محاسبة الله لهم على جليل الأعمال وحقيرها"(3). وورد في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم وغيره أنه لما نزلت هذه الآية على رسول الله ( اشتد ذلك على أصحاب رسول الله فأتوا رسول الله ثم جثوا على الركب وقالوا يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها. فقال رسول الله (: "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين قبلكم سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير". فلما أقرّبها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها (آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) فلم فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ... إلى أخره(4). وكذلك قوله تعالى (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ ) الأنبياء (110) فإنه قدم الجهر على الكتمان وذلك لما تقدم قبلها قوله تعالى (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آَذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ ) والإيذان هو الإعلام والإشهار وذلك لا يكون إلا جهراً. وقوله (عَلَى سَوَاءٍ) يعني "مستوين في الإعلام به لم يطوه عن أحد منهم وكاشف كلهم وقشر العصا عن لحائه"(5) وذلك كله جهر فناسب تقديمه. ونحوه قوله تعالى (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ) الأعلى (7) فقد قدم الجهر وذلك لتقدم قوله تعالى (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى) والإقراء لا يكون إلا جهراً بخلاف القراءة فقد تكون سراً وجهراً. فناسب تقديم الجهر. والمقصود أنه إضافة إلى الخط العام الذي ذكرناه في تقديم السر على العلن فإن السياق الذي ترد فيه الآية يقتضي ذلك أيضاً. أما الاكتفاء بأحدهما دون الآخر فذلك ما يقتضيه المقام أيضاً وذلك نحو قوله تعالى (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) - محمد (26). وذلك لأن السياق والمقام يقتضان ذلك، فقد قال تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) ولم يقل (وجهرهم) ذلك لأنه ذكر ما جهروا به وهو قولهم (سنطيعكم في بعض الأمر) غير أنهم لم يذكروا الأمر الذي يطيعونهم فيه ولم يبينوه وإنما أسروه فقال (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) أي لا يخفي عليه ما أسروه. فذكر ما يحتاج إليه المقام والله أعلم. الوقفة كاملة |
| ٢٧٥ | برنامج لمسات بيانية (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) قيل جاء أحد عتاة مكة – قيل هو أبيّ بن خلف وقيل العاص بن وائل – إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وفي يده عظم رميم وهو يفتّه ويذروه في الهواء وهو يقول: يا محمد أتزعم أن الله يبعث هذا؟ قال (صلى الله عليه وسلم) نعم يميتك الله ثم يبعثك ثم يحشرك إلى النار. ونزلت هذه الآيات من آخر يس (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ) إلى أخرهن. وفي رواية أنه قال له بعدما فتّ العظم البالي: أيحيي الله هذا بعدما أرى؟ فأجابه رسول الله بما ذكرنا(1). (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) المقصود هو التعجيب من حال الإنسان بعدما خلقه الله من نطفة فإذا هو مخاصم لربه معاند له. فكان جزاء نعمته عليه أن كان خاصماً لربه مظهراً خصومته له. وقيل المقصود بيان قدرة الخالق وذلك أن ربه خلقه من نطفة فإذا هو ناطق مخاصم ذو حجة ولدد مبين عما في نفسه. جاء في (الكشاف): "قبح الله عز وجل إنكارهم البعث تقبيحاً لا ترى أعجب منه وأبلغ وأدلّ على تمادي كفر الإنسان وإفراطه في جحود المنعم وعقوق الأيادي وتوغله في الخسة وتغلغله في القحة حيث قرره بأن عنصره الذي خلقه منه هو أخس شيء وأمهنه وهو النطفة المذرة... ثم عجب من حاله بأن يتصدى مثله على مهانة أصله ودناءة أوله لمخاصمة الجبار... وقيل معنى قوله تعالى (فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) فإذا هو بعدما كان ماء مهيناً رجل مميز منطيق قادر على الخصام مبين معرب عما في نفسه فصيح"(2). وجاء في (روح المعاني): "وقوله تعالى (فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) أي مبالغ في الخصومة والجدال الباطل (مُبِينٌ) ظاهر متجاهر في ذلك.... وقيل: معنى قوله تعالى (فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) فإذا هو بعدما كان ماء مهيناً رجل مميز منطيق قادر على الخصام مبين معرب عما في ضميره فصيح"(3). وجاء في (البحر المحيط): "فإذا هو خصيم مبين الوصف الذي آل إليه من التمييز والإدراك الذي يتأتى معه الخصام أي فإذا هو بعدما كان نطفة رجل مميز منطيق قادر على الخصام مبين معرب عما في نفسه"(4). والمعنيان مرادان مقصودان. فالإنسان بعدما خلقه ربه من نطفة من ماء مهين وسواه رجلاً إذا هو مخاصم له يتخذ من دونه آلهة. أولاً ينظر الإنسان إلى قدرة خالقه بأن جعل من النطفة إنساناً عاقلاً ناطقاً مخاصماً مبيناً عن حجته؟ إن الآية تبدأ بالهمزة الدالة على الإنكار والتعجيب فهي تنكر عليه فعله وموقفه من ربه وتعجّب من حاله وذلك أن يقابل الإحسان بالإساءة والنعمة بالجحود فهو إنكار وتعجيب. ثم جاء بالواو التي قيل إنها عطف على كلام مقدر وقيل أيضاً أن المقصود به الاستدلال بالمشاهد وكثرة الوقوع كما سبق أن ذكرنا. وقيل هي عطف على قوله (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ) ثم ذكر (الْإِنْسَانُ) فقال (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ) مع أنه جاء بضمير الغائبين قبلها فقال (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ) وذلك أن الاستدلال في هذه الآية يخص كل إنسان وهو حجة على كل فرد فكان الأول أن ينظر في نفسه ويتأمل فيها وفي خلقها وينظر في أصله وماذا هو الآن. أما قوله (أَوَلَمْ يَرَوْا) فهو كلام على مجموعة من الناس. فهذه الآية أعم واشمل. جاء في (التفسير الكبير): "قوله (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا) معناه الكافرون المنكرون التاركون عبادة الله المتخذون من دونه آلهة. أولم يروا خلق الأنعام لهم. وعلى هذا فقوله تعالى (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ) كلام أعم من قوله (أَوَلَمْ يَرَوْا) لأنه مع جنس الإنسان وهو مع جمع منهم. فنقول سبب ذلك أن دليل الأنفس أشمل وأكمل وأتم وألزم. فإن الإنسان قد يغفل عن الأنعام وخلقها عند غيبتها ولكن لا يغفل هو مع نفسه متى ما يكون وأينما يكون. فقال إن غاب عن الحيوان وخلقه فهو لا يعيب عن نفسه فما باله؟ أولم ير أنا خلقناه من نطفة وهو أتم نعمة"(5). وجاء في (روح المعاني): "الهمزة للإنكار والتعجب والواو للعطف على جملة مقدرة هي مستتبعة للمعطوف كما مر في قوله تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا) الخ أي ألم يتفكر الإنسان ولم يعلم أنا خلقناه من نطفة أو هي عين تلك الجملة أعيدت تأكيداً للنكير السابق وتميداً لإنكار ما هو أحق منه بالإنكار لما أن المنكر عين علمهم بما يتعلق بخلق أنفسهم. ويشير كلام بعض الآجلّة إلى أن العطف علة (أَوَلَمْ يَرَوْا ) السابق والجامع ابتناء كل منهما على التعكيس فإنه تعالى خلق الإنسان ما خلق ليشكر فكفر وجحد المنعم والنعم وخلقه سبحانه من نطفة قذرة ليكون منقاداً متذللاً فطغى وتكبّر وخاصم. وإيراد (الْإِنْسَانُ) مورد الضمير لأن مدار الإنكار متعلق بأحواله من حيث هو إنسان"(6). وقال (خَلَقْنَاهُ) بإسناد الخلق إلى ضمير المعظم نفسه ليبين الفاعل وقدرته وإنعامه وتفضله. وقال (مِنْ نُطْفَةٍ) ليذكّر الإنسان بأصله ويذكّره بقدرة الخلاق العليم وكيف تعهد هذه النطفة وجعل منها إنساناً عاقلاً فيتطامن لخالقه. ثم قال (فَإِذَا) فجاء بالفاء الدالة على التعقيب أي فإذا هو في عقب ذلك مباشرة خصم لربه. والفاء تفيد السبب أيضاً فكأن إحسان خالقه إليه كان سبباً في كفره وخصومته له. وهذا أعجب شيء وأبعد شيء عن مألوف المعاملات والعادات إذ المفروض أن يكون الإحسان سبباً إلى الشكر والاعتراف بالفضل والجميل. أما الإنسان فكان الإحسان إليه سبباً لخصومة المنعم عليه وكفره به. فجمع بالفاء بين معنيي التعقيب والسبب. وجاء بـــ (إِذَا) الدالة على المفاجأة للدلالة على أن موقفه هذا مفاجئ وهو غير متوقع أن هذا مع من أحسن إليه. ومن جهة أخرى تدل الآية على بالغ قدرة الله فإنه من المفاجآت العجيبة أن تصبح هذه النطفة إنساناً عاقلاً خاصماً ناطقاً بالحجة مدافعاً عن نفسه مبيناً عما في ضميره. فهي مفاجأة من كل وجه. و(الخصيم) هو المبالغ في الخصومة. واختار (الخصيم) لأن الخصيم من يخاصم غيره ويبالغ في ذلك فدلّ بذلك على النطق والعقل والقيام بالحجة. و(المبين) هو المفصح عما في نفسه المظهر لخصومته وما يريد إظهاره. فذكر أضعف شيء في طور خلق الإنسان وهي النطفة وأبلغ شيء فيه وهو الخصيم. وجاء بالجملة اسمية للدلالة على الثبوت أي ثبوت هذا الأمر في الإنسان. جاء في (التفسير الكبير): "(خَصِيمٌ) أي ناطق وإنما ذكر الخصيم مكان الناطق لأنه أعلى أحوال الناطق فإن الناطق مع نفسه لا يبين كلامه مثلما يبينه وهو يتكلم مع غيره. والمتكلم مع غيره إذا لم يكن خصماً لا يبين ولا يجتهد مثلما يجتهد إذا كان كلامه مع خصمه. وقوله (مُبِينٌ) إشارة إلى قوة عقله. واختار الإبانة لأن العاقل عند الإفهام أعلى درجة منه عند عدمه... فقوله تعالى (مِنْ نُطْفَةٍ) إشارة إلى أدنى ما كان عليه، وقوله (خَصِيمٌ مُبِينٌ) إشارة إلى أعلى ما حصل عليه"(7). وجاء في (روح المعاني): "وقوله تعالى (فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ) أي مبالغ في الخصومة والجدال الباطل. (مُبِينٌ) ظاهر متجاهر في ذلك. عطف على الجملة المنفية داخل في حيز الإنكار والتعجيب كأنه قيل: أولم ير أنا خلقناه من أخس الأشياء وأمهنها ففاجأ خصومتنا في أمر يشهد بصحته مبدأ فطرته شهادة بينة. وإيراد الجملة الاسمية للدلالة على استقراره في الخصومة واستمراره عليها. وفي الحواشي الخفاجية إن تعقيب الإنكار بالفاء وإذا الفجائية على ما يقتضي خلافه مقوّ التعجيب. والمراد بالإنسان الجنس، والخصيم إنما هو الكافر المنكر للبعث مطلقاً... وقيل معنى فوله تعالى (فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) فإذا هو بعدما كان ماء مهيناً رجل مميز منطيق قادر على الخصام مبين معرب عما في ضميره فصيح فهو حينئذ معطوف على (خَلَقْنَاهُ) والتعقيب والمفاجأة ناظران إلى خلقه"(8). إن هذه الآية مرتبطة بما قبلها وما بعدها من الآيات أحسن ارتباطاً وأبلغه. فهي مرتبطة بقوله تعالى (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ) وهذه خصومة ظاهرة لخالقهم. ومرتبطة بقوله تعالى (إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) وذلك أنه إذا كان الله خلق الإنسان من نطفة وأنشأه حتى سواه رجلاً فلاشك أنه يعلم كل ما يسر وما يعلن. وهي مرتبطة بقوله: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ) فإن الذي خلقه من نطفة أقدر على إعادته في الآخرة لأن الإعادة أيسر من الابتداء الوقفة كاملة |
| ٢٧٦ | برنامج لمسات بيانية ية (3) : * (وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3)) نظرة عامة على الآية ولماذا قدم الاستغفار على التوبة؟ يقولون الاستغفار من الذنوب التي فعلها العبد. والتوبة عامة من شروطها عدم العودة. غفر في اللغة بمعنى ستر. استغفر طلب المغفرة وطلب الستر. الاستغفار سيكون مما سلف. وتاب يعني رجع. التوبة والاستغفار كل واحدة لها دلالة. * لماذا هنا طلب الاستغفار ثم توبوا؟ ثم تدل على التراخي فلماذا جاءت (ثم) هنا؟ وما هي الفترة الزمنية بين الاستغفار والتوبة؟ هذا سؤال نحوي. (ثم) ليست دائماً للتراخي ولكن للبعد بين المنزليتن قد يكون ما بعد (ثم) أعلى ما قبلها. نلاحظ في سورة البلد (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17)) هذه أعلى من تلك لأنه ما تقبل هذه إلا بالإيمان. "آمنت بالله ثم استقم" أحياناً قد تكون (ثم) للتراخي للبعد بين المنزلتين، ليس التراخي بالوقت. هو بعد معنوي وليس بعد زمني. * ما المتاع الحسن؟ المتاع الحسن هو الأمن النفسي والاطمئنان واطمئنان القلب هذا المتاع الحسن. الرضى بالمقدور والقناعة ورجاؤه في الله. الرجاء في الله، إفاضة النعم على المجتمع المؤمن. التكافل فيما بين المجتمع المسلم هذا كله متاع حسن. معاونة أحدهم الآخر، حفظ الواحد للآخر، الأُسرة للأُسر الأخرى ومعاونتها والتعاون فيما بينهم والتواصي فيما بينهم والإلفة فيما بينهم، الرضى بالمقدور والرضى باليسير والقناعة بما عند الله والرجاء هذا كله من المتاع الحسن لأن الكافر في قلق نفسي وجزع عند المصيبة ويخاف من زوال النعم بينما المؤمن يقول هذا قدر الله ربما يقدر لي ما هو أحسن ويأتيني بما هو أحسن. حتى إذا أصابته مصيبة يرضى وقسم يقول هذه فيها أجور كبيرة وهي مكفرات للذنوب، هذا متاع حسن والكافر في عذاب نفسي وهذا أشد أنواع العذاب. إذن هذا من المتاع الحسن إضافة إلى أن ربنا سبحانه وتعالى قال (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (12) نوح) هذا كثير، هذا المتاع الحسن. (إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى) * (مُّسَمًّى) مبني للمجهول؟ هو إسم مفعول. * مسمى يعني الله سبحانه وتعالى هو الذي يعلمه، مسمى له ليس مسمى لنا. الأجل المسمى يقصد به يوم القيامة؟ لا شك. بالنسبة للفرد هو أجله وبالنسبة للدنيا هو يوم القيامة. * (وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) على من يعود الضمير؟ الفعل هنا يؤتي الله سبحانه وتعالى، و(كل) مفعول به من البشر و(فضله) هذه الهاء في فضله فيها احتمالين احتمال يعود على صاحب الفضل الذي يفعل الخير يؤتيه ربنا لا يبخس منه شيئاً يؤتيه حقه بل ويزيد عليه، واحتمال آخر أن يعود على الله إن الله يؤتي صاحب الفضل فضل الله. * أيهما ترجح؟ كلاهما. ذو الفضل ربنا يؤتيه فضله ويزيد عليه والله يؤتيه فضله. * أليس هناك عائد واحد للضمير؟ الآية تحتمل لأن فيها أمرين، الله سبحانه وتعالى يؤتيه إذن يحتمل وذي فضل يحتمل، إذن يحتمل أمرين والمعنيان صحيحان ومرادان. * (وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ) في قوله تبارك وتعالى (وَإِن تَوَلَّوْاْ) وأحياناً يقول (وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ (16) الفتح) بزيادة التاء، تولى، تتولى فلماذا قال هنا (تَوَلَّوْاْ) بتاء واحدة؟ النحاة يقولون هذا الحذف في اللغة جائز للتخفيف. أصل الفعل تتولوا. الحذف في مثل هذا في اللغة موجود للتخفيف. * هل له قياس أم على غير قياس؟ وجود تائين في المضارع يجوز التخفيف مثل تنابزوا وتتنابزوان هذا موجود، تفرقوا وتتفرقوا. ها موجود في اللغة كمبدأ عام وإن كان في القرآن أمر آخر. * لماذا هذا الاختيار هنا؟ الحقيقة في التعبير القرآني في هذا الفعل عموماً في فعل (تولوا) حيث ذكر التائين قال (تتولوا) يذكرها في الموقف الأشد. وإذا كان أخف خفف بحذف أحد التائين. تتولوا في الموقف الأشد وتولوا في الموقف الأخف. مثال: هنا قال (وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3) هود) وقال (وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (16) الفتح). هو قال (فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ) ما قال أعذبكم، المخوف ليس بالضرورة أن يقع، قد يُدرأ. بينما في الاية الأخرى قال (يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) هذا قطع. أيّ الموقفين أشد؟ الآية الثانية.هذا أمر. قال (فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ) ما قال عذاباً كبيراً وإنما قال عذاب يوم كبير، وصف اليوم بالكبر وليس العذاب. هناك قال (يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) وصف العذاب، أيُّ الأشد؟ عذاباً أليماً. إذن لاحظ (تولوا) و(تتولوا). هناك مثال آخر: قال (وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ (52) هود) بتائين وقال (فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ (57) هود) بتاء واحدة. نضعها في سياقها: قال (وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ) ماذا قالوا له؟ (قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ (54)) الآية الثانية ما قالوا شيئاً (فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57)). مثال آخر (قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32) آل عمران) ما ذكر عذابهم وعقابهم. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ (20) الأنفال) خطاب للمؤمنين ما ذكر عقوبة. (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (54) النور)، (وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38) محمد) عذاب شديد، يستبدل. في القرآن حيث ورد هذا الفعل هكذا، تتولوا أشد. الوقفة كاملة |
| ٢٧٧ | برنامج لمسات بيانية آية (5) : * في قوله تبارك وتعالى (أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (5)) ما معنى قوله تبارك وتعالى (يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ)؟ قيل إن بعض المنافقين أو الكفار كان إذا مرّ بالرسول ثنى صدره وظهره وغطى وجهه حتى لا يرى الرسول كُرهاً وإعراضاً ولا يريد أن يسمع ما يقوله عليه الصلاة والسلام، فذكر ربنا أنه حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون. أفادت تعبير الرؤية والمراقبة ثم العلم. الرؤية والمراقبة من الله سبحانه وتعالى أنه يراهم ويراقبهم ويعلم ما يسرون وما يعلنون. إذن ربنا سبحانه وتعالى يراهم ويراقبهم ويعلم ما في أنفسهم ليس بمجرد الرؤية والعلم حين يستغشون ثيابهم يعني ليس فيما بعد تأمل وتفكير، لا، وإنما حين يعلم ثم ليس هذا فقط حتى لا يظن أنه فقط في هذا الوقت قال (يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) * ماذا في هذه الـ (ما) في (يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ)؟ هذه فيها احتمالان أن تكون (ما) مصدرية يعني إسرارهم وإعلانهم وتحتمل أن تكون إسماً موصولاً يعني الذي يسرونه والذي يعلنونه. * الآية تحتمل المعنيين ليس له قرينة سياقية لتحديد معنى معين في السياق؟ نعم، لو جاء بالعائد لو قال يسرونه كان تخصص المعنى بإسم الموصول (الذي) لكن هو وسع المسألة حذف العائد فاتسع المعنى فهو يعلم الإسرار والإعلان ويعلم الذي يسرونه ويعلنونه هذا يسمى توسع في المعنى، ذكر أمران المصدر والذات. هذا الحذف شمل معنيين. والمقصود كل شيء يعلم إسرارهم وإعلانهم مداره وكيفيته، المصدر ويعلم الذي يسرّونه ويعلنونه. * في تعبير شبيه بهذا يقول تعالى (وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) النمل) وهنا ربنا تبارك وتعالى يقول (يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) ما الفرق بين الإسرار والإخفاء وقال أيضاً في آية أخرى (وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (33) البقرة) ؟ الآية في سورة النمل (أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25)) كأن الإخفاء أكثر خفاء من الإسرار، أخفى من السر. الإسرار قد يكون في النفس (فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ (77) يوسف) هذا في النفس وقد يكون الإسرار إلى غيرك (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا (3) التحريم) (تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ (1) الممتحنة) (فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (62) طه) * ألا نستشف منها معنى السِر أو السريّة؟ هو السر، تفضي إليه دون غيره فهو كتمان من ناحية وإفضاء من ناحية، قد تسره في نفسك لا تظهره لأحد (فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ (77) يوسف) هذا إسرار. لكن هناك إسرار مع الإفضاء إلى معين، إسرار عن آخرين وإفضاء إلى من أفضيت (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا (3) التحريم) لم يذكر للبعض الآخر. هذا الإسرار. الإخفاء قد يكون أخفى قال تعالى (فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7) طه) إذن هنالك ما هو أخفى من السر، وقد كان هناك سؤال في السابق كيف يكون أخفى من السر؟ قلنا الذي لم يصل بعد إلى علم الإنسان وإلى سرّه. * قبل أن يتبادر إلى نفسه من الداخل؟ نعم. الإخفاء تقول أخفيت البضاعة تحت الأرض تضعها في صندوق تقول أخفيتها في صندوق تحت الأرض. قال تعالى (تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ (1) الممتحنة) ما قال ما أسررتم . * مع أنه قال في بداية الآية (تسرون) وكأنهم يخفون ويسرون في نفس الوقت! (تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ) قال بما أخفيتم ما قال بما أسررتم. الإنسان قد يسر إلى شخص لكن له هدف يخفيه من هذا الإسرار. أنت تسرّه بحديث لكن تخفي في نفسك غرض، هذا إخفاء. ربنا قال الدافع أنا أعرفه لو قال بما أسررتم لقال أسررتم بالمودة وكان ما حصل وما ذكره، الذي خرج إليه السر يعلم السر لكن لا يعلم الدافع. هذا أخفى ، الله يعلم السر الذي قيل والدافع الذي خلف هذا السر، لماذا قال؟ ما الغرض من ذلك؟ لأنه لو قال وأنا أعلم بما أسررتم مثل تسرون بالمودة هو نفسه، ما أسررتم يعني ما ذكروه فيما بينهم لكنه قال بما أخفيتم. إذن هنالك إسرار وهنالك ما هو أخفى. ولذلك السؤال الذي سألته في آية النمل (أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25)) قال خبء يعني ما هو خافي هو المستور الشيء الذي خُبِأ ، فقال (ما تخفون) لأنه مناسب للخبء، لأنه لم يطّلع عليه أحد والخبء الذي في الأرض والسموات مخبأ ربنا يخرجه هذا خافي، هذا أخفى. ولذلك سيدنا إبراهيم قال (رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللّهِ مِن شَيْءٍ فَي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء (38) إبراهيم) (ما نخفي) ثم قال (وما يخفى على الله من شيء). * (ما) هنا بمعنى الذي إسم موصول؟ وما يخفى نفي يعني لا يخفى؟ نعم. أما الآية الأخرى (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (74) النمل) . * ما الفرق بين هذه الصيغ وما تقدّم؟ الكِنّ هو الذي تحفظ فيه الأشياء، مثل صندوق. الذي تحفظ فيه هو كِنّ (أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ (235) البقرة) (كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) الواقعة) يعني لا يزال محفوظاً في مكان معين. لؤلؤ مكنون يعني لا يزال في الصدفة محفوظ ، (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (74) النمل) الصدر صار في الصندوق الذي يحفظ هذه الأشياء مخفي في صندوق أيضاً. وقوله (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ (5) فصلت) في صناديق مقفلة. * هل هنالك تدرج دلالي من حيث استخدام القرآن الكريم للإسرار والإخفاء والكِنّ؟ ذكرنا مثلاً ربنا ذكر (تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ) هذه مرتبة أخرى، (فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) مرتبة أخرى، (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ) يعني محفوظة في صندوق، قطعاً هي مراتب. * (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (5)) ما المقصود بذات الصدور؟ فيها أمران إما الأسرار المستكنة في الصدر لم تخرج بعد ، وإما القلوب التي في الصدور، هذه كلها ذات الصدور. * (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) هل لأنها موضع الإسرار؟ باعتبار القلب وعاء والأسرار التي هي موجودة في الصدور. * هل (ذات) جمع؟ هي مفرد، ذوات جمع. * كيف ذات والقلب مذكر؟! ويكون مقصود بذات الصدور القلب؟ القلوب، ذات الصدور جمع. * ذات تعني صاحبة؟ ذات الصدور يعني صاحبة الصدور؟ إما أن تكون الأسرار أو القلوب؟ نعم، الأسرار أو القلوب التي في الصدور. كلاهما مقصود، يعني عليم بهما . * ما دلالة استخدام صيغة (عليم) تحديداً؟ مع أنه في غير ما موضع في القرآن يستخدم عالم وعلام فلماذا هنا عليم؟ أولاً جاء بالإسم للدلالة على ثبات علمه لم يقل يعلم. في أكثر من مناسبة فرقنا بين عليم وعالم وعلام. ذكرنا أن (عالم) ربنا اختصها في القرآن بعلم الغيب أو علم الغيب والشهادة فقط (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ (9) الرعد) وعلاّم في الغيوب (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (48) سبأ) وعليم يستعملها مطلقة إما أن يجعلها (عَلِيمٌ حَكِيمٌ) . * أيها أقوى من الثانية خارج القرآن لغة؟ هل اللغة تفرِّق أم كلهم بدرجات واحدة متقاربة؟ صيغ المبالغة في دلالاتها اختلاف مع أنها كلها للمبالغة ونحن عندنا الصفة المشبهة لها دلالة صيغة فعلان لها دلالة التجدد والامتلاء مثل عطشان، وصيغة فعيل لها دلالة الثبوت واحد يقول هو طولان تقول هو طويل. طولان حدث جديد يدل على التجدد والامتلاء مثل صيغة فعلان لكن لا يستمر، عطشان ليست حالة ثابتة ليست مثل طويل أو قصير, جوعان مثل طويل أو قصير؟ لا. صيغة أفعل عيوب ظاهرة مثل أعمى وأعرج، صيغة فعل لها دلالة أخرى ولكها يسمونها صفة مشبهة لكن لها دلالات. اختلاف المباني يدل على اختلاف المعاني. لذلك صيغ المبالغة هي كل إسم مبالِغ لكن هنالك فرق بين صيغة فعال وصيغة مفعال مثل معطاء، هذه مبالغة، مهدار، كلها مبالغة لكن الدلالة تختلف. مثل فعول مثل صبور، صبور غير صبّار. * إذا أخذنا مثلاً فعال فعيل فعول مفعال هي من صيغ المبالغة كلها وهناك فروق دلالية بينها؟ نعم. في القرآن ألم يستعمل غفار وغفور؟ وفعال وفعول للمبالغة؟ كلها تندرج تحت صيغ المبالغة لكن فعّال في الأصل كما يقول أهل اللغة منقولة من الحِرفة مثل نجّار، حدّاد، هذه أصلها للحِرف. صيغة فعال هي للحِرَف مثل صبّاغ، قصّاب. فلما يقول إنسان كذّاب أي حِرفته الكذب، صناعة وصاحب الحرفة يداوم عليها، حرفة يعيش منها، صبّار يعني حرفته الصبر، ماذا تقتضي؟ هذه تقتضي التجديد والاستمرار لأن صاحب الحرفة مستمر على صنعته، مداوم لها، هذه فعّال ولذلك ربنا قال (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) نوح) لأن الغفار بمقابل الكفّار (وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27) نوح) كلما أحدث كفراً أحدث الله مغفرة. قال (هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ (11) القلم) يمشي هكذا، ليست مثل (وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ (1) الهمزة) هذه غير دلالة، تلك حرفة يمشي (هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ). صيغة فعول على وجه السرعة وضربنا مثلاً في غفار وغفور. غفور في الأصل هي للمادة، مادة الشيء، السَحور ما يؤكل في السحر، الوَضوء الماء الذي يتوضأ به، في الأدوية، العَيون ما يوضع في العين دواء العين، الأَنوف ما يوضع في الأنف، السَفوف ما يُسف عن طريق الفم، الوَقود الحطب الذي توقد فيه النار، الوُقود هو الحدث، الاشتعال، الوَقود هو الحطب (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ (24) البقرة) هذه صيغة فعول هي للمبالغة. عندما يقول رجل صبور كأنه مادة للصبر يُستهلك في الصبر كما يُستهلك الوَضوء في الوضوء، كما يُستهلك الوقود في الحطب. ربنا غفور أي كله مغفرة، فرق بين غفّار يجدد المغفرة وبين ربنا كله مغفرة ولذلك في أرجى آية (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) الزمر) .إسمها مبالغة ولكن لكل واحدة دلالة. مفعال غير دلالة. * إذن ربنا إختار عليم هنا لدلالته (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) ولم يقل علام أو عالم؟ قلنا أن علام تأتي مع الغيوب. عليم تأتي إما مطلقة (عليم حكيم) أو بكل شيء (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أو متعلق بمجموع (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7) الجمعة) (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) مجموع ليس بمفرد، لا تأتي كلمة عليم مع مفرد مطلقاً. الوقفة كاملة |
| ٢٧٨ | برنامج لمسات بيانية آية (13): * (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ (13)) ما مناسبة هذه الاية لما قبلها في النسق العام؟ هو عندما قال أنهم يقولون (لوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ) لماذا يقولون هذا غير لأنهم يعتقدون أنه ليس من عند الله وأنه مفترى؟ هو دلف إلى القضية مباشرة عندما قالوا (لوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ) معناه أن كل هذا كذب يظنون أنه كاذب مفتري فيأتي إلى أصل القضية أنت تقول مفتريات إذن هاته! * على زعمهم وقولهم وما تضمره صدورهم! وهذا قمة التحدي. ما أتوا؟! حتى بعض ما سطرته كتب التاريخ "عليكم باليمامة ودفوا دفيف الحمامة فإنه حرب صرامة" هذه كلغة باطلة ليس فيها بلاغة!. و "الفيل وما أدراك ما الفيل، له خرطوم طويل"، وما أدراك هذا التهويل العظيم يقولون بعده (له خرطوم طويل)! ما أدراك دلالة على أن هناك أمر عظيم (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) الإنفطار)، إذن كان عندهم البلاغة والبيان للتذوق وليس للنسج مثل القرآن الكريم. وقد ورد أن بعض الشعراء أعرضوا عن قول الشعر واكتفوا بقراءة القرآن الكريم إكباراً وإعظاماً له "بعد البقرة لا أقول شيئاً". * ما الفرق البياني بين قوله تعالى (من مثله)فى سورة البقرة و(مثله)فى سورة هود؟ تحدّى الله تعالى الكفار والمشركين بالقرآن في أكثر من موضع فقال تعالى في سورة البقرة (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23)) وقال في سورة هود (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13)). أولاً ينبغي أن نلحظ الفرق في المعنى بين (من مثله) و(مثله) ثم كل آية تنطبع بطابع الفرق هذا. فإذا قلنا مثلاً : إن لهذا الشيء أمثالاً فيقول: ائتني بشيء من مثله فهذا يعني أننا نفترض وجود أمثال لهذا الشيء أما عندما نقول : ائتني بشيء مثله فهذا لا يفترض وجود أمثال لكنه محتمل أن يكون لهذا الشيء مثيل وقد لا يكون فإن كان موجوداً ائتني به وإن لم يكن موجوداً فافعل مثله. هذا هو الفرق الرئيس بينهما. هذا الأمر طبع الآيات كلها . أولاً قال تعالى في سورة البقرة (وإن كنتم في ريب) وفي آية سورة هود قال تعالى (افتراه) وبلا شك (إن كنتم في ريب) هي أعمّ من (افتراه) أن مظنة الإفتراء أحد أمور الريب (يقولون ساحر) يقولون يعلمه بشر)( يقولون افتراه) أمور الريب أعم وأهم من الإفتراء والإفتراء واحد من أمور الريب. والأمر الآخر أننا نلاحظ أن الهيكلية قبل الدخول في التفصيل (وإن كنتم في ريب) أعمّ من قوله (افتراه) و(من مثله) أعمّ من (مثله) لماذا؟ لو لاحظنا المفسرين نجد أنهم وضعوا احتمالين لقوله تعالى (من مثله) فمنهم من قال من مثله أي من مثل القرآن وآخرون قالوا أن من مثله أي من مثل هذا الرسول الأمي الذي ينطق بالحكمة أي فاتوا بسورة من القرآن من مثل رجل أمي كالرسول . وعليه فإن (من مثله) أعمّ لأنه تحتمل المعنيين أم (مثله) فهي لا تحتمل إلا معنى واحداً وهو مثل القرآن ولا تحتمل المعنى الثاني. الإحتمال الأول أظهر في القرآن ولكن اللغة تحتمل المعنيين. وعليه فإن (إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله) أعم من (أم يقولون افتراه فاتوا بعشر سور مثله) لأن إن كنتم في ريب أعمّ من الإفتراء و(من مثله) أعمّ من (مثله). ثم هناك أمر آخر وهو أنه حذف مفعولين الفعلين المتعديين (تفعلوا) في قوله تعالى (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا) والحذف قد يكون للإطلاق في اللغة كأن نقول: "(قد كان منك ما يؤذيني" هذا خاص و" قد كان منك ما يُؤذي" وهذا عام. وإن كان المعنى في الآية هنا محدد واضح لكن الحذف قد يعني الإطلاق عموماً (سياق التحديد ظاهر جداً والحذف قد يأتي في مواطن الإطلاق فحذف هنا). ونسأل هنا هل يمكن أن نضيف كلمة مفتراة في آية سورة البقرة فيقول مثلاً فاتوا بسورة من مثله مفتراة؟ في آية سورة البقرة (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23)) كما قال في (مفتريات)في سورة هود؟ فنقول أن هذا التعبير لا يصح من جهتين: أولاً هم لم يقولوا افتراه كما قالوا في سورة هود. والأمر الآخر وهو المهم أنه لا يُحسن أن يأتي بعد "من مثله" بكلمة مفتراة لأنه عندما قال من مثله افترض وجود مثيل له فإذن هو ليس مفترى ولا يكون مفترى إذا كان له مثيل إذن تنتفي صفة الافتراء مع افتراض وجود مثل له. والأمر الآخر لا يصح كذلك أن يقول في سورة هود مع الآية (أم يقولون افتراه) أن يأتي بـ "فاتوا بسورة من مثله" بإضافة (من) وإنما الأصح كما جاء في الآية أن تأتي كما هي باستخدام "مثله" بدون "من" (فاتوا بسورة مثله) لأن استخدام "من مثله" تفترض أن له مثل إذن هو ليس بمفترى ولا يصح بعد قوله تعالى (أم يقولون افتراه) أن يقول (فاتوا بسورة من مثله) لنفس السبب الذي ذكرناه سابقاً. إذن لا يمكن استبدال أحاهما بالأخرى أي لا يمكن قول (مثله) في البقرة كما لا يمكن قول (من مثله) في سورة هود. والأمر الآخر أيضاً أنه تعالى قال في آية سورة البقرة (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) ولم يقل ادعوا من استطعتم كما قال في هود (وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) ونسأل لماذا جاءت الآية في سورة هود بـ (وادعوا من استطعتم) ولم تأتي في آية سورة البقرة؟ ونقول أنه في آية سورة البقرة عندما قال (من مثله) افترض أن له مثل إذن هناك من استطاع أن يأتي بهذا المثل وليس المهم أن تأتي بمستطيع لكن المهم أن تأتي بما جاء به فلماذا تدعو المستطيع إلا ليأتي بالنصّ؟ لماذا تدعو المستطيع في سورة البقرة طالما أنه افترض أن له مثل وإنما صحّ أن يأتي بقوله (وادعوا شهداءكم) ليشهدوا إن كان هذا القول مثل هذا القول فالموقف إذن يحتاج إلى شاهد محكّم ليشهد بما جاءوا به وليحكم بين القولين. أما في آية سورة هود فالآية تقتضي أن يقول (وادعوا من استطعتم) ليفتري مثله، هم قالوا افتراه فيقول تعالى ادعوا من يستطيع أن يفتري مثله كما يقولون. إذن فقوله تعالى (وادعوا شهداءكم) أعمّ وأوسع لأنه تعالى طلب أمرين: دعوة الشهداء ودعوة المستطيع ضمناً أما في آية سورة هود فالدعوة للمستطيع فقط. ومما سبق نلاحظ أن الآية في سورة البقرة بُنيت على العموم أصلاً (لا ريب، من مثله، الحذف قد يكون للعموم، ادعوا شهداءكم). ثم إنه بعد هذه الآية في سورة البقرة هدّد تعالى بقوله (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)) والذي لا يؤمن قامت عليه الحجة ولم يستعمل عقله فيكون بمنزلة الحجارة. ثم نسأل لماذا حدد في آية سورة هود السور بعشر سور؟ هذا من طبيعة التدرج في التحدي يبدأ بالكل ثم بالأقل فالأقل. * ما الفرق بين (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) البقرة) و (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) يونس) و(قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13)هود )؟(د.حسام النعيمى) التحدي كان بأكثر من صورة، كان هناك تحدي في مكة وتحدي في المدينة. السور المكية جميعاً جاءت من غير (من) (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (34) الطور)، والطور سورة مكية، الحديث يمكن أن يكون آية أو عشر آيات أو سورة كاملة، بحديث مثله: الحديث مطلق. (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) يونس) بسورة مثله، (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13) هود) بعشر سور، (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) الإسراء) هذه السور المكية بعضها قال بحديث، آية من مثله لذلك نقول ما ورد في كتاب الله عز وجل هو ليس نقلاً حرفياً للكلام وإنما هم قالوا كلاماً والقرآن الكريم يأتي به مصوغاً بما يناسب أعلى درجات الفصاحة والبلاغة. ليس هو هذا الذي قاله، حتى عندما يقول (وقالوا كذا) فهذا ليس قولهم حرفياً لأن هذا كلام الله تعالى وذلك كلامهم ولما يكون الكلام لغير العرب كلاماً قديماً هو ليس ترجمة حرفية كما قلنا وإنما هو حكاية حالهم بأسلوب القرآن الكريم. فإذن كان أحياناً يطالبهم بحديث، أحياناً يقول لهم: فإتوا بقرآن مثله، أحياناً عشر سور، أحياناً سورة مثل الكوثر أو الإخلاص، هذا كان في مكة. سورة واحدة فكان يقول (مثله), في المدينة (في سورة البقرة) المكان الوحيد الذي قال (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) البقرة). هنا القرآن إنتشر وأسلوبه صار معروفاً، الآن يقول لهم (بسورة من مثله) لو قال : بسورة مثله كما قال سابقاً يعني سورة مثل سور القرآن الكريم. (من) هذه للتبعيض، هو هل له مثل حتى يطالَبون ببعض مماثله؟ هو لم يقل : فاتوا بمثله وإنما ببعض ما يماثله ولا يوجد ما يماثله فما معناه؟ هذا معناه زيادة التوكيد. لما تأتي (مثل) ويأتي عليها حرف في شيء ليس له مثل معنى ذلك توكيد كما قال تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) الشورى) الكاف للتشبيه، ومثل للتشبيه معناه أنه لو تخيلتم لو أن تصوّركم أنجدكم بأن تتخيلوا مثالاً لهذا القرآن فحاولوا أن تأتوا بمثل ذلك المثال ، بجزء من ذلك المثال الذي تخيلتموه فهذا أبعد في التيئيس من قوله (مثله) مباشرة. بسورة مثله أي بسورة مماثلة، (من مثله) يعني بسورة من بعض ما تتخيلونه مماثلاً. هذا إمعان في التحدي وأبعد لأنه صار القرآن منتشراً. فلو تخيلت أيها السامع شيئاً يماثل القرآن وهذا غير ممكن لأنه سبق وقال تعالى (لا يأتون بمثله) فإتوا ليس بمثله بمثل هذا الذي تخيلتم وإنما بجزء من مما تتخيلونه مماثلاً له فكان أبعد من التحدي لأن هذه الآية نزلت في المدينة بعد أن كان القرآن قد إنتشر وعمّت الرسالة. كما قال الله عز وجل (ليس كمثله شيء) يعني لو أن عقلك تخيّل مثالاً فالله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء لو تخيّلت مثالاً يعني إبعاد للصورة. *ما اللمسة البيانية في استعمال صيغة المضارع مرة وصيغة الماضي مرة أخرى في قوله تعالى (من كان يريد الآخرة) و (من أراد الآخرة)؟ استعمال فعل المضارع مع الشرط يكون إذا كان مضمون أن يتكرر. أما استعمال فعل الماضي فالمضمون أن لا يتكرر أو لا ينبغي أن يتكرر. كما نلاحظ أيضاً في قوله تعالى (ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد) ينبغي تكرار الشكر لذا جاء بصيغة الفعل المضارع (يشكر) أما الكفر فيكون مرة واحدة وهو لا ينبغي أن يتكرر فجاء بصيغة الماضي في قوله (كفر). كذلك في قوله تعالى (من قتل مؤمناً خطأ) المفروض أن القتل وقع خطاً وللمفروض أن لا يتكرر أما في قوله تعالى (من يقتل مؤمناً متعمداً) هنا تكرار للفعل لأنه قتل عمد. الوقفة كاملة |
| ٢٧٩ | برنامج لمسات بيانية آية (15) : * (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ (15)) مناسبة هذه الآية للجو العام وتحديداً ما قبلها، كيف يتضح من خلال اللمسة البيانية الموجودة؟ ابتداء من أول السورة، أول السورة ذكر (وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى (3)) إذن هذا سبيل المتاع الحسن، من كان يريد الحياة الدنيا ماذا يريد؟ يريد المتاع الحسن. فأول السورة ذكر حقيقة إرادة الحياة وحقيقة المتاع في الدنيا لكن السبيل اختلف قال (وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى) هذا أمر، ثم ذكر بعدها (نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا) فذكر أثر الرحمة وأثر النعماء في الإنسان فقال (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ (10)) هذا لأن الإنسان يريد الحياة الدنيا وزينتها فذكر هذه الأمور مما يبتغيه الإنسان ويريده يريد الرحمة ويريد المتاع الحسن ويريد النعماء (لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ (12)) لماذا الكنز؟ للمتاع الحسن والزينة، إذن هكذا الجو هو متدرج في وسائل المتاع. ذكر الأمر الآخر إذن يريدون ذاك السبيل. الآن الآخر الذي يريد الحياة الدنيا وزينتها ولا يريد غيرها * (من) هنا تفيد التبعيض؟ هذه ليست تبعيض، هذه شرطية (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا (15)) جواب الشرط مجزوم فهي شرطية. * (نُوَفِّ إِلَيْهِمْ) الله سبحانه وتعالى هنا عدّى الفعل بإلى وأحياناً يعديه لمفعولين كما في قوله (وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ (111) هود) عداه بمفعولين وفي قوله تبارك وتعالى (فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ (173) النساء) فكيف يكون متعدياً بنفسه ومتعدياً بحرف الجر (إلى) ومتعدياً بمفعول ومتعدياً بمفعولين؟ أحياناً يدخل التضمين (نُوَفِّ إِلَيْهِمْ) التفسير يقول بمعنى نوصل إليهم. * ما معنى التضمين؟ يضمن كلمة معنى كلمة أخرى؟ كلمة تضمن معنى كلمة أخرى ويؤتى شيء من لوازمها بحيث يستفيد معنى الكلمتين. مثال (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا (77) الأنبياء) معناها ونجيناه، النصر هنا بمعنى التنجية بدليل (من) يقال نجى من ونصر على فأخذ (من) التي هي تتعدى إلى نجّى (نجّى منه). لكن لم يذكر نجينا، لأن هو أراد معنى النصر ومعنى التنجية هو أراد المعنيين، هو نصر ونجّى، نجى هؤلاء ونصرهم بهلاك أعدائهم فهو نصر ونجّى، (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ (63) النور) يخالفون عن أمره يعني ينحرفون عن أمره، يبتعدون أيّ ابتعاد. الحذر ليس من المخالفة، تلك الطامة الكبرى! لو خالف أمره، هو الآن التحذير من الابتعاد عن الأمر، فيها تضمين رسالة. * هنا مثلاً (نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ) نوفّ خارج القرآن يتعدى بنفسه؟ نعم، هو يتعدى بنفسه لكن في التضمين يمكن أن يتعدى بالحرف كما ذكرت الآن خالف وخالف عن أمره. لكن السؤال لماذا أحياناً يعديه بحرف الجر وأحياناً بنفسه ما السبب؟ الذي يظهر من هذا من مراجعة التعبير القرآنى في هذا الفعل أن التعدية بحرف الجر إذا خصّها بالأموال، إذا ذكر حرف الجر إذا قال نوفي إليهم (وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ (272) البقرة) مال، (وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ (60) الأنفال) مال، (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ (15) هود) يريد الحياة الدنيا يعني يريد مالاً، إذن نوف إليهم يعني نوصل إليهم. (نُوَفِّ إِلَيْهِمْ) عندما توصل شيء إلى شيء ليس بالضرورة أنت توصله إلى نفسك قد يصللك عن طريق آخر (وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ (51) القصص) لاحظ أنه إذا عداه بنفسه هذه يستعملها في الآخرة (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ (25) النور) (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (111) النحل) ليس (إلى). ما عدّاه بـ (إلى) نحن قلنا بالأموال ولكن لا يخص الآخرة وإذا عداه بنفسه هو في الآخرة. الفرق إذن أن (وفى إليه) هذه بالأموال وقد تكون في الدنيا، (وفّاه) في الآخرة في القرآن. (وفّى إلى) عام في الدنيا والآخرة لكن في الأموال. * الملاحظ في قوله تبارك وتعالى (نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ (15)) لماذا كرر (فيها)؟ وما اللمسة البيانية في تكرار (فيها)؟ وعلى من يعود الضمير؟ (نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا) هذه في الدنيا، أعمالهم في الدنيا. (وَهُمْ فِيهَا) فيها احتمالين، احتمال تعود على الأعمال يعني الأعمال لا تبخس، لا يبخسون في أعمالهم ويحتمل أن تكون في الدنيا لا يبخسون فيها. * حضرتك تميل إلى أيّ منهما؟ الأعمال أم الدنيا كلاهما وإن كان في الدنيا أظهر. * لماذا التكرار؟ ألا يُكتفى بضمير واحد؟ يعني نوف إليهم أعمالهم فيها وهم لا يُبخسون؟ نحن قلنا احتمال أن الضمير يختلف في العمل فاختلفت المسألة. لكن حتى لو كان للدنيا لو قال وهم لا يبخسون، التوفية بالعمل لو على ما ذكرت أنت نوفي إليهم أعمالهم في الدنيا وهم لا يبخسون ليس في الدنيا بل في الدنيا والآخرة بينما ربنا سبحانه وتعالى يقول (وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ) هو ذكر (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (16) هود). لو قال لا يبخسون سيكون عدم البخس في الدنيا والآخرة وهذا لا يمكن أن يكون * إذن إذا قيّد الفعل سيكون للعموم ولهذا هنا (وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ) قيده بالدنيا أو أعمال الدنيا؟ طبعاً. ثم قال (مَن كَانَ يُرِيدُ) هكذا بالاستمرار يعني لا يريد الآخرة أصلاً. المضارع مسبوق بـ(كان) الدالة على الاستمرار، (كان يريد) دالة على الاستمرار، لأن (كان يفعل) دالة على الاستمرار يعني يريدها على وجه الدوام. * (من يريد) غير من (كان يريد)؟ طبعاً. في البلاغة الفعل المضارع يدل التجدد والاستمرار لكن إذا سُبِق بـ(كان) خلّصه للاستمرار خلّصه للإستمرار في الماضي (كان يفعل) (كان لا يفعل) في الماضي، هذ الماضي المستمر ، هم ما أرادوا شيئاً غير الدنيا بهذا الكلام الوقفة كاملة |
| ٢٨٠ | برنامج لمسات بيانية * (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (16)) في هذه الآية جمعت الآية بين فعلين ربا يكون بينهما تقارب دلالي صنعوا ويعملون فما الفرق بين الصنع وبين العمل؟ ربنا سبحانه وتعالى ذكر الصنع ثم ذكر العمل. الصنع هو إجادة العمل، العمل عام سواء كان بإجادة أم بغير إجادة لكن الصنع فيه إجادة فذكر الأمرين ، سواء ما صنعوه أو ما عملوه من غير صنع كلاهما ذهب هباء. * هم صنعوا أم عملوا؟ كلاهما، الإنسان يصنع ويعمل. لكن يعمل ربما تكون فيها عفوية، وقد تكون بها قصد لكن بدون اتقان، العمل عمل عام فكلاهما ذهب هباء. ما بذلوه بجهد لإحسانه أو ما عملوه على وجه العموم كلاهما ذهب. * لماذا ذكر الصُنع في البداية ثم ذكر العمل ثانية؟ هذا الترتيب ترتيب فني عجيب هي هذه الآية. هو ذكر (وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ) ذكر الحبوط أولاً ثم البطلان ثانياً. يعني ذكر مع الصنعة الحبوط وذكر البطلان مع العمل. الحبوط أخص من البطلان. البطلان أعمّ كما سأذكر. الحبوط خاص بالأعمال في القرآن لم يرد إلا في الأعمال (فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ (5) المائدة) (لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (88) الأنعام) (فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ (217) البقرة) ما يتعلق بالعمل عموماً. البطلان عام في العمل وغير العمل في القضاء والاعتقاد (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً (191) آل عمران) الباطل أعم. فذكر الخاص مع الخاص، الحبوط مع الصُنع، الحبوط أخص فذكره مع الصنع الذي هو أخص والبطلان أعم ذكره مع العمل الذي هو أعم. * (وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا) على من يعود الضمير (فيها)؟ هذا فيه احتمالان الأول احتمال أنه متعلق بحبط (وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا) الحبوط سيكون بالآخرة ومن المحتمل حبط ما صنعوا فيها ومحتمل أن يكون متعلق بما بعده يعني حبط ما صنعوا فيها وباطل فيها ما كانوا يعملون. (وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا) عندنا فعلان حبط وصنع، الحبوط في الآخرة والصنع في الدنيا، يعني حبط في الآخرة الذي صنعوه في الدنيا، عندنا (وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا) السؤال على من يعود الضمير في (فيها)؟ على الحبوط أو على الصنع؟ بالنسبة للآخرة أو للدنيا؟ (فيها) على من يعود؟ * في الآخرة أم في الدنيا؟ الإثنان، هذا التركيب في اللغة يحتمل أمرين، يحتمل حبط في الآخرة ما صنعوا ويحتمل حبط ما صنعوا في الدنيا، كلاهما. لو قدّم لو قال حبط فيها ما صنعوا؟ هو قال (وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا) الآن (فيها) يحتمل أنه يعود على الحبوط وعلى الصنع الآخرة والدنيا يحتمل وكلاهما مطلوب حبط في الآخرة ما صنعوه في الدنيا. الآن لو قال حبط فيها ما صنعوا كان ينصرف للذهن للآخرة فقط ولا يصح للدنيا. * المعنى يعني خارج القرآن حبط في الآخرة ما صنعوا في الدنيا؟ هذا احتمال. لو قدّم (فيها) وحبط فيها ما صنعوا تكون للآخرة فقط. لماذا؟ هو يتعلق بحبط وصنع من حيث اللغة من حيث النحو. لو قال حبط فيها لا يصح أن يتعلق بصنع. * ولو حذف فيها وقال وحبط ما صنعوا؟ إذن المعنيان مرادان مقصودان. في هذا التأخير جمع الأمرين حبط في الآخرة ما صنعوه في الدنيا. لو قدم لا يصح ويكون معنى آخر. * ما معنى حبط؟ ذهب هباء. * لم لم يقل فيها في قوله تبارك وتعالى (وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)؟ ما قال (فيها) أصلاً؟ عندنا أولاً (مَا صَنَعُواْ) تحتمل أن تكون (ما) مصدرية بمعنى حبط صنعه أو تحتمل إسم الموصول أي حبط الذي صنعه، لا توجد قرينة سياقية تحدد معنى. لو قال ما صنعوه يكون فقط إسم موصول. لو أبدل (ما) وجعل مكانها (الذي) تكون إسم موصول. الآن عندما قال (مَا صَنَعُواْ) لم يذكر عائداً صار احتمال لو قال ما صنعوه تقيّد إسم الموصول ليس غير، ذكر عائداً فسيكون إسم موصول قطعاً، (مَا صَنَعُواْ) عامة. * في خارج القرآن لو قلنا حبط الذي صنعوا كمعنى عام وصل إلى الأذهان والأفهام والأسماع؟ لكن هذا خاص بالأعمال لم يأت إلى المصدر الصُنع عمل عموماً. ونحن عندنا أمران العمل وعندنا ما صنعوه، عندنا العمل كحدث وعندنا ما صنعوه * نفس الكلام في (وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) أيضاً؟ تحتمل أيضاً؟ تحتمل أيضاً. ننظر الآن في تأليف العبارة التي سألت عنها، كيف قال في الآول (وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا) لم هذا التركيب؟. أولاً القسم الأول (وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا) هذا مبني على الخصوص يعني كل كلمة اختارها تفيد الخاص ، كل الكلمات، كل التركيب، (وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) مبني على العموم. (وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا) مبني على الخصوص يخصص كل شيء، (وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) مبني على العموم عبارة عامة، هكذا نرتبها ترتيباً فنياً، كيف؟ نأخذها مسألة مسألة. في العبارة الأولى قال حبط وفي الثانية قال باطل، قلنا الحبوط خاص بالأعمال (وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ (5) المائدة) (أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ (17) التوبة) البطلان عامة في الأعمال وغيرها (فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (118) الأعراف) (إِنَّ هَـؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (139) الأعراف) يأتي لغير العمل، (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ (18) الأنبياء) (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ (17) الرعد) (وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ (188) البقرة) (أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ (72) النحل) هذا إيمان، (وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81) الإسراء) (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ (62) الحج) هذه معتقدات، إذن أيّ الأعمّ؟ البطلان إذن أولاً الحبوط أخص والبطلان أعمّ. نأتي إلى (حبط) حبط فعل ماضي و(باطل) إسم، أيّ الأعم؟ الإسم ، إذن من ناحيتين الإسم أعم وأثبت من الفعل من حيث الدلالة والصيغة. من حيث الدلالة في اللغة الحبوط ومن حيث الصيغة إسم وفعل. الأولى قال (وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا) والثانية (وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) قلنا أولاً الصنع أخص من العمل، العمل أعم. ما صنعوا فعل ماضي، ما كانوا يعملون ماضٍ مستمر، الأولى ليس فيها ما كانوا يصنعون. أيّ الأعم؟ ما كانوا يعملون. لاحظ كيف يضع الأمور العجيبة الدقيقة، صنعوا فعل ماضي، (كانوا يعملون) ماضٍ مستمر إذن هذا أعمّ الماضي المستمر يشمل ذاك وما قبله. قال (مَا صَنَعُواْ فِيهَا) إذن قيّد الصنع سواء بالحبوط أو كما ذكرنا الصنع في الدنيا، في الثانية قال (باطل) لم يقل باطل فيها، إذن جعلها عام. * لم يقل باطل فيها و باطل لا ما كانوا يعملون فيها! هذه على العموم لأنها مبنية على العموم. * لا في الدنيا ولا في الآخرة ولكنها تضمن الاثنين! الإثنين. هذا كلها سواء في الدنيا والآخرة. * هي بالفعل تشمل الاثنين! هي فعلاً تشمل الإثنين، تلك مقيدة وهذه غير مقيّدة، أّي الأعم؟ (وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ). لاحظ كيف وضع العام مع العام والخاص مع الخاص. (وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) حتى تأليف العبارة نحوياً، (وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا) فعل وفاعل، حبط فعل ماضي (ما) فاعل سواء كان مصدراً أو إسم موصول. (وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) فيها احتمالين إما أن يكون خبر مقدم ومبتدأ مؤخر (باطل) خبر مقدّم، أصل التركيب "ما كانوا يعملون باطل"، مبتدأ وخبر. ومحتمل أن يكون (ما) فاعل وإسم الفاعل " وباطل الذي كانوا يعملون"، الذي إسم فاعل يعمل إسم الفعل، فذاك واحد وهذه إثنان أيّ الأعم؟ (وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ). لاحظ كيف الاختيار هذا من حيث التركيب والدلالة والذكر والحذف والاختيار وكل شيء، اختيار الفعل والإسم والصنع والعمل وذكر الضمير وعدم ذكر الضمير. * باعتبار حضرتك ضلع في الدراسات البيانية هل كنا في حاجة إلى مثل هذا البيان ومثل هذه البلاغة الفصاحة؟ كان يمكن أن نقول "وحبط الذي كانوا يعملون في الدنيا" كمعنى عام تصل الرسالة لذهن السامع وتنتهي القضية؟ هذه أشمل وأعمّ مما ذكرته أنت. ثم أنت تريد أن تقول أي كلام أو كلام معجز أو كلام مبين أو كلام يتحدى به؟ * قد يثار تساؤل ما فائدة البلاغة أصلاً المهم هناك جنة ونار وهناك عقاب وثواب وفصل لم نحتاج البلاغة والبيان ومتخصصين؟ ما نكسبه من البلاغة؟ أنت تقرأ أحياناً شعراً يهزك كما تقرأ شعراً مضعضعاً؟! التأثير يختلف بشكل كبير وكذلك النثر والفنّ تؤثر، فكيف يكون القرآن كلام هكذا كيفما كان؟ ولذلك تحداهم بأن يأتوا بمثله. الوقفة كاملة |
إظهار النتائج من 271 إلى 280 من إجمالي 396 نتيجة.