أسرار بلاغية

٢٦١ (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) أمرهم بشيئين: الإيمان بالله والرسول، والإنفاق، وهذا الأمران يطبعان السورة بطابعهما إلى حد كبير. فالإيمان بالله والرسول يشيع ذكره في السورة، وهو لم يذكر جميع أركان الإيمان وإنما خصص ركنين من أركانه بالذكر وهما الإيمان بالله والرسل. وذلك في السورة كلها فلم يذكر غير هذين الركنين من أركان الإيمان. فقد قال (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) - (7) وقال( وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۙ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ) - (8) وقال (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ۖ ) - (19) وقال (أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ) - (21) وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ) - (28). وكذلك الأمر بالإنفاق فإنه يطبع السورة أيضاً، فقد قال (وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ (7) ) فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ - (7) (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ - (10) (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ) (11) (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا - (18) (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ) - (24). فالسورة تكاد تكون مخصصة للإيمان والإنفاق فهي لم تذكر جميع أركان الإيمان كما لم تذكر عموم العمل الصالح وإنما ذكرت الإنفاق وذكرت القتال ولم تأمر به كما أمرت بالإنفاق فقد جاء فيها (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا) - (10) وجاء فيها ذكر للشهداء فقال (وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ۖ) (19) وقال أيضاً (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ) - (25) وهو من مظان الجهاد. فالسورة كما ترى يشيع فيها التخصيص بركنين من أركان الإيمان وبالإنفاق. والآية التي نحن بصدد تفسيرها ما ذكر فيها هذين الركنين. (وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ) طلب الإنفاق مما استخلفنا فيه ورغبنا فيه أكبر ترغيب فقال: (وَأَنْفِقُوا مِمَّا ) فجاء بـ (من) التبعيضية ولم يقل (وأنفقوا ما جعلكم مستخلفين فيه) فقد طلب أن ننفق بعضاً مما استخلفنا فيه ليهون الإنفاق علينا. ثم قال (جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) أي هو الذي جعلكم مستخلفين في المال وهو طالب الإنفاق. ومعنى (مُسْتَخْلَفِينَ) أن الأموال التي بين أيديكم إنما هي أمواله، هو الذي خلقها وخولكم الاستمتاع بها ولستم إلا وكلاء عليها. ثم إنه نقلها إليكم وقد كانت لغيركم ثم إنه سينقلها إلى غيركم فلستم إلا خلفاء من قبلكم فيها. وكل معنى من هذين المعنيين مدعاة للخروج من الشح إلى الإنفاق. فالمال ماله ثم إنه سينقله منكم إلى غيركم بعد موتكم أو في حياتكم. ومع ذلك فإنه جعل للذين آمنوا وأنفقوا أجراً كبيراً مضاعفاً. جاء في (الكشاف): (مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ) يعني أن الأموال التي في أيديكم إنما هي أموال الله بخلقه وإنشائه لها. وإنما موّلكم إياها وخوّلكم الاستمتاع بها وجعلكم خلفاء في التصرف فيها. فليست هي بأموالكم في الحقيقة، وما أنتم إلا بمنزلة الوكلاء والنواب. فأنفقوا منها في حقوق الله وليهن عليكم الإنفاق منها كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه، أو جعلكم مستخلفين ممن كان قبلكم في أيديكم بتوريثه إياكم. فاعتبروا بحالهم حيث انتقل منهم إليكم وسينقل منكم إلى من بعدكم فلا تبخلوا به وانفعُوا بالإنفاق منها أنفسكم (1). وجاء في (روح المعاني): وفيه أيضاً ترغيب في الإنفاق وتسهيل له لأن من علم أنه لم يبق لمن قبله وانتقل إليه علم أنه لا يدوم له وينتقل لغيره فيسهل عليه إخراجه ويرغب في كسب الأجر بإنفاقه... والمعنى الأول هو المناسب لقوله تعالى (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ ) (2). (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) ذكر أن لمن آمن وأنفق أجراً كبيراً. وقد تقول لقد أكد الأجر في موطن آخر بإنّ فقد قال في سورة الإسراء: (إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) - (9) ولم يؤكده في آية الحديد هذه مع أنه وصف الأجر بأنه كبير في الآيتين فهل ذلك لفواصل الآي؟ والجواب أن فاصلة كل من الآيتين تتناسب مع فواصل الآي في سياقها غير أن ذلك ليس هو السبب الأول بل إن كل آية تقتضي ما ورد فيها من التعبير وإن لم تكن فواصل الآي كذلك. وإليك إيضاح ذلك: 1- قال في آية الحديد (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ) وقال في آية الإسراء (وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ) فذكر في آية الحديد (فَالَّذِينَ آمَنُوا) بصيغة الفعل وذكر في آية الإسراء (الْمُؤْمِنِينَ) بالصيغة الاسمية، والاسم أثبت وأقوى من الفعل كما هو معلوم. ۲- خصص الإيمان في آية الحديد بالإيمان بالله والرسول: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) ، وأطلق الإيمان في آية الإسراء فجعله عاماً لكل أركان الإيمان . ٣- ذكر في آية الحديد الإنفاق ولم يذكر معه شيئاً آخر. وذكر في آية الإسراء (الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ) وهو أعم. والإنفاق إنما هو من العمل الصالح، فكان التوكيد أولى في آية الإسراء: فناسب كل تعبير موطنه هذا إضافة إلى ما اقتضته فواصل الآي. وقد تقول: لقد أضاف في آيات أخرى المغفرة إلى الأجر الكبير وذلك نحو قوله تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) - فاطر (7) وقوله (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) - الملك (12): فما السبب في هذه الزيادة؟ فنقول: إن كل ما ذكرت فيه المغفرة مع الأجر الكبير إنما هو في سياق ذكر الذنوب والكافرين وذلك يقتضي ذكر المغفرة. أما ما لم يرد فيه المغفرة فإنه ليس في هذا السياق. فقد قال في سورة فاطر: (الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) - (7) وقال في سورة الملك: (وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ...)..إلى قوله تعالى: (فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ) - (7 - 11) ثم قال (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) . وهكذا كل ما وردت فيه المغفرة بخلاف ما لم يرد. فناسب كل تعبير موطنه. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 246 إلى ص 249. (1) الكشاف 4/61، وأنظر تفسير الرازي 29/217. (2) روح المعاني 27/259. الوقفة كاملة
٢٦٢ (فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ مَأْوَاكُمُ النَّارُ ۖ هِيَ مَوْلَاكُمْ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) ذكر الفدية لأنه تكرر في السورة ذكر الإنفاق والدعوة إليه وذكر القرض الحسن والبخل والذين يأمرون به فقال (فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ) وقد كان بإمكانكم أن تفدوا أنفسكم في الدنيا بالإنفاق في سبيل الله فلم تفعلوا: والظاهر أن الفدية ههنا تعني المال وإن كانت الفدية عامة في كل ما يفتدي به فقد قال تعالى (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ۚ ) - البقرة (196). غير أن الذي يرجح معنى المال قوله لا يؤخذ ولم يقل (لا تقبل) والذي يؤخذ هو المال وهو المناسب لجو السورة وما شاع فيها من ذكر للإنفاق والقرض الحسن. والله أعلم. وقال (لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ) مع أن المنافقين من الذين كفروا ذلك أن المقصود به (الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ) هم الكافرون من غير المنافقين وهم الذين أظهروا كفرهم ولم يستروه (1) فلا تؤخذ الفدية لا من المنافقين ولا من سائر الكافرين الآخرين. (مَأْوَاكُمُ النَّارُ ۖ) أي هي دار إقامتكم والمأوى الذين تأوون إليه، والمأوى يعني الملجأ والمكان الذي يحتمي به فالنار ملجؤهم الذي يأوون إليه. (هِيَ مَوْلَاكُمْ ۖ ) أي هي التي تتولى أمركم فذكر المأوى والمولى، ذلك أن الشر إنما يأتيهم من جهتين: المأوى والمولى. فقد يكون المأوى سيئاً غير أن المولى حسن وقد يكون العكس. أما هؤلاء فالنار مأواهم ومولاهم. وقيل إن معنى (هِيَ مَوْلَاكُمْ ۖ:) هي أولى بكم... وحقيقة مولاكم محراكم ومقمنكم أي مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم.. ويجوز أن يراد هي ناصركم أي لا ناصر لكم غيرها. والمراد نفي الناصر على الثبات ونحوه قولهم (أصيب فلان بكذا فاستنصر الجزع) ومنه قوله تعالى (يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ) وقيل: تتولاكم كما توليتم في الدنيا أعمال أهل النار (2). ويجوز أن يكون اشتقاق (المولى) من الولي وهو القرب فيكون معنى مولاكم أي مكانكم عن قرب (3). والمعنيان مرادان فهي تتولى أمرهم وهي مكانهم عن قرب. ولم يرد في جهنم (هي مولاكم) إلا في هذا الموطن. وذلك لسببين والله أعلم: السبب الأول أنه ذكر في آية الحديد هذه أن المنافقين تربصوا وغرتهم الأماني حتى الموت فبعد طول الأمل والتربص الطويل كانت النار أقرب إليهم فهم كانوا يستبعدونها وهي أقرب إليهم وأدنى من آمالهم. والسبب الآخر أن كل الآيات الأخرى التي ورد فيها (مَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) ونحوها إنما قيلت وهم في الدنيا. والدنيا لا تزال غير منقضية، وأما هذا القول فإنه قيل وهم في الآخرة وقد ضرب السور بينهم وبين المؤمنين وأتاهم العذاب من قبل فالنار قريبة منهم فقال (هِيَ مَوْلَاكُمْ ۖ ) . (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) وهذه أنسب خاتمة لهم، فقد كانوا في ترقبهم وأمانيهم ينتظرون المصير الحسن والمستقبل المشرق فكانت لهم الظلمة والمصير الأسوأ. إن هذه الآيات يتجلى فيها إكرام المؤمنين وإبعاد النصب عنهم بخلاف المنافقين فإنها يتجلى فيها إرهاقهم وإهانتهم والتهكم بهم. فقد قال في المؤمنين: 1- يسعى نورهم: ولم يقل (يمشي نورهم) للدلالة على الإسراع بهم إلى الجنة وهذا إكرام، فإن الإبطاء إلى السعادة ليس كالإسراع إليها. وفي الإسراع بما فيه من الإكرام. 2- أنه أسند السعي إلى النور ولم يسنده إليهم فلم يقل (يسعون) لأن السعي قد يجهدهم فأسنده إلى النور فدل على أنه يسعى بهم. فهو لم يقل إنهم يمشون لأن المشي قد يكون فيه إبطاء ولم يقل (يسعون) لأن سعيهم قد يكون فيه إجهاد ولكنه أفاد السعي من ذكر سعي النور. 3- قال (يَسْعَىٰ نُورُهُمْ) فذكر الفاعل ولم يقل (يسعى بهم) بالبناء للمجهول وحذف الفاعل فلا يدرى أيسعون في ظلمة أم في نور فذكر أن لهم نوراً يسعى. 4- أضاف النور إليهم. وهذا فيه أمران: الأول: الدلالة على أن هذا النور إنما هو نور المؤمن وهو يدل على قدر عمله فهو إهابة بالمؤمن ليعظم نوره ويكثره. ومن ناحية أخرى لم يقل (يسعى النور) فيجعله عاماً فيستضيء به المنافقون فجعل لكل مؤمن نوره الذي يستضيء به فلا يشاركه فيه غيره. فهذا إكرام للمؤمنين وإرهاق وحسرة على المنافقين. 5- قال (بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) . ومعني (بين أيديهم) أمامهم. غير أنه لم يقل (أمامهم) لأن الأمام قد يكون بعيداً عن الشخص. فقد تسأل عن قرية فيقال: هي أمامك. وقد يكون النور أمامك ولا تتمكن من الاستضاءة به لبعده فقال (بَيْنَ أَيْدِيهِمْ .) 6- وقال (وَبِأَيْمَانِهِمْ) ولم يقل (عن أيمانهم) لأن معني بأيمانهم أنه ملتصق بالأيمان وليس مبتعداً عنها كما قال تعالى (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ) - طه (17) ولو قال (عن أيمانهم) لدل أنه متراخ عن أيمانهم أو منحرف عنها لأن (عن) تفيد المجاوزة والباء تفيد الإلصاق. ۷- قال (بُشْرَاكُمُ ) ولم يقل (يقال لهم بشراكم) لأنه أراد أن يجعل المشهد حاضراً ليس غائباً يسمع فيه التبشير ولا ينقل. ۸- وأضاف البشرى إلى ضمير المخاطبين لتنال البشري كل واحد ولم يقل (البشرى جنات) وهو إكرام آخر. - وقال (الْيَوْمَ ) للدلالة على قرب البشري وأنها ليست من الوعد البعيد الوقوع. والبشرى كلما كانت أقرب كانت أحب وأدعى إلى المسرة. ۱۰- وقال: (جَنَّاتٍ) ولم يقل (جنة) للدلالة على أن لكل منهم جنة أو أكثر كما قال تعالى (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) - الرحمن (46). 11- قال (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) ولم يقل (فيها أنهار) وذلك للدلالة على أنها جارية وليست راكدة. والركود مظنة الأسون هذا إضافة إلى التمتع بمشهد الجري ولذلك عندما لم يذكر الجري في قوله: (فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ) - محمد (15). قال (غير آنَس (لينفي عنها صفة الأسون ولما ذكر الجري لم يذكر ذلك لأنه لا حاجة إليه. ۱۲- وقال (الْأَنْهَارُ) ولم يقل (نهر) للدلالة على كثرة الأنهار. ۱۳- قال (خَالِدِينَ) وهي بشرى أخرى. وقال (فِيهَا) للدلالة على أن الخلود في الجنات وليست الجنة مرحلة أو مكاناً ينتقلون منه إلى ما هو أقل سعادة. 14- قال (ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ولم يقل (ذلك فوز عظيم) وإنما عرف الفوز بأل للدلالة على القصر وعلى أنه لا فوز أعظم منه. ثم جاء بضمير الفصل للزيادة في التوكيد. ثم إن الأمر يعظم ويكبر بعظم قائله فإن الفوز الذي يذكره طفل أو رجل من ضعفة الناس يختلف عن الفوز الذي يذكره قائد أو ملك. فكيف وقد ذكره ملك الملوك ووصفه بالعظمة وقصره وأكده؟! 15- ذكر أن المنافقين يقولون (انْظُرُونَا )ولم يقولوا (انتظرونا) فإنهم يدركون أنه لا يسعهم الانتظار وإنما طلبوا منهم مهلة قصيرة لينظروهم أي ينتظروهم. وفي هذا دلالة على الإسراع بهم إلى الخير والسعادة فإن الذي يسرع به إلى الخير والسعادة أكرم من الذي يبطأ به. 16- ثم قال (نَقْتَبِسْ) ولم يقل (نقبس) والاقتباس أكثر من القبس، وذلك يدل على عظم النور الذي عندهم. ۱۷- قال (مِنْ نُورِكُمْ) ولم يقل (من النور) وهذا تكريم آخر فإن النور نورهم. ۱۸- قال (قِيلَ ارْجِعُوا) ولم يقل (قالوا) لأنه أراد ألا ينشغلوا بما لا فائدة فيه من الكلام فتكلم الملائكة أو غيرهم بالنيابة عنهم ولم يشغلوهم بالكلام عما هو أهم ولا يرهقوهم بكثرة القيل. 19- قال (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ) فحجز وهم عن أولئك السائلين المنافقين. 20- ثم قال (لَهُ بَابٌ) للدلالة على أنهم غير محتجزين فيه وإنما ينفذون منه إلى مرادهم. ۲۱- ثم قال (بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ) وهو تكريم آخر وكيف لا وهم في رحمة الله؟ أما دلالتها على إهانة المنافقين وإرهاقهم فهو أوضح ما يكون: 1- فقد ذكر أن المنافقين والمنافقات يطلبون من المؤمنين أن ينظروهم للاقتباس من نورهم، وهذا يدل على أنهم في ظلمة، وقد قيل إنهم أعطي لهم نور ثم انطفأ (4) من باب إهانتهم وخديعتهم والاستهزاء بهم كما كانوا يخادعون ويستهزئون في الدنيا، قال تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) - النساء (142). جاء في (تفسير ابن كثير): ويقول المنافقون للذين آمنوا( انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا) وهي خدعة الله التي خدع بها المنافقين حيث قال (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئاً فينصرفون إليهم وقد ضرب بينهم بسور له باب (5). ۲- وقال (قِيلَ ارْجِعُوا) ولم يذكر أن المؤمنين ردوا عليهم فبني الفعل للمجهول وقيل إن القائل هم الملائكة فهم الذين تولوا الرد عليهم أما المؤمنون فلا يعنيهم هذا الطلب وإنما هم مشغولون بما هو أهم. وهذا إهانة للمنافقين أن يطلبوا من المؤمنين فلا يجيبوهم وإنما يجيبهم آخرون. ٣- قال (ارْجِعُوا) وهو إهانة أخرى. 4- وقال (وَرَاءَكُمْ ) وهو إما أن يكون ظرفاً مؤكداً أو يكون اسم فعل بمعنى (ارجعوا) فيكون كأنه قيل لهم: ارجعوا ارجعوا. وهو إهانة ظاهرة. 5- قال (فَالْتَمِسُوا نُورًا) وهم يعلمون أنه ليس ثمة نور وهو من باب الاستهزاء بهم. 6- وقال (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ) فحجزوهم عن اللحاق بالمؤمنين وهو إهانة ظاهرة. ٧- وقال:( وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ) وهي جهتهم. ۸- قال (يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ۖ) فذكر أنه يرفعون أصواتهم من وراء السور ينادون المؤمنين ليلتحقوا بهم ولكن حيل بينهم وبين ما يريدون. 9- وفي رد المؤمنين عليهم إهانات متعددة فقولهم لهم: إنكم فتنتم أنفسكم، وتربصتم، وارتبتم. وغرتكم الأماني. وغركم بالله الغرور. كل خصلة منهن إهانة وتبكيت. 10- وقوله تعالى:(فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) (مَأْوَاكُمُ النَّارُ ۖ ) (هِيَ مَوْلَاكُمْ ۖ ) (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) كله إهانات وإخبار لهم بما سيلاقونه من سوء العاقبة والمنقلب. نعوذ بالله. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 261 إلى ص 266. (1) أنظر نظم الدرر 7/ 446. (2) الكشاف 4/ 64. (3) أنظر فتح القدير 5/ 242. (4) أنظر تفسير ابن الكثير 4/ 364 – 365. (5) تفسير ابن كثير 4/ 365. الوقفة كاملة
٢٦٣ (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) (يَأْني) مضارع (أنى) ومعنى (أنى) حان ونضج. (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا) معناه ألم يحن لهم ذلك؟ (أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ) أسند الخشوع إلى القلوب. والخشوع أمر مشترك بين القلب والجوارح. فهو يسند إلى الأبصار وإلى الوجوه وإلى الأصوات فيقال: بصر خاشع ووجه خاشع وصوت خاشع. كما يسند إلى الشخص كله فيقال رجل خاشع أي خاضع كما قال تعالى: (وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ) - الأنبياء (90) وقال (وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ) - الشورى (45). والخشوع هو الخضوع والخشية والذل. فخشوع القلب خضوعه وخشيته ووجله وتذلله. فطلب من المؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق. وذكر الله عام، وما نزل من الحق هو القرآن. وكل منهما مدعاة إلى الخشوع والخشية. فذكر الله مدعاة إلى الخشوع والخشية كما قال تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) - الأنفال (2). وقال (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) - الحج (34، 35). والقرآن مدعاة إلى الخشية والوجل كما قال (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولً وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ۩) - الإسراء (107، 109). وقال (لَوْ أَنْزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ) - الحشر (۲۱) وقال (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ) - الزمر (23). والقرآن ذكر وقد سماه الله ذكراً فقد حكي عن الكفار قولهم: (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا ۚ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي ۖ) - ص (8) وقال: (وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا) - طه (99) وقال (وقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا) - الطلاق (10) وقال: (وَهَٰذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ ۚ ) - الأنبياء (50). فإذا كان علماء أهل الكتاب يزيدهم القرآن خشوعاً. وإذا كان الجبل يتصدع منه خاشعاً لله فكيف لا يخشع قلب المؤمن له؟ لقد ذكر ثلاثة أمور كل منها يستدعي الخشية: 1- كون المخاطبين مؤمنين وهذا يستدعي الخشية. 2- ذكر الله وهو مدعاة إلى الخشية. ۳- ما نزل من الحق أي القرآن وهو مدعاة إلى الخشية. وهذه الآية نظير قوله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) - الأنفال (2) (1) فقد ذكر فيها ذكر الله وذكر آياته. وقد تقول: إذا كان المراد خشوع القلب فلم لم يقل مثلاً (ألم يأن لقلوب المؤمنين أن تخشع لذكر الله) أو (ألم يأن أن تخشع قلوب المؤمنين لذكر الله) ونحو ذاك وقال (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ) ؟ والجواب أن ذلك لجملة أسباب منها: أنه حذرهم من أن يكونوا كالذين أوتوا الكتاب وليس كقلوب الذين أوتوا الكتاب فقال (وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) فناسب أن يكون الكلام على المؤمنين بمقابل (الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) . ومنها أنه قال (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) وهذا وصف للأشخاص لا للقلوب فأراد أن يحذرهم من أن يكونوا كالذين أوتوا الكتاب في قسوة القلوب وفسق كثير منهم. فناسب قوله (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا) أن يكون بمقابل (الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) . ومنها أنه ذكر المؤمنين وقلوبهم وذكر أهل الكتاب وقلوبهم فناسب ذلك ألطف مناسبة. وقال (أُوتُوا الْكِتَابَ) ولم يقل (آتيناهم الكتاب) لأنه في مقام الذم لهم ومن سعة التعبير القرآني أنه إذا ذم أهل الكتاب بني الفعل للمجهول فقال: (أُوتُوا الْكِتَابَ ) وإذا مدحهم أسند الفعل إلى نفسه تعالى فقال: (آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ) (2). (فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ) بين أن طول الأمد يقسي القلوب فحذرنا من أن نكون كذلك فإنه ينبغي أن نتعهد قلوبنا وألا ندع للقسوة سبيلاً إليها. وفي ذكر الله وما نزل من الحق غناء وكفاية لحياة القلوب وخشوعها. وأسند القسوة إلى القلوب وذلك بمقابل إسناد الخشوع إلى القلوب أيضاً. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أنه لم يسند القسوة في القرآن الكريم إلا للقلوب ولم يسندها إلى غيرها، قال تعالى (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ ) - البقرة (74) (وَلَٰكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ) - الأنعام (43) وقال (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ ) - المائدة (13) وقال (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ) - الزمر (22) وغيرها. وذلك أنه إذا قسا القلب قسا صاحبه وإذا خشع القلب خشعت الجوارح. وقد تقول: ولم قال (الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) من قبل فذكر ( مِنْ قَبْلِ) ولم يقل (كالذين أوتوا الكتاب فطال عليهم الأمد) من دون أن يذكر (من قبل)؟ والجواب أنه لو قال ذلك لم يدل على أن الأولين قست قلوبهم بل لربما دل على أن المعنيين هم المعاصرون لزمن الرسول. فلما قال (مِنْ قَبْلِ) دل على أن آباءهم الأولين طال عليهم الأمد فقست قلوبهم فما بالك بهؤلاء وقد تطاول عليهم الزمن؟ فذمهم وذم أسلافهم بخلاف ما لو حذف (مِنْ قَبْلِ) . ثم إنه حذرهم من أن يكونوا كأولئك الأولين فما بالك بالآخرين؟ فيكون التحذير عن التشبه بهؤلاء أشد وأشد. (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) ذكر أن كثيراً منهم فاسقون خارجون عن طاعة الله، ومجيء هذا القول بعد قوله (فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ) يدل على أن قسوة القلب من أسباب الفسوق ودواعيه. وبالمقابل يكون خشوع القلب من أسباب الطاعة ودواعيها. وقد تقول: لقد قال في أكثر من موطن إن أكثرهم فاسقون بصيغة اسم التفضيل وقال ههنا (كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ9 فما حقيقة الأمر؟ أإن كثيراً منهم فاسقون أم إن أكثرهم فاسقون؟ وما السبب في هذا الاختلاف في التعبير؟ والجواب أنه لا تناقض بين قوله (إنَ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) وقوله: (إنَ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) ، فقوله (إنَ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) يعني أن كثيراً منهم فاسقون. وإنما التناقض يكون لو قال (إن قليلاً منهم فاسقون) أو (إن أقلهم فاسقون). فقولك (محمد أفضل الناس) لا يناقضيناقض قولك (هو عالم) ولكنه يناقض قولك (هو أجهل الناس) أو هو جاهل. أما لماذا عبر عن ذلك مرة بقوله (كثير) ومرة بـ (أكثر) فهذا ما يقتضيه سياق كل تعبير. فإنه يعبر بـ (أكثر) إذا كان السياق في تعداد أسوأ صفاتهم والإطالة في ذكرها بخلاف الوصف بـ (کثیر) فإنه لا يبلغ ذلك المبلغ، وإليك إيضاح ذلك: لقد جاء الوصف بـ (أكثر) في موضعين وهما قوله (إنَ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) - المائدة (59) وقوله (وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) - آل عمران (110). وبالنظر في سياق كل من الآيتين يتضح ما ذكرته. فقد جاء في سورة المائدة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ ۚ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۚ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ وَتَرَىٰ كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )…. ويستمر في تعداد مساوئهم إلى الآية الخامسة والستين [57 – 65] فناسب قوله (وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ.) وكذلك الأمر في آل عمران فقد ذكر أهل الكتاب ومساوئهم وأعاد ذكرهم وذكرها أكثر من مرة. من ذلك ما ذكره من الآية الخامسة والستين إلى الآية الثامنة والسبعين. ومن الآية الثامنة والتسعين إلى الآية الواحدة بعد المائة. ومن الآية العاشرة بعد المائة إلى الآية الخامسة عشرة بعد المائة عدا المواطن الأخرى المنتشرة في السورة. فناسب أن يذكر ذلك بقوله (وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) والله أعلم. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 266 إلى ص 270. (1) أنظر الكشاف 4/64. (2) أنظر معاني النحو 2/496 وما بعدها. الوقفة كاملة
٢٦٤ (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ۖ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ.) أي ليس ثمة صدّيق إلا هؤلاء فمن لم يؤمن بالله ورسله فليس بصديق، غير أن الصديقين درجات وأجورهم متفاوتة فالصديقية قد تكون وصفاً للنبي وغيره. فقد وصف الله قسماً من رسله بالصديقية. فقد وصف بها سيدنا إبراهيم (عليه السلام) فقال: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا) - مريم (41) ووصف بها إدريس (عليه السلام) فقال (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا) مريم (56) ووصف بها غيرهم من المؤمنين فقد وصف بها مريم فقال (وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ ) - المائدة (75) وقد يعدهم صنفاً آخر بعد الأنبياء فيقول: (مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ ) - النساء (69). وذكر الرسول (صلى الله عليه وسلم) من لا يزال يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا. فهي صفة مبالغة من الصدق أو التصديق. فالصديقون درجات كما أن الشهداء درجات وأن غيرهم من الصالحين درجات، فالذين آمنوا بالله ورسله هم الصديقون وليس ثمة صديق غيرهم وأجورهم بقدر أعمالهم. ثم إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سئل عن المؤمن يسرق ويزني؟ فأجاب: نعم. أي في حال من الأحوال ولا يخرجه ذلك عن دائرة الإيمان، وسئل عن المؤمن أيكذب؟ فقال: لا. إذن فالمؤمن يصدق دائماً فإن كذب خرج عن دائرة الإيمان. وعلى هذا فالمؤمن صديق ولا يكون إلا كذلك. (وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ۖ) وهذا على أحد معنيين: إما أن يكون للشهداء أجر الصديقين ونورهم باعتبار أن الشهداء من الصديقين لأنه ليس ثمة شهيد إلا ممن آمن بالله ورسله. وإما أن يكون للشهداء أجرهم ونورهم الخاص بهم كما نقول: لكم أجركم ولهم أجرهم على اعتبار أن الشهداء صنف آخر. فللصديقية اعتباران: اعتبار عام وهو من آمن بالله ورسله. واعتبار خاص وذلك أنهم من صفوة المؤمنين بالله ورسله فلا يناقض أحدهما الآخر. وقوله (وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ۖ) يمكن حمله على الاعتبارين: على اعتبار أنهم من الصديقين لأنهم آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، وعلى اعتبار أنهم صنف خاص لهم وصفهم الخاص من بين عموم المؤمنين. جاء في (الكشاف): (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ۖ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ۖ) يريد أن المؤمنين بالله ورسله هم عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء وهم الذين سبقوا إلى التصديق واستشهدوا في سبيل الله. (لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ) أي مثل أجر الصديقين والشهداء ومثل نورهم. فإن قلت: كيف يسوي بينهم في الأجر ولا بد من التفاوت؟ قلت: المعنى أن الله يعطي المؤمنين أجرهم ويضاعفه لهم بفضله حتى يساوي أجرهم مع أضعافه أجر أولئك. ويجوز أن يكون (وَالشُّهَدَاءُ) مبتدأ و لهم أجرهم خبره (1). وقد ذكر في الآية الشهداء بعد الصديقين كما في موطن آخر من القرآن الكريم وهو قوله (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا) - النساء (69)، فقد جعل الصديقين صنفاً بعد الأنبياء وذكر بعدهم الشهداء وذكر بعدهم عموم الصالحين. وقال (لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ) فذكر أمرين الأجر والنور وقد تردد هذان الأمران في السورة في أكثر من موطن فقد ذكر بعد قوله (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) وقوله (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ) . وذكر بعد قوله (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ) قوله (وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ۖ ) وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) ذكر هؤلاء بمقابل ما مر في صدر الآية فذكر الذين كفروا بمقابل الذين آمنوا بالله وذكر الذين كذبوا بآياته سبحانه بمقابل الذين آمنوا برسله فإن الإيمان بالآيات يكون عن طريق الإيمان بالرسل. فذكر أن هؤلاء أصحاب الجحيم أي ملازموه لا يفارقونه. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 273 إلى ص 274. (1) الكشاف 4/ 65. الوقفة كاملة
٢٦٥ (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) أجمل حقيقة ما يعيشه الناس في هذه الحياة بما ذكر في الآية. وقد رتب هذه الأشياء بحسب ترتيبها في حياة الناس مبتدئاً باللعب واللهو منتهياً بالجد. نبدأ باللعب وهو ما يقع في دور الطفولة والصبا. هذا هو الأصل وإن كان يطلق اللعب أحياناً على نقيض الجد كقوله تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ) - التوبة (65) (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ) - الزخرف (83) وقوله (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ) - الدخان (9) وقوله( قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ ) - الأنبياء (55). ثم ذكر اللهو وهو ما يكون في دور الفتوة والشباب. ثم إن اللهو أعم من اللعب. فاللهو يقع للصغير والكبير. ثم ذكر الزينة وهو مقصد من مقاصد الشباب والنساء في دور بداية اكتمال أنوثتهن. وذكر بعدها التفاخر وهو أكثر ما يكون من شأن الرجال فيفتخرون بمآثر أفعالهم وأحسابهم وأنسابهم ومآثر آبائهم وأجدادهم. ثم يأتي بعد ذلك دور التكاثر في الأموال والأولاد وهو التباري في جمعها وهو المقصد الأهم في الحياة إذ بالمال والأولاد تدوم الحياة وبهما ينشغل الناس وفيها يجدّون. أما ما قبلها من الأمور فهي ليست بتلك المنزلة والمكانة. وقدم الأموال على الأولاد لأن التكاثر في الأموال أكثر. وختم بالأولاد لأنهم أجل ما ذكر ولهم يترك المال. جاء في (نظم الدرر): لعب: فهو باطل كلعب الصبيان ولهو أي شيء يفرح الإنسان به فيلهيه ويشغله عما يعنيه ثم ينقضي كلهو الفتيان. ثم أتبع ذلك عظم بما يلهى في الدنيا فقال (وَزِينَةٌ) : أي شيء يبهج العين ويسر النفس كزينة النسوان. وأتبعها ثمرتها فقال (وَتَفَاخُرٌ) ، أي كتفاخر الأقران يفتخر بعضهم على بعض (1). وجاء في (تفسير الرازي): المقصود الأصلي من الآية تحقير حال الدنيا وتعظيم حال الآخرة... ثم إنه تعالى وصفها بأمور: (أولها) أنها لعب وهو فعل الصبيان الذي يتعبون أنفسهم جداً. ثم إن تلك المتاعب تنقضي من غير فائدة. و (ثانيها) أنها لهو وهو فعل الشبان ... و(رابعها) تفاخر بينكم بالصفات الفانية الزائلة (2). جاء في (التحرير والتنوير): وهي أيضاً أصول أطوار آحاد الناس في تطور كل واحد منهم. فإن اللعب تطورين: الطفولة والصبا، واللهو طور الشباب. والزينة طور الفتوة، والتفاخر طور الكهولة والتكاثر طور الشيخوخة... واللعب هو الغالب على أعمال الأطفال والصبيان فطور الطفولة طور اللعب ويتفاوت غيرهم في الإتيان منه فيقل ويكثر بحسب تفاوت الناس في الأطوار الأولى من الإنسان وفي رجاحة العقول وضعفها. والإفراط فيه من غير أصحاب طوره يؤذن بخسة العقل ولذلك قال قوم إبراهيم له (أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ)... واللهو اسم لفعل أو قول يقصد منه التذاذ النفس به وصرفها عن ألم حاصل من تعب الجسد أو الحزن أو الكمد يقال: لها عن الشيء أي تشاغل عنه... ويغلب اللهو على أحوال الشباب فطور الشباب طوره ويكثر اللهو في أحوال الدنيا من تطلب اللذات والطرب. والزينة تحسين الذات والمكان بما يجعل وقعه عند ناظره مسراً له. وفي طباع الناس الرغبة في أن تكون مناظرهم حسنة في عين ناظريهم وذلك في طباع النساء أشد... ويغلب التزيين على أحوال الحياة فإن معظم المساكن والملابس يراد منه الزينة... والتفاخر الكلام الذي يفخر به. والفخر حديث المرء عن محامده والصفات المحمودة منها فيه بالحق أو الباطل. وصيغ منه زنة التفاعل لأنه شأن الفخر أن يقع بين جانبين كما أنبأ به تقييده بظرف (بَيْنَكُمْ ) .... والتكاثر تفاعل من الكثرة وصيغة التفاعل هنا للمبالغة في الفعل بحيث ينزل منزلة من يغالب غيره في كثرة شيء... ثم شاع إطلاق صيغة التكاثر فصارت تستعمل في الحرص على تحصيل الكثير من غير مراعاة مغالبة الغير ممن حصل عليه (3). وقد اقتصر في مواضع أخرى من القرآن الكريم على اللعب واللهو ولم يذكر الزينة وما بعدها. قال تعالى: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) - الأنعام (32). وقال: (إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۚ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ) محمد (36) وقال: (وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) - العنكبوت (64). فاقتصر كما ترى على اللعب واللهو ذلك لأن ما ذكره في آية الحديد من زينة وتفاخر وتكاثر في الأموال والأولاد قد يندرج تحت اللهو. فالزينة قد تلهي والتفاخر قد يلهي والتكاثر في الأموال والأولاد قد يلهى. فقد سمى الله المال والبنين زينة فقال (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ ) - الكهف (46) وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ - ) المنافقون (9) وقال( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) التكاثر (1، 2). وتندرج كثير من أمور الحياة في معنى اللعب بمعناه الواسع وهو ما كان نقيض الجد وما لا يقصد به من الأعمال قصداً صحيحاً كما ورد في القرآن مما سماه لعباً. ولا فصل في آية الحديد في حقيقة الحياة الدنيا فصل في وصفها وعاقبتها. ولما أجمل في الآيات الأخرى لم يذكر شيئاً آخر يتعلق بها وإنما ذكر الآخرة أو أموراً أخرى لا تتعلق بوصف الحياة. وقدم اللعب على اللهو فيما مر من الآيات إلا في آية واحدة قدم فيها اللهو على اللعب وهو قوله: (وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) - العنكبوت (64) وذلك لأن السياق يقتضى هذا التقديم ذلك أنه تقدم الآية قوله: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ ) - (62) والرزق مدعاة إلى الالتهاء به والمشغلة لجمعه لا إلى اللعب ولذا قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) - المنافقون (9) فالذي بسط له رزقه ملته بجمعه والذي قدر عليه رزقه ملته بالحصول عليه. ثم قال: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا به الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) (36) ومع معرفتهم وإقرارهم بذاك التهوا بالدنيا عن الله وعبادته وعن الآخرة. فناسب تقديم اللهو. ولم يتقدم أية الأنعام ولا آية محمد ما يدعو إلى اللهو فكان تقديمه في آية العنكبوت أنسب. (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ) شبه الحياة الدنيا بغيث أعجب الكفار نباته، والكفار هم الكافرون بالله الجاحدون لنعمة. وقال بعضهم إن الكفار هم الزراع لأن الزارع قد يسمى كافراً لأنه يكفر البذر الذي يبذره بتراب الأرض أي يغطيه (4). ويترجح عندي المعنى الأول فإن الكافرين هم الذين يغترون بالدنيا وهم أشد إعجاباً بها وبزينتها. ولا مانع من أن يكون المعنيان مقصودين فإنه من التوسع في المعنى الذي يراعيه القرآن كثيراً. وقد ذكر القرآن الزراع باسمهم في سورة الفتح حين وصف أصحاب محمد فقال (... وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ) - الفتح (29). واختيار الزراع هنا أنسب كما أن اختيار الكفار هناك أنسب ذلك أن التشبيه في سورة الفتح وقع لصورة محدودة فناسب ذكر الزراع لا الكفار بخلاف ما في سورة الحديد. ثم إنه قال في آية الفتح (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ) فلا يناسب أن يقول: يعجب الكفار ليغيظ بهم الكفار. ثم إنه قال (الزُّرَّاعَ) في آية الفتح للدلالة على أنه زرع مقصود لأن الزارع يزرع ما ينتفع به وينتفع به الآخرون بخلاف ما ذكر في آية الحديد فإنه قال (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ) وهو ما يخرج بسبب المطر من أنواع مختلفة منها ما لا فائدة فيه للإنسان ومنها الأدغال والحشائش، فكان كل تعبير في مكانه أنسب. (ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ ) ذكر مآل الزرع وناسب ذلك ذكر الزينة والأموال فذكر زوالهما وذهابهما وذلك شأن الدنيا. لقد قال فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ولم يقل (ثم يكون مصفرًا) كما قال (ثُمَّ يَهِيجُ) و(ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ) بإسناد الفعل إلى النبات. أي يراه الناظر مصفراً وذلك للدلالة على زوال الزينة وذهابها فإن الزينة تتعلق بالناظر كما قال تعالى (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ) - الحجر (16)، ومن ناحية أخرى ليدل على موطن العبرة والاتعاظ فإن ذلك يحصل بالرؤية. وقال (ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ ) أي هذا مآله ولم يقل (ثم تراد حطامًا) فلم يعلق ذلك بالرؤية وإنما أراد أن يبين أن يكون كذلك إذ ربما يكون الشيء غير ذي زينة للناظر ولكنه ثمين نافع وهو من كرائم الأموال. فقال (ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا) فيذهب المال ويزول فلا يبقى مال ولا تكاثر ولا تفاخر ولا زينة لأن الحطام ليس مالاً ولا يتفاخر أو يتكاثر به. بل سيذهب اللعب واللهو معه فإن الذي لم يبق له إلا الحطام لا يلعب ولا يلهو وكيف يلهو ويلعب وقد أصبح ما لديه حطاماً؟ وقد تقول: ولم لم يقل (ثم يجعله حطامًا) كما قال في سورة الزمر؟ والجواب: إن السياق مختلف في الآيتين. ففي آية الزمر الأفعال مسندة إلى الله، قال تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) - (21). فالله هو الذي أنزل من السماء ماء. وهو الذي سلكه ينابيع في الأرض. وهو الذي أخرج به الزرع. فناسب أن يقول (فيَجْعَلُهُ حُطَامًا) لأن الذي أخرجه هو الذي يجعله حطاماً. وليس كذلك التعبير في آية الحديد فإنه قال (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ) ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً فلم يسند حدثاً إلى نفسه سبحانه فناسب كل تعبير موضعه. (وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ) قدم العذاب على المغفرة لأنه ذكر قبله اللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر ما ليس محموداً على العموم. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن العذاب يسبق المغفرة والرضوان. فعذاب الموقف قبل الحساب وقبل القضاء وقبل الدخول في الجنة أو النار. وورود النار لجميع الخلق قبل الدخول في الجنة كما قال تعالى (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ) - مريم (71). ومن الناس من يعذب أولاً ثم يدخل الجنة. ووصف العذاب بأنه شديد. وذكر أن المغفرة والرضوان من الله ولم يذكر مثل ذلك في العذاب للدلالة على سعة رحمته، وقدم المغفرة على الرضوان لأنها أسبق منه وهي قبله، جاء في (روح المعاني): (وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ) لأنه من نتائج الانهماك فيما فصل من أحوال الحياة الدنيا و(مَغْفِرَةٌ) عظيمة من الله و(رِضْوَانٌ) عظيم لا يقادر قدره. وفي مقابلة العذاب الشديد بشيئين إشارة إلى غلبة الرحمة وأنه من باب (لن يغلب عسر يسرين). وفي ترك وصف العذاب بكونه من الله تعالى مع وصف ما بعده بذلك إشارة إلى غلبتها أيضاً(5). وقال (مَغْفِرَةٌ) ولم يقل (غفران) ذلك أن كلمة (غفران) لم ترد في القرآن الكريم إلا في موطن واحد لمعنى واحد وهو طلب المغفرة من الله وهو قوله (غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) - البقرة (285)، وأما المغفرة فتأتي في غير الطلب كالإخبار بها والدعوة إليها وغير ذلك. قال تعالى (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ۖ ) - البقرة (221)، وقال(وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا ۗ ) - البقرة (268) وقال (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ ) - الرعد (6). وقد تكون المغفرة من غير الله قال تعالى: (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ ) - البقرة (263). وقال (رِضْوَانٌ) ولم يقل (مرضاة) لأن الرضوان معناه الرضا الكثير ولما كان أعظم الرضا رضا الله تعالى خص لفظ الرضوان في القرآن بما كان من الله تعالى (6). قال تعالى: (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ) - آل عمران (162) وقال (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ) - التوبة (21) وقال: أَ( فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ) - التوبة (109). وأما المرضاة فإنها تستعمل له ولغيره قال تعالى (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ ) - التحريم (1) وقال (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ ) - البقرة (207). ثم إن (المرضاة) لم تستعمل إلا في ابتغاء الرضا وأما الرضوان فهو عام يستعمل في ابتغاء الرضا وغيره. قال تعالى في المرضاة: (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) - البقرة (265) - وقال( وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) - النساء (114). وقال في الرضوان (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ ) - التوبة (21) - هذا في غير ابتغاء الرضا. وقال في ابتغاء الرضا (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) - الحديد (27) وقال (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ ) - الفتح (29). ومن هذا يتبين أن المغفرة: 1- تستعمل في المغفرة من الله وغيره فهي عامة من حيث الغافر. 2- انها عامة في غير الطلب فهي عامة من حيث الدلالة بخلاف (الغفران) فإنه خاص بمعنى واحد وهو طلب المغفرة وخاص في الغافر وهو الله. وأن المرضاة: ۱- خاصة في ابتغاء الرضا فهي لم تستعمل في غيره. ۲- وأنها عامة في المبتغى منه الرضا فهو الله أو غيره. وأن الرضوان: 1- خاص في أنه من الله. ۲- عام في ابتغاء الرضا وغيره فهو عام من حيث الدلالة. فخصص المغفرة وقال وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ لتقابل الرضوان لأن الرضوان مخصص في كونه من الله. وكلاهما مطلق من حيث الدلالة. فتناظرا من حيث كونهما خاصين بالله عامين من حيث الدلالة. والله أعلم. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 275 إلى ص 281. (1) نظم الدرر 7/452. (2) تفسير الرازي 29/233 – 234. (3) التحرير والتنوير 27/401 – 403. (4) أنظر تفسير اليازي 29/235، الكشاف 4/65. (5) روح المعاني 27/283 – 284. (6) مفردات الراغب. مادة: (رضي). الوقفة كاملة
٢٦٦ (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ) البينات هي المعجزات الظاهرة والدلائل والحجج التي تدل على النبوة (1) وذلك كعصا موسى وإبراء عيسى للأكمه والأبرص وإحياء الموتى ونحو ذلك من الآيات البينات التي تدل على صحة النبوة وصدق المرسلين. وَ(الْمِيزَانَ) هو كل ما يتميز به الحق من الباطل والعدل من الظلم والزائد من الناقص، ومنه الآلة المعروفة بين الناس. جاء في (تفسير الرازي): (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ) ... أنها هي المعجزات الظاهرة والدلائل القاهرة... والميزان هو الذي يتميز به العدل عن الظلم والزائد عن الناقص (2). وجاء في (تفسير ابن كثير): (الْمِيزَانَ) وهو العدل... [وقيل] وهو الحق الذي تشهد به العقول الصحيحة المستقيمة المخالفة للآراء السقيمة (3). وجاء في (روح المعاني): (بِالْبَيِّنَاتِ) أي بالحجج والمعجزات...و(الْمِيزَانَ) الآلة المعروفة بين الناس .. وإنزاله إنزال أسبابه (4). وجاء في (التحرير والتنوير): الميزان مستعار للعدل بين الناس في إعطاء حقوقهم لأن مما يقتضيه الميزان وجود طرفين يراد معرفة تكافئهما... وهذا الميزان تبينه كتب الرسل فذكره بخصوصه للاهتمام بأمره لأنه وسيلة انتظام أمور البشر(5). وقدم البينات على الكتاب لأنها هي التي تشهد بصحته وتدعو إلى قبوله والإيمان به والأخذ بتعاليمه. وقدم الكتاب على الميزان لأن فيه بيان الأحكام المقتضية للعدل والإنصاف على العموم ومنها إقامة الوزن بالقسط. ويشمل أحكام المعاملات وغيرها كالعقائد وبيان ما يصلح حياة الإنسان في الدنيا والآخرة فهو أهم وأثره أعم وأشمل. (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ) علة لإنزال الميزان كما يصح أن يكون علة لما تقدم من إنزال الكتاب والميزان وهو ما يترجح في ظني فإن القسط يكون في الوزن وغيره من الأحكام قال تعالى (وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَىٰ بِالْقِسْطِ ۚ) - النساء (۱۲۷) وقال (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ۚ) ۔ المائدة (42) وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ ) - المائدة (8) وهذا في غير الوزن. جاء في (البحر المحيط): (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ) الظاهر أنه علة لإنزال الميزان فقط ويجوز أن يكون علة لإنزال الكتاب والميزان معاً لأن القسط هو العدل في جميع الأشياء من سائر التكاليف فإنه لا جور في شيء منها ولذلك جاء (أشهد الله أنه لا إله إلا هو وأولو العلم قائماً بالقسط)(6). وقال (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ) ولم يقل (ليقوم الناس بالعدل) مع أن من معاني القسط العدل ذلك أن استعمال (القسط) أنسب ههنا من (العدل) فإن (القسط) يأتي لمعنى الحصة والنصيب، يقال: أخذ كل واحد من الشركاء قسطه أي حصته. وكل مقدار فهو قسط في الماء وغيره. والقسط بالكسر العدل. والإقساط العدل في القسمة والحكم(7). والعدل بما قام في النفوس أنه مستقيم ... والعدل المرضى قوله وحكمه ... [عن سعيد بن المسيب: إن العدل على أربعة أنحاء: العدل في الحكم قال الله تعالى (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ۚ) والعدل في القول قال الله تعالى (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا) ، والعدل الفدية ... والعدل في الإشراك(8). وفي الآية استعمال (القسط) أنسب وذلك لذكر الميزان، فإن الغرض من الوزن أن يأخذ الشخص حصته ونصيبه وهو من معاني القسط. ولذا لم يرد في القرآن الكريم مع الوزن إلا لفظ (القسط) ولم يستعمل معه العدل. قال تعالى (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ ) - الأنعام (152) وقال (وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ ) - هود (85) وقال (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) - الأنبياء (47). وقال (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) - الرحمن (۹). ومن أسماء الميزان (القسطاس) قال تعالى (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ۚ) - الإسراء (35) وقال (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ) - الشعراء (۱۸۲). هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أنه ذكر الفعل (يقوم) فقال (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ) وقد ورد فعل القيام في القرآن مع لفظ (القسط) ولم يرد مع (العدل) قال تعالى: (وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَىٰ بِالْقِسْطِ ۚ) - النساء (۱۲۷) وقال (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ) - آل عمران (۱۸) وقال (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ) - النساء (۱۳۰) وقال: (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ) - الرحمن (۹) فناسب ذكر القسط من أكثر من جهة. (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) ورود هذا التعبير بعد قوله (وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ) إشارة إلى أن الحق به حاجة إلى القوة لتحميه وتحفظه وأن الميزان وقيام الناس بالقسط إنما يكون بالبأس الشديد والقوة. قال عثمان رضي الله عنه: (إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن). جاء في (روح المعاني): (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ) قال الحسن أي خلقناه ... (فِيهِ بَأْسٌ) ... وهذا إشارة إلى احتياج الكتاب والميزان إلى القائم بالسيف ليحصل القيام بالقسط فإن الظلم من شيم النفوس(9). وقال (فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ) ولم يقل فيه قوة وذلك للدلالة على الردع بالقوة وبالحرب إذا اقتضى الأمر ذلك أن معنى البأساء الحرب والمشقة والضرب. و(البأس) معناه الشدة في الحرب. والبأس العذاب(10).. قال تعالى (بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ) - الإسراء (5) أي أشداء في الحرب. وقال (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ۖ) - الفتح (۱۷). وقال: (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ۚ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ) - النساء (84). وقال (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ) - البقرة (۱۷۷) أي حين القتال. وقال (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا ۖ وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا) - الأحزاب (18) أي الحرب. وقال (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ۗ) - الأنعام (65). فأنت ترى أن البأس إنما يكون في الحرب أو نحوها. أما القوة فهي عامة في الحرب وغيرها. قال تعالى (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ) - الروم (54). وقال (يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ) - مريم (۱۲) وفي قصة سليمان قالوا نَحْنُ (أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ) - النمل (33). أي أن معهم القوة وهم مع ذلك أشداء في الحرب. لأن الإنسان قد يملك القوة ولكن ليس ذا بأس في الحرب والقتال كمن يملك سيفاً ورمحاً وليست عنده الشجاعة والثبات في الحرب. فقوله (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) بعد قوله (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ) للدلالة على أن الحق إنما يحمي بالقوة. جاء في (تفسير الرازي): والحاصل أن الكتاب إشارة إلى القوة النظرية. والميزان إلى القوة العملية. والحديد إلى دفع ما لا ينبغي. ولما كان أشرف الأقسام رعاية المصالح الروحانية ثم رعاية المصالح الجسمانية ثم الزجر عما لا ينبغي روعي هذا الترتيب في هذه الآية. وثانيها: المعاملة إما مع الخالق وطريقها الكتاب. أو مع الخلق وهم إما الأحباب والمعاملة معهم بالسوية وهي بالميزان. أو مع الأعداء والمعاملة بالسيف والحديد. وثالثها: الأقوام ثلاثة: إما السابقون وهم يعاملون الخلق بمقتضى الكتاب فينصفون ولا ينتصفون. ويحترزون عن مواقع الشبهات. وإما مقتصدون وهم الذين ينصفون وينتصفون فلابد لهم من الميزان. واما ظالمون وهم الذين ينتصفون ولا ينصفون ولابد لهم من الحديد والزجر... وسابعها: الكتاب إشارة إلى ما ذكر الله في كتابه من الأحكام المقتضية للعدل والإنصاف. والميزان إشارة إلى حمل الناس على تلك الأحكام المبنية على العدل والإنصاف وهو شأن الملوك. والحديد إشارة إلى أنهم لو تمردوا لوجب أن يحملوا عليهما بالسيف(11). وذكروا في إنزال الحديد قولين: الأول: إنزاله من السماء. والقول الآخر: أن معنى الإنزال هو الإنشاء والتهيئة والخلق كقوله تعالى (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ۚ) - الزمر (6)(12). ويذهب المحدثون إلى القول الأول فهم يقولون: إن الحديد إنما أنزل من السماء ولا مانع من أن يكون القولان صحيحين فالله خلقه وأنزله. والله أعلم. (وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) في مصالحهم ومعايشهم وصنائعهم(13). ونكر المنافع للإطلاق. وذكر أن المنافع للناس ولم يذكر أن إنزال الحديد للناس فهو لم يقل (وأنزلنا الحديد للناس فيه بأس شديد ومنافع لهم) لأن المعني سيكون أنه أنزل الحديد للناس ليقتتلوا وليذيق بعضهم بأس بعض. وليس هذا هو المقصود. فذكر أن المنافع للناس دون البأس الشديد وإنما البأس الشديد ليقوم الناس بالقسط ولنصرة الحق والعدل وإشاعته. (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ) هذا تعليل لكل ما تقدم من إنزال الكتب والميزان وإنزال الحديد ليعلم الذين ينصرونه في كل ذلك من دعوة إلى الله وتبيين لأحكامه وطاعة له وجهاد في سبيله فإن ذلك كله نصر لله ورسله. وقوله (بِالْغَيْبِ) للدلالة على إخلاصهم في نصرتهم لله ورسله فهم ينصرونه سواء علم بهم عباد الله وأبصروهم أم لم يعلم بهم أحد غير خالقهم فهم ينصرونه على كل حال. جاء في (البحر المحيط): (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ) علة لإنزال الكتاب والميزان والحديد. (من ينصره ورسله) بالحجج والبراهين المنتزعة من الكتاب المنزل، وبإقامة العدل وبما يعمل من آلة الحرب للجهاد في سبيل الله(14). وجاء في (الكشاف): (وليعلم الله من ينصره ورسله) باستعمال السيوف والرماح وسائر السلاح في مجاهدة أعداء الدين (بِالْغَيْبِ) غائباً عنهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ينصرونه ولا يبصرونه(15). (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) ختم الآية بقوله (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) ليبين أنه غير محتاج إلى من ينصره فإن الله قوي عزيز ولكن ليتعلق بذلك الجزاء في الآخرة. وقد تقول: لقد قال ههنا (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) فأكد قوته وعزته بإن. وقال في مكان آخر (إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) - الحج (40) فأكدهما بإن واللام فما الفرق؟ فنقول: إن كل تعبير مناسب للسياق الذي ورد فيه وإليك إيضاح ذلك: قال تعالى في سورة الحج: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) - الحج (39-40). فأنت ترى أن الكلام هو في سياق الإذن للمؤمنين بالجهاد وقتال الأعداء بعدما أخرجوا من ديارهم وقوتلوا ظلماً. وقد ذكر أن الله قادر على نصرهم وقد وعدهم بالنصر فقال مؤكداً ذاك (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ) . ولا شك أن النصر محتاج إلى قوة فأكد قوته وعزته بـ (إن) واللام، وقد ناسب تأكيد النصر تأكيد القوة. وليس السياق كذلك في الحديد. قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) فأنت ترى أنها ليست في سياق الجهاد والقتال ولا في سباق نصر الله للمؤمنين. بل في سياق نصر المؤمنين لدعوة (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ) فالأولى في نصره هو لجنوده المستضعفين فأكد قوته. والثانية في نصر المؤمنين لدعوته؛ فزاد في المقام الذي يقتضي زيادة التأكيد(16). **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 289 إلى ص 296. (1) أنظر تفسير الرازي 29/241. روح المعاني 27/288. (2) تفسير الرازي 29/241 – 242. (3) تفسير ابن كثير 4/372. (4) روح المعاني 27/288. (5) التحرير والتنوير 27/416. (6) البحر المحيط 10/113. (7) لسان العرب (قسط) – دار صادر – 7/377 – 378. (8) لسان العرب (عدل) 11/430 – 431. (9) روح المعاني 27/288 – 289. (10) أنظر لسان العرب (بأس) 6/20. (11) تفسير الرازي 29/242. (12) أنظر تفسير الرازي 29/243، روح المعاني 27/288، الكشاف 4/66. (13) الكشاف 4/66. (14) البحر المحيط 10/114. (15) الكشاف 4/66 – 67. وأنظر تفسير الرازي 29/244. (16) التعبير القرآني 171 – 172. الوقفة كاملة
٢٦٧ برنامج لمسات بيانية (قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا) قال (قَالُوا يَا وَيْلَنَا ) ولم يقل (يقولون يا ويلنا) ذلك أنه لو قال (يقولون) لكان الفعل حالاً للنسلان أي (ينسلون قائلين يا ويلنا) كما نقول (هو يقبل يبكي) و(يدبر يسرع) فيكون القول عند النسلان في حين أن القول قبل النسلان فإنما قالوا ذلك في ابتداء بعثهم من القبور (1)، جاء في (التفسير الكبير): "لو قال قائل: لو قال الله تعالى (فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون يقولون يا ويلنا) كان أليق. نقول معاذ الله، وذلك لأن قوله (فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون) على ما ذكرنا إشارة إلى أنه تعالى في أسرع زمان يجمع أجزاء ويؤلفها ويحييها ويحركها ... فلو قال (يقولون) لكان ذلك مثل الحال لينسلون أي ينسلون قائلين يا ويلنا وليس كذلك فإن قولهم (يا ويلنا) قبل أن ينسلوا" (2) (يَا وَيْلَنَا) الويل هو الحزن والعذاب والهلاك ومعنى (يا ويلنا) أنهم ينادون هلاكهم وعذابهم أي احضر يا عذابنا ويا هلاكنا فهذا أوانك كما يقول الناس (يا مصيبتي) و(يا خراب بيتي) أي احضر فهذا وقتك وأوانك قال تعالى في أصحاب النار(وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ) الفرقان 13، 14 أي قالوا: يا ويلاه، يا ثبوراه. جاء في (لسان العرب): "الويل الحزن والهلاك والمشقة من العذاب وكل من وقع في هلكة بالويل ومعنى النداء فيه يا حزني ويا هلاكي ويا عذابي احضر فهذا وقتك وأوانك فكأنه نادى الويل أن يحضره لما عرض له من الأمر الفظيع" (3). وقد تقول: ولم قال (يا ويلنا) ولم يقل (يا ويلتنا) بالتاء ؟ والجواب أن الويل هو ما ذكرناه أي العذاب والحزن أما الويلة فهي الفضيحة ويؤتى بها في مواطن الفضيحة وذلك نحو قوله تعالى (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ) الكهف 49. فقالوا (يا ويلتنا) أي يا للفضيحة وهي فضيحة نشر الأعمال، فإن قسماً من الأعمال كان يتستر منها فاعلها فهو يفعلها في السر فإذا بالكتاب قد فضحها كلها. ولو تتبعنا مواطن استعمال الويلة بالتاء في القرآن الكريم لوجدناها كلها في مواطن الفضيحة بخلاف مواطن الويل. قال تعالى (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ) هود 72 فقالت (يا ويلتى) ذلك أن العجوز المسنة التي تلد وبعلها شيخ تشعر بأن ولادتها في مثل هذا السن فضيحة تخجل منها ولذا قال تعالى في موطن آخر (فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ ) الذاريات 29. وقال في ابن آدم الذي قتل أخاه ولم يعلم ماذا يفعل به ولا كيف يتخلص من الجثة وقد أعيته الحيلة (فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ) –المائدة31. وه و موطن عجز فاضح إذ كان أقل تفكيراً وحيلة من الغراب. وقال (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا ) – الفرقان 27-29 وهذا موطن افتضاح في ضعف الشخصية وعجزها فإن صاحبه استطاع أن يخدعه ويضله ويلغي تفكيره ويعبث بعقله وذلك دليل نقص وعجز. ولم يرد الويل في مثل هذه المواطن. قال تعالى: (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ ) لأنبياء 12 -15 وقال: (وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ) – الأنبياء 46 وقال: (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ ) – الأنبياء97 وقال: (قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ) – يس 52 وقال: (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ) – الصافات 19،20 وقال: (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ ) –القلم 30،31 جاء في (لسان العرب): "الويل حلول الشر والويلة الفضيحة والبلية، وقيل هو تفجع وإذا قال القائل واويلتاه فإنما يعني وافضيحتاه، وكذلك تفسير قوله تعالى (يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ" ) و(المرقد) يحتمل المكان ويحتمل المصدر أي الرقاد، وهو بهذا المعنى أي بمعنى الرقاد تكون ضجعة القبر كالنوم بالنسبة إلى اليقظة فيكون البعث يقظة والرقاد في القبر كالنوم. وقال (مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا) ولم يقل (من بعثنا من أجداثنا) ليشمل المعنيين: المكان والمصدر، فهم قد بعثوا من الأجداث وبعثوا من رقدة الموت، جاء في (الكشاف): "عن مجاهد للكفار هجعة يجدون فيها طعم النوم فإذا صيح بأهل القبور قالوا من بعثنا" (5) وجاء في (البحر المحيط): "المرقد استعارة عن مضجع الميت، واحتمل أن يكون مصدراً أي من رقادنا وهو أجود أو يكون مكاناً فيكون المفرد فيه يراد به الجمع أي من مراقدنا، وما روي عن أبي بن كعب ومجاهد وقتادة من أن جميع البشر ينامون نومة قبل الحشر فقالوا هو غير صحيح الإسناد وقيل قالوا من مرقدنا لأن عذاب القبر كان كالرقاد في جنب ما صاروا إليه من عذاب جهنم" (6). الوقفة كاملة
٢٦٨ برنامج لمسات بيانية (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ) أي ما كانت النفخة المذكورة في قوله تعالى (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ) إلا صيحة واحدة (1) فإذا هم مجموعون محضرون لدى رب العزة. وجاء بالفاء وإذا للدلالة على مفاجأة الجمع والإحضار بعد الموت والبلي وسرعته، فإذن (إذا) نفيد المفاجأة والفاء تدل على الحدوث بلا تراخ واجتماعهما يدل على المفاجأة والسرعة. ومعنى (جميع) مجموعون أي فإذا هم مجموعون. وقد تقول: ولم قال (جميع) ولم يقل (مجموعون) كما قال في مكان آخر من القرآن الكريم؟ فقد قال في سورة الواقعة (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ) الواقعة 49،50 وقال (ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) هود 103 والجواب أن (جميع) تأتي بمعنيين – كما ذكرنا في آية سابقة – إما أن تكون بمعنى مفعول أي مجموعون وإما أن تكون بمعنى مجتمعين وذلك نحو قوله تعالى (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ) القمر 44 وقوله (وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ) الشعراء 56 أي مجتمعون. فجاء بــ(محضرون) ليدل على أنهم مجموعون لا مجتمعون أي لم يجتمعوا باختيارهم، وأما (مجموعون) فهو يدل تنصيصاً على اسم المفعول أي جمعوا جمعاً ولذا لم يحتج إلى نحو (محضرون). هذا من ناحية، ومن ناحية آخري أن (جميع) على زنة (فعيل) وهي بمعنى (مفعول) كما اتضح وهذه الصيغة لا تقال إلا لما وقع فعلاً (2) ولا تقال لما سيقع، أما صيغة (مفعول) فتقال لما وقع ولما لم يقع، فأنت لا تقول (قتيل) إلا لمن قتل، ولا تقول (طريد) إلا لمن طرد، أما مقتول ومطرود فيقال لمن قتل ولمن سيقتل أي أن صيغة (مفعول) تحتمل الحال والاستقبال بخلاف فعيل. وفي آية يس تحدث عن أحداث القيامة بصيغة ما وقع فجاء بالصيغة التي تدل على الوقوع. أما آيتا الواقعة وهود فإنهما في سياق المستقبل فجاء بهما على مفعول، قال تعالى في الواقعة (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ) فقد أمر الرسول أن يبلغهم بقوله (قل) وهذا يدل على أن الكلام في الدنيا وسياق الآيات واضح في ذلك. وقال في هود (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ) هود 103-105 فقوله (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ ) يدل على أنهم في الدنيا، وكذلك قوله (وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) وقوله (يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) فكل ذلك يدل على أن الكلام على المستقبل. فاتضح الفرق. ويدل (لدينا) على الحضور والقرب، وهو أخص من (عندنا) فإن (عند) قد تكون للحاضر والغائب فأنت تقول (عندي مال) وإن كان غائباً ولا تقول (لدي) إلا إذا كان حاضراً قريباً (3) وتقديم (لدينا) يدل على القصر أي محضرون لدينا لا لدى غيرنا كما مربيان ذلك. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص192 إلى ص193 1- ينظر التفسير الكبير 26/90، فتح القدير 4/363 2- كتاب سيبويه 2/213، أدب الكاتب 228، المخصص 16/156 3- ينظر الهمع 1/202، شرح ابن يعيش 4/100، شرح الرضى على الكافية 2/128   (فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) فاليوم أي يوم القيامة الذي يحضر فيه الجميع للحساب لا تظلم نفس شيئاُ، ذكر النفس ليشمل كل نفس برة كانت أو فاجرة (1) فالتنكير أفاد العموم، ونفي الظلم على الإطلاق فليس في ذلك اليوم من ظلم كما قال تعالي (لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ) غافر 17. و(شيئاً) يحتمل معنيين: يحتمل المصدرية أي لا تظلمون شيئاً من الظلم وإن قل. ويحتمل المفعول به أي لا تظلمون شيئاً من الأشياء(2) وهذا المعنيان مرادان معاً فلا تظلم نفس شيئاً من الظلم ولا شيئاً من الأشياء ولذا أطلق كلمة (شيء) ولم يقيدها. الوقفة كاملة
٢٦٩ (وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) بعدما نفى الظلم عن الجميع التفت إلى المخاطبين فقال (وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) . وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن قوله (وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) خطاب للكافرين ذلك أن المؤمن يجزى أضعاف ما كان يعمل أما الكافر فلا يجزى إلا ما كان يعمل. وقيل بل إن الخطاب عام لأن المقصود به الجنس بمعنى أن الجزاء من جنس العمل إن خيراً فخير وإن شراً فشر فلا يجزى العمل السيئ بالجزاء الحسن ولا العمل الحسن بالسيئ. جاء في (التفسير الكبير): "فقوله (لا تظلم نفس) ليأمن المؤمن (ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون) لييأس المجرم الكافر. وفيه مسائل: (المسألة الأولى): ما الفائدة في الخطاب عند الإشارة إلى يأس المجرم بقوله (ولا تجزون) وترك الخطاب في الإشارة إلى أمان المؤمن من العذاب بقوله (لا تظلم) ولم (ولا تظلمون أيها المؤمنون) ؟ نقول: لأن قوله (لا تظلم نفس شيئاً) يفيد العموم وهو كذلك فإنها لا تظلم أبداً. (ولا تجزون) مختص بالكافر فإن الله يجزي المؤمن وإن لم يفعل فإن لله فضلاً مختصاً بالمؤمن وعدلاً عاماً، وفيه بشارة. (المسألة الثانية): ما المقتضى لذكر فاء التعقيب؟ نقول لما قال (محضرون) مجموعون والجمع للفصل والحساب، فكأنه تعالى قال إذا جمعوا لم يجمعوا إلا للفصل بالعدل فلا ظلم عند الجميع للعدل، فصار عدم الظلم مترتباً على الإحضار للعدل، ولهذا يقول القائل للوالي أو للقاضي، جلست للعدل فلا تظلم أي ذلك يقتضي هذا ويستعقبه. (المسألة الثالثة): لا يجزون عين ما كانوا يعملون، بل يجزون بما كانوا يعملون أو على ما كانوا، وقوله (ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون) يدل على أن الجزاء بعين العمل، لا يقال: (جزى) يتعدى بنفسه وبالباء، يقال: جزيته خيراً وجزئيته بخير لأن ذلك ليس من هذا لأنك إذا قلت (جزيته بخير) لا يكون الخير مفعولك بل تكون الباء للمقابلة والسببية كأنك تقول: جزيته جزاء بسبب ما فعل. فنقول: الجواب عنه من وجهين: (أحدهما) أن يكون ذلك إشارة على وجه المبالغة إلى عدم الزيادة وذلك لأن الشيء لا يزيد على عينه. فنقول قوله تعالى (يجزون بما كانوا يعملون) في المساواة كأنه عين ما عملوا، يقال: فلان يجاوبني حرفاً بحرف أي لا يترك شيئاً وهذا يوجب اليأس العظيم. (الثاني) هو أن (ما) غير راجع إلى الخصوص وإنما هي للجنس تقديره: ولا تجزون إلا جنس العمل أي إن كان حسنة فحسنة وإن كان سيئة فسيئة فتجزون ما تعملون من السيئة والحسنة، وهذا كقوله وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا " (1) وجاء في (روح المعاني): واستظهر أبو حيان أن الخطاب يعم المؤمنين بأن يكون الكلام إخباراً من الله تعالى عما لأهل المحشر على العموم كما يشير إليه تنكير (نفس) واختاره السكاكي. وقيل عليه يأبه الحصر لأنه تعالى يوفي المؤمنين أجورهم ويزيدهم من فضله أضعافاً مضاعفة، ورد بأن المعنى أن الصالح لا ينقص ثوابه والطالح لا يزاد عقابه لأن الحكمة تأبى ما هو على صورة الظلم، أما زيادة الثواب ونقص العقاب فليس كذلك. أو المراد بقوله تعالى (وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أنكم لا تجزون إلا من جنس عملكم إن خيراً فخير وإن شراً فشر" (2) والتحقيق في الأمر أنه يعبر عن نحو ذلك بتعبيرين (ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون) (ولا تجزون إلا بما كنتم تعملون) وكل له معنى. فالتعبير الأول يحتمل معنيين: المعنى الأول: هو أنكم تجزون بمقدار ما كنتم تعملون أي لا يزيد الجزاء عن العمل ولا ينقص. والمعنى الآخر: هو أنكم تجزون من جنس عملكم إن كان عملكم خيراً فالجزاء خير وأن كان شراً فالجزاء شر كقوله (صلى الله عليه وسلم) (الناس مجزيون بأعمالهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر). وأما التعبير الثاني وهو قولنا(ولا تجزون إلا بما كنتم تعملون) فالباء فيه تفيد السبب ولا يقتضي أن يكون الجزاء بمقدار العمل بل ربما زاد عليه، ففي قولك (عاقبتك بفعلتك) قد تكون العقوبة شديدة وهي أكبر مما تقتضيه الفعلة. وتقول (أكرمتك بحسن إجابتك أو بحسن تصرفك) فقد يكون الإكرام أكبر بكثير من عمله، فلا يقتضي ذلك مساواة الجزاء للعمل بل قد يكون مساوياً له وقد يكون غير مساوٍ له. ولم يرد في القرآن الكريم (هل يجزون إلا ما كانوا يعملون) ونحوه من التعبيرات في خطاب المؤمنين البتة وإنما ورد ذلك في خطاب الكافرين أو الخطاب لعموم الخلق . فأما في خطاب الكافرين فتكون العبارة بمعنييها معاً وهو أنه لا يجزون إلا بمقدار ما كانوا يعملون ومن جنس ما كانوا يعملون. وأما في خطاب عموم الخلق فالراجح أنه يعني الجنس أي إنما تجزون من جنس عملكم بدليل استثناء المؤمنين من المعنى الأول فإن جزاءهم أكبر من عملهم. أما الجزاء بالباء فيكون للمؤمنين والكافرين قال تعالى (لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) التوبة 121 وقال (لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ) النور 38 . وهذه بشارة عظيمة، وقد أخبرنا ربنا أن الذي يعمل السيئة لا يجزى إلا مثلها أما الحسنة فتجزى بعشر أمثالها أو تجزى بخير منها، قال تعالي (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا ) – غافر 40، وقال (فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) –القصص 84. وقال (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) الأنعام160 وقال (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آَمِنُونَ) –النمل 89 وأما التعبير بالباء فيرد للمؤمنين والكافرين كما ذكرنا. قال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) النحل 97 وقال (لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ) الزمر 35 فهذا في المؤمنين وقال في الكافرين: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ ) – الأنعام 120. وقال: (سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آَيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ ) الأنعام 157. فاتضح الفرق بين التعبيرين. ونعود إلى آية يس وهي قوله (فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) فقد ذكرنا أنه التفت إلى المخاطبين بعدما ذكر العموم ولم يقل (فاليوم لا تظلم نفس شيئاً ولا تجزى إلا ما كانت تعمل) وذلك أن الظلم منفى عن أن يوقع بكل نفس على جهة العموم فلا تظلم نفس شيئاً، ولو قال (ولا تجزى إلا ما كانت تعمل) لاحتمل أن يكون المعنى أنه لا تجزى أي نفس إلا بمقدار ما كانت تعمل وهذا المعنى غير صحيح ولا مراد إذ قد تجزى نفس بأضعاف ما كانت تعمل وهي نفوس المؤمنين على العموم فالتفت إلى المخاطبين ليخبرهم بما أخر ويحذرهم من مغبة أعمالهم. فقوله تعالى (وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) قد يكون مقصوداً به الكفار خصوصاً ولهذا المعنى ما يرجحه ذلك أن الآية وقعت في سياق الكلام على الكفار وذلك ابتداء من قوله (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) إلى هذه الآية. ويرجح ذلك أيضاً قوله بعد البعث (يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ) فيكون هذا التعبير مقصوداً بمعنييه أي إنكم لا تجزون إلا بمقدار ما كنتم تعملون ومن جنسه. وقد يكون مراداً به العموم فيكون المقصود به أنكم لا تجزون إلا من جنس أعمالكم، فكان الالتفات في نحو هذا أولى. وقد تقول: لقد قدم نفي الظلم على الجزاء في هذه الآية. وفي آية آخري قدم الجزاء على نفي الظلم فقال (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) – غافر 17 فما السبب؟ فنقول: إن جو سورة يس وسياق الآيات فيها إنما هو في العلاقات بين أفراد المجتمع وظلمهم لبعضهم فقد ذكر قبل هذه الآيات ظلم أصحاب القرية للمرسلين، وقتلهم الرجل الصالح ظلماً، وذكر ظلم الموسرين للفقراء بأن منعوهم حقهم، ثم ذكر أن الصيحة تأخذهم وهم يختصمون فيما بينهم. فقدم نفي الظلم الذي يقع بين العباد على العمل الذي هو عام ويدخل فيه الظلم وغيره. وأما في سورة غافر فلم يرد ما يتعلق بعلاقة الفرد بالمجتمع وتظالمهم فيما بينهم بل الكلام فيها على العقيدة، وليس في السورة موطن واحد ذكر فيه ظلم العبد للعبد حتى أنه في الآية الخامسة وهي قوله (وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ) لم يذكر الأخذ وإنما ذكر الهم بالأخذ. فناسب تقديم الجزاء على نفي الظلم والله أعلم. الوقفة كاملة
٢٧٠ برنامج لمسات بيانية (اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) اصلوها أمر من الفعل (صلي النار) أي قاسي حرها (1) والمعنى قاسوا حر جهنم اليوم بسبب استمراركم على الكفر في الدنيا. وقال (اليوم) لما ذكر الوعد قبلها فقال (هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) وكانوا يكذبون بهذا الوعد ويسخرون منه قائلين (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) فقال لهم: اليوم تنفيذ الوعد الذي كنتم توعدونه فلا تأخير ولا إرجاء، ولذا تردد ذكر (اليوم) في هذه الآيات بإزاء ذكر الوعود فقال ( فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ) وقال (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ) وقال (اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ) وقال (بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) للدلالة على استمرارهم على الكفر ولم يقل (بما كفرتم) فإن ذلك لا يفيد الدوام والاستمرار، وهو بإزاء قوله تعالى في الآية السابقة (كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) الذي يدل على استمرار التذكير والوعد، فدوام الوعد من الرسل وأتباعهم قابلة دوام الكفر منهم. وقوله (تكفرون) يفيد الإطلاق فهو لم يقيد الكفر بأي قيد فلم يقل مثلاً (بما كنتم تكفرون بالله أو باليوم الآخر) أو غير ذلك. إن الفعل (تكفرون) يحتمل معنيين: الأول معنى الكفر الذي هو نقيض الإيمان. والآخر الكفران الذي هو نقيض الشكر وهو الكفر بالنعم قال تعالى (فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ ) النحل 112 وقال (وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ) البقرة 152 وكلاهما موجب للنار، ولو قيده لتعين بمعنى واحد دون آخر فهم كانوا يكفرون بالله وبعموم ما يجب الإيمان به كما كانوا يكفرون بنعمه تعالى. والسياق يقتضي هذا الإطلاق وارادة المعنيين ذلك لأنه تقدم ذكر الرسل وما دعوهم إليه فكفروا وكذبوا. كما أنه عدد عليهم نعمه وآياته فكفروا بها وجحدوا، فقد ذكر أنه أحيا الأرض. الميتة وأخرج منها حباً منه يأكلون وجعل فيها جنات من نخيل وأعناب وفجر فيها من العيون ليأكلوا من ثمره. وذكر أنه خلق لهم أنعاماً وهم لها مالكون وأنه ذللها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون (وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ.) فهم كفروا بالله وكفروا بنعمه فناسب أن يأتي بما يجمع هذين المعنيين فأطلق ولم يقيد. جاء في (التفسير الكبير) في قوله (اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) "وفي هذا الكلام ما يوجب شدة ندامتهم وحسرتهم من ثلاثة أوجه: (أحدها) قوله (اصْلَوْهَا) فإنه أمر تنكيل وإهانة كقوله تعالى (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ). (والثاني) قوله (الْيَوْمَ) يعني العذاب حاضر ولذاتك قد مضت وأيامها قد انقضت وبقي اليوم العذاب. (الثالث) وقوله تعالى (بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ) فإن الكفر والكفران ينبئ عن نعمة كانت يكفر بها. وحياء الكفور من المنعم من أشد الآلام. ولهذا كثيراً ما يقول العبد المجرم: أفعلوا بي ما يأمر به السيد ولا تحضروني بين يديه" (2). وقد تقول: لقد أوجز ههنا فقال (اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) وفصل في سورة الطور وأطال فقال (اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) فلم ذلك؟ فنقول: إن كل موطن اقتضى ما ورد فيه فإن المقام في يس مقام إيجاز وفي الطور مقام تفصيل. فقد قال في يس (هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) ولم يزد على ذلك. في حين قال في الطور (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (11 – 16). ومن النظر في النصين يتضح ما يأتي: 1- أنه فصل في ذكر صفات أصحاب جهنهم وعقوباتهم في الطور وذكر ما لم يذكره في يس. فإنه لم يزد في يس على قوله في أهل النار (وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا) في حين قال في الطور ( فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا.) 2- لما فصل في ذكر صفاتهم وعقوباتهم ما لم يفصله في يس أكثرّ من تبكيتهم وتقريعهم فقال ( هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ فَاكِهِينَ بِمَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) . 3- أنه قال في يس (وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا ) فذكر الضلال على العموم في حين ذكر في الطور أنهم يكذّبون بالنار فقال (هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ فَاكِهِينَ بِمَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.) 4- إن المذكورين في الطور أكثر ضلالاً وكفراً من المذكورين في يس ذلك أنه قال في يس (وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا ) والضال قد يكون كافراً وقد يكون لا يزال في دائرة الإسلام إلا أنه قد يعمل عمل أهل الضلال في أمر ما كالزنى وشرب الخمر وغيرها من الموبقات فصاحب هذه المنكرات ضال غير أنه ليس كافراً. قال تعالى في تقسيم المواريث ( يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) النساء (176) و (أَنْ تَضِلُّوا) ليس معناه أن تكفروا. أما في الطور فقد قال (فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ) فذكر: 1- أنهم مكذبون على العموم (فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) . 2- وأنهم في خوض يلعبون. 3- أنهم يكذبون بالنار (هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ). فناسب أن يزيد في عقوباتهم ويفصل في ذكرها. فناسب كل تعبير السياق الذي ورد فيه. الوقفة كاملة


إظهار النتائج من 261 إلى 270 من إجمالي 396 نتيجة.