| ٢٥١ |
* (لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225) البقرة) - لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ (89) المائدة) ما الفرق بين (وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) وبين (وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ)؟
من المواضيع التي تشغل الناس وهو موضوع الأيمان. رب العالمين مرة يقول (لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ) وردت مرتين في صدر الآية مرة في البقرة (لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225) البقرة) ومرة في المائدة (لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89) المائدة) .
قبل كل شيء كانت الأيمان في الجاهلية على لسان الناس ما يقول قولاً إلا ويحلف. أولاً اليمين هذه أنواع، اليمين هو أنك تُشهِد شيئاً مقدّساً على ما تقول، هذه يمين، سميت يميناً لأنها قوة لكلامك. ما الفرق بين تقول أنا لن أشرب الخمر بعد اليوم وبين أن تقول والله لن أشرب الخمر بعد اليوم؟ أنت قوّيت كلامك، كلمة اليمين فيها قوة (فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93) الصافات) اليمين فيها قوة. كلمة يمين يعني قوي فأنت قوّيت كلامك بهذا القسم. عندما قَسَم وعندنا حلِف وعندنا إيلاء. الحلِف على شيء مضى (وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى (107) التوبة) (يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ (74) التوبة) يقال فلان حلف على شيء أنه ما فعل كذا هذا بالماضي هذا حلف. القَسَم على شيء بالمستقبل (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ (53) النور) في المستقبل. تقول أحلف بالله أني ما فعلت كذا وتقول أقسم بالله أني سافعل كذا. الإيلاء عندك خصلة تحبها جداً ومريحة تحلف أنك ما تقربها، كنت تشرب خمراً فقلت والله لن أشرب خمراً بعد اليوم، هذا يسمى إيلاء، (لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ (226) البقرة) زوجتك حبيبتك لكن صار خلاف فقلت والله لن أقربها، هذا إيلاء.
*الحلف على ما مضى والقسم للمستقبل والإيلاء ترك ما يحبه الإنسان وما هو مشروع؟
لا، حتى لو لم يكن مشروعاً. كان الجاهليون في كل كلامهم قسم أو حلف أو إيلاء وبالتالي رب العالمين أنهى هذا وقال (وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ (89) المائدة) فبدأ المسلمون يقننون بأنهم لا يحلفون ولا يقسمون إلا على شيء فيه كسب القلب وفيه تعقيد الإيمان. كسب القلب أن تنوي أنت قاصد أن تحلف على هذا الشيء لتجعله قوياً أي يميناً، وبالتالي إذا كان بينك وبين أحد عقد أو عهد تقسم عليه أو تحلف عليه هذا أنت كسب قلبك أنت تقصد وكل يمين صادفت عزم العقد على ذلك أو عقد العزم على ذلك أصبحت هذه تسمى اليمين الغموس إن أنت حنثت بها تغمس صاحبها في النار وهذه توجب الكفارة. (وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ (89) المائدة) رب العالمين جعل حلاً لهذا وهو الكفارة ولهذا أولاً جاء التفقيه في الإسلام بأن نحفظ أيماننا. ثانياً أن لا نجعل أيماننا عرضة للخير (وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ (224) البقرة) هذا الذي يحلف على منع خير وأي خير؟ مثلاً : رجل كان يصل رحمه كان يعطيهم ويساعدهم ثم صار مشكلة بينه وبينهم فقال والله لن أساعدكم بعد اليوم كما حصل مع سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه عندما غدر بن قريبه (مسطح) وطعن فيه. حينئذ قال (وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224) البقرة) فإذا كنت لك حسنة ولك عبادة ولم صلة رحم وحصل خلاف ثم أقسمت يميناً أو حلفت يميناً أنك لن تبر هذا الإنسان بعد اليوم ولن تصله ولن تعطيه فكفِّر عن يمينك واقطع هذا اليمين ولا تجعل هذا اليمين عرضة كما لو صار سداً مانعاً بينك وبين أن تصل هذا الرحم، بينك وبين أن تعبد الله هذه العبادة. مثلاً إذا قال أحدهم أقسم بالله العظيم أني لن أصوم الإثنين والخميس بعد اليوم لأمر ما أو لن أزور فلاناً أو لن أتكلم مع فلان، كل هذه غير مشروعة وفيها قطع رحم وغيره. اليمين البرّة هي التي فيها حق من الحقوق أنت تثبته أو تقسم يميناً على شيء لكي تحققه وأنت قاصد ذلك وهو مشروع كما قال الشيخ نجيب. إذن رب العالمين عز وجل شنّع على كثيري الحنث (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ (10) القلم) وقال تعالى (وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ) وحفظ اليمين أن لا تحلف على كل شيء. هذه ثقافة الموضوع العام. يبقى ما هو لغو اليمين؟ (لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ (225) البقرة) فقهاؤنا الكرام رحمة الله عليهم جميعاً بحرصهم وخوفهم من الله وخوف الفقهاء من الله عز وجل شدد علينا لكي نكون جادين ومنضبطين يعني لأن تحسر حقاً مشكوكاً فيه خير من أن تكسب حقاً ربما ليس من حقك. هذا الورع ترك ما لا ذنب فيه مخافة أن يكون فيه ذنب. والورع هذا "إن خير دينكم الورع" أن لا تفعل شيئاً مشكوكاً فيه وفي عصرنا هذا نفعل المشكوك فيه بشكل مطلق ولكن هذا ليس من الورع. أنت مثلاً عملت عملاً وضوء، صلاة زكاة فيها رأيين رأي يقول صح ورأي يقول خطأ مشكوك فيه، إحسم أمرك وخذ بالمتيقّن، هذا سمت نفر من هذه الأمة ورعون يراعون الله عز وجل وليس مطلوباً من كل الناس "إن الله يحب أن تؤتى رُخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه" أنا لا يمكن أن أطالب الجندي كما أطالب الضابط ، هذا شيء وهذا شيء. وحينئذ كل إنسان يوم القيامة يطالب على وفق مقامه، على وفق عمله، ولذلك علينا أن نفهم ذلك ولا نتعامل مع الناس وكأنهم طبقة واحدة.
الوقفة كاملة
|
| ٢٥٢ |
قوله تعالى:{خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيم}[البقرة:7].
وفيها عدة وقفات :
الوقفة الأولى: الواوان اللتان تسبقان حرف الجر{عَلَى} يمكن أن تكون إحداهما عاطفةً ، والأخرى استئنافية، ففي قوله: { وَعَلَى سَمْعِهِمْ } إذا جعلت الواو للعطف يكون السمع داخلا في حكم الختم عليه، مشتركا في ذلك مع القلوب، وتكون الواو حينئذ في قوله: { وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ } استئنافية، فتخصص الأبصار بالحكم عليها بالغشاوة.
وذكر أبو الجعفر النحاس أن الأخفش سعيد بن مسعدة أجاز الوقف على قوله: {قُلُوبِهمْ}، فتكون الواو الأولى في: {وَعَلَى سَمْعِهِمْ }استئنافية، والواو الثانية في : { وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ }عاطفة ، فيشترك السمع والأبصار في وقوع الغشاوة عليها.
لكن الصحيح الأول، وهو الوقف على { سَمْعِهِمْ }؛ ليكون الختم على القلوب وعلى السمع، والغشاوة على الأبصار؛ لورود آية أخرى خصصت الأبصار بالغشاوة، وأوقعت الختم على السمع ، قال الله تعالى:{أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُون}[الجاثية:23].ثم إن القلوب والمسامع لما كانت مخفية كان استعمال الختم لها أولى ، والأبصار لما كانت بارزة ، وإدراكها متعلق بظاهر، كان الغشاء لها أليق . والله أعلم.
الوقفة الثانية: نلحظ في الآية الكريمة إعادة حرف الجر،وهو{عَلَى} ، بعد واو العطف في قوله:{وَعَلَى سَمْعِهِمْ }، مع اشتراكهما في الحكم بالختم كما أسلفنا، فلم يقل :(ختم الله على قلوبهم وسمعهم)؛ وفي ذلك نكتة بلاغية، هي الدلالة على تغاير الختمين، فالختم على القلوب يكون بتغطيتها بحيث لا يؤثر فيها الإنذار، ولا ينفذ إليها الحق ، وأما الختم على السمع فيكون بسد مواضعه.
وقال أبو جعفر النحاس: ((في تعليل إعادة الجار ثلاثة أجوبة، منها:
* إعادة الجار بمعنى المبالغة في الوعيد.
* والجواب الثاني: أن السمع لما كان واحداً، والقلوب جماعة أعيد الحرف.
* والجواب الثالث: أن المعنى (وختم على سمعهم)، فحُذف الفعل، وقام الحرف مقامه)).
الوقفة الثالثة: في هذه الآية أُفرد السمع، وجُمعت القلوب والأبصار، ولم يرد السمع في القرآن الكريم مجموعاً إلا في قراءة ابن أبي عبلة في هذه الآية التي بين أيدينا(أسماعهم)، وقد ذكر هذه القراءة القرطبي والزمخشري وأبو حيان، وهي شاذّة.
وقد ذكر علماء اللغة والمفسرون توجيهات لإفراد السمع، منها:
* التوجيه الأول: أن أصل كلمة (السمع) قبل أن تسمى بها تلك الحاسة المعروفة مصدر للفعل (سمع)، والمصادر والأجناس لا تثني ولا تجمع ، ما لم تختلف أنواعها كالأكل والضرب والماء والتراب، فأفردت كلمة (السمع) ههنا نظراً إلى أصلها، كما تقول: يعجبني حديثكم وضربكم ، ومثله قوله تعالى:{وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُون}[الحج:68]، فلم يقل: ضيوفي.
* التوجيه الثاني: أن السمع هنا مصدر مضاف إليه جمع محذوف، والتقدير: وعلى مواضع سمعهم، أو حواس سمعهم.
* التوجيه الثالث: أن إضافة السمع إلى ضمير الجمع تغني عن الجمع عند أمن اللبس، كقول المسيب بن زيد مناة الغنوي:
لا تُنكرِي القتل وقد سُبينا في حلقكم عظم وقد شجينا
معناه في حلوقكم، وكقول علقمة الفحل:
بها جِيفُ الحسرى فأما عظامُها فبِيضٌ وأما جلدها فصليب
أي: جلودها.
* التوجيه الرابع- وهو توجيه متعلق بالمعنى-: أن مدركات السمع شيء واحد، وهو الصوت ، والسمع لا يقبل من الأصوات مهما تعددت وتنوعت إلا صوتاً واحداً، أو يلفظها جميعاً إذا تزاحمت عليه، ولم يستطع عزل بعضها عن بعض، أما البصر فمدركاته متنوعة، فهو طريق لكل المرئيات الساكنة والمتحركة، والجامدة والسائلة، والصامتة والناطقة، ويمكن أن يحيط بها البصر في لحظة واحدة، ويحتفظ لكل منها بصورة غير مختلطة بغيرها، فالرائي يرى بنظرة واحدة أعداداً كثيرة من الناس مختلفة الأشكال والألوان والملابس والهيئات، فالبصر إذن أبصار متعددة، ولأجل هذا جاء في القرآن الكريم مجموعاً.
* التوجيه الخامس: أن السمع حاسةٌ تحتاج إلى مؤثر، هو الصوتالذي يطرق الأذن، فلا يكفي وجود الجهاز السمعي لحدوث السمع، فإذا لم يكن صوتٌ مسموعٌ لم تعمل الأذن، فالسمع متوقف على المؤثر، بخلاف البصر الذي يعمل ما دام المبصر يقظاً فاتحاً عينه، فيرى صوراً كثيرةً، ساكنة كانت أو متحركة، قصد أصحابها، أو لم يقصدوا.
الوقفة الرابعة: في هذه الآية الكريمة قدم الله سبحانه وتعالى السمع على البصر، وفي كل آية اجتمعا قدم السمع إلا في قوله تعالى:{قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا}[الكهف:26].
وسر تقديم السمع على البصر هو – والله أعلم- كما قال أبو السعود – رحمه الله-: ((لأن جنايتهم – من حيث السمع الذي به تُتلقى الأحكام الشرعية، وبه يتحقق الإنذار- أعظم منها من حيث البصر الذي به تشاهد الأحوال الدالة على التوحيد، فبيانها أحق بالتقديم، وأنسب بالمقام ... ولأن السمع شرط النبوة، ولذلك ما بعث الله رسولاً أصم، ولأن السمع وسيلة إلى استكمال العقل بالمعارف التي تُتلقف من أصحابها)). والله أعلم.
وقد استدل ابن قتيبة-رحمهالله-على أن السمع أفضل من البصر بقوله تعالى:{وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُون (42)وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُون}[يونس:42], فقال:(( دلّ على فضل السمع على البصر حين جعل مع الصمم فقدان العقل، ولم يجعل مع العمى إلا فقدان النظر)).
ولكن رد ابن الأنباري على ابن قتيبة، فقال: ((هذا غلطٌ، وكيف يكون السمع أفضل، وبالبصر يكون الإقبال والإدبار، وبالقرب إلى النجاة، والبعد من الهلاك، وبه جمال الوجه، وبذهابه شينُهُ؟
وفي الحديث: (من أذهبت كريمتيه،فصبر، واحتسب، لم أرض له ثواباً دون الجنة)).
وأجاب ان الأنباري عما ذكره ابن قتيبة: ((بأن الذي نفاه الله تعالى مع السمع بمنزلة الذي نفاه عن البصر؛ إذ كانه أراد إبصار القلوب، ولم يرد إبصار العيون، والذي يبصره القلب هو الذي يعقله؛ لأنها نزلت في قوم من اليهود كان يستمعون كلام النبي فيقفون على صحّته، ثم يكذبونه، فأنزل الله فيه:{ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ}، أي: المعرضين ،{ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُون (42)وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُون}.
قال: ولا حجة في تقديم السمع على البصر هنا؛ فقد أُخر في قوله تعالى:{مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ}[هود:24]. أما ابن القيم-رحمهالله-فقد نقل حججاً أخرى في تفضيل السمع على البصر، فقال: ((واحتجّ مفضلو السمع بأن الله تعالى يقدمه حيث وقع، وبأن السمع تُنال سعادة الدنيا والآخرة؛ فإن السعادة بأجمعها في طاعة الرسل، والإيمان بما جاءوا به، وهذا إنما يدرك بالسمع، ولهذا في الحديث الذي رواه أحمد وغيره من حديث الأسود ابن سريع:( ثلاثة كلهم يدلي على الله بحجته يوم القيامة، فذكر منهم رجلاً أصم يقول: يا ربّ لقد جاء الإسلام وأنا لا أسمع شيئاً).
واحتجّوا بأن العلوم الحاصلة من السمع أضعاف العلوم الحاصلة من البصر؛ فإن البصر لا يدرك إلا بعض الموجودات المشاهدة بالبصر القريبة، والسمع يدرك الموجودات والمعدومات، والحاضر والغائب، والقريب والبعيد، والواجب والممكن والممتنع، فلا نسبة لإدراك البصر إلى إدراكه.
واحتجّوا بأن فقد السمع يوجب ثلم القلب واللسان، ولهذا كان الأطرش خِلقةً لا ينطق في الغالب، وأما فقد البصر فربما كان معيناً على قوة إدراك البصيرة وشدة ذكائها؛ فإن نور البصر ينعكس إلى البصيرة باطناً، فيقوى إدراكها، ويعظم، ولهذا تجد كثيراً من العميان أو أكثرهم عندهم من الذكاء الوقّاد والفطنة وضياء الحس الباطن ما لا تكاد تجده عند البصير، ولا ريب أن سفر البصر في الجهات والأقطار ومباشرته للمبصرات على اختلافها يوجب تفرّق القلب وتشتيته، ولهذا كان الليل أجمع للقلب، والخلوة أعون على إصابة الفكرة، قالوا: فليس نقص فاقد السمع كنقص فاقد البصر، ولهذا كثيرٌ في العلماء والفضلاء وأئمة الإسلام من هو أعمى، ولم يُعرف فيهم واحدٌ أطرش، بل لا يعرف في الصحابة أطرش)).
الوقفة كاملة
|
| ٢٥٣ |
قوله تعالى:{قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِين (94) وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمين (95)}[البقرة:94-95].
وقوله تعالى:{قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِين (6) وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِين(7)}[الجمعة:6-7].
في آية سورة البقرة قال:{وَلَن يَتَمَنَّوْهُ}، وفي آية سورة الجمعة قال:{وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُ}، والنفي بـ(لا) أعم من النفي بـ (لن)، قال السهيلي – رحمه الله-:((فحرف (لا) لامٌ بعدها ألف، يمتد بها الصوت ما لم يقطعه تضييق النفس، فآذن امتداد لفظها بامتداد معناها، و(لن) بعكس ذلك، فتأمله، فإنه معنى لطيفٌ، وغرضٌ شريف)) انتهى كلامه.
فـ(لا) تفيد العموم؛ لأن نفيها ينسحب على جميع الأزمنة، و(لن) تفيد القطع وقرب المنفيّ. وقال السهيلي – عليه من رحمة الله شآبيبها -:((على أني أقول: إن العرب – مع هذا – إنما تنفي ب(لن) ما كان ممكنا عند المخاطب، مظنونا أن سيكون، فتقول:(لن يكون) لما يمكن أن يكون؛ لأن (لن) فيها معنى (أن)، وإذا كان الأمر عندهم على الشك لا على الظن، كأنه يقول: أيكون أم لا يكون؟، قلت في النفي :(لا يكون) )).
وقد فرق كمال الدين عبدالواحد بن عبدالكريم الزملكاني بينهما تفريقاً مبنيا على اللفظ، فقال:
(((لن) محل استعمالها المظنون حصوله، ومحل استعمال (لا) المشكوك في حصوله، وهذا يعلمك أن (لن) آكد في النفي، على ما قاله فخر خوارزم رحمه الله، وإن كان زمانها أقصر؛ ومما يثبت عندك ذلك قوله – عز وجل-:{وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُأَبَدًا} بعد حرف الشرط، وهو{قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِين (6)}، كأنه قيل: متى زعموا ذلك في وقت من الأوقات، وقيل: تمنوا الموت، فلا يتمنونه أبداً.
فلما كان حرف الشرط لا يختص بوقت دون وقت، وعم جميع الأزمنة، قوبل بـ(لا)؛ ليعم ما جُعل جوابا له.
ولما فات العموم من قوله تعالى:{قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِين}؛ بسبب دخول (كان)؛ لكونها لا تدل على الحدث،بل تدخل على المبتدأ والخبر؛ لتقرن مضمون الجملة بالزمان الماضي، وكأنه قيل: إن كانت قد وجبت لكم الدار الآخرة عند الله فتمنوا الموت الآن.
وكان حرف الشرط داخلاً على فعل أمده قريب جاء في جوابه (لن)، فانتظم الخطاب في الآيتين)) انتهى كلامه.
ولكني أري بينهما تفريقا من حيث المعنى؛ فإن فائدة{لن} في آية سورة البقرة الدلالة على القطع والبتات؛ لأنه علق صحة فعل الشرط الذي ادّعوه – وهو كون الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس-على تمني الموت؛ ليصلوا إلى جنة التعليم الخالصة لهم من دون الناس بزعمهم، فالحبيبلا يكره لقاء حبيبه، بل يتمناه،((والابن لا يكره لقاء أبيه ولا سيما إذا علم أن كرامته ومثوبته مختصة به، بل أحب شيء إليه لقاء حبيبه وأبيه، فحيث لم يحب ذلك، ولم يتمنه، فهو كاذبٌ في قوله، مبطل في دعواه)).
ودعواهم بأن لهم الدار الآخرة خالصة عند الله، وزعمهم كما في غير هذه الآية أنهم أبناء الله وأحباؤه، لو صحت لكانت غاية ما يطلبه مطيع الله وعابده، فليس بعد حصول الدار الآخرة خالصة لأمة من الأمم مطلب أعظم منه، ولا يطمع طامع بزيادة عليه من حيث الظفر بالآخرة، والاستئثار بنعيمها، ونظرا إلى عظم هذه الدعوى ووثوق أصحابها بها احتاج الرد عليهم بها إلى ما هو أبلغ في القطع وأقوى، فجاء بـ {لن}القاطعة النافية، فقال:{وَلَن يَتَمَنَّوْهُ}، فهذا النفي كالصاعقة وقعت على رؤوسهم، ودحضت دعواهم.
أما في آية سورة (الجمعة) فقد عُلق على تمني الموت صحة فعل الشرط الذي ادعوه وهو كونهم أولياء لله من دون الناس، فليس زعمهم هذا مطلبا لا مطلب وراءه؛ لأنه يحتاجون بعد ذلك إلى طلب قبول أعمالهم كما يفعل الأولياء، ويرجون الثواب عليها في الآخرة، فلما كان الشرط في هذه الآية قاصراً عنه في سورة البقرة لم يُحتج في نفيه إلى ما يدل على القطع، فجاء بـ {وَلاَ }النافية، فقال:{وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُ}، وهذا النفي أيضا يدل على عموم الأزمنة؛ لأن دعواهم بأنهم أولياء الله وأحباؤه أكثر ترددا من دعواهم بأن لهم الدار الآخرة خالصة.
وههنا تنبيه يحسن ذكره،وهو: أن الزمخشري يرى أن (لن) تفيد التأبيد؛ للوصول إلى مذهبه الاعتزالي في نفي رؤية المؤمنين ربهم في الدنيا والآخرة مستدلاً بقوله تعالى:{وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي}[الأعراف:143].
والرد على الزمخشري سهل جدا؛ فإن الله سبحانه وتعالى قال: {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا}[مريم:26]، فخص النفي باليوم، وهذا معارض للتأبيد، وفي سورة البقرة قال:{وَلَن يَتَمَنَّوْهُأَبَدًا}، ولو كانت (لن ) دالة على التأبيد لما احتاجت إلى التأكيد بقوله:{أَبَدًا}، ومما يرد على الزمخشري أيضا قوله تعالى:{قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى}[طه:91]، فقيد النفي برجوع موسى ، وهو منافٍ للتأبيد.
وعجيب أمر عالم جهبذ كالزمخشري، كيف يسقط مثل هذا السقطة؟ لكنه الانحراف في العقيدة، يُعمي ويُصم، ولا يخفى ذي بصيرة ما يعتور المعتزلة من قصور في فهم كلام الله، فهم كما قال الإمام ابن القيم – رحمه الله -: ((وهكذا كل صاحب بدعة تجده محجوبا عن فهم القرآن.
وتأمل قوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}[الأنعام:103]، كيف نفى فعل الإدراك بـ{لاَّ}الدالة على طول النفي ودوامه؛ فإنه لا يدرك أبدا، وإن رآه المؤمنون فأبصارهم لا تدركه ، تعالى عن أن يحيط به مخلوق.
وكيف نفى الرؤية بـ{لَن}، فقال:{لَن تَرَانِي}؛ لأن النفي بها يتأبد، وقد أكذبهم الله في قولهم بتأبيد النفي بـ(لن) صريحا بقوله:{وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ }[الزخرف:77]، فهذا تمن للموت، فلو اقتضت (لن) دوام النفي تناقض الكلام، كيف، وهي مقرونة بالتأبيد بقوله:{وَلَن يَتَمَنَّوْهُأَبَدًا}؟، ولكن ذلك لا ينافي تمنيه في النار؛ لأن التأبيد قد يراد به التأبيد المقيد، أو التأبيد المطلق، فالمقيد كالتأبيد بمدة الحياة، كقولك: والله لا أكلمه ابدا، والمطلق كقوله: والله لا أكفر بربي أبدا.
وإذا كان كذلك فالآية إنما اقتضت نفي تمني الموت أبد الحياة الدنيا، ولم يتعرض للآخرة أصلاً؛ وذلك لأنهم لحبهم في للحياة، وكراهتهم للجزاء لا يتمنون الموت، وهذا منتفٍ في الآخرة.
فهكذا ينبغي أن يفهم كلام الله، لا كفهم المحرفين له عن مواضعه)).
الوقفة كاملة
|
| ٢٥٤ |
قوله تعالى:{قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِير}[البقرة:126].
قال:{فَأُمَتِّعُهُ }، ومعلوم أن الزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى، و(متع) تدل على الكثرة ،فكيف وصف مصدرها فقال:{ قَلِيلاً }، فوصف الكثير بالقليل؟.
أقوله: السبب في ذلك – والله أعلم – أن الله تعالى مهما أغدق على ابن آدم من نعم الدنيا فإنها قليلة بالنظر إلى صيرورتها إلى نقص ونفاد وفناء، ونظراً إلى هلاكه ورحليه عن الدنيا وتركه ما فيها:
أماوي ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت نفس وضاف بها الصدر
فكثر الفعل بعين صاحب المتاع، وقلله بالنظر إلى حقيقته، ومثله قوله تعالى:{وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور (23)نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظ (24)}[لقمان:23-24].
الوقفة كاملة
|
| ٢٥٥ |
قوله تعالى ( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ۖ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226)وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227) ) البقرة ( 226 ، 227 ) .
الآية الاولى ختمها الله تعالى بالغفران والرحمة ، لأن رجوع الزوج الى عشرة زوجته ، والاحسان اليها بالنفقة والعشرة الطيبة ، وعدم طلاقها ، عمل حسن ، وصنيع يستحق علية المجازاة لما هو أحسن من صنيعه ، من مغفرة الله ورحمته .
والآية الثانية ختمها بالسمع والعلم ، لأنهفي مقام التعقيب على ايقاع الطلاق بعد اليمين والتربص ، والطلاق قول ، فتناسبه السمع والعلم بمضمونه أسبابه وغايته ، والله أعلم .
الوقفة كاملة
|
| ٢٥٦ |
قوله تعالى ( مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) البقرة (261) .
نحن نعلم أن جمع التكسير في اللغة العربية ينقسم من حيث دلالته العددية قسمين : جمع كثرة ، وجمع قلة
وجمع القلة هو : ما دل على ما دونالعشرة من العدد ، وجمع الكثرة هو : ما دل على أكثر من ذلك .
ومما يدل على القلة ما جمع بألف وتاء ، اذا كان له جمع تكسير ايضا ، كقولك
جفنة و جفنات وجفان .
وفى هذه الآيةالتيهي محل وقفتنا قال المولى عز وجل ( أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ) ف ( سَنَابِلَ) جمع الكثرة ، لأنها على وزن ( فعالل) فلم عبر بصيغة منتهى الجموع عن العدد (سبعة) الذى حقه أن يعبر عنه بجمع القلة ؟ : أي ب (سنبلات) ، كما في سورة يوسف حيث قال الله تعالى ( وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أرى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ۖ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) يوسف ( 43 ) .
قيل في سر ذلك ( ان ايه البقرة مبينة على ما أعد الله للمنفق في سبيله ، وما يضاعف له من أجر انفاقه ، وان ذلك ينتهى الى سبعمئة ضعف ، وقوله ( وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ) قد يفهم الزيادة على ما نص عليه من العدد ، كما اشارت اليه آيات وأحاديث ، فبناء هذه الآية على التكثير ، فناسب ذلك ورود المفسر على ما هو من أبنية الجموع للتكثير لحظا للغاية المقصودة ، ولم يكن ما وضعه للقليل في الغالب ليناسب ما تلحظ فيه الغاية من التكثير .
اما ايه ( يوسف ) فإنما بناؤها على اخبار الملك عن رؤياه سبع سنبلات ، فلا طريق هنا للحظ كثرة ولا قلة ، لأنه اخبار برؤيا ، فوجهه الاتيان من أبينه الجمع بما يناسب المرئي ، وهو قليل ، لأن من دون العشرة قليل ، فلحظ في أية ( البقرة) ما بعده مما يتضاعف اليه هذا العدد ، وليس في أية (يوسف) ما يلحظ ، فافترق القصدان ، وجاء كل على ما يجب ، ويناسب ، والله أعلم .
وأقول : ان سنبلة فيها مئة حبة ، مع ست مثيلات لها ، لتبدو في عين الناظر كثيرة ، فلعل هذا مما ناسب معه التعبير عنها بجمع الكثرة ، وهو ( سَنَابِلَ)
ومن سياق أية سورة ( يوسف ) يظهر أن كل سنبلة من السنبلات المذكورة فيها هي صغيرة في حجمها ، قليل حبها ، فناسب التعبير عنها مع مثيلاتها بجمع القلة ( سُنْبُلاتٍ) ، والله أعلم .
الوقفة كاملة
|
| ٢٥٧ |
قوله تعالى (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ)
البقرة ( 263) .
ان ختام الآية دائم التناسق مع مبدئها ومحتواها ، روى أن أعرابياً سمع قارئا يقرأ قوله تعالى (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ) المائدة ( 38) ، فختمها القارئ بقوله ( والله غفور رحيم ) ، فقال الأعرابي : ما هذا كلام فصيح ! ، فقيل له : ليس التلاوة كذلك ، وانما هي : (وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ، فقال : بَخٍ بَخٍ ، عز ، فحكم ، فقطع .
وحكى أن اعرابيا اخر سمع قارئا يقرأ قوله تعالى (فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) البقرة ( 209 ) ، فقرأها القارئ ( فاعلموا أن الله غفور رحيم ) ، ولم يكن الأعرابي يقرأ القران ، فقال : ان هذا ليس بكلام الله ، لأن الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل ، لأنه اغراء عليه .
ولذلك في هذه الآية الكريمةالتي تحل محل النظرة لما كان المقام مقام تهديد لأولئك المتصدقين الذين يتبعون ما أنفقوا منا ولا أيضا مقام اشعر لهم بأن الكلام الطيب والاعتذار الحسن مع العفو عمن أساء اليهم ، خير من صدقاتهم تلك ، بين الله سبحانه وتعالى أنه غنى عن الصدقات ، لن يناله منها شيء ، وانما النفع يعود عليهم ، والله تعالى مع غناه الكامل حليم على المان بالصدقات ، حيث لم يوقع عليه العقوبة التي يستحقها لمنه ، ولكنه – تعالى – حليم يصفح مع عطائه الواسع عمن يمن بمال الله الذى استودعه اياه .
الوقفة كاملة
|
| ٢٥٨ |
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) البقرة ( 267 ) .
لما كان المقام مقاما لطلب الانفاق من الطيبات ، والله غنى عن الطيب والخبيث من المال ، فلا يقبل – عز وجل –الرديء من مال عبده ، يقدمه عبده لنفسه ، فالله أحق من يختار له الاشياء و أنفسها ، لان قابل الرديء اما أن يقبله لحاجته اليه ، والله غير محتاج لأحد ، واما ان نفسه غير كريمة ولا شريفة ، فلا يقبل الا الطيب ، لما كان كذلك ناسب ختام الآية لقوله (غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) .
الوقفة كاملة
|
| ٢٥٩ |
قوله تعالى ( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ) ال عمران ( 26) .
ان الاصل في الاسماء اذا ذكرت ابتداء ان تكون ظاهرة ، فإذا ذكرت بعد أضمرت استغناء بالاسم الظاهر المتقدم ، فتكرار الكلمة إطناب ، والايجاز يدعو الى ضد ذلك ، والاظهار يحسن في موضعه ، كما هو الاضمار في موضعه .
ولكن الاظهار في موضع الاضمار أتى في القران الكريم كثيرا محققا فوائد عظيمة وصلت به الى قمة البلاغة ، وتسنمت به ذرى الفصاحة وسنامها، ومن هذا الباب تلم الآيةالتي بين ايدينا ، فتأملوا تكريره كلمة ( الْمُلْكَ)
حين قال ( تُؤْتِي الْمُلْكَ) لأنه لو قال ( تؤتيه ) لعاد الضمير الى ( الْمُلْكَ)
في قوله ( مَالِكَ الْمُلْكِ) وهو ملك الله ، قال ابن الخشاب ، ولأوهم ذلك أن الله تعالى يعطى ملكه كله من يشاء ، وهذا غير صحيح ، وغير مراد ، بل المراد أن الله
يعطى شيئا قليلا من ملكه لبعض البشر ، لا ينقص ذلك مهما كثر من ملكه – تعالى -شيء ، اما تكرار كلمة الملك مرة ثالثة في قوله ( وَتَنزِعُ الْمُلْكَ) فلتعدد المالكين . والله أعلم .
الوقفة كاملة
|
| ٢٦٠ |
قوله تعالى ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) ال عمران ( 164 ) .
(المن ) صفة مدح وصفة ذم ، فهيفي حق الله تعالى مدح ، فمن الله ابتداؤه وتفضله بالنعم العظيمة من غير أن يعتد سبحانه وتعالى بمقابلتها من خلقه بمثلها ، فهو يحسن الى من لا يستثيبه ، ولا يطلب منه الجزاء عليه ، وهذا النوع لا يكون الا بالأفعال ، فلا يصاحبه من قولي ،
وهذا النوع خاص بالله جل وعلا .
ويكون المن في حق غير الله تعالى ذماً ، لأنه القول أو الفعل المشعر بتعالي صاحب الفضل على المتفضل عليه بتعظيم احسانه اليه ، وفخره به ، وتذكيره اياه ، وان يبدئ فيه ، ويعيد حتى يفسده ، ويبغضه اليه ، ومن هذا النوع قوله تعالى ( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ۙ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)
البقرة (262) . وعودا على بدء أقول : ان قوله تعالى فيالآية الاولى :
( رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ) غاية روعة التعبير ، فقوله ( مِنْ أَنْفُسِهِمْ) يدل على القرب والخصوص الحقيقيين ، لان قولك : محمد من أنفس المؤمنين ،
يدل على انه من خاصتهم ، وانه قريب جدا منهم ، لا أنه منتسب اليهم انتسابا قد يكون مجازيا مراد به التشريف ، كقول رسول الله ﷺ
( سلمان منا أهل البيت ) فالرسول ﷺمن أقرب المقربين الى المؤمنين ، ولذلك لما كان الحديث غير خاص بالمؤمنين في قوله تعالى :
( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)
الجمعة (2) .
لم يقل فيها ( من أنفسهم ) وانما قال ( مِّنْهُمْ) ، لان الكلام عن العرب عامة ، لا عن المؤمنين خاصة ، قال احمد بن ابراهيم الغرناطي : " ان قولك : فلان نت أنفس القوم ، أوقع في القرب والخصوص من قولك : فلان منهم ، فإن هذا قد يراد للنوعية ، فلا يتلخص لتقريب المنزلة والشرف الا بقرينة ، أما ( من انفسهم ) فأخص ، فلا يفتقر الى قرينة ، ولذلك وردت حيث قصد التعريف بعظيم النعمة به ﷺعلى امته ، وجليل اشفاقه ، وحرص على نجاتهم ، ورأفته ورحمته بهم ، فقال تعالى ( لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) التوبة ( 128 ) . وقال تعالى في من كان على الضد من حال المؤمنين المستجيبين :
( وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ) النحل (113 ) فتأمل موقع قوله هنا : ( مِّنْهُمْ) لما قصد انه انعام عليهم لم يوفقوا لمعرفة قدره ، ولا للاستجابة المثمرة النجاة ... " .
الوقفة كاملة
|