تفسير و تدارس

٢٥١ التعليق علي تفسير البيضاوي الوقفة كاملة
٢٥٢ التعليق علي تفسير البيضاوي الوقفة كاملة
٢٥٣ التعليق على تفسير البيضاوي الوقفة كاملة
٢٥٤ برنامج مواقف قرآنية الوقفة كاملة
٢٥٥ برنامج مواقف قرآنية الوقفة كاملة
٢٥٦ التعليق علي تفسير البيضاوي الوقفة كاملة
٢٥٧ التعليق علي تفسير البيضاوي الوقفة كاملة
٢٥٨ التعليق علي تفسير البيضاوي الوقفة كاملة
٢٥٩ التعليق على تفسير البيضاوى الوقفة كاملة
٢٦٠ التعليق على تفسير البيضاوى الوقفة كاملة

أسرار بلاغية

٢٥١ * في الآية 46 قوله تعالى (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ) قال سبحانه وتعالى (هُدًى وَنُورٌ) بداية ثم قال (وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ) بشكل مخصص فما الحكمة في ذلك؟ (د. فاضل السامرائى) قال عن آية المائدة (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (46)) السؤال هو (وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُور) ثم قال (وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ) آتيناه الإنجيل في الأولى يتضمن الهدى والنور لأنه تقدم الكلام عن التوراة (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ (44)) والإنجيل فيه هدى ونور. الآن نأتي (وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ) هذا هدى وموعظة، (مصدقاً) حال، ذاك (وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُور) (وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى) (مصدقاً) حال و (وَهُدًى) معناها وهادياً وواعظاً. فرق بين (فيه هدى) وبين هادياً ومصدقاً. تقول هذا الرجل عنده علم ليس بالضرورة أنه يعلّم أهل العلم، فرق بين كونه عنده علم وبين كونه معلّماً، هذا الكتاب فيه علم نحو لكنه ليس بالضرورة لتدريسه. الإنجيل فيه هدى ونور وهو يهدي أيضاً ليس فقط فيه هدى. قسم يجوزون إعرابها مفعول لأجله يعني هو فيه هدى ولغرض الهداية، فيه هدى ونور وهو يهدي ايضاً ليس فقد فيه هدى. هنالك أمران كونه فيه هدى وكونه هو هادي يعني حاله هكذا. تقول هذا عنده علم ولا يعلّم وهذا عنده علم ويعلِّم. *فى سورة الحديد قال تعالى (وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) وفي سورة المائدة قال (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) فما دلالة الاختلاف؟ (د.فاضل السامرائى) الآية فى سورة المائدة (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (46)). أول مرة فى سورة الحديد قال (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا) ثم لم يقل في عيسى وقفينا على آثارهم وإنما قال وقفينا بعيسى ابن مريم ثم قال في المائدة (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) إذن هناك أكثر من سؤال. أولاً ما معنى قفّينا؟ معنى قفى على أثره يدل على قرب ما بين الماشيين أي جاء الثاني قبل أن يزول أثر الأول، الأثر لم يزل بعد فمعناه يصير قرب ولو كان الوقت طويل يزول الأثر ولا يبقى. لو تأخر الأمر أعواماً طويلة يزول الأثر. تلك قال (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم) لأن الرسل متتابعة وهنا بالنسبة لعيسى قال وقفينا بعيسى ابن مريم معناه إذن أن المسافة طويلة بين عيسى ومن قبله، ويُذكر أن آخر واحد قبل عيسى هو يونس ابن متى وبينهما حوالي 800 سنة. آخر من يُذكر من الرسل قيل يونس في أوائل القرن الثامن قبل الميلاد يعني 800 سنة هذا ليس على أثره وإنما (وقفينا) ليس على أثره. سؤال: في المائدة قال (على آثارهم) لوجود الأثر؟ التقفية في المائدة ليست في الرسل وإنما في تقفية الربانيين والأحبار ولو قرأنا آية المائدة تحتلف عن آية الحديد (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)) يحكم بها الربانيون والأحبار ولم يقل وقفينا على آثارهم وهم لم ينقطعوا أصلاً فالأحبار والربانيون موجودون والأحبار جمع حِبْر وهو العالِم والربانيون جمع ربّاني إذن هؤلاء لم ينقطعوا. في سورة المائدة (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم) متعلقة بالربانيين والأحبار وفي آية الحديد متعلقة بالأنبياء والرسل خاصة فلما كانت في الرسل قال (وقفينا) ولم يقل على آثارهم ولما كان الكلام على الربانيين والأحبار وهو لم ينقطعوا قال على آثارهم. سؤال: فى الحديد قال (وآتيناه الإنجيل) وفي المائدة قال (وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ (46)) ولم يقل في آية الحديد فيه هدى ونور؟ في المائدة ذكر قبلها التوراة وقال فيها هدى ونور فلما قال (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ (44)) وذكر الإنجيل في الآية نفسها (وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ (46)) هو ذكر التوراة وقال فيها هدى ونور وذكر الإنجيل فيه هدى ونور فلا يسكت عنه وإنما فيه هدى ونور. الهدى والنور عام في الكتب في التوراة والإنجيل والقرآن. في الحديد لم يذكر هدى ونور (وآتيناه الانجيل)؟ لا يذكر دائماً أن فيه هدى ونور هذا يحدده السياق، عندما ذكر الكتب السماوية التوراة والانجيل والقرآن في سياق واحد ذكرها، ذكر التوراة (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) المائدة) ثم ذكر آتيناه الانجيل فيه هدى ونور لما ذكر التوراة فيها هدى ونور ناسب أن يذكر الانجيل فيه هدى ونور هناك تكلم عن التوراة وذكر أمور تتعلق بالأحكام (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) هنا لم يذكر شيئاً يتعلق بالأحكام (وآتيناه الانجيل). سؤال: أليس هذا تناقض في النص القرآني أنه مرة يقول هدى ونور ومرة لا يقول؟ التناقض في أن يقول مرة فيه هدى ونور ومرة يقول ليس فيه هدى ونور أما أن تذكر بعض الصفات وأحياناً لا تذكر لأن السياق لا يقتضي كما تقول في كلامنا العادي تذكر شخصاً وتقول جاء فلان وفلان وفلان وأحياناً عندما تذكر صفات عن فلان تقول فلان جيد وكذا وكذا، أحياناً تذكر الإسم فقط ولا تذكر شيئاً من الصفات وليس دائماً تذكر الصفات، (ذلك الكتاب لا ريب فيه) وأحياناً إذا أردت أن تذكر (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) الذاريات) مرة قال مكرمين ومرة لم يقل (وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْراَهِيمَ (51) الحجر). لما قال مكرمين ذكر ما يتعلق بالمكرمين ولما لم يقل مكرمين لم يتعلق. مرة قال بعجل حنيذ (فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) هود) ومرة سمين (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) الذاريات)، الحنيذ هو السمين فالحنيذ هو المشوي الذي يقطر وَدَكه أي دهنه فكلمة حنيذ تعني سمين ومشوي وما زال حاراً يقطر وَدَكه، لا تناقض بين سمين وحنيذ، السمين صفة من الصفات ولا تعارض ولا تناقض بينهم. وهذا دارج في لغة العربية حتى في كلامنا العادي أحياناً تقول سافرت إلى بلد وذهبت عند فلان وبقيت عندهم ليلة وقضيت حاجة ومرة تذكر مكارمهم فتقول ذهبت إلى فلان وذبحوا لي وسهروا معي بالتفصيل، أنت تريد أن تركز على أي شيء؟ لهذا لم يقل ربنا وآتيناه الانجيل فيه هدى ونور لأنه لا يحتاج ذكر التوراة ثم بعدها ذكر وأنزلنا إليك الكتاب، ذكر التوراة والانجيل والقرآن. الوقفة كاملة
٢٥٢ آية (68): *انظر آية (26).↑↑↑ *ورتل القرآن ترتيلاً: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ (68) المائدة) وقعت كلمة شيء نكرة في سياق النفي حيث سبقت بالفعل ليس وهو يدل على النفي فأفاد هذا الأسلوب أن يكون لهم أقل حظ من التدين والتقوى. الوقفة كاملة
٢٥٣ *ما وجه الإختلاف من الناحية البيانية بين خاتمة آية 62 في سورة البقرة وخاتمة آية 69 في سورة المائدة؟(د.فاضل السامرائى) هناك فرق بين الآيتين (فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) في آية سورة البقرة أما في سورة المائدة (فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) المذكورين في الآيتين هم نفسهم (الذين آمنوا، الذين هادوا، النصارى، الصابئين) فلماذا جاء في سورة البقرة (فلهم أجرهم عند ربهم ولم تأتي في سورة المائدة؟ في سورة المائدة السياق كما قلنا في ذمّ عقائد اليهود والنصارى ذمّاً كثيراً مسهب. أما في البقرة فالكلام عن اليهود فقط وليس النصارى ونستعرض آيات السورتين وننظر كيف تكلم عن اليهود في الآيتين: في سورة المائدة الكلام على اليهود أشدّ مما جاء في البقرة حتى لما يذكر العقوبات يذكرها في المائدة(قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ {60}) أكثر من البقرة (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ {65}) وسياق الغضب في المائدة على معتقدات النصارى واليهود أشدّ وما ذكرهم في المائدة إلا بمعاصيهم فاقتضى السياق أن يكون زيادة الخير والرحمة في المكان الذي يكون الغضب فيه أقل (في سورة البقرة) وجو الرحمة ومفردات الرحمة وتوزيعها في سورة البقرة :ثر مما جاء في سورة المائدة ولم تُجمع القردة والخنازير إلا في سورة المائدة. مبدئياً بما أن سورة البقرة جاءت أقل غضباً وذكراً لمعاصي اليهود لذا جاءت الرحمة فقد وردت الرحمة ومشتقاتها في سورة البقرة 19 مرة بينما وردت في المائدة 5 مرات لذا اقتضى التفضيل بزيادة الرحمة في البقرةوالأجر يكون على قدر العمل فالنسبة للذين آمنوا من أهل الكتاب قبل تحريفه وهم مؤمنون بالله تعالى عليهم أن يؤمنوا إيماناً آخر باليوم الآخر المقصود الذين آمنوا إيماناً حقيقياً. أنواع العمل الصالح في السورتين: في سورة المائدة ورد ذكر 10 أنواع من العمل الصالح (الوفاء بالعقود، الوضوء، الزكاة، الأمر بإطاعة الله ورسوله، والإحسان، التعاون على البر والتقوى، إقام الصلاة، الجهاد في سبيل الله والأمر باستباق الخيرات) وفي سورة البقرة ورد ذكر 30 أو 33 نوع من أعمال الخير وتشمل كل ما جاء في سورة المائدة ما عدا الوضوء وفيها بالإضافة إلى ذلك الحج والعمرة والصيام والإنفاق والعكوف في المساجد وبر الوالدين والهجرة في سبيل الله ولإيفاء الدين والقتال في سبيل الله والإصلاح بين الناس وغيرها كثير، لذا اقتضى كل هذا العمل الصالح في البقرة أن يكون الأجر أكبر (فلهم أجرهم عند ربهم). من ناحية أخرى (فلهم أجرهم عند ربهم) تتردد مفرداتها في كل سورة كما يلي: 1. الفاء وردت في البقرة 260 مرة ووردت في المائدة 180 مرة 2. لهم وردت في البقرة 29 مرة وفي المائدة 15 مرة 3. أجرهم وردت في البقرة 5 مرات وفي المائدة مرة واحدة فقط 4. عند وردت في البقرة 19 مرة وفي المائدة مرة واحدة 5. ربهم وردت في البقرة 10 مرات ومرتين في المائدة. وهذه العبارة (فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) لم ترد إلا في سورة البقرة بهذا الشكل وقد وردت في البقرة 5 مرات. وتردد الكلمت في القرآن تأتي حسب سياق الآيات وفي الآيات المتشابهة يجب أن نرى الكلمات المختلفة فيها وعلى سبيل المثال: (فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (الأنعام) الإيمان ومشتقاته ورد 24 مرة والتقوى وردت 7 مرات. بينما في سورة الأعراف (فمن اتقى أصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) ورد الإيمان ومشتقاته21 مرة والتقوى 11 مرة. (فأصابهم سيئات ما عملوا) في سورة النحل تكرر العمل 10 مرات والكسب لم يرد أبداً. أما في سورة الزمر (فأصابهم سيئات ما كسبوا) تكرر الكسب 5 مرات والعمل 6 مرات. (فلما أتاها نودي يا موسى) (طه) تكرر لفظ الإتيان أكثر من 15 مرة والمجيء 4 مرات بينما في سورة النمل (فلما جاءها نودي يا موسى) تكررت ألفاظ المجيء 8 مرات وألفاظ الإتيان 13 مرة. (إن الله غفور رحيم) (البقرة) تكرر لفظ الجلالة الله 282 مرة والرب 47 مرة ولم ترد إن الله غفور رحيم أبداً في سورة الأنعم، بينما في سورة الأنعام (إن ربك غفور رحيم) تكررت كلمة الرب 53 مرة ولفظ الجلالة الله 87 مرة ولم ترد في سورة البقرة أبداً إن ربك غفور رحيم (فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) الفاء في موضعها وهي ليست حرف عطف ولكنها جواب للذين (هي جواب شرط) ولا يُجاب عليه بغير الفاء أن جواب الشرط أو جواب اسم الشرط الذين يؤتى بالفاء ولا حرف غيرها ينوب مكانها. (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) تعبير في غاية العجب والدقة من الناحية التعبيرية والدقة ولا تعبير آخر يؤدي مؤدّاه. نفى الخوف بالصورة الإسمية ونفى الحزن بالصورة الفعلية كما خصص الحزن (ولا هم) ولم يقل لا عليهم خوف: 1. لا خوف عليهم ولم يقل لا يخافون كما قال لا يحزنون لأنهم يخافون ولا يصح أن يقال لا يخافون لأنهم يخافون قبل ذلك اليوم (يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار) (إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريرا) وهذا مدح لهم قبل يوم القيامة أما يوم القيامة يخافون إلا مَن أمّنه الله تعالى. كل الخلق خائفون (يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمّا أرضعت) لذا لا يصح أن يقال لا يخافون فالخوف شيء طبيعي موجود في الإنسان. 2. لا خوف عليهم معناها لا يُخشى عليهم خطر. ليس عليهم خطر فقد يكونوا خائفين أو غير خائفين كما يخاف الأهل على الطفل مع أنه هو لا يشعر بالخوف ولا يُقدّر الخوف فالطفل لا يخاف من الحيّة ولكنا نخاف عليه منها لأنه لا يُقدّر الخوف. الخوف موجود ولكن الأمان من الله تعالى أمّنهم بأنه لا خوف عليهم ليس المهم أن يكون الإنسان خائفاً أو غير خائف المهم هل يكون عليه خطر أم لا (لا خوف عليهم) وقد يخاف الإنسان من شيء ولكن ليس خوف كالطفل يخاف من لعبة لا تشكل عليه خطراً. 3. ولا هم يحزنون: جعل الحزن بالفعل فأسنده إليهم لماذا لم يقل (ولا حزن)؟ لأنه لا يصح المعنى لأنه لو قالها تعني ولا حزن عليهم أي لا يحزن عليهم أحد المهم أن لا يكون الإنسان حزيناً لكن لا أن يُحزن عليه أحد (إما لأنه لا يستحق الحزن عليه أو لا يشعر). 4. ولا هم يحزنون: بتقديم (هم) الذين يحزن غيرهم وليس هم. نفي الفعل عن النفس ولكنه إثبات الفعل لشخص آخر كأن نقول (ما أنا ضربته) نفيته عن نفسي وأثبتّ وجود شخص آخر ضربه (يُسمّى التقديم للقصر) أما عندما نقول (ما ضربته) يعني لا أنا ولا غيري. نفى الحزن عنهم وأثبت أن غيهم يحزن (أهل الضلال في حزن دائم). ولم يقل لا خوف عليهم ولاحزن لهم لأنها لا تفيد التخصيص (نفى عنهم الحزن ولم يثبته لغيرهم) ولو قال ولا لهم حزن لانتفى التخصيص على الجنس أصلاً ولا ينفي التجدد وقوله تعالى (لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون) لا يمكن أن يؤدي إلى حزن فنفى الخوف المتجدد والثابت ونفى الحزن المتجدد (لا هم يحزنون بمعنى لا يخافون) والثابت (لا خوف) ولا يمكن لعبارة أخرى أن تؤدي هذا المعنى المطلوب. 5. لماذا إذن لم يقل (لا عليهم خوف) ولماذا لم يقدم هنا؟ لأنه لا يصح المعنى ولو قالها لكان معناها أنه نفى الخوف عنهم وأثبت أن الخوف على غيرهم يعني يخاف على الكفار لكن من الذي يخاف على الكفار. لذا لا يصح أن يقال لا عليهم خوف كما قال ولا هم يحزنون. 6. لماذا قال لا خوفٌ ولم يقل لا خوفَ عليهم (مبنية على الفتح)؟ لا خوفَ: لا النافية للجنس تفيد التنصيص في نفي الجنس (لا رجلَ هنا معناها نفينا الجنس كله) أما (لا خوفٌ) عندما تأتي بالرفع يحتمل نفي الجنس ونفي الواحد. والسياق عيّن أنه لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون من باب المدح على سبيل الإستغراق وفي مقام المدح. وفي قراءة أخرى خوفَ (قراءة يعقوب). الرفع أفاد معنيين لا يمكن أن يفيدها البناء على الفتح، لا خوفٌ عليهم يفيد دلالتين أولاً إما أن يكون حرف الجر متعلق بالخوف خوفٌ عليهم والخبر محذوف بمعنى لا خوف عليهم من أي خطر (لا خوف) من باب الحذف الشائع ويحتمل أن يكون الجار والمجرور هو الخبر (عليهم) قد يكون هو الخبر. مثال قولنا: الجلوس في الصف: قد تحتاج إلى خبر فنقول الجلوس في الصف نافع وجيّد، وقد تحتمل معنى أن الجلوس (مبتدأ) في (الصف) خبر بمعنى الجلوس كائن في الصفّ. في الرفع (لا خوفٌ عليهم) تدل على معنيين لا خوف عليهم من أي شيء وتحتمل لا خوف عليهم وهذا متعلق بالخوف ومتعلق بالخبر المحذوف (من أي خطر). أما في النصب (لا خوفَ عليهم) لا يمكن أن يكون هذا الأمر ولا بد أن يكون الجار والمجرور هو الخبر (لا خوف عليهم) عليهم لا يحتمل أن يكون متعلقاً وهذا يؤدي إلى معنى واحد وليس معنيين أي يأخذ شق من المعنيين ويكون متعلقاً بالخبر المحذوف وليس بالخبر. فلماذا لا يصح؟ لأنه إذا تعلق بالمضاف يجب القول لا خوفاً عليهم (لآنه يصبح شبيه بالمضاف) ولا يعد مبنياً على الفتح إنما منصوباً. الوقفة كاملة
٢٥٤ آية (71): *يقول تعالى (بما تعملون بصير) وفي آية أخرى يقول (بصير بما تعملون) فهل للتقديم والتأخير لمسة بيانية؟(د.فاضل السامرائى) التقديم والتأخير يأتي لسبب والسياق قد يكون الحاكم والموضح للأمور. إذا كان سياق الكلام أو الآية في العمل يقدّم العمل وإذا لم يكن السياق في العمل أو إذا كان الكلام على الله سبحانه وتعالى وصفاته يقدّم صفته. من باب تقديم العمل على البصر: (وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) البقرة) بهذا العمل بصير، إذا كان السياق عن العمل يقدم العمل على البصر وإذا كان الكلام ليس في السياق عن العمل أو الكلام على الله تعالى وصفاته يقدم صفته. (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265) البقرة) هذا إنفاق، (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) هود) الكلام على العمل فقدم العمل ،هذا في القرآن كله إذا كان الكلام ليس على العمل أو على الله تعالى (وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ اللّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (71) المائدة) لا يوجد عمل، (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) الحجرات) يتكلم عن الله تعالى فيقدم صفة من صفات الله تعالى. الوقفة كاملة
٢٥٥ * (لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225) البقرة) - لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ (89) المائدة) ما الفرق بين (وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) وبين (وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ)؟ من المواضيع التي تشغل الناس وهو موضوع الأيمان. رب العالمين مرة يقول (لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ) وردت مرتين في صدر الآية مرة في البقرة (لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225) البقرة) ومرة في المائدة (لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89) المائدة) . قبل كل شيء كانت الأيمان في الجاهلية على لسان الناس ما يقول قولاً إلا ويحلف. أولاً اليمين هذه أنواع، اليمين هو أنك تُشهِد شيئاً مقدّساً على ما تقول، هذه يمين، سميت يميناً لأنها قوة لكلامك. ما الفرق بين تقول أنا لن أشرب الخمر بعد اليوم وبين أن تقول والله لن أشرب الخمر بعد اليوم؟ أنت قوّيت كلامك، كلمة اليمين فيها قوة (فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93) الصافات) اليمين فيها قوة. كلمة يمين يعني قوي فأنت قوّيت كلامك بهذا القسم. عندما قَسَم وعندنا حلِف وعندنا إيلاء. الحلِف على شيء مضى (وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى (107) التوبة) (يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ (74) التوبة) يقال فلان حلف على شيء أنه ما فعل كذا هذا بالماضي هذا حلف. القَسَم على شيء بالمستقبل (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ (53) النور) في المستقبل. تقول أحلف بالله أني ما فعلت كذا وتقول أقسم بالله أني سافعل كذا. الإيلاء عندك خصلة تحبها جداً ومريحة تحلف أنك ما تقربها، كنت تشرب خمراً فقلت والله لن أشرب خمراً بعد اليوم، هذا يسمى إيلاء، (لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ (226) البقرة) زوجتك حبيبتك لكن صار خلاف فقلت والله لن أقربها، هذا إيلاء. *الحلف على ما مضى والقسم للمستقبل والإيلاء ترك ما يحبه الإنسان وما هو مشروع؟ لا، حتى لو لم يكن مشروعاً. كان الجاهليون في كل كلامهم قسم أو حلف أو إيلاء وبالتالي رب العالمين أنهى هذا وقال (وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ (89) المائدة) فبدأ المسلمون يقننون بأنهم لا يحلفون ولا يقسمون إلا على شيء فيه كسب القلب وفيه تعقيد الإيمان. كسب القلب أن تنوي أنت قاصد أن تحلف على هذا الشيء لتجعله قوياً أي يميناً، وبالتالي إذا كان بينك وبين أحد عقد أو عهد تقسم عليه أو تحلف عليه هذا أنت كسب قلبك أنت تقصد وكل يمين صادفت عزم العقد على ذلك أو عقد العزم على ذلك أصبحت هذه تسمى اليمين الغموس إن أنت حنثت بها تغمس صاحبها في النار وهذه توجب الكفارة. (وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ (89) المائدة) رب العالمين جعل حلاً لهذا وهو الكفارة ولهذا أولاً جاء التفقيه في الإسلام بأن نحفظ أيماننا. ثانياً أن لا نجعل أيماننا عرضة للخير (وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ (224) البقرة) هذا الذي يحلف على منع خير وأي خير؟ مثلاً : رجل كان يصل رحمه كان يعطيهم ويساعدهم ثم صار مشكلة بينه وبينهم فقال والله لن أساعدكم بعد اليوم كما حصل مع سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه عندما غدر بن قريبه (مسطح) وطعن فيه. حينئذ قال (وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224) البقرة) فإذا كنت لك حسنة ولك عبادة ولم صلة رحم وحصل خلاف ثم أقسمت يميناً أو حلفت يميناً أنك لن تبر هذا الإنسان بعد اليوم ولن تصله ولن تعطيه فكفِّر عن يمينك واقطع هذا اليمين ولا تجعل هذا اليمين عرضة كما لو صار سداً مانعاً بينك وبين أن تصل هذا الرحم، بينك وبين أن تعبد الله هذه العبادة. مثلاً إذا قال أحدهم أقسم بالله العظيم أني لن أصوم الإثنين والخميس بعد اليوم لأمر ما أو لن أزور فلاناً أو لن أتكلم مع فلان، كل هذه غير مشروعة وفيها قطع رحم وغيره. اليمين البرّة هي التي فيها حق من الحقوق أنت تثبته أو تقسم يميناً على شيء لكي تحققه وأنت قاصد ذلك وهو مشروع كما قال الشيخ نجيب. إذن رب العالمين عز وجل شنّع على كثيري الحنث (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ (10) القلم) وقال تعالى (وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ) وحفظ اليمين أن لا تحلف على كل شيء. هذه ثقافة الموضوع العام. يبقى ما هو لغو اليمين؟ (لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ (225) البقرة) فقهاؤنا الكرام رحمة الله عليهم جميعاً بحرصهم وخوفهم من الله وخوف الفقهاء من الله عز وجل شدد علينا لكي نكون جادين ومنضبطين يعني لأن تحسر حقاً مشكوكاً فيه خير من أن تكسب حقاً ربما ليس من حقك. هذا الورع ترك ما لا ذنب فيه مخافة أن يكون فيه ذنب. والورع هذا "إن خير دينكم الورع" أن لا تفعل شيئاً مشكوكاً فيه وفي عصرنا هذا نفعل المشكوك فيه بشكل مطلق ولكن هذا ليس من الورع. أنت مثلاً عملت عملاً وضوء، صلاة زكاة فيها رأيين رأي يقول صح ورأي يقول خطأ مشكوك فيه، إحسم أمرك وخذ بالمتيقّن، هذا سمت نفر من هذه الأمة ورعون يراعون الله عز وجل وليس مطلوباً من كل الناس "إن الله يحب أن تؤتى رُخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه" أنا لا يمكن أن أطالب الجندي كما أطالب الضابط ، هذا شيء وهذا شيء. وحينئذ كل إنسان يوم القيامة يطالب على وفق مقامه، على وفق عمله، ولذلك علينا أن نفهم ذلك ولا نتعامل مع الناس وكأنهم طبقة واحدة. الوقفة كاملة
٢٥٦ قوله تعالى:{خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيم}[البقرة:7]. وفيها عدة وقفات : الوقفة الأولى: الواوان اللتان تسبقان حرف الجر{عَلَى} يمكن أن تكون إحداهما عاطفةً ، والأخرى استئنافية، ففي قوله: { وَعَلَى سَمْعِهِمْ } إذا جعلت الواو للعطف يكون السمع داخلا في حكم الختم عليه، مشتركا في ذلك مع القلوب، وتكون الواو حينئذ في قوله: { وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ } استئنافية، فتخصص الأبصار بالحكم عليها بالغشاوة. وذكر أبو الجعفر النحاس أن الأخفش سعيد بن مسعدة أجاز الوقف على قوله: {قُلُوبِهمْ}، فتكون الواو الأولى في: {وَعَلَى سَمْعِهِمْ }استئنافية، والواو الثانية في : { وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ }عاطفة ، فيشترك السمع والأبصار في وقوع الغشاوة عليها. لكن الصحيح الأول، وهو الوقف على { سَمْعِهِمْ }؛ ليكون الختم على القلوب وعلى السمع، والغشاوة على الأبصار؛ لورود آية أخرى خصصت الأبصار بالغشاوة، وأوقعت الختم على السمع ، قال الله تعالى:{أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُون}[الجاثية:23].ثم إن القلوب والمسامع لما كانت مخفية كان استعمال الختم لها أولى ، والأبصار لما كانت بارزة ، وإدراكها متعلق بظاهر، كان الغشاء لها أليق . والله أعلم. الوقفة الثانية: نلحظ في الآية الكريمة إعادة حرف الجر،وهو{عَلَى} ، بعد واو العطف في قوله:{وَعَلَى سَمْعِهِمْ }، مع اشتراكهما في الحكم بالختم كما أسلفنا، فلم يقل :(ختم الله على قلوبهم وسمعهم)؛ وفي ذلك نكتة بلاغية، هي الدلالة على تغاير الختمين، فالختم على القلوب يكون بتغطيتها بحيث لا يؤثر فيها الإنذار، ولا ينفذ إليها الحق ، وأما الختم على السمع فيكون بسد مواضعه. وقال أبو جعفر النحاس: ((في تعليل إعادة الجار ثلاثة أجوبة، منها: * إعادة الجار بمعنى المبالغة في الوعيد. * والجواب الثاني: أن السمع لما كان واحداً، والقلوب جماعة أعيد الحرف. * والجواب الثالث: أن المعنى (وختم على سمعهم)، فحُذف الفعل، وقام الحرف مقامه)). الوقفة الثالثة: في هذه الآية أُفرد السمع، وجُمعت القلوب والأبصار، ولم يرد السمع في القرآن الكريم مجموعاً إلا في قراءة ابن أبي عبلة في هذه الآية التي بين أيدينا(أسماعهم)، وقد ذكر هذه القراءة القرطبي والزمخشري وأبو حيان، وهي شاذّة. وقد ذكر علماء اللغة والمفسرون توجيهات لإفراد السمع، منها: * التوجيه الأول: أن أصل كلمة (السمع) قبل أن تسمى بها تلك الحاسة المعروفة مصدر للفعل (سمع)، والمصادر والأجناس لا تثني ولا تجمع ، ما لم تختلف أنواعها كالأكل والضرب والماء والتراب، فأفردت كلمة (السمع) ههنا نظراً إلى أصلها، كما تقول: يعجبني حديثكم وضربكم ، ومثله قوله تعالى:{وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُون}[الحج:68]، فلم يقل: ضيوفي. * التوجيه الثاني: أن السمع هنا مصدر مضاف إليه جمع محذوف، والتقدير: وعلى مواضع سمعهم، أو حواس سمعهم. * التوجيه الثالث: أن إضافة السمع إلى ضمير الجمع تغني عن الجمع عند أمن اللبس، كقول المسيب بن زيد مناة الغنوي: لا تُنكرِي القتل وقد سُبينا في حلقكم عظم وقد شجينا معناه في حلوقكم، وكقول علقمة الفحل: بها جِيفُ الحسرى فأما عظامُها فبِيضٌ وأما جلدها فصليب أي: جلودها. * التوجيه الرابع- وهو توجيه متعلق بالمعنى-: أن مدركات السمع شيء واحد، وهو الصوت ، والسمع لا يقبل من الأصوات مهما تعددت وتنوعت إلا صوتاً واحداً، أو يلفظها جميعاً إذا تزاحمت عليه، ولم يستطع عزل بعضها عن بعض، أما البصر فمدركاته متنوعة، فهو طريق لكل المرئيات الساكنة والمتحركة، والجامدة والسائلة، والصامتة والناطقة، ويمكن أن يحيط بها البصر في لحظة واحدة، ويحتفظ لكل منها بصورة غير مختلطة بغيرها، فالرائي يرى بنظرة واحدة أعداداً كثيرة من الناس مختلفة الأشكال والألوان والملابس والهيئات، فالبصر إذن أبصار متعددة، ولأجل هذا جاء في القرآن الكريم مجموعاً. * التوجيه الخامس: أن السمع حاسةٌ تحتاج إلى مؤثر، هو الصوتالذي يطرق الأذن، فلا يكفي وجود الجهاز السمعي لحدوث السمع، فإذا لم يكن صوتٌ مسموعٌ لم تعمل الأذن، فالسمع متوقف على المؤثر، بخلاف البصر الذي يعمل ما دام المبصر يقظاً فاتحاً عينه، فيرى صوراً كثيرةً، ساكنة كانت أو متحركة، قصد أصحابها، أو لم يقصدوا. الوقفة الرابعة: في هذه الآية الكريمة قدم الله سبحانه وتعالى السمع على البصر، وفي كل آية اجتمعا قدم السمع إلا في قوله تعالى:{قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا}[الكهف:26]. وسر تقديم السمع على البصر هو – والله أعلم- كما قال أبو السعود – رحمه الله-: ((لأن جنايتهم – من حيث السمع الذي به تُتلقى الأحكام الشرعية، وبه يتحقق الإنذار- أعظم منها من حيث البصر الذي به تشاهد الأحوال الدالة على التوحيد، فبيانها أحق بالتقديم، وأنسب بالمقام ... ولأن السمع شرط النبوة، ولذلك ما بعث الله رسولاً أصم، ولأن السمع وسيلة إلى استكمال العقل بالمعارف التي تُتلقف من أصحابها)). والله أعلم. وقد استدل ابن قتيبة-رحمهالله-على أن السمع أفضل من البصر بقوله تعالى:{وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُون (42)وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُون}[يونس:42], فقال:(( دلّ على فضل السمع على البصر حين جعل مع الصمم فقدان العقل، ولم يجعل مع العمى إلا فقدان النظر)). ولكن رد ابن الأنباري على ابن قتيبة، فقال: ((هذا غلطٌ، وكيف يكون السمع أفضل، وبالبصر يكون الإقبال والإدبار، وبالقرب إلى النجاة، والبعد من الهلاك، وبه جمال الوجه، وبذهابه شينُهُ؟ وفي الحديث: (من أذهبت كريمتيه،فصبر، واحتسب، لم أرض له ثواباً دون الجنة)). وأجاب ان الأنباري عما ذكره ابن قتيبة: ((بأن الذي نفاه الله تعالى مع السمع بمنزلة الذي نفاه عن البصر؛ إذ كانه أراد إبصار القلوب، ولم يرد إبصار العيون، والذي يبصره القلب هو الذي يعقله؛ لأنها نزلت في قوم من اليهود كان يستمعون كلام النبي  فيقفون على صحّته، ثم يكذبونه، فأنزل الله فيه:{ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ}، أي: المعرضين ،{ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُون (42)وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُون}. قال: ولا حجة في تقديم السمع على البصر هنا؛ فقد أُخر في قوله تعالى:{مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ}[هود:24]. أما ابن القيم-رحمهالله-فقد نقل حججاً أخرى في تفضيل السمع على البصر، فقال: ((واحتجّ مفضلو السمع بأن الله تعالى يقدمه حيث وقع، وبأن السمع تُنال سعادة الدنيا والآخرة؛ فإن السعادة بأجمعها في طاعة الرسل، والإيمان بما جاءوا به، وهذا إنما يدرك بالسمع، ولهذا في الحديث الذي رواه أحمد وغيره من حديث الأسود ابن سريع:( ثلاثة كلهم يدلي على الله بحجته يوم القيامة، فذكر منهم رجلاً أصم يقول: يا ربّ لقد جاء الإسلام وأنا لا أسمع شيئاً). واحتجّوا بأن العلوم الحاصلة من السمع أضعاف العلوم الحاصلة من البصر؛ فإن البصر لا يدرك إلا بعض الموجودات المشاهدة بالبصر القريبة، والسمع يدرك الموجودات والمعدومات، والحاضر والغائب، والقريب والبعيد، والواجب والممكن والممتنع، فلا نسبة لإدراك البصر إلى إدراكه. واحتجّوا بأن فقد السمع يوجب ثلم القلب واللسان، ولهذا كان الأطرش خِلقةً لا ينطق في الغالب، وأما فقد البصر فربما كان معيناً على قوة إدراك البصيرة وشدة ذكائها؛ فإن نور البصر ينعكس إلى البصيرة باطناً، فيقوى إدراكها، ويعظم، ولهذا تجد كثيراً من العميان أو أكثرهم عندهم من الذكاء الوقّاد والفطنة وضياء الحس الباطن ما لا تكاد تجده عند البصير، ولا ريب أن سفر البصر في الجهات والأقطار ومباشرته للمبصرات على اختلافها يوجب تفرّق القلب وتشتيته، ولهذا كان الليل أجمع للقلب، والخلوة أعون على إصابة الفكرة، قالوا: فليس نقص فاقد السمع كنقص فاقد البصر، ولهذا كثيرٌ في العلماء والفضلاء وأئمة الإسلام من هو أعمى، ولم يُعرف فيهم واحدٌ أطرش، بل لا يعرف في الصحابة أطرش)). الوقفة كاملة
٢٥٧ قوله تعالى:{قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِين (94) وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمين (95)}[البقرة:94-95]. وقوله تعالى:{قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِين (6) وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِين(7)}[الجمعة:6-7]. في آية سورة البقرة قال:{وَلَن يَتَمَنَّوْهُ}، وفي آية سورة الجمعة قال:{وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُ}، والنفي بـ(لا) أعم من النفي بـ (لن)، قال السهيلي – رحمه الله-:((فحرف (لا) لامٌ بعدها ألف، يمتد بها الصوت ما لم يقطعه تضييق النفس، فآذن امتداد لفظها بامتداد معناها، و(لن) بعكس ذلك، فتأمله، فإنه معنى لطيفٌ، وغرضٌ شريف)) انتهى كلامه. فـ(لا) تفيد العموم؛ لأن نفيها ينسحب على جميع الأزمنة، و(لن) تفيد القطع وقرب المنفيّ. وقال السهيلي – عليه من رحمة الله شآبيبها -:((على أني أقول: إن العرب – مع هذا – إنما تنفي ب(لن) ما كان ممكنا عند المخاطب، مظنونا أن سيكون، فتقول:(لن يكون) لما يمكن أن يكون؛ لأن (لن) فيها معنى (أن)، وإذا كان الأمر عندهم على الشك لا على الظن، كأنه يقول: أيكون أم لا يكون؟، قلت في النفي :(لا يكون) )). وقد فرق كمال الدين عبدالواحد بن عبدالكريم الزملكاني بينهما تفريقاً مبنيا على اللفظ، فقال: (((لن) محل استعمالها المظنون حصوله، ومحل استعمال (لا) المشكوك في حصوله، وهذا يعلمك أن (لن) آكد في النفي، على ما قاله فخر خوارزم رحمه الله، وإن كان زمانها أقصر؛ ومما يثبت عندك ذلك قوله – عز وجل-:{وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُأَبَدًا} بعد حرف الشرط، وهو{قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِين (6)}، كأنه قيل: متى زعموا ذلك في وقت من الأوقات، وقيل: تمنوا الموت، فلا يتمنونه أبداً. فلما كان حرف الشرط لا يختص بوقت دون وقت، وعم جميع الأزمنة، قوبل بـ(لا)؛ ليعم ما جُعل جوابا له. ولما فات العموم من قوله تعالى:{قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِين}؛ بسبب دخول (كان)؛ لكونها لا تدل على الحدث،بل تدخل على المبتدأ والخبر؛ لتقرن مضمون الجملة بالزمان الماضي، وكأنه قيل: إن كانت قد وجبت لكم الدار الآخرة عند الله فتمنوا الموت الآن. وكان حرف الشرط داخلاً على فعل أمده قريب جاء في جوابه (لن)، فانتظم الخطاب في الآيتين)) انتهى كلامه. ولكني أري بينهما تفريقا من حيث المعنى؛ فإن فائدة{لن} في آية سورة البقرة الدلالة على القطع والبتات؛ لأنه علق صحة فعل الشرط الذي ادّعوه – وهو كون الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس-على تمني الموت؛ ليصلوا إلى جنة التعليم الخالصة لهم من دون الناس بزعمهم، فالحبيبلا يكره لقاء حبيبه، بل يتمناه،((والابن لا يكره لقاء أبيه ولا سيما إذا علم أن كرامته ومثوبته مختصة به، بل أحب شيء إليه لقاء حبيبه وأبيه، فحيث لم يحب ذلك، ولم يتمنه، فهو كاذبٌ في قوله، مبطل في دعواه)). ودعواهم بأن لهم الدار الآخرة خالصة عند الله، وزعمهم كما في غير هذه الآية أنهم أبناء الله وأحباؤه، لو صحت لكانت غاية ما يطلبه مطيع الله وعابده، فليس بعد حصول الدار الآخرة خالصة لأمة من الأمم مطلب أعظم منه، ولا يطمع طامع بزيادة عليه من حيث الظفر بالآخرة، والاستئثار بنعيمها، ونظرا إلى عظم هذه الدعوى ووثوق أصحابها بها احتاج الرد عليهم بها إلى ما هو أبلغ في القطع وأقوى، فجاء بـ {لن}القاطعة النافية، فقال:{وَلَن يَتَمَنَّوْهُ}، فهذا النفي كالصاعقة وقعت على رؤوسهم، ودحضت دعواهم. أما في آية سورة (الجمعة) فقد عُلق على تمني الموت صحة فعل الشرط الذي ادعوه وهو كونهم أولياء لله من دون الناس، فليس زعمهم هذا مطلبا لا مطلب وراءه؛ لأنه يحتاجون بعد ذلك إلى طلب قبول أعمالهم كما يفعل الأولياء، ويرجون الثواب عليها في الآخرة، فلما كان الشرط في هذه الآية قاصراً عنه في سورة البقرة لم يُحتج في نفيه إلى ما يدل على القطع، فجاء بـ {وَلاَ }النافية، فقال:{وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُ}، وهذا النفي أيضا يدل على عموم الأزمنة؛ لأن دعواهم بأنهم أولياء الله وأحباؤه أكثر ترددا من دعواهم بأن لهم الدار الآخرة خالصة. وههنا تنبيه يحسن ذكره،وهو: أن الزمخشري يرى أن (لن) تفيد التأبيد؛ للوصول إلى مذهبه الاعتزالي في نفي رؤية المؤمنين ربهم في الدنيا والآخرة مستدلاً بقوله تعالى:{وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي}[الأعراف:143]. والرد على الزمخشري سهل جدا؛ فإن الله سبحانه وتعالى قال: {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا}[مريم:26]، فخص النفي باليوم، وهذا معارض للتأبيد، وفي سورة البقرة قال:{وَلَن يَتَمَنَّوْهُأَبَدًا}، ولو كانت (لن ) دالة على التأبيد لما احتاجت إلى التأكيد بقوله:{أَبَدًا}، ومما يرد على الزمخشري أيضا قوله تعالى:{قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى}[طه:91]، فقيد النفي برجوع موسى ، وهو منافٍ للتأبيد. وعجيب أمر عالم جهبذ كالزمخشري، كيف يسقط مثل هذا السقطة؟ لكنه الانحراف في العقيدة، يُعمي ويُصم، ولا يخفى ذي بصيرة ما يعتور المعتزلة من قصور في فهم كلام الله، فهم كما قال الإمام ابن القيم – رحمه الله -: ((وهكذا كل صاحب بدعة تجده محجوبا عن فهم القرآن. وتأمل قوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}[الأنعام:103]، كيف نفى فعل الإدراك بـ{لاَّ}الدالة على طول النفي ودوامه؛ فإنه لا يدرك أبدا، وإن رآه المؤمنون فأبصارهم لا تدركه ، تعالى عن أن يحيط به مخلوق. وكيف نفى الرؤية بـ{لَن}، فقال:{لَن تَرَانِي}؛ لأن النفي بها يتأبد، وقد أكذبهم الله في قولهم بتأبيد النفي بـ(لن) صريحا بقوله:{وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ }[الزخرف:77]، فهذا تمن للموت، فلو اقتضت (لن) دوام النفي تناقض الكلام، كيف، وهي مقرونة بالتأبيد بقوله:{وَلَن يَتَمَنَّوْهُأَبَدًا}؟، ولكن ذلك لا ينافي تمنيه في النار؛ لأن التأبيد قد يراد به التأبيد المقيد، أو التأبيد المطلق، فالمقيد كالتأبيد بمدة الحياة، كقولك: والله لا أكلمه ابدا، والمطلق كقوله: والله لا أكفر بربي أبدا. وإذا كان كذلك فالآية إنما اقتضت نفي تمني الموت أبد الحياة الدنيا، ولم يتعرض للآخرة أصلاً؛ وذلك لأنهم لحبهم في للحياة، وكراهتهم للجزاء لا يتمنون الموت، وهذا منتفٍ في الآخرة. فهكذا ينبغي أن يفهم كلام الله، لا كفهم المحرفين له عن مواضعه)). الوقفة كاملة
٢٥٨ قوله تعالى:{قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِير}[البقرة:126]. قال:{فَأُمَتِّعُهُ }، ومعلوم أن الزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى، و(متع) تدل على الكثرة ،فكيف وصف مصدرها فقال:{ قَلِيلاً }، فوصف الكثير بالقليل؟. أقوله: السبب في ذلك – والله أعلم – أن الله تعالى مهما أغدق على ابن آدم من نعم الدنيا فإنها قليلة بالنظر إلى صيرورتها إلى نقص ونفاد وفناء، ونظراً إلى هلاكه ورحليه عن الدنيا وتركه ما فيها: أماوي ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت نفس وضاف بها الصدر فكثر الفعل بعين صاحب المتاع، وقلله بالنظر إلى حقيقته، ومثله قوله تعالى:{وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور (23)نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظ (24)}[لقمان:23-24]. الوقفة كاملة
٢٥٩ قوله تعالى ( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ۖ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226)وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227) ) البقرة ( 226 ، 227 ) . الآية الاولى ختمها الله تعالى بالغفران والرحمة ، لأن رجوع الزوج الى عشرة زوجته ، والاحسان اليها بالنفقة والعشرة الطيبة ، وعدم طلاقها ، عمل حسن ، وصنيع يستحق علية المجازاة لما هو أحسن من صنيعه ، من مغفرة الله ورحمته . والآية الثانية ختمها بالسمع والعلم ، لأنهفي مقام التعقيب على ايقاع الطلاق بعد اليمين والتربص ، والطلاق قول ، فتناسبه السمع والعلم بمضمونه أسبابه وغايته ، والله أعلم . الوقفة كاملة
٢٦٠ قوله تعالى ( مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) البقرة (261) . نحن نعلم أن جمع التكسير في اللغة العربية ينقسم من حيث دلالته العددية قسمين : جمع كثرة ، وجمع قلة وجمع القلة هو : ما دل على ما دونالعشرة من العدد ، وجمع الكثرة هو : ما دل على أكثر من ذلك . ومما يدل على القلة ما جمع بألف وتاء ، اذا كان له جمع تكسير ايضا ، كقولك جفنة و جفنات وجفان . وفى هذه الآيةالتيهي محل وقفتنا قال المولى عز وجل ( أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ) ف ( سَنَابِلَ) جمع الكثرة ، لأنها على وزن ( فعالل) فلم عبر بصيغة منتهى الجموع عن العدد (سبعة) الذى حقه أن يعبر عنه بجمع القلة ؟ : أي ب (سنبلات) ، كما في سورة يوسف حيث قال الله تعالى ( وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أرى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ۖ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) يوسف ( 43 ) . قيل في سر ذلك ( ان ايه البقرة مبينة على ما أعد الله للمنفق في سبيله ، وما يضاعف له من أجر انفاقه ، وان ذلك ينتهى الى سبعمئة ضعف ، وقوله ( وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ) قد يفهم الزيادة على ما نص عليه من العدد ، كما اشارت اليه آيات وأحاديث ، فبناء هذه الآية على التكثير ، فناسب ذلك ورود المفسر على ما هو من أبنية الجموع للتكثير لحظا للغاية المقصودة ، ولم يكن ما وضعه للقليل في الغالب ليناسب ما تلحظ فيه الغاية من التكثير . اما ايه ( يوسف ) فإنما بناؤها على اخبار الملك عن رؤياه سبع سنبلات ، فلا طريق هنا للحظ كثرة ولا قلة ، لأنه اخبار برؤيا ، فوجهه الاتيان من أبينه الجمع بما يناسب المرئي ، وهو قليل ، لأن من دون العشرة قليل ، فلحظ في أية ( البقرة) ما بعده مما يتضاعف اليه هذا العدد ، وليس في أية (يوسف) ما يلحظ ، فافترق القصدان ، وجاء كل على ما يجب ، ويناسب ، والله أعلم . وأقول : ان سنبلة فيها مئة حبة ، مع ست مثيلات لها ، لتبدو في عين الناظر كثيرة ، فلعل هذا مما ناسب معه التعبير عنها بجمع الكثرة ، وهو ( سَنَابِلَ) ومن سياق أية سورة ( يوسف ) يظهر أن كل سنبلة من السنبلات المذكورة فيها هي صغيرة في حجمها ، قليل حبها ، فناسب التعبير عنها مع مثيلاتها بجمع القلة ( سُنْبُلاتٍ) ، والله أعلم . الوقفة كاملة


إظهار النتائج من 251 إلى 260 من إجمالي 1052 نتيجة.