أسرار بلاغية

٢٥١ (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) من المحتمل أن يكون هذا كلام الملائكة جواباً عن سؤالهم ويحتمل أن يكون هذا كلام المؤمنين أو أن يكون كلام الكافرين (1) فإنهم يعلمون أن المؤمنين كانوا يذكرون اليوم الآخر ويؤمنون به فذكر ما علموه عن ذلك، وقد حذف القائل ليعم الجميع الاحتمالات ويشمل كل من يصح منه القول. فإن قيل: إن قول الكفار (مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ) سؤال عن الذي بعثهم، وقوله (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ) ليس جواباً عنه فكيف يصح ذلك؟ والجواب: أن قول الكفار (مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا) ليس سؤالاً حقيقياً عن الذي بعثهم وإنما هو سؤال تحسر وابتئاس وندم يدل على ذلك قولهم (يا ويلنا) فهم يعلمون على وجه اليقين أن الله هو بعثهم للحساب ولذا قالوا (مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا) . فكان الجواب بما هو الأولي وهو تذكيرهم بالوعد الذي كان يوعدونه في الدنيا وما ذكرته الرسل وتقريعهم على ما فرط منهم ومع ذلك هو يتضمن الجواب عن الباعث وذلك قوله (هذا ما وعد الرحمن) أي أن الرحمن هو الذي بعثكم. وهو نظير قولنا لرجل يقول متحسراً مبتئساً: كيف وصلت إلى هذه الحال؟ فنقول له: هذا بسوء عملك. وهو ليس جواباً عن سؤاله، فإن سؤاله عن الحال والكيفية، والجواب كان عن السبب فهو في الحقيقة جواب عن سؤال (بأي شيء حصل؟) أو: لم حصل هذا؟ فعدل إلى ما هو الأولى بالجواب. جاء في (الكشاف): "فإن قلت: من بعثنا من مرقدنا سؤال عن الباعث فكيف طابقه ذلك جواباً؟ قلت: معناه بعثكم الرحمن الذي وعدكم بالبعث وأنبأكم به الرسل إلا أنه جيء به على طريقة سيئت بها قلوبهم ونعيت إليهم أحوالهم وذكروا كفرهم وتكذيبهم وأخبروا بوقوع ما أنذروا به وكأنه قيل لهم: ليس بالبعث الذي عرفتموه وهو بعث النائم من مرقده حتى يهمكم السؤال عن الباعث إن هذا هو البعث الأكبر ذو الأهوال والأفزاع وهو الذي وعده الله في كتبه المنزلة على ألسنة رسله الصادقين" (2). وجاء في (التفسير الكبير): "إن قلنا (هذا) إشارة إلى المرقد أو إلى البعث فجواب الاستفهام بقولهم (من بعثنا) أين يكون؟ نقول: لما كان غرضهم من قولهم (من بعثنا) حصول العلم بأنه بعث أو تنبيه حصل الجواب بقوله: هذا بعث وعد الرحمن به ليس تنبيهاً، كما أن الخائف إذا قال لغيره: ماذا تقول أيقتلنى لان؟ فله أن يقول (لا تخف) ويسكت لعلمه أن غرضه إزالة الرعب عنه وبه يحصل الجواب (3). وجاء في (روح المعاني): "وكان الظاهر أن يجابوا بالفاعل لأنه الذي سألوا عنه بأن يقال الرحمن أو الله بعثكم لكن عدل إلى ما ذكر تذكيراً لكفرهم وتقريعاً لهم عليه مع تضمنه الإشارة إلى الفاعل، وذكر غير واحد أنه من الأسلوب الحكيم على أن المعنى لا تسألوا عن الباعث فإن هذا البعث ليس كبعث النائم وإن ذلك ليس مما يهمكم الآن وإنما الذي يهمكم أن تسألوا ما هذا البعث ذو الأهوال والأفزاع وفيه من تقريعهم ما فيه (4) و(ما) في قوله (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ) تحتمل أن تكون اسماً موصولاً أي هذا الذي وعده الرحمن، ويحتمل أن تكون مصدرية أي هذا وعد الرحمن. أما الواو فتحتمل العطف على الجملة وتحتمل الحالية أي وقد صدق المرسلون فيما أخبروا به، وجوزوا أيضاً أن تكون الواو عاطفة على الصلة، فإن كانت (ما) مصدرية كان التقدير: هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين. وإن كانت اسماً موصولاً كان المعنى: هذا الذي وعده الرحمن وصدق فيه المرسلون، جاء في (الكشاف): "فإن قلت: إذا جعلت (ما) مصدرية كان المعنى هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين على تسمية الموعود والمصدوق فيه بالوعد والصدق فما وجه قوله (وصدق المرسلون) إذا جعلتها موصولة؟ قلت: تقديره هذا الذي وعده الرحمن والذي صدقه المرسلون بمعنى: والذي صدق فيه المرسلون من قولهم: صدقوهم الحديث والقتال ومنه: صدقني سن بكره" (5) وهذه الآية نظير قوله في سورة الأحزاب (هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ-) 22 ‘ن هذه الآية بمقابل قوله (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) فهذا القول في الآخرة يقابل قولهم في الدنيا. فقوله (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ) بمقابل قولهم (مَتَى هَذَا الْوَعْدُ ). وقوله (وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) بمقابل قولهم (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) والسخرية والاستهزاء بقولهم (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ )يقابله الندم والحسرة بقولهم (يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا) وقوله (يَقُولُونَ) في الدنيا يقابل قوله (قالوا) في الآخرة. ثم إن اختيار لفظ (المرسلون) هو المناسب لما تردد في السورة من ذكر المرسلين. ثم لننظر من ناحية آخري أن ثمة سؤالين قد ذكرا وهما: السؤال الأول: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ والسؤال الآخر: من بعثنا من مرقدنا؟ وأن قوله تعالى (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) جواب عن السؤالين معاً فقوله (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ) جواب من جهة عن السؤال الأول، فقد سألوا: متى هذا الوعد؟ فقال: هذا هو. وجواب عن السؤال الآخر من جهة آخري فقد تضمن ذكر الباعث الذي بعثهم من المرقد وهو الرحمن. ثم إن هذه الآية مرتبطة أيضاً بقول أصحاب القرية (وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ) . فقوله (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ) رد على قولهم (وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ) فوعد الرحمن إنما يكون فيما أنزل. وقوله (وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) رد على قولهم (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ) وهي مرتبطة أيضاً بقوله تعالى في أول السورة (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) . فقد وعد الرحمن على لسان رسوله أن من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب له مغفرة وأجر كريم، ثم قال (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا) وقال ههنا (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) فإنه أحيا الموتى وبعثهم من مرقدهم وصدق رسوله فيما بلغ، هذا إضافة إلى أنه تردد ذكر الرحمن في الآيتين. ثم لننظر من ناحية تعبيرية وهي أن كلمة (الوعد) في قوله (متى هذا الوعد) مصدر بمعني اسم المفعول أي الموعود به، جاء في (التفسير الكبير): "وقوله (متى هذا الوعد) أي متى يقع الموعود به" (6)، وقد فسر بيوم القيامة وبالعذاب (7). فالمصدر الصريح في الآية بمعنى الذات. وقوله (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ) إجابة عن المصدر وعن الذات، فإن كانت (ما) اسماً موصولاً فهي بمعنى الذات فتكون إجابة عن الوعد الذي هو بمعنى الذات. وإن كانت (ما) مصدرية فقد أجاب بالمصدر المؤول وهو إجابة عن المصدر الذي هو الوعد، فجاء بـ(ما) ولم يأت بــ(الذي) ليشمل المعنيين معاً. ثم إنه جمع بقوله (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) بين الوعد والصدق كما في قوله تعالى (وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ ) الأحقاف 16. وأما اختيار لفظ (الرحمن) فله أكثر من سبب: منها أنه إذا كان هذا قول المؤمنين فإنهم آثروا اسم الرحمن لأن هذا وقت رحمته التامة بهم يدخلهم في رحمته كما قال تعالى (فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) آل عمران 107. وإذا كان قول الكافرين فإنهم آثروا اسم الرحمن طمعاً في رحمته. جاء في(روح المعاني): "في إيثارهم اسم الرحمن قيل إشارة إلى زيادة التقريع من حيث إن الوعد بالبعث من آثار الرحمة وهم لم يلقوا له بالاً ولم يلتفتوا إليه وكذبوا به ولم يستعدوا لما يقتضيه، وقيل آثره المجيبون من المؤمنين لما أن الرحمة قد غمرتهم فهي نصب أعينهم... وقال ابن زيد: هذا الجواب من قبل الكفار على أنهم أجابوا أنفسهم حيث تذكروا ما سمعوه من المرسلين عليهم السلام أو أجاب بعضهم بعضاً، وآثروا اسم الرحمن طمعاً في أن يرحمهم وهيهات ليس لكافر نصيب يومئذ من رحمته عز وجل" (8) هذا مع أنه من الملاحظ في القرآن الكريم أن اسم الرحمن كثيراً ما يذكر في مشاهد الآخرة وهذا منها. قال تعالى: (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا ) – مريم 61. وقال: (يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا) - طه108 وقال: (يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ) – طه 109. وقال: (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) يس52 وقال: (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا ) – النبأ 37. وقال: (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ) – النبأ 38 وقال: (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ) مريم 69. وقال: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ) مريم 85 وقال: (لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ) مريم 87 وقال: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ) مريم 93 وقال: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا ) الفرقان 26 هذا إضافة إلى أنه تردد اسم الرحمن في السورة أربع مرات وأن جو الرحمة شائع فيها. قال تعالى: (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) يس 11. وقال: (قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ) يس 15 وقال: (إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ ) 23 وقال: (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ) 52 وقال (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ) 5) وقال: (سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ) 58 وقال: (إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ ) 44 وقال: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) 45. وقد تقول: لقد أسند الفعل (وعد) إلى (الله) في مواطن من القرآن الكريم. وذلك كقوله تعالى (وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) النساء 95 وقوله :(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ) المائدة 9 وقوله: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا) التوبة 68 وقوله: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ) التوبة 72 وهنا أسند الفعل (وعد) إلى الرحمن فما الفرق؟ فنقول: إن كل سورة أسند فيها الفعل الماضي (وعد) إلى (الله) لم يذكر فيها اسم (الرحمن) وإن كانت طويلة كسورة النساء والمائدة والتوبة وغيرها من السور وذلك في عشر سور من القرآن الكريم. وكل سورة أسند فيها الفعل (وعد) إلى (الرحمن) تكرر اسم الرحمن في السورة وذلك في سورتي مريم ويس، أما سورة مريم فقد تكرر فيها اسم الرحمن إحدى عشرة مرة وأما سورة يس فقد تكرر فيها اسم الرحمن أربع مرات، فناسب هذا الاختيار من كل وجه. وقد تقول: وهل ثمة فرق بين ما أسند الوعد فيه إلى الله وما أسند إلى الرحمن؟ فنقول: إن ما أسند فيه الوعد إلى الله مخصص بالمؤمنين أو بالكافرين فيقول مثلاً (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ) أو (وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ) فهو وعد خاص. أما ما أسند فيه الوعد إلى الرحمن فهو وعد عام يشمل عموم العباد وذلك تحقيقاً للرحمة التي يحققها اسم الرحمن قال تعالى (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ) فقد ذكر أنه وعد عباده على الإطلاق مع أن المقصود بعباده هؤلاء من تاب وآمن وعمل صالحاً كما في الآية السابقة، قال تعالى ( إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا ) مريم 60،61. وقال في سورة يس (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) فأطلق الوعد ولم يذكر الموعود من الخلق أهم المؤمنون أم الكافرون فهو وعد عام على الإطلاق فلم يذكر مفعولاً لوعد، أما إسناده إلى الله فهو مخصص دائماً وذلك في اثني عشر موضعاً من القرآن الكريم، فاتضح الفرق بينهما. وسبحان قائل هذا الكلام. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص185 إلى ص192 1- ينظر الكشاف 2/560 2- الكشاف 2/590 3- التفسير الكبير 26/90 4- روح المعاني 23/33 5- الكشاف 2/590 6- التفسير الكبير 26/86 7- البحر المحيط 7/340 8- روح المعاني 23/33 الوقفة كاملة
٢٥٢ ( سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) أي يحييهم رب العزة قائلاً (سلام عليكم). قيل: ويحتمل أن يكون معنى (سلام) ههنا: خالصاً لهم لا شوب فيه، أي ولهم ما يدعون خالصاً لهم على أن (ما يدعون) مبتدأ وخبره (سلام). بمعنى: ولهم ما يدعون سلام خالص لا شوب فيه" (1) قال ذلك رب العزة قولاً يعدهم به، وهذا معنى قوله ( قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) (2) وقد تقول: ولم لم يقل (سلام عليكم)؟ والجواب أنه لم يقل ذلك ليشمل المعنيين: التحية وأنه خالص لهم. ولو قال (سلام عليكم) لم يحتمل إلا معنى واحداً وهو التحية. وقد تقول: قال ههنا ( سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) وقال في فصلت ( نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) فما الفرق؟ والجواب أننا ذكرنا أن آية يس فيمن هو في الجنة، وأن آية فصلت فيمن لم يدخلها بعد وإنما هو يبشر بها. فقال في (فصلت) (نزلاً) لأن النزل ما هُيّئ للضيف إذا نزل عليه من طعام ومكان، ومعنى "أقمت لهم نزلاً أي أقمت لهم غذاءهم وما يصلح معهم أن ينزلوا عليه" (3) ومعنى ذلك أن هذا ما أعده لهم عند نزولهم في الجنة. وقال (من غفور رحيم) فذكر المغفرة لأن الحساب لم يحصل بعد وهم يخافون من ذنوبهم ويرجون أن يغفرها الله لهم فطمأنتهم الملائكة بقوله (نزلاً من غفور رحيم). أما آية يس فإنها في أهل الجنة وهم يتنعمون بها وقد انتهي الحساب وليس ثمة معاصٍ أو ذنوب يرجون مغفرتها فقال (سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) فذكر كلمة (رب) لأنها الأنسب فالرب هو المربي وهو متولي أمرهم وراعي أحوالهم يرعاهم ويكرمهم وينعمهم، ووصفه بالرحمة لأن رحمته مما يحتاجون إليها البتة، فالجنة هي مستقر رحمته، فلا تنقطع رحمته عنهم أبداُ. لقد جمع الله في هذه الآيات القليلة كل أسباب السعادة والنعيم وأبعد عنهم كل دواعي الضيق والبرم والملل. 1- فقد ذكر أن أصحاب الجنة في شغل فأبعد عنهم الملل الحاصل من الفراغ والبرم الذي يصدر عنه، فقد يكون الفراغ مملاً يبرم الإنسان به. 2- وليعلم أن هذا الشغل ليس من الشغل المضنى الممل المزعج الذي يرهق صاحبه قال (فاكهون) أي متنعمون متمتعون، فأبعد الملل من الفراغ، والضيق والبرم من الشغل. 3- وأبعد عنهم وحشة الوحدة التي تقتل الإنسان وتدخل الكآبة عليه مهما كان النعيم الذي يتقلب فيه فقال (هم وأزواجهم)، فذكر أحب الصحبة إليهم والصقها بهم وهي التي يفر الإنسان إليها في الأخير، ففي آخر المطاف يترك المرء كل صحبة ثم يعود إلى زوجه، وإذا قصد بالأزواج أمثالهم وقرناءهم فذلك يعم الجميع. 4- وذكر حسن المكان وجماله فقال (في ظلال) مما يدل على الشجر، وهو يعم أيضاً أنواع الظلال ولا يقتصر على ظل من نوع واحد أو ما يكون من شيء واحد. 5- ثم ذكر بهجة المكان ونعيمه وأن فيه أسباب الراحة فقال (على الأرائك) 6- وذكر أهنأ الجلسات والهيئات وأروحها مما يدل على تمام الراحة فقال (متكئون). 7- وذكر فيها ألذ ما يؤكل من الطعام وأهنأه وأدل على سعة العيش وهي الفاكهة. 8- ثم لئلا يظن أن ليس لهم إلا الفاكهة ذكر أن لهم ما يتمنون وما يطلبون. 9- ثم ذكر الأمن والسلام العام فإن الخوف من فقدان هذا النعيم أو تغيره أو حصول شيء مما يكره ينغص العيش فذكر السلام. 10- وقد أطلق السلام ولم يقيده بشيء فشمل كل معاني السلام. 11- ثم أبعد عنهم المجرمين وفصلهم منهم فقال (وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ) أي انفصلوا وكونوا على حدة فكان أمن وسلام مطلق. 12- وقال (من رب) أي راع لهم متول أمرهم. 13- ووصفه بالرحمة قائلاً (رحيم) للحاجة إلى الرحمة على كل حال، فكانت السعادة في المكان والخلان وتحقق الأماني والأمان ورعاية الرحيم الرحمن، اللهم اجعلنا منهم يا أرحم الراحمين. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص207 إلى ص209 1- الكشاف 3/591، وينظر فتح القدير 4/365 2- ينظر الكشاف 2/591 3- ينظر لسان العرب (نزل) 14/181 الوقفة كاملة
٢٥٣ برنامج لمسات بيانية (وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) ( وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) إن مناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة فإنه لما ذكر سباحة الأجرام في الفلك فقال (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) ذكر سباحة الفُلك وجريها فيه(1). إن كلمة (الْفُلْكِ) تكون مفرداً وجمعاً فالمفرد (فلك) والجمع (فلك) أيضاً بلفظ واحد. وقد اختلف في (الْفُلْكِ) الوارد في الآية فقيل هي السفن التي تجري في البحار إلى قيام الساعة. والذرية هم الأولاد فامتنّ عليهم بحمل أولادهم في البحار. ذلك أن الامتنان بالنعمة على الأبناء امتنان بالنعمة على الآباء. ولذلك كثيراً ما يدعو الناس أن يرزقهم الله ذرية طيبة فقد قال زكريا عليه السلام (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ)- آل عمران (38). ويدعون لذرياتهم بالخير فقد وصف تعالى عباد الرحمن بقوله (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) - الفرقان (74). وقال إبراهيم عليه السلام ( وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ )- البقرة (128). فهو إشارة إلى أن عقبهم باق وأن نسلهم لا ينقطع وأنهم- أي ذريتهم – سيركبون في الفلك المشحون بالبضائع، الممتلئ بالأموال. وقيل: المقصود بالفلك هو سفينة نوح عليه السلام، والمقصود بالذرية الأبناء. قيل: والمعنى أنه لما حمل آبائهم الأقدمين يكون قد حمل ذريتهم في أصلابهم ولولا ذلك الحمل لم يبق للآدمي نسل(2). وحمل الآباء يتضمن حمل الذرية. جاء في (الكشاف): "(ذريتهم) أولادهم ومن يهمهم حمله... وقيل الفلك المشحون سفينة نوح. ومعنى حمل الله ذرياتهم دونهم لأنه أبلغ في الامتنان عليهم وأدخل في التعجيب من قدرته في حمل أعقابهم إلى يوم القيامة في سفينة نوح"(3). وجاء في (روح المعاني): "واستشكل حمل ذريتهم في سفينة نوح عليه السلام، وأجيب أن ذلك بحمل آبائهم الأقدمين وفي أصلابهم هؤلاء وذريتهم. وتخصيص الذرية مع أنهم محمولون بالتبع لأنه في الامتنان حيث تضمن بقاء عقبهم، وأدخل في التعجب ظاهراً حيث تضمن حمل ما لا يكاد يحصى كثرة في سفينة واحدة مع الإيجاز لأنه كان الظاهر أن يقال: حملناهم ومن معهم ليبقى نسلهم. فذكرُ الذرية يدل على بقاء النسل وهو يستلزم سلامة أصولهم فدل بلفظ قليل على معنى كثير"(4). وليس في كون (الْفُلْكِ) سفينة نوح استشكال فإنه سبحانه قال (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ) - الحاقة (11) فذكر أن حملهم في سفينة نوح وهو لم يحملهم وإنما حمل آبائهم فصح أن يقول (حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) فإن المخاطبين وذريتهم هم جميعاً ذرية المحمولين في السفينة. وهذا الخطاب أعني قوله تعالى (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ) يصح أن يكون خطاباً للبشر على مدى الزمان وأن يكون ذلك آية من آيات نعمه تعالى على خلقه. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه لما قال فيما بعد (مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ) والمقصود بهذه الصيحة صيحة القيامة وهي لا تأخذهم وإنما تأخذ ذريتهم صح أن يقول في سفينة نوح أنه حمل ذريتهم. فجعلهم هم المعنيين بالصيحة مع أن المعنىّ هم الذرية. فجعل الآباء والذرية شيئاً واحداً. ثم لننظر من ناحية أخرى أنه منّ عليهم وعلى ذرياتهم بالحمل في الفلك غير أنه ذكر في حالة طغيان الماء حملهم هم فقال (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ ) ولما لم يذكر طغيان الماء ذكر حمل ذريتهم. ذلك أنه في حالة طغيان الماء يخشى الغرق فذكر أنه حملهم ليدل على إنعامه عليهم بالنجاة. وفي نجاتهم نجاة لذريتهم، وليس في نجاة الذرية نجاة للآباء. ولما لم يذكر طغيان الماء ذكر أنه حمل ذريتهم فكانت النعمة عليهم بالنجاة وعلى ذريتهم بالانتفاع، أو بتعبير آخر كانت النعمة عليهم بدرء المفسدة وعلى ذريتهم بجلب المنفعة ذلك لأنه وصف الفلك بأنه مشحون أي مملوء بالبضائع وعروض التجارة. ودرء المفاسد كما يقال مقدم على جلب المنافع. فذكر مع المخاطبين درء المفسدة ودفع الضرر عنهم ومع الأبناء جلب المنفعة لهم. فكانت النعمة عليهم وعلى ذريتهم. ولما ذكر طغيان الماء ووصف الفلك بأنها جارية أي تجري بهم لينجوا إلى مكان آمن. ولما لم يذكر طغيان الماء وصف الفلك بأنه مشحون أي ممتلئ ولا يحسن ذكر المشحون مع طغيان الماء، لأن امتلاءه يبطئه في الجري فلا ينجون به بسرعة. فذكر مع النجاة الجري ومع المنفعة الشحن فكان كل تعبير أنسب في مكانه جاء في (التفسير الكبير): "قال ههنا (حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ) منّ عليهم بحمل ذريتهم. وقال تعالى (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ) منّ هناك عليهم بحمل أنفسهم. نقول لأن من ينفع المتعلق بالغير يكون قد نفع ذلك الغير، ومن يدفع الضرر عن المتعلق بالغير لا يكون قد دفع الضرر عن ذلك الغير بل يكون قد نفعه. مثاله من أحسن إلى ولد إنسان وفرحه فرح بفرحه أبوه. وإذا دفع واحد الألم عن ولد إنسان يكون قد فرح أباه ولا يكون في الحقيقة قد أزال الألم عن أبيه. فعند طغيان الماء كان الضرر يلحقهم فقال دفعت عنكم الضرر. ولو قال دفعت عن أولادكم الضرر لما حصل بيان دفع الضرر عنهم. وههنا أراد بيان المنافع فقال (حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ) لأن النفع بنفع الذرية ويدلك على هذا أن ههنا قال (فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) فإن امتلاء الفلك من الأموال يحصل بذكره بيان المنفعة. وأما دفع المضرة فلا لأن الفلك كلما كان أثقل كان الخلاص به أبطأ وهنالك السلامة. فاختار هنالك ما يدل على الخلاص من الضرر وهو الجري وههنا ما يدل على كمال المنفعة وهو الشحن"(5). وقد تقول: ولم ذكر حمل الذرية ههنا أي في آية يس هذه ولم يذكر حملهم هم؟ فنقول: أن ذلك لأمور منها: 1- أنه لما قال قبل هذه الآية (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ) ناسب ذكر الذرية لأن الذرية إنما تكون في الأزواج. 2- ولما ذكر صيحة القيامة وهي لا تأخذهم وإنما تأخذ ذريتهم ناسب ذلك ذكر الذرية أيضاً. 3- ثم إن ذلك من قبيل المنّ عليهم فهو أخبرهم ضمناً أنه لا يستأصلهم وإنما يبقيهم ويبقي ذريتهم. ثم لننظر من ناحية أخرى أنه قال (وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ) وقال (وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ)ولم يقل (وآية لهم الفلك جعلناها بحيث تحملهم) وذلك لأن حملهم في الفلك هو العجيب. أما نفس الفلك فليس بعجب لأنه كبيت مبني من خشب. وأما نفس الأرض فعجب ونفس الليل عجب لا قدرة عليهما لأحد إلا الله"(6). ثم إن الامتنان عليهم إنما هو بالحمل في الفلك وليس في الفلك نفسه ذلك أن الحمل فيه هو النعمة، فالفلك ليس مقصوداً لذاته وإنما المقصود هو الحمل فيه فذكر ما به مناط النعمة والمِنة. وبعد أن منّ عليهم بجمل ذريتهم في الفلك المشحون ذكر منته عليهم بالحمل فقال (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ.) وقوله (مِنْ مِثْلِهِ) يعني من مثلك الفلك. و (مَا يَرْكَبُونَ) فيه وجهان. الأول أنه الفلك وما يركبونه من السفن والزوارق(7). والآخر أنه عموم ما يركب في البر من الإبل وغيرها. والظاهر أنه يشمل عموم ما يركب في البر والبحر فمنّ عليهم بمن يركبونه عموماً مما سخره لهم ربنا سبحانه. فذكرهم بنعمة السكن وهي الأرض ونعمة الطعام ونعمة النهار والليل وحملهم وحمل بضائعهم في البر والبحر. وقولهم (لَهُمْ) يدل على تمام نعمته عليهم ذلك أنه خلق ذلك من أجلهم. ولو قال (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ) لم يدل على أن الخلق كان من أجلهم. كما أن إضافة الذرية إليهم فيه تفضل آخر عليهم بخلاف ما لو قال: إنا حملنا ذرية المخلوقات أو ذرية الناس مع نوح، فإن ذلك يعم وهذا يخصهم هم. الوقفة كاملة
٢٥٤ برنامج لمسات بيانية (إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) أي إلا إذا أراد ربهم أن يرحمهم فينقذهم ويمتعهم في الحياة إلى أجل. فنفى الإنقاذ إلا من طريق رحمة الله بهم. والتعبير يحتمل معنيين: الأول أن ينقذهم رحمة بهم ويمتعهم إلى حين. والمعنى الآخر أن إنقاذهم على نوعين: إنقاذ رحمة وإنقاذ تمتيع. وذلك أن قسماً من هؤلاء الناجين يؤمنون بعد الكفر ويهتدون بعد الضلال فكان إنقاذهم رحمة منه تعالى. والقسم الآخر يبقون على ضلالهم فيكون إنقاذهم متاعاً إلى حين. والقسمان نالتهم رحمه الله والمتاع إلى حين. فالذين آمنوا نالتهم رحمة الله بإنقاذهم من الغرق وبإيمانهم. والذين لم يؤمنوا نالتهم رحمة الله بالنجاة من الغرق. وعلى هذا فكلهم مرحومون ممتعون ولكن منهم من نالته رحمة أوسع بنجاته وإيمانه. وقال (رَحْمَةً مِنَّا) ليدل على أن الرحمة بهم كانت منه سبحانه وإلا فليس ثمة من يرحمهم ويغيثهم، وحتى لو أغاثهم أحد فذلك برحمته سبحانه لهم وتهيئته من ينجيهم. فهم لا ينقذون إلا برحمته سبحانه. جاء في (التفسير الكبير) في قوله (إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) "وهو يفيد أمرين: أحدهما: انقسام الإنقاذ إلى قسمين: الرحمة والمتاع. أي فمن علم الله منه أنه يؤمن فينقذه الله رحمة، وفيمن علم أنه لا يؤمن زماناً ويزداد إثماً. وثانيهما: أنه بيان لكون الإنقاذ غير مفيد للدوام بل الزوال في الدنيا لابد منه فينقذه الله رحمة ويمتعه إلى حين. ثم يميته فالزوال لازم أن يقع" (1). وقد تقول: لقد قدم الرحمة ههنا على الجار والمجرور فقال (إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا) فهل يصح أن يقدم الجار والمجرور على الرحمة فيقول (ولا هم ينقذون منا إلا رحمة ومتاعاً إلى حين) أو (ولا هم ينقذون إلا منا رحمة ومتاعاً إلى حين) كما قدم ذلك في مواطن من القرآن الكريم وذلك نحو قوله (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ) هود (9). وقوله (وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ) الشورى (48). وما الغرض من هذا التقديم والتأخير؟ فنقول: ههنا سؤالان. السؤال الأول: هل يصح تقديم الجار والمجرور على الرحمة في آية يس؟ والآخر: ما الغرض من هذا التقديم والتأخير فيما ورد من نحو ذلك في القرآن؟ أما الجواب عن السؤال الأول فقال: أنه لا يصح تقديم الجار والمجرور على الرحمة في آية يس لأن المعنى سيختل ذلك أنه لو قال (ولا هم ينقذون منا إلا رحمة ومتاعاً إلى حين) أو (ولا هم ينقذون إلا منا) كان المعنى أنه سينقذهم من الله تعالى منقذ وينجيهم منه مغيث رحمة ومتاعاً إلى حين، وبذلك يكون الله عاجزاً عن إغراقهم تعالى عن ذلك لأنه سيكون من ينقذهم من الله، ولذا لا يصح التقديم في الآية. أما تقديم الجار والمجرور فيما ذكرناه من آيتي هود والشورى فذلك ما يقتضيه المقام. فإنه سبحانه وتعالى قال في هود: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ) هود (9 ،10). وقال في الشورى (وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ) . في حين قدم الرحمة على الجار والمجرور في سورة فصلت فقال: (لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظ ٍ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ) (49 – 51). ومن النظر في المواطن الثلاثة يتضح أن الكلام في (فصلت) على الرحمة أكثر وأثرها على الإنسان أوسع مما في هود والشورى فإنه في هود والشورى لم يذكر إلا إذاقته إياها ونزعها منه، فذكر حالة نزع الرحمة فقط ولم يذكر أثر الرحمة عليه.وأما في الشورى: فإنه لم يزد على أن قال (فرح بها). وأما في (فصلت) فقد فصل وأطال في وصف أثرها فيه واحتفائه بها فناسب تقديمها في (فصلت). ونحو ذلك قوله تعالى في سورة هود (وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ) - (2) 8) بتقديم الرحمة على الجار والمجرور. وقوله في السورة نفسها (وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً) هود (63) بتقديم الجار والمجرور على الرحمة. ومن النظر في سياق الآيتين يتضح سبب التقديم والتأخير فيهما. قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ…ا) لخ (25 – 28). وقال: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ... ) الخ (61 – 63). فأنت ترى من النصين السابقين أن الكلام على الرحمة في قصة نوح أطول ووصفهما أكثر فقد قال (وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) . وليس الأمر كذلك في قصة صالح فقد قال( وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً) ولم يزد على ذلك. ثم قال بعدها (فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ) . فلما كان الكلام على الرحمة أكثر في قصة نوح قدم الرحمة وإنما لم يكن الكلام كذلك في قصة صالح أخرها. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أن الكلام في قصة صالح على الله أكثر (قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ). وقال في قصة نوح (أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ) فقال في قصة صالح: 1- اعْبُدُوا اللَّهَ. 2- مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ. 3- هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ. 4- وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا. 5- فَاسْتَغْفِرُوهُ. 6- ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ. 7- إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ. ولم يزد في قصة نوح على أن قال أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ. فناسب تقديم الضمير العائد على الله في قصة صالح فقال وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً دون قصة نوح. فناسب التقديم والتأخير من جهتين: 1- من جهة التوسع في ذكر الرحمة في قصة نوح فناسب ذلك تقديمها. 2- ومن جهة التفصيل في الكلام على الله في قصة صالح دون قصة نوح فناسب تقديم ضميره وتأخير الرحمة. وقد تقول: لقد قال في آية يس (إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّا) وفي مواطن من القرآن الكريم قال (رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا ) فهل من فرق بين التعبيرين؟ فنقول: الظاهر من التعبير القرآني أن قوله (رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا ) أخص من قوله ( رَحْمَةً مِّنَّا) ذلك أن قوله ( رَحْمَةً مِّنَّا) فيه الرحمة عامة تشمل جميع الخلق مؤمنهم وكافرهم فقد قال تعالى (وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ) وقال (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ) فصلت (50). أما قوله (رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا) فهي رحمة خاصة بالمؤمن ولم ترد في القرآن الكريم في غير المؤمنين. قال تعالى على لسان سيدنا نوح (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) هود (28). وقال في الخضر وهو الرجل الصالح الذي اتبعه موسى ليتعلم منه (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ) الكهف65. وقال في سيدنا أيوب عليه السلام (وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ) الأنبياء 84. ونظير هذا قوله (نعمة منا) و(نعمة من عندنا) فإن قوله (نعمة منا) فيه النعمة عامة تشمل المؤمن والكافر، قال تعالى (فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) الزمر 49. وقال (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) الزمر 8. فهذه النعمة عامة شملت عموم الناس وقد أصابت الكافر كما هو واضح في الآية الثانية. أما قوله (نعمة من عندنا) فهي خاصة بالمؤمن، قال تعالى (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ ) – القمر 34،35 وهذا نظير قوله (رحمة منا) و(رحمة من عندنا). وقد تقول ولكنه قد يرد في الموقف الواحد مرة (رحمة منا) ومرة (رحمة من عندنا) وذلك نحو قوله تعالى في سيدنا أيوب في سورة الأنبياء (وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ )84. وقوله فيه في سورة (ص) (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) - 43. فما الفرق؟ فنقول إن السياق الذي وردت فيه كل من الآيتين هو الذي يوضح سبب الاختلاف بين التعبيرين. قال تعالى في سورة (ص) (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ )41-44. وقال في سورة الأنبياء ( وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ) 83-84. ومن النظر في النصين يتضح الفرق: 1- فقد قال في سورة (ص) (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) فذكر مس الشيطان له، وقد اختلف المفسرون في تفسير هذا المس وفسره بعضهم بانه وسوسة من الشيطان أطاعه فيها، جاء في (الكشاف): "ولما كانت وسوسته إليه وطاعته له فيما وسوس سبباً فيما مسه الله به من النصب والعذاب نسبة إليه" (2). أما في سورة الأنبياء فقال (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ) فذكر في (ص) ما هو خلاف الأولى فناسب ذكر (رحمة منا) في (ص) و(رحمة من عندنا) في الأنبياء. 2- ذكر في سورة الأنبياء الله بصفة الرحمة فقال (وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) ولم يذكر مثل ذلك في (ص). 3- ذكر في الأنبياء أن الله استجاب له وكشف ما به من ضر تصريحاً ولم يذكر مثل ذلك في (ص) بل فهم ذلك ضمناً، فكان ما في الأنبياء أتم وأكمل مما ذكر في (ص) فناسب كل تعبير موطنه. ثم إن السياق في كل من السورتين يوضح ذلك أيضاً: فقد ذكرت قصة أيوب عليه السلام بعد قصة داود وسليمان عليهما السلام في السورتين، وكان السياق في سورة (ص) فيما وقع لهما خلافاً للأولى فقد ذكر فيها سيدنا داود وتسور المحراب عليه وفزعه من المتسورين، وذكر الحكم في مسألة النعاج التي ترمز إلى أمر ما الله أعلم به، وعلى أية حال فقد ظن داود أن الله قد فتنه فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب وغفر الله له ذلك. وذكر سليمان وأنه أحب حب الخير عن ذكر ربه، وذكر أن الله قد فتنه وألقى على كرسيه جسداً ثم أناب. وذكر أيوب وأن الشيطان قد مسه بنصب وعذاب. فالمقام والسياق في الابتلاءات والفتن التي تعرض لها الأنبياء المذكورون وليس في سورة الأنبياء مثل ذلك وإنما ذكر التفضل والإنعام عليهم ورحمته بهم فقد ذكر داود وسليمان وحكمهما في الحرث فقال (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ولم يذكر إنه فتنهما وإنما ذكر تفضله وإنعامه عليهما. وذكر أيوب ولم يذكر إنه مسه الشيطان وإنما قال (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ). فناسب المقام والسياق ذكر الخصوصية بقوله (رحمة من عندنا) في سورة الأنبياء دون سورة (ص) والله أعلم. ثم لننظر إلى الآيتين من ناحية آخري فقد قال في (الأنبياء): (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ). وقال في (ص): (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) وإليك الفرق بينهما: في الأنبياء في (ص) فاستجبنا له -- فكشفنا ما به من ضر -- أتيناه أهله وهبنا له أهله رحمة من عندنا رحمة منا وذكرى للعابدين وذكرى لأولي الألباب ونود أن نذكر ما يأتي تعقيباً على النصين: 1- إن قوله (أتيناه) يشمل (وهبنا له) وزيادة، فإن الإيتاء يشمل الهبة وغيرها، فقد يستعمل الإيتاء في المال وغيره نحو قوله (آتيناه حكماً وعلماً) وقوله (آتينا ثمود الناقة مبصرة) وقوله (آتيناهم الكتاب) مما لا تصح الهبة في نحوه. 2- إن قوله (رحمة من عندنا) يشمل (رحمة منا) وزيادة، إذ الرحمة في قوله (منا)عامة يشترك فيها عموم الخلق مؤمنهم وكافرهم، أما قوله (رحمة من عندنا) فهي رحمة خاصة تزيد على الرحمة العامة فهي إذن تشمل قوله (رحمة منا) مع زيادة في الرحمة. 3- وقوله (للعابدين) يشمل أولى الألباب) وزيادة في الوصف، فإن العابدين كلهم من أولي الألباب وليس أولو الألباب كلهم من العابدين، ذلك أنه لا تصح عبادة من غير عقل، وعلى هذا فإن العابدين يزيدون في الوصف على أولي الألباب، فإن العابدين هم: أولو الألباب + عبادة فكان قوله (للعابدين) يشمل أولي الألباب وزيادة. 1- وزاد على ذلك قوله فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ. وبهذا يتضح أن آية الأنبياء تشمل آية (ص) وزيادة، فناسب كل تعبير مكانه. هذا علاوة على إنه في سورة (ص) تكرر ذكر مشتقات الهبة، وفي (الأنبياء) تكرر ذكر الإيتاء. فقد قال في (ص) (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ) - 9، وقال (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ-) 30 وقال (وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ) 35- وقال (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ) 43. وقال في (الأنبياء): (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً )(48) وقال (وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ ) 51 وقال (وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ) 73 وقال (وَلُوطًا آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ) 74 وقال (وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ) 79 وقال 0وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ ) 84 فناسب لفظ (وهبنا) ما في (ص) و(آتينا) ما في الأنبياء من حيث السمة التعبيرية لكل من السورتين. ثم من ناحية آخري إن لفظ العبادة والعابدين ورد في سورة الأنبياء أكثر مما ورد في (ص) بل لم يرد لقط (العابدين) في (ص). فقد ورد ذلك في الأنبياء عشر مرات في حين ورد في (ص) خمس مرات. قال تعالى في الأنبياء (لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ 19) وقال (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) ( 25) وقال (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ 26) وقال (قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ ) 53) وقال ( أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ ) (66) وقال (أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) (67) وقال: (وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ )(73) وقال (وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ )(84) وقال (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ 92) وقال (إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ )(106). وقال في (ص): (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ 17) وقال (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ ) (30) وقال (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ) 41 وقال (نِعْمَ الْعَبْدُ 44) وقال (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ ..)(45). فناسب قوله (وذكرى للعابدين) ما في الأنبياء، وقوله (وذكرا لأولى الألباب) ما في (ص). ومما زاده حسناُ أنه قال في (ص) (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)( 29) فناسب قوله (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) . وأنه قال في (الأنبياء) (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ )(73). وقال (إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ )(106). فناسب ذلك قوله (وآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) هذا علاوة على أن سورة الأنبياء تكررت فيها مواقف العبادة وسياقاتها مما لم ير مثله في (ص) وشرح ذلك يطول مما لا يناسب هذا المقام. فناسب كل تعبير مكانه من كل وجه، والله أعلم. الوقفة كاملة
٢٥٥ (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) التسبيح هو التنزيه فمعنى ( سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ ) أن هؤلاء نزهوه عما لا يليق من الصفات وأنهم ذكروا ذلك بما يليق من حالهم مما نفقه من التسبيح وبما لا نفقه. لقد ورد فعل التسبيح في القرآن الكريم معدّي بنفسه ومعدّي باللام. فمما ورد معدي بنفسه قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلً) - الأحزاب (41، 42) وقوله (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ- ) الطور (49). ومما ورد معدّي باللام هذه الآية التي افتتح بها السورة. ونظيرها في مفتتح سورة الحديد وسورة الحشر وقوله ( تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ۚ ) الإسراء (44) وغيرها. إن معنى (سَبِّحْهُ) نزهه – كما ذكرنا – ومعنى (سَبِّحُ لَهُ) أي فعل ذلك لأجله فاللام تفيد التعليل. فالتسبيح هو الفعل. والتسبيح له هو الفعل لأجله كما تقول: صلى وصلى له ونسك ونسك له. ولا ينفع الفعل حتى يكون له سبحانه. فكل فعل أو عبادة لا تنفع حتى تكون له وحده وإلا كان ذلك ضلالاً. فكل فعل لا يكون له باطل. قال تعالى ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) - الأنعام 162. فمن سبح رياء فليس بمسبح لله ومن صلى رياء فليس بمصل له، فالتسبيح ينبغي أن يكون له تعالى خالصاً كسائر العبادات. فالتسبيح هو الفعل. والتسبيح له هو إخلاص النية والعمل له. جاء في (البحر المحيط): واللام في (لِلَّه) إما أن تكون بمنزلة اللام في (نصحت لزيد) يقال: سبح الله كما يقال: نصحت زيدا فجئ باللام لتقوية وصول الفعل إلى المفعول. وإما أن تكون لام التعليل أي أحدث التسبيح لأجل الله أي لوجهه خالصاً (1). ومن الملاحظ في هذين الاستعمالين في القرآن الكريم أي في نحو سبح لله وسبحه أنه يستعمل اللام مع العاقل وغير العاقل وأما المتعدي بنفسه فلا يستعمله إلا للعقلاء. قال تعالى (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ ) - الحديد (1) وقال (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ۚ) الإسراء (44) فهذا لغير العاقل والعاقل. وقال (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ۖ ) - النور (41) فهنا اختلط العقلاء بغيرهم. وقال (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ) - النور (36) وقال (فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) - فصلت (38) وهذا خاص بالعقلاء. أما المتعدي بنفسه فلم يرد إلا للعاقل قال تعالى (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلً) - الفتح (9) وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) - الأحزاب (41، 42). فتسبيح غير العقلاء لم يرد إلا باللام، أما تسبيح العقلاء فقد ورد باللام وبدونها. وثمة ملاحظة أخرى في استعمال هذين التعبيرين وهي أنه يستعمل اللام مع ما هو أعم وأشمل سواء كان ذلك من حيث المسبحون أم من حيث أوقات التسبيح. فقد قال الله إنه يسبح له ما في السماوات وما في الأرض. وإنه تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وهذا أعم تسبيح وأشمله في حين أنه قد يستعمل المتعدي بنفسه للواحد أو للجماعة التي لا تبلغ ذلك المبلغ في الشمول والسعة. قال تعالى (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) ق (40) وقال (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا ) الإنسان (26) وقال (اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) - الأحزاب (42) ولم يرد في المتعدي بنفسه نحو ذلك الشمول في المسبحين. ويكفي ذلك بياناً أن الفعل مع اللام يستعمل للعقلاء وغيرهم أما المتعدي بنفسه فلم يستعمله إلا للعقلاء. ومثل ذلك الاتساع في الأوقات. فما ورد من الأوقات مع اللام أكثر اتساعاً وأعم وأشمل. قال تعالى مع المتعدي بنفسه (وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) - الفتح (9) وقال (وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ) - الأحزاب (42) في حين قال مع اللام (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ) - النور (36) فذكر ذلك بصيغة الجمع لا بصيغة المفرد، فالغدو جمع غدوة والآصال جمع أصيل. وقال (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) ق (40) وقال (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ) - الطور (49) وقال (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا ) ا لإنسان (26) ففي كل ذلك قال (مِنَ اللَّيْلِ) بمن التبعيضية ثم ذكر وقتاً آخر ليس طويلاً وهو (أَدْبَارَ السُّجُودِ) أو ( إِدْبَارَ النُّجُومِ ) حتى أنه في آية الإنسان لم يذكر غير الليل في حين قال ( فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ ) - فصلت (38) فقال (بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) بإطلاق الليل والنهار من دون تقييد ولم يذكر (من) الدالة على البعضية بل ذكر الباء التي تفيد الظرفية. ثم قال (وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) للدلالة على مداومة التسبيح وطوله. لقد ورد التسبيح في القرآن الكريم بصور شتى فقد ورد بالفعل الماضي نحو (سَبَّحَ لِلَّهِ) وورد بالمضارع نحو (يُسَبِّحُ لِلَّهِ) وورد بالأمر نحو (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) وقوله (وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) كما ورد باسم المصدر وهو (سُبْحَانَ) وذلك ليشمل الأزمنة كلها ويستغرقها. فالفعل الماضي يستغرق الزمن الماضي والمضارع يستغرق الحال والاستقبال والأمر يفيد طلب التسبيح في المستقبل. والمصدر غير مقيد بزمن أو فاعل فهو يفيد الحدث المطلق فهو يدل على حدوث التسبيح سواء كان هناك من يسبحه أم لا. فاستغرق ذلك الأوقات كلها. وأفاد أنه مستحق التسبيح على الدوام سواء كان هناك من يسبح أم لم يكن. جاء في (التفسير الكبير): ثم إنه تعالى قال في البعض من السور (سَبَّحَ لِلَّهِ) وفي البعض (يُسَبِّحُ) وفي البعض (سبّحْ) بصيغة الأمر ليعلم أن تسبيح حضرة الله تعالى دائم غير منقطع لما أن الماضي يدل عليه في الماضي من الزمان والمستقبل يدل عليه في المستقبل من الزمان والأمر يدل عليه في الحال (2). لقد افتتحت السورة بالفعل الماضي (سَبَّحَ لِلَّهِ) شأن سور أخرى وقد افتتح قسم آخر من السور بالفعل المضارع أي (يُسَبِّحُ لِلَّهِ.) ومن الملاحظ أن كل سورة تبدأ بالفعل الماضي أي (سَبَّحَ لِلَّهِ) يجرى فيها ذكر للقتال بخلاف ما يبدأ بالفعل المضارع أي (يُسَبِّحُ لِلَّهِ) فقد قال في سورة الحديد (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ ) – (10). وذكر في سورة الحشر إخراج الكافرين من حصونهم وتكرر في السورة ذكر القتال (أنظر على سبيل المثال الآيات 10، 11، 13). وقال في سورة الصف (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ) وذكر الجهاد بقوله ( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ۚ َ). وكل تلك السور تبدأ بالفعل الماضي (سَبَّحَ) ولم يرد مثل ذلك فيما بدأ بالفعل المضارع. ومن الملاحظ أيضاً أنه في قسم من الآيات يكرر (مَا) فيقول (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ ) فكرر (مَا) فقال ( وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ ) . وحيث كرر ( مَا) في آيات التسبيح أعقب ذلك بالكلام على أهل الأرض. وإذا لم يكرر (مَا) فإنه لا يذكر شيئاً يتعلق بأهل الأرض وبعدها. وقد ذكر بعد هذه الآية أمراً يتعلق بأهل الأرض فقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ) فكان تكرار ( مَا) هو المناسب (3). وقدم الجار والمجرور (لِلَّهِ) على الفاعل وهو (مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ ) وذلك لأن المجرور أهم فإن السياق ليس على الفاعل وإنما هو على مستحق التسبيح وهو الله ولذا ذكر بعد ذلك قسماً من صفاته فقال (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .) ثم قال بعدها (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) ثم قال (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا) ذكر ما يحبه الله وما لا يحبه. فقدم ما هو أهم وأولى. وقدم (مَا فِي السَّمَاوَاتِ) على (مَا فِي الْأَرْضِ) وذلك لأن أهل السماوات أسبق في التسبيح من أهل الأرض فإنه لما أراد الله خلق آدم قالت الملائكة (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ ) - البقرة (30) فقدم ما هو أسبق. وهناك أمر آخر وهو أنه قدم ما هو أدوم تسبيحاً. فما في السماوات أدوم تسبيحاً قال تعالى (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ) - الأنبياء (20). ولا تقل: إن (مَا) لغير العاقل فلا تشمل الملائكة. فإن (مَا) كما هو معلوم تكون لذوات غير العقلاء ولصفات العقلاء. كقوله تعالى (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا) - الشمس (7، 8) فاتضح ما قلناه. (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) العزيز هو الغالب الممتنع من أن يغلبه أحد. والحكيم قد يكون فعيلاً من الحكم. وقد يكون من الحكمة. والعزيز إذا حكم كان ذلك منتهى العزة. فقد يكون العزيز حاكماً وقد يكون غير حاكم. وقد ذكر هنا أنه جمع العزة والحكم فكان ذلك غاية الكمال فيهما. وإذا كان (الْحَكِيمُ) من الحكمة فذلك منتهى الكمال أيضاً ذلك أنه يكمل عزته بالحكمة فقد يكون العزيز متهوراً فيكون ذلك نقصاً فيه. والراجح أن كلا المعنيين مراد فهو حكيم من الحكم وحكيم من الحكمة فهو العزيز الحاكم ذو الحكمة. وقال (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) بتعريف الوصفين ليدل على أنه لا عزيز في الحقيقة سواه ولا حاكم ولا حكيم في الحقيقة سواه فإن كل عز يناله غيره فمن عزته سبحانه وكل حكم أو حكمة لغيره فذلك منه سبحانه كما قال تعالى (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) - آل عمران (26) وقال (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ۚ ) - البقرة (269). إن قوله (سَبَّحَ لِلَّهِ ) يعني أن ما في السماوات وما في الأرض نزهوه عن صفات النقص وأثبتوا له صفات الكمال. وقوله (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) يدل على الروحانية وإبطال الشرك إذ لا عزيز سواه ولا حاكم غيره، فهذه الآية تدل على توحيد الله سبحانه واتصافه بصفات الكمال وتنزيهه عن النقص. وتفيد إقرار ما في السماوات وما في الأرض له بذلك وخضوعهم له دون غيره خضوع قهر وعبادة. فإن الخضوع قد يكون خضوع قهر وغلبة لا خضوع عبادة وتقديس. أما خضوع ما في السماوات وما في الأرض فهو خضوع قهر وعبادة. فخضوع القهر يدل عليه قوله (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ويدل عليه وصف نفسه بـ (القهار). وخضوع العبادة والاستحقاق يدل عليه قوله (سَبَّحَ لِلَّهِ) فدل ذلك على الكمال المطلق له سبحانه. جاء في (التفسير الكبير): (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ ) أي شهد له بالربوبية والوحدانية وغيرهما من الصفات الحميدة جميع ما في السماوات والأرض، و (الْعَزِيزُ) من عز إذا غلب وهو الذي يغلب على غيره أي شيء كان ولا يمكن أن يغلب عليه غيره. و(الْحَكِيمُ) من حكم على الشيء إذا قضى عليه وهو الذي يحكم على غيره أي شيء كان ذلك الغير ولا يمكن أن يحكم عليه غيره. فقوله (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ ) يدل على الربوبية والوحدانية إذن (4). لقد ارتبط هذان الاسمان الكريمان بما ورد في السورة على العموم فقد شاع فيها جو العزة والحكم والحكمة. فقد ارتبط باسمه العزيز واسمه الحكيم من معنى الحكم قوله تعالى (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) ولا يفعل ذلك إلا العزيز الحكيم. وارتبط بهما أيضاً قوله ( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) وقوله ( نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ ) وقوله (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) ، فإنه لا يستطيع أن يفعل ذلك إلا العزيز الحكيم. وارتبط باسمه (الحكيم) من الحكمة قوله تعالى (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ) فإن نور الله إنما هو للهداية. والهداية من الحكمة. والذي يهدي إنما هو الحكيم. وارتبط به أيضاً قوله (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ) والهدى من الحكمة. والحق إنما يدل على الحكيم. وارتبط به أيضاً قوله تعالى (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) والذي يدل على ذلك حكيم. وقوله (ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) والذي يعلم إنما هو حكيم لأن من مقتضيات الحكمة العلم. والذي لا يعلم لا يكون حكيماً. وذلك من لطيف الارتباط. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 199 إلى ص 205. (1) البحر المحيط 10/ 100. (2) التفسير الكبير 29/ 311. (3) أنظر معاني النحو 1/ 156 وما بعدها. (4) التفسير الكبير 29/ 311. الوقفة كاملة
٢٥٦ (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) ذكر أن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً ولم يذكر غيرهم ممن يحبهم الله وذلك لأكثر من سبب. منها أن نزول الآية التي قرع الله فيها الذين يقولون ما لا يفعلون كان بسبب النكول عن القتال أو بسبب أمر يتعلق بالقتال فإنهم قالوا لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لبادرنا إليه فأعلمهم الله أنه يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً، ثم إن جو السورة شاع فيه استنهاض المؤمنين للجهاد وطلب نصرة الله. فناسب ذكر هذا الصنف والله أعلم. ومعنى الآية أن الله تعالى يحب الذين يثبتون في الجهاد ويلزمون مكانهم كثبوت البنيان المرصوص. وقيل: المراد أن يكونوا في اجتماع كلمتهم واستواء نياتهم وموالاة بعضهم بعضاً كالبنيان المرصوص. والحق أن المعنيين مرادان فيراد ثباتهم في الحرب ولزوم مكانهم كما يراد اجتماع كلمتهم وموالاة بعضهم بعضاً. فالمراد أن يكونوا صفاً ثابتاً في نياتهم وأجسامهم. فإن تفرقت نياتهم وتشتت قلوبهم لم يكونوا صفاً وإن وقفوا في صف واحد، جاء في (الكشاف): (كَأَنَّهُمْ) في تراصهم من غير فرجة ولا خلل (بُنْيَانٌ) رص بعضه إلى بعض ورصف، وقيل يجوز أن يريد استواء نياتهم في الثبات حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان المرصوص (1). وجاء في (التفسير الكبير): قال أبو إسحاق: أعلم الله تعالى أنه يحب من يثبت في الجهاد ويلزم مكانه كثبوت البناء المرصوص. قال ويجوز أن يكون على أن يستوي شأنهم في حرب عدوهم حتى يكونوا في اجتماع الكلمة وموالاة بعضهم بعضاً كالبنيان المرصوص. وقيل ضرب هذا المثل للثبات. يعني إذا اصطفوا ثبتوا كالبنيان المرصوص الثابت المستقر (2). وقدم الجار والمجرور (فِي سَبِيلِهِ) على (صَفًّا) وذلك لتقدم النية وأهميتها قبل أن يدخلوا في الصف. ثم إن توحيد النية سبب لتوحيد الصف. فإن لم يكن القتال في سبيل الله فلا خير فيه. وقال (كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ) ولم يقل (كأنهم بناء) ذلك أن القرآن فرق في الاستعمال بين البناء والبنيان فاستعمل البناء للسماء والبنيان لما بناه البشر. قال تعالى (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) - البقرة (22) وقال (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) - غافر (64) في حين قال ( فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا ۖ رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ۚ ) - الكهف (21) وقال: ( قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ) الصافات (97) وقال: (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ) - التوبة (109) ووصف البنيان بأنه مرصوص فقال (كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) للدلالة على شدة تماسكه وقوته. م**ن كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 208 إلى ص 209. (1) الكشاف 4/ 97 – دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع. (2) التفسير الكبير 29/ 313. الوقفة كاملة
٢٥٧ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ ۖ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ ۖ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) قيل: معنى( مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) من يضيف نصرته إلى نصرة الله إياي؟ وقيل معناه: من يكون معي في نصرة الله؟ وعلى هذا يكون معنى التفسير الأول: إن الله ينصرني فمن يكون مع الله لينصرني؟ وعلى التفسير الثاني يكون المعنى: أنا أنصر الله أي أنصر دينه فمن يكون معي لننصر الله؟ وهذان المعنيان يتضمنهما قوله تعالى (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ) فالمؤمن ينصر الله والله ينصره، فقوله ( مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) ، يحتمل أن المسيح طلب من ينصره إضافة إلى نصرة الله كما يحتمل أنه طلب من ينصر الله إضافة إلى نصرته له. وقولهم (نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) يصح أن يكون الجواب عن المعنيين. جاء في (الكشاف): معنى( مَنْ أَنْصَارِي) : من الأنصار الذين يختصون بي ويكونون معي في نصرة الله. ولا يصح أن يكون معناه من ينصرني مع الله لأنه لا يطابق الجواب (1). وجاء في (مجمع البيان) ( مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) من أنصاري مع الله ينصرني مع نصرة الله إياي؟ وقيل ( إِلَى اللَّهِ) أي فيما يقرب إلى الله كما يقال: اللهم منك وإليك (2). فكل من الزمخشري والطبرسي ذكر جانباً من جوانب النصرة. والله أعلم. إن من الملاحظ في هذه الآية: 1- أنه بعد أن شوقهم لذكر التجارة عن طريق الاستفهام لم يكتف بذاك وإنما أمرهم أن يكونوا أنصار الله فقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ) ليعلموا أن ذلك من باب الأمر والتكليف وليس من باب الاختيار والمندوب. ۲- إن الذي قال للحواريين ( مَنْ أَنْصَارِي) هو عيسى. أما القائل للمؤمنين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ) فهو الله. وذلك يدل على عظم التبليغ للمؤمنين وأهميته. ٣- لم يقل (يا أيها الذين آمنوا قولوا نحن أنصار الله كما قال الحواريون) ولكنه قال (كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ) فإنه طلب الفعل ولم يطلب القول، وهذا مناسب لتأنيبه لمن قال ولم يفعل في أول السورة. 4- إن الحواريين لم يقولوا (سنكون أنصار الله) وإنما قالوا (نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ ) أي نحن أنصاره الآن. ولذا قال (فَأَيَّدْنَا) وذلك أنهم قاموا بالنصرة فعلا فاستحقوا التأييد وجاء بالفاء الدالة على التعقيب ولم يقل (ثم أيدنا) الدالة على التراخي. 5- قال (فَأَيَّدْنَا) بإسناد الفعل إلى نفسه سبحانه ليدل على أن التأييد منه سبحانه كما قال (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ) بإسناد النصر إليه ولم يقل (إن تنصروا الله تنتصروا) فإن النصر لا يكون إلا منه سبحانه. وهذا التأييد يحتمل أمرين: التأبيد بالحجة فأصبحوا ظاهرين في حجتهم. والتأييد بالسيف والغلبة وذلك بعد رفع عيسى عليه السلام. جاء في (تفسير أبي السعود) ( فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ) أي قويناهم بالحجة أو بالسيف. وذلك بعد رفع عيسى عليه السلام. (فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) أي غالبين (3). إن هذا التعبير مرتبط بقوله في أول السورة (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) كما سبق أن ذكرنا. فإن قوله (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ) إذا كان بمعنى غلبة السيف والظفر مرتبط باسمه (الْعَزِيزُ) . ومرتبط باسمه (الْحَكِيمُ) من الحكم. وإذا كان بمعنى غلبة الحجة فهو مرتبط باسمه (الْحَكِيمُ) من الحكمة. فهو مرتبط باسميه العزيز الحكيم أيا كان نوع التأييد. فارتبط آخر السورة بأولها. 6- لقد طلب من المؤمنين عامة أن يكونوا كحواريي عيسى في نصرة الله، والحواريون هم الخلص من أتباع السيد المسيح. فهو طلب من المؤمنين عامة على مر الأزمان أن يكونوا كالحواريين فقد قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) ولم يقل (يا أصحاب محمد) ومعنى هذا أنه يطلب من عموم المؤمنين أن يكونوا على درجة عظيمة من الرفعة والإخلاص والجهاد. ۷- قال عيسى (من أنصاري إلى الله) بإضافة الأنصار إلى نفسه فارتبطت النصرة به. وقال الله (كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ) ولم يقل (كونوا أنصار محمد إلى الله) وذلك ليشمل الطلب عموم المؤمنين ولئلا ترتبط النصرة بشخص الرسول (محمد). ثم إنه لما كان قول عيسى موجها إلى الحواريين وهم خاصة أتباعه قال (من أنصاري) بالتخصيص. ولما كان الكلام موجهاً إلى المؤمنين عامة قال (كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ) على العموم. ۸- إن قول عيسى (من أنصاري إلى الله) إلماح إلى أن رسالته منقطعة فإنه أضاف الأنصار إليه وهذا يدل على أنه بعد توفيه ستنقطع نصرته. وأما قول الله للمؤمنين (كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ) فيدل على أن الرسالة دائمة غير منقطعة لأن الإضافة إلى الله لا إلى شخص معين. 9- قال عيسى (من أنصاري إلى الله) فقال الحواريون (نحن أنصار الله) ولم يقولوا (نحن أنصارك إلى الله) وذلك للإعلام بأنهم يكونون أنصار الله بعده ولا تنقطع النصرة بعد ذهابه. فعزموا على نصرة الله سواء كان موجوداً أم لم يكن. وقد تقول: ولم لم يقل (من أنصار الله) حتى يكون الجواب ملائماً؟ والجواب أنه لو قال: من أنصار الله؟ لادعى كل أحد أنه من أنصار الله ولقال اليهود نحن أنصار الله ولكنه قال (من أنصاري): لتكون نصرة الله عن طريق نصر النبي الجديد، فكان سؤاله أنسب وجوابهم أنسب. ۱۰ - إن قوله (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا) يدل على أنه سيؤيد المؤمنين من أتباع الرسول محمد فقد ناداهم ب (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا) فدخلوا في التأييد. 11- ثم إن بشارة المسلمين أعظم فإنه قال في أتباع عيسى (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ ) فخص ذلك بالتأييد على العدو، وقال في المسلمين (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) وإظهار دينه إنما يكون بظهور معتنقيه، وزاد لهم النصر والفتح القريب. فزاد على النصر الفتح القريب. 12- من الملاحظ أن عيسى لم يعد أتباعه بشيء. وقد وعد الله المؤمنين بالنصر والفتح القريب. 13- ورد في الآية نسبة عيسى إلى أمه كما ورد في مكان آخر من السورة. كما ورد فيها طلب النصرة وكلا هذين الأمرين على أن عيسى بشر وليس أبناً لله، تعالى عن أن يكون له ولد. وفي الختام نود أن نقول إن السورة ابتدأت بالجهاد والقتال واختتمت بالتأييد والظفر، فقد ابتدأت بقوله (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا) واختتمت بقوله (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ) مما يدل على أن عاقبة الجهاد تأييد الله ونصره فارتبط أول السورة بآخرها أحسن ارتباط وأوثقه. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 231 إلى ص 234. (1) الكشاف 4/101. (2) مجمع البيان 9/418. (3) تفسير أبي السعود 7/246. الوقفة كاملة
٢٥٨ (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (هُوَ الْأَوَّلُ) أي ليس لوجوده بداية وهد قبل كل شيء. (وَالْآخِرُ) أي ليس لوجوده نهاية وليس بعده شيء. وهذا مقتضى قوله (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) - القصص (۸۸). (وَالظَّاهِرُ) أي الذي تجلى للعقول ونصب الدلائل الظاهرة على وجوده. وهو الغالب العالي على كل شيء وفوق كل شيء فليس معه شيء وليس فوقه شيء، من الظهور وهو الغلبة كما قال تعالى (فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) - الصف (14). فللظاهر معنيان كلاهما مراد : الظاهر بدلائله، الغالب على كل شيء. (وَالْبَاطِنُ) أي غير المدرك بالحواس المحتجب عن الأبصار كما قال تعالى (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ) - الأنعام (103). وهو الذي يعلم بواطن كل شيء وخفاياه. فللباطن معنيان: المحتجب عن الأبصار، والذي يعلم باطن كل شيء وكلاهما حق. وإن كان أحد المعنيين أظهر من الآخر. وتعريف الصفات بأل يفيد القصر فلا يشاركه شيء في هذه الصفات. فليس معه أول ولا آخر وليس معه ظاهر ولا باطن فهو أول كل شيء وآخر كل شيء. يزول كل شيء ولا يزول وليس معه أحد في كونه ظاهراً أو باطناً. ولم يقيد هذه الصفات بشيء لا بإضافة ولا بوصف أو أي تقييد آخر وذلك للدلالة على أنه الأول المطلق والآخر المطلق والظاهر المطلق والباطن المطلق لا بحسب شيء من الاشياء. لقد دلت هذه الآيات على إبطال الشرك فليس معه شريك. كما دلت على أنه الغني المطلق فلا يحتاج إلى شيء لأنه كان قبل كل شيء. وأنه الخالق وأنه القادر. ودل قوله: (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) على علمه المطلق فهو الإله الحق. جاء في (التفسير الكبير): (أنه الأول ليس قبله شيء، والآخر ليس بعده شيء) ... وأنه ظاهر بحسب الدلائل وأنه باطن عن الحواس محتجب عن الأبصار... وذكروا في الظاهر والباطن أن الظاهر هو الغالب على كل شيء ومنه قوله تعالى (فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) أي غالبين عالين... وهذا معنى ما روي في الحديث (وأنت الظاهر فليس فوقك شيء). وأما الباطن فقال الزجاج إنه العالم بما بطن كما يقول القائل: فلان يبطن أمر فلان أي يعلم أحواله الباطنة (1). وجاء في (الكشاف): (الظاهر) بالأدلة عليه (والباطن) لكونه غير مدرك بالحواس، وقيل الظاهر العالي على كل شيء الغالب له من: ظهر عليه إذا علاه وغلبه، والباطن الذي بطن كل شيء أي علم باطنه. وليس بذاك (2). وجاء في (البحر المحيط): (هُوَ الْأَوَّلُ) الذي ليس لوجوده بداية مفتتحة... وقيل الأول الذي كان قبل كل شيء... (الظَّاهِرُ) العالي على كل شيء الغالب له من ظهر عليه إذا علاه وغلبه. (وَالْبَاطِنُ) الذي بطن كل شيء أي علم باطنه (3). وجاء في (التحرير والتنوير) في قوله (هُوَ الْأَوَّلُ) أنه لم يذكر لهذا الوصف هنا متعلق (بكسر اللام) ولا ما يدل على متعلق لأن المقصود أنه الأول بدون تقييد، ويرادف هذا الوصف في اصطلاح المتكلمين صفة (القدم). واعلم أن هذا الوصف يستلزم صفة الغني المطلق وهي عدم الاحتياج إلى المخصص أي مخصص يخصصه بالوجود بدلاً من العدم لأن الأول هنا معناه الموجود لذاته دون سبق عدم. وعدم الاحتياج إلى محل يقوم به قيام العرض بالجوهر. ويستلزم ذلك انفراده تعالى بصفة الوجود لأنه لو كان غير الله واجباً وجوده لما كان الله موصوفاً بالأولية ... فلذلك تثبت له الوحدانية... فلما تقرر أن كونه (الأول) متعلق بوجود الموجودات افتضي أن يكون وصفه بـ (الآخر) متعلقاً بانتقاض ذلك الوجود أي هو الآخر بعد جميع موجودات السماء والأرض (4). (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أي المحيط علمه بكل شيء، وأنه وسع كل شيء علماً، وقال: (عَلِيمٌ) ولم يقل (عالم) للدلالة على بالغ علمه وسعته. ومن دقيق الاستعمال القرآني وطريفة أنه خصص اسم الفاعل (عالم) بعلم الغيب مفرداً والشهادة مفردة فيقول (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) أو (عَالِمُ الْغَيْبِ) ولم يذكر مرة لفظ (عالم) مع الجمع. فإذا جمع الغيب أتى بـ )علام) الدال على المبالغة والكثرة فيقول (علام الغيوب). فخصص اسم الفاعل (عالم) بالمفرد. وقرن صيغة المبالغة (علام) بالجمع فهو يقول (عالم الغيب) وذلك في ثلاثة عشر موضعا (5). وقال: (علام الغيوب) في أربعة مواقع من القرآن الكريم (6). فناسب بين الصيغة ومتعلقها. بل إنه خصص لفظ (عالم) بعلم الغيب أو علم الغيب والشهادة وخصص (علام) بجمع الغيب فلم يستعمله مع غيره. أما (عَلِيمٌ) فقد أطلق استعماله فلم يقيده بمعلوم معين بل يذكره مع جميع المعلومات. فهو يقول مثلا (بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) - البقرة (۲۹، ۲۳۱) (بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) - يس (۷۹) (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) - البقرة (95، 246) (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) - آل عمران (115) (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) - آل عمران (154) أو يطلق الاسم الكريم فلا يخصصه بشيء وذلك نحو (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) - البقرة (32) (إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) - البقرة (127) (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) - البقرة (247، 268)، آل عمران (73). ومن الملاحظ أيضاً أنه حيث ذكر اسمه (الْعَلِيمُ) . فإما أن يطلقه كما ذكرنا فلم يقيده بشي، نحو (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) أو وَهُوَ (السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ، أو أن يجعله محيطاً بكل شيء نحو (بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أو (بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) . أو أن يستعمله مع الجمع أو فعل الجمع وذلك نحو قوله تعالى: ( وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) - البقرة (95، 246) (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) - آل عمران (115) (فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ) - آل عمران (63) فاستعمله مع الجمع. ونحو (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) - آل عمران (154) فقد جمع الصدر وقوله ( إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ) - يوسف (50) فأضاف الكيد إلى ضمير الجمع. أو أن يقول: ( وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) - البقرة (215) ونحو (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) - البقرة (۲۷۳) (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) - البقرة (183). فقد جمع الفاعل فقال (تَفْعَلُوا ) ولم يقل (تفعل) ونحوه، (تُنْفِقُوا) و (تَعْمَلُونَ) . ولم يرد استعمال اسم الله (الْعَلِيمُ) مع متعلق مفرد أو فعل فاعل مفرد. وهو تناسب لطيف بين المبالغة في الاسم الكريم وكثرة متعلقات الفاعلين. وبهذا يتبين أنه خصص اسمه: (العالم): بعلم الغيب المفرد أو الغيب والشهادة المفردين. واسمه: (العلاَم): بعلم الغيب مجموعاً فيقول (علام الغيوب) . أما اسمه (العليم): فإنه أطلق فيه العلم بالمعلومات عموماً ولم يخصصه بنوع من المعلومات معين. أو أن يطلق الاسم فلا يقيده بشيء، أو أن يستعمله مع الجمع أو فعل الجماعة. وأما إذا ذكر اسمه بصيغة الجمع: (عالمين). فإنه للتعظيم كما هو معلوم. وهذا من دقيق الاستعمال القرآني وخواصه، وهو من أوضح الأمور على القصد في التعبير القرآني. إن هذه الآية أعنى قوله (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) مرتبطة بما بعدها ارتباطاً وثيقاً. فقوله (هُوَ الْأَوَّلُ) مرتبط بقوله (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)، فالذي خلق السماوات والأرض هو الأول. وقوله (الْآخِرُ) مرتبط بقوله (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) . وقوله في (وَالظَّاهِرُ) مرتبط بقوله (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ) فالذي له الملك هو الظاهر الغالب في أحد معنييه، وفي المعنى الآخر مرتبط بقوله (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) فهي آيات دالة على وجوده سبحانه. وقوله (الْبَاطِنُ) بمعنى المحتجب الذي لا يدرك مرتبط بقوله (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ۚ) ، وبمعنى الذي بطن كل شيء أي علمه مرتبط بقوله (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) وقوله (وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) . **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 238 إلى ص 242. (1) التفسير الكبير 29/210 – 215. (2) الكشاف 4/61 (دار الفكر). (3) البحر المحيط 10/100 (دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع). (4) التحرير والتنوير 27/360 – 361 (دار سحنون). (5) أنظر على سبيل المثال: الأنعام 73. التوبة 94، 105. سبأ 3. الجن 26. (6) أنظر المائدة 109، 116، التوبة 78. سبأ 48. الوقفة كاملة
٢٥٩ (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) . لقد دل قوله (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) على أنه هو المالك لهما إضافة إلى دلالته على أنه الأول. ودلّ قوله (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ) أنه الملك الحاكم المسيطر فهو مالك الملك أي أن المُلْك هو ملْك له فهو المالك والملك. جاء في (الصباح المنير): (ملكته) مَلْكاً من باب ضرب والمِلك بكسر الميم اسم منه والفاعل مالك، والجمع مُلاك مثل كافر وكفار... ومَلك على الناس أمرَهم إذا تولى السلطنة فهو مِلك بكسر اللام وتخفف بالسكون والجمع ملوك مثل فلس وفلوس والاسم المُلْك بضم الميم (7). لقد دل قوله (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) على أنه هو المالك لهما إضافة غلى دلالته على أنه الأول. ودل قوله (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ) أنه الملك الحاكم المسيطر فهو مالك الملك أي أن الملك هو ملك له فهو المالك والملك. جاء في (الصباح المنير): (ملكته) مَلكْا من باب صرب والملك بكسر الميم اسم منه والفاعل مالك، والجمع مُلاك مثل كافر وكفار.... وملك على الناس أمرهم إذا تولى السلطنة فهو ملك بكسر اللام وتخفف بالسكون والجمع ملوك مثل فلس وفلوس والاسم الملك بضم الميم (1). ولما كان كل من الملك والمالك ينبغي أن لا يندّ عنه شيء في ملكه ذكر أنه (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) فكان ذلك الكمال الأعلى في الملك والتملك فهو لا يندّ عنه شيء في ملكوته وإنما يعلم كل شيء عن المسكن والساكن في السماء والأرض. وليس ذلك فقط وإنما هو يبصر أيضاً ما فيهما وهذه مرتبة فوق العلم فإن الفرد قد يعلم عن طريق الإخبار أما الله سبحانه فهو يعلمه ويشاهده. بل له مرتبة فوق ذلك وهي المعية والمصاحبة فهو مع عباده أينما كانوا. وهذه مرتبة فوق المشاهدة، وهي مرتبة القرب. بل له مرتبة فوق ذلك أيضاً وهي أنه بصير بما نعمل ظاهراً وباطناً فهو يعلم عمل كل عامل ويعلم لم عمله؟ وهذه مرتب فوق المعية لأنك قد تصاحب إنساناً وتراه يعمل عملاً ما ولكنك لا تعلم لمَ فعل ذلك فذكر أنه تعالى بصير بما يعمل العاملون وأنه عليم بذات الصدور. فذكر كل مراتب العلم وهي: 1- أنه يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها. فهو يعلم الداخل والخارج. والنازل والصاعد. ۲ - وأنه مصاحب لنا أينما كنا. 3 - وأنه مبصر لأعمالنا. 4- وأنه يعلم لم فعلنا ذلك . فاستوفى كل مراتب العلم فناسب ذلك ختام الآية السابقة وهو قوله (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) . (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ ) قال (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ) ولم يقل (ما يولج). وقال (مَا يَخْرُجُ مِنْهَا) ولم يقل (ما يُخرج) . وقال (وَمَا يَنْزِلُ) ولم يقل (ما يُنزل) وقال (وَمَا يَعْرُجُ) ولم يقل (ما يُعرج): وهذا أدل على العلم لأن الفرد في العادة يعلم ما يفعله هو ولكنه يجهل ما لم يفعله هو. أما ربنا فقد أخبر عن نفسه أنه يعلم ما يلج وما يخرج وما ينزل وما يعرج. وهذا أدل على العلم. وقدم ما يلج في الأرض على ما يخرج منها، وقدم ما ينزل من السماء على ما يعرج فيها، فقدم ما ينزل وما يلج وأخر ما يخرج وما يعرج؛ ذلك أن كثيراً مما ينزل من السماء قد يلج في الأرض ثم يخرج بعد ذلك من الأرض ما يخرج بسببه أو بغيره من الأسباب كالنباتات والينابيع وغيرها. فالولوج قد يكون سبباً للخروج. والذي يخرج من الأرض ومحيطها قد يعرج إلى السماء، فالذي ينزل من السماء قد يلج في الأرض، والذي يخرج من الأرض ومحيطها قد يعرج إلى السماء وذلك أن قوله (مَا يَخْرُجُ مِنْهَا) يحتمل معنيين، الأول أنه يخرج من داخلها كالنبات والحشرات وغير ذلك. والآخر أنه يخرج من دائرتها ومحيطها. وبدأ بالأرض وأخر السماء لأن السياق في الكلام على أهل الأرض وهو قوله (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) وهي مسكنهم. وقد تقول: لقد قال في سبأ نحو هذا غير أنه لم يذكر (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ۚ) . كما أن خاتمة كل من الآيتين اختلفت عن الأخرى. فقد قال في سبأ( يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۚ وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ) - (2) فما السبب؟ والجواب أن سياق كل من الآيتين يوضح ذلك: 1- فقد قال في سورة الحديد قبل هذه الآية (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) . فجاء في الآية التي قبلها بما يدل على علمه تعالى وإحاطته بكل شيء فقال: ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) وجاء بعد ذلك بقوله (وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) مما يؤكد هذا المعنى. ولم يرد في سياق آية سبأ نحو ذلك. فناسب المجيء بذكر العلم في آية الحديد دون آية سبأ. ۲- قال في آية الحديد( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ۚ ) وهذا مما يدل على المراقبة ولذا جاء بعدها بما يدل على معرفته بعملنا فقال (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) . وقال في خاتمة الآية في سورة سبأ (وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ) فختمها بالرحمة والمغفرة فكأنه أراد أن يرحمهم ويغفر لهم فرفع ذكر المراقبة. ولا شك أن عدم ذكر المراقبة أنسب مع ذكر الرحمة والمغفرة. وإن ذكره أنه بصير بعملنا أنسب مع ذكر المراقبة. ٣- أنه ذكر الآخرة قبل هذه الآية فقال: (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ ۚ) وليست الآخرة وقت عمل أو مراقبة كما أن الآية بعدها إنما هي في الساعة وهي قوله ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ۖ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ) . فلم يذكر المراقبة ولا أنه بصير بما نعمل في هذا السياق. أما آية الحديد فهي في سياق بداية الخلق قال تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ) وهو زمان بداية الأعمال واستمرارها ومراقبتها بخلاف سياق آية سبأ فإنه في طي صفحة الأعمال والمراقبة فناسب كل تعبير موطنه. - (3) وقال (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ۚ (4) ) وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (5) وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (6) وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10) مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) - (۲۲) (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ ) - (25). وشاع في سورة سبأ ذكر الآخرة من مثل قوله (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ ۚ - (1) ) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ۖ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ ۖ - (3) أُولَٰئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ - (4) أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ - (5) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ - (7) (بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ- (8) إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ ۗ )) (- (21) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ۚ-)) (23) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ)) (26) ((وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (29) قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ - (30) وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ الْقَوْلَ)) - (31 إلى 33) ((فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ - (37) - وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَٰئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ)) - (38). ((وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا)) - (40 - 42)) (( وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ)) - إلى آخر السورة (54). فناسب كل تعبير موطنه. ((وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)) قدم (بِمَا تَعْمَلُونَ) على (بَصِيرٌ) ذلك لأنها وردت بعد قوله (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) فقدم ما يتعلق بهم وهو عملهم. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 238 إلى ص 245. (1) المصباح المنير (ملك) 221 الوقفة كاملة
٢٦٠ (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) ذكر في الآية السابقة أنه خلق السماوات والأرض. والصانع قد لا يكون ملكاً فذكر أنه الصانع وأنه الملك حصراً فلا ملك سواه وأن الأمور ترجع إليه وحده. وأن ملكه ممتد بعد انقضاء الدنيا. وأن الأمور ترجع إليه في الآخرة كما هي في الدنيا فإن في قوله: (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) إشارة إلى البعث. جاء في (نظم الدرر): ولما كان صانع الشيء قد لا يكون ملكاً وكان الملك لا يكتمل ملكه إلا بعلم جميع ما يكون في مملكته والقدرة عليه وكان إنكارهم للبعث إنكاراً لأن يكون ملكاً أكد ذلك بتكرير الإخبار به فقال (لَهُ) وحده ملك السماوات (1). وجاء في (تفسير الرازي): له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور أي إلى حيث لا مالك سواه. ودل بهذا القول على إثبات المعاد (2). فقوله (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) يفيد معنيين: المعنى الأول أن الأمور كلها هو الذي يقطع فيها ولا يعمل شيء إلا بأمره، والمعنى الآخر إثبات المعاد. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول ص 245. (1) نظم الدرر 7/438. (2) تفسير الرازي 29/216. الوقفة كاملة


إظهار النتائج من 251 إلى 260 من إجمالي 396 نتيجة.