أسرار بلاغية

٢٤١ ﴿لَّن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡ‍ًٔاۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ١٧﴾ [المجادلة: 17] * * * هذه الآية مناسبة لقوله تعالى قبلها:﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ جُنَّةٗ﴾ ((فكما لم تقهم أيمانهم العذاب لم تغن عنهم أموالهم ولا أنصارهم شيئًا يوم القيامة)). ومعنى ﴿لَّن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ﴾ لن تنفعهم أو تدافع عنهم وتمنعهم من العذاب. ﴿أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم﴾. ذكر الأموال والأولاد؛ لأنها مظنة المنع وجلب المصالح والنصرة، فذكر المال والقوة، وبهما تتحقق المنافع ودفع المضار. فقال لهم: إنه لن تنفعهم أموالهم ((التي أعدوها لدفع المضار وجلب المصالح. (ولا أولادهم) الذين يتناصرون بهم في الأمور المهمة، ويعولون عليهم في المهمات المدلهمة، وتأخيرهم عن الأموال مع توسيط حرف النفي – كما قال شيخ الإسلام – إما لعراقتهم في كشف الكروب، أو لأن الأموال أول عدة يفزع إليها عند نزول الخطوب)). وقدم المال لأنه أبلغ في النفع والدفع وجلب المصالح من الأولاد. جاء في (البحر المحيط): ((ولما كان المال في باب المدافعة والتقرب، والفتنة أبلغ من الأولاد قدم في هذه الآية، وفي قوله:﴿وَمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُم بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمۡ عِندَنَا زُلۡفَىٰٓ﴾ وفي قوله:﴿إِنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞۚ﴾ وفي قوله:﴿وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ﴾ وفي قوله:﴿لَا يَنفَعُ مَالٞ وَلَا بَنُونَ﴾ بخلاف قوله:﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ ﴾ إلى آخرها، فإنه ذكر هنا حب الشهوات، فقدم فيه النساء والبنين على ذكر الأموال)). وأعاد النافي فقال:﴿وَلَآ أَوۡلَٰدُكُم﴾ للتوكيد، وليفيد أنه لا تنفع الأموال وحدها ولا الأولاد وحدهم ولا مجموعهم. فإنه قد يذكر عدم الإغناء للمال ولا يذكر معه الأولاد وذلك نحو قوله تعالى:﴿فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ٨٤﴾ [الحجر: 84] وقوله:﴿ وَلَا يُغۡنِي عَنۡهُم مَّا كَسَبُواْ شَيۡ‍ٔٗا ﴾ [الجاثية: 10] وقوله:﴿مَآ أَغۡنَىٰ عَنِّي مَالِيَهۡۜ٢٨﴾ [الحاقة: 28] وقوله:﴿مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُ مَالُهُۥ وَمَا كَسَبَ٢﴾ [المسد: 2] وقد يذكر الأولاد ولا يذكر الأموال كقوله تعالى: ﴿ وَٱخۡشَوۡاْ يَوۡمٗا لَّا يَجۡزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوۡلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيۡ‍ًٔاۚ ﴾ [لقمان: 33] وقوله: ﴿يَوۡمَ يَفِرُّ ٱلۡمَرۡءُ مِنۡ أَخِيهِ٣٤ وَأُمِّهِۦ وَأَبِيهِ٣٥ وَصَٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِ٣٦﴾ [عبس: 34-36] فذكر الأموال والأولاد جميعًا في الآية، وذكر أنها لا تغني من الله شيئًا في كل الأحوال. جاء في (نظم الدرر): ((وأكد بإعادة النافي ليفيد النفي عن كل حالة وعن المجموع، فيكون أصرح في المرام)). وقوله: (من الله) أي: من عذابه وبأسه، أو من جهته، فـ (من) لابتداء الغاية. وذهب الزمخشري إلى أنها بمعنى بدل، أي: بدل رحمته وطاعته، وبدل الحق. والتعبير يحتمل، وكأن معنى الابتداء أظهر، والله أعلم. ﴿شَيۡ‍ٔٗا﴾. يحتمل أن يكون المعنى شيئًا من الإغناء، فيكون النصب على المصدرية، وأن يكون المعنى: شيئًا من الأشياء، فيكون مفعولًا به. والمعنيان مرادان، فهي لا تغني من الله شيئًا من الإغناء ، ولا شيئًا من الأشياء، والله أعلم. ﴿أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾. ﴿أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ﴾ أي: ملازموها ملازمة دائمة؛ ولذا أكد ذلك بقوله: ﴿هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾. وجاء بالجملة الاسمية للدلالة على الثبوت، و(هم) يحتمل أن يكون ضمير فصل للاختصاص ، ويتحمل أن يكون مبتدأ. قد تقول: لقد قال في آية المجادلة هذه ﴿أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾. وقال في آل عمران:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡ‍ٔٗاۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ١١٦﴾ [آل عمران: 116] فقال في آية المجادلة:﴿ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ ﴾. وقال في آية آل عمران:﴿ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ ﴾ بذكر الواو. فما الفرق؟ فنقول: إن السياق في كل تعبير يوضح ذلك. فسياق الكلام في آل عمران إنما هو في أهل الكتاب، ومما قاله في السياق فيهم:﴿لَن يَضُرُّوكُمۡ إِلَّآ أَذٗىۖ وَإِن يُقَٰتِلُوكُمۡ يُوَلُّوكُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ١١١﴾. فذكر أن أموالهم وأولادهم لا تغني عنهم شيئًا في الدنيا، ذلك أنهم سيغلبون فيها، وفي الآخرة هم أصحاب النار. فدل ذلك على أن أموالهم وأولادهم لا تغني عنهم في الدنيا ولا في الآخرة. ونحو ذلك قوله تعالى في آل عمران:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡ‍ٔٗاۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ وَقُودُ ٱلنَّارِ١٠﴾ وهو إشارة إلى أنهم سيغلبون في الدنيا، فلا تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم فيها، وفي الآخرة هم وقود النار. ويدل على ذلك السياق ، فقد قال بعدها:﴿كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِ‍َٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ١١ قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغۡلَبُونَ وَتُحۡشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ١٢﴾. فقد ذكر أنهم كدأب آل فرعون والذين من قبلهم، فقد عاقبهم الله سبحانه في الدنيا وسيعاقبهم في الآخرة. وكما قال في الآية بعدها:﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغۡلَبُونَ وَتُحۡشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ١٢﴾ فهم سيغلبون في الدنيا ويحشرون إلى جهنم في الآخرة، فلا تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم في الدنيا ولا في الآخرة. فالواو عطف أو استئناف. جاء في (نظم الدرر) أنهم ((ليست مغنية عنهم تلك النعم شيئًا، وأنهم مغلوبون لا محالة في الدنيا، ومحشورون في الآخرة إلى جهنم)). أما آية المجادلة فهي في المنافقين، فذكر عدم الإغناء على العموم، ولم يعطف فإنهم لم يحاربوا الرسول في الدنيا حرب قتال، بل كانوا يظهرون له أنهم معه. فجاء بالتعبير عامًا يعم الدنيا والآخرة في عدم الإغناء. ولم يعطف أو يستأنف؛ فإنهم إن نجوا في الدنيا فلن ينجوا في الآخرة، فناسب كل تعبير سياقه. (من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 139: 144) الوقفة كاملة
٢٤٢ (عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) يحتمل أن يكون هذا الجار والمجرور خبراً بعد خبر أي إنك على صراط مستقيم كما تقول (إنه من أهل بغداد من أصحاب الثراء) فأخبرت أنه من أهل بغداد وأنه من أصحاب الثراء. كما يحتمل أن يكون متعلقاً بالمرسلين أي إنك من الذين أرسلوا على صراط مستقيم. وقد تقول: وما الفرق بين التقديرين؟ والجواب أنك إذا جعلته خبراً بعد خبر فإنه يصح أن تستغني بأحد الخبرين ويتم الكلام فإنه يصح أن تقول (إنك لمن المرسلين) وتكتفى كما قال تعالى في موطن آخر (تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) – البقرة (252). وتقول (إنك على صراط مستقيم) وتكتفى كما قال تعالى (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) – الزخرف (43). أما إذا جعلته متعلقاً بالمرسلين فإنك تجعل الكلام لا يتم إلا بمتعلقه فقوله (على صراط مستقيم) يكون مرتبطاً بما قبله متعلقاً به كما تقول (أنت من المرسلين بهذا الأمر) أو (أنت من المرسلين إلى هؤلاء القوم) و(أنت من المرسلين على نفقه الدولة). وقد تقول: ولم لم يكتف بأحد الخبرين كما فعل في موطن آخر؟ والجواب: أنه لو قال (إنك لمن المرسلين) لدل على أنه على صراط مستقيم تضمناً لا تصريحاً فإن كونه من المرسلين يدل على أمور كثيرة منها أنه صادق ومنها أنه على حق ومنها أنه على صراط مستقيم ومنها أنه يأمر بالخير ومنها مجرد الإخبار أنه من المرسلين لا إلى إرادة معنى متضمن، فقوله (على صراط مستقيم) حدد أمراً معيناً مما تضمنه كونه من المرسلين ولم يدع ذلك للذهن الذي قد ينصرف إلى أمور غير معينة. وقد يقتضي المقام أن يصرح بأمور مما تفتضيه الرسالة. أما إذا قال (إنك على صراط مستقيم) فقط فإنه لا يدل على إنه من المرسلين فكون الشخص على الصراط المستقيم لا يعنى أنه رسول من عند الله. فجمع بين الأمرين لإفادة المعنيين تصريحاً. وقد تقول: إذا كان الأمر كذلك فلم اكتفى إذن بأحد الخبرين في موطن آخر من القرآن، فقال في موطن (وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) وقال في موطن اخر (إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ؟ الجواب أن كل موطن يقتضي ما ذكر فيه وإليك إيضاح ذلك: قال تعالى (تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) – البقرة (252). وقال (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) – الزخرف (43). وإذا نظرنا في سياق آية البقرة لم نر فيه ذكراً للدعوة إلى دين الله وهو الصراط المستقيم وإنما وردت في سياق القصص القرآني، فقد وردت في سياق قصة طالوت وجالوت ثم ذكر بعدها بعضاَ من الرسل. لقد وردت في سياق إثبات نبوة الرسول بإخباره عما لم يعلم من أخبار الماضين فإنه لما ذكر قصة طالوت قال بعدها (تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) أي أن إجراء هذه الأخبار على لسانك وأنت لا تعلمها دليل على أنك من المرسلين. وأما آية الزخرف فإنها وردت في سياق الدعوة الى الله وهداية الخلق إلى صراطه المستقيم، قال تعالى (أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يُعْبَدُونَ) (40 – 45). فقوله (أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) يعنى هداية الخلق إلى صراطه المستقيم ودينه القويم. وقوله (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) يعني ما أوحاه إليه فاقتضى ذلك ذكر الصراط المستقيم. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى إن قوله (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ) يعني أنه نبي مرسل، وكذلك قوله (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا) فجمع بين كونه مرسلاً وأنه على صراط مستقيم كما فعل في آية يس فاقتضى كل موطن ما ذكر فيه. ووصفُ الصراط بأنه مستقيم يدل على أنه أقرب الطرق الموصلة إلى المطلوب وأنه طريق قويم وشرع مستقيم. جاء في (الكشاف)، (على صراط مستقيم) خبر بعد خبر. أوصله للمرسلين. فإن قلت: أي حاجه إليه خبراً كان أو صلة وقد علم أن المرسلين لا يكونون إلا على صراط مستقيم؟ قلت: ليس الغرض بذكره ما ذهبت إليه من تمييز من أرسل على صراط مستقيم من غيره ممن ليس على صفته وإنما الغرض وصفه ووصف ما جاء به من الشريعة فجمع بين الوصفين في نظام واحد كأنه قال: إنك لمن المرسلين الثابتين على طريق ثابت. وأيضاً فإن التنكير فيه دال على أنه أرسل من بين الصرط المستقيمة على صراط لا يكتنه وصفه". (1) وجاء في (التفسير الكبير): (على صراط مستقيم) خبر بعد خبر أي إنك على صراط مستقيم. والمستقيم أقرب الطرق الموصلة إلى المقصد، والدين كذلك فإنه توجه إلى الله تعالى وتولى (2) عن غيره والمقصد هو الله والمتوجه إلى القصد أقرب إليه من المولي عنه والمنحرف منه. ولا يذهب فهم أحد إلى أن قوله إنك منهم على صراط مستقيم مميز له عن غيره كما يقال: أن محمداً من الناس مجتبى لأن جميع المرسلين على صراط مستقيم. وإنما المقصود بيان كون النبي (صلى الله عليه وسلم) على الصراط المستقيم الذي يكون عليه المرسلون. (3) وقد تقول: ولم قدم (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) على قوله (عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ولم يقل (إنك لعلى صراط مستقيم من المرسلين)؟ والجواب أنه فعل ذلك لعده أمور. منها ان قوله (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) أفضل من كونه على صراط مستقيم. لأن كونه مرسلاً يعني أنه على صراط مستقيم وأنه نبي. ومنها أن قوله (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) يتضمن أنه على صراط مستقيم، ومنها أن هذا من باب تقديم السبب على المسبب فإن كونه على صراط مستقيم إنما هو بسبب أنه مرسل أوحى إليه بهذا الصراط فهو أسبق في الرتبة. ومنها أن تقديم المرسلين يمكن أن يعلق به (على صراط مستقيم) فيكون من تمام معناه كما بينا أي إنك أرسلت على طريق مستقيم. ولو أنا قلنا (إنك على صراط مستقيم من المرسلين) لم يصح تعليق (من المرسلين) بما قبله فينقطع الكلام ولا يتصل. فإن هذا التقديم أولى من كل ناحية. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص7 الى ص 10 1- الكشاف 2/581. 2- كذا ورد والصواب وتولً. 3- التفسير الكبير 26/41. الوقفة كاملة
٢٤٣ يرنامج لمسات بيانية ما الفرق بين قوله تعالي : { وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ } و { حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ } ؟ الجواب : معني ( وقع القول ) : حصل وحل , والمراد بـ ( القول ) ما نطق من الآيات الكريمة بمجئ الساعة , وما فيها من فنون الأهوال , وقد يراد بالوقوع دنوه واقترابه . فمعني { وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ } : حل بهم العذاب وحصل ما ذكره القرآن من مجئ الساعة وأهوالها . واما ( حق القول ) فمعناه : ثبت لهم العذاب ووجب , وإن لم يكن قد وقع . قال تعالي في قريش : { لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } [ يس : 7 ] . وقد يكون العذاب في الدنيا , كما قال تعالي : { وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً } [ الاسراء : 16 ] . فقوله : { حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ } قد يكون ذلك في الدنيا أو في الآخرة . واما قوله : { وَقَعَ الْقَوْلُ } فلم يرد في القرآن إلا في الآخرة أو قبيل الساعة . وقد ورد هذا التعبير في موطنين من القرآن الكريم , وهما قوله تعالي : { وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ } [ النمل : 82 ] . وهذا حين مشارفة الساعة وظهور أشراطها , وحين لا تنفع التوبة . وقوله : { وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ } [ النمل : 85 ] . وهذا في الآخرة . فقوله : { وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ } أقرب إلي الحصول من { حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ } . (أسئلة بيانية في القرآن الكريم الوقفة كاملة
٢٤٤ (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ) أي نكتب ما قدموا من الأعمال الصالحة وغيرها. (وآثارهم) أي ما أبقوه بعدهم من أعمال البر أو غيرها من أعمال السوء، فإن الإنسان قد يعمل عملاً فيه فائدة للمسلمين يبقى بعده كتأليف كتاب أو بناء مسجد أو تأسيس مدرسة تعلم الناس أمور دينهم أو تأسيس جماعة تدعو إلى الله أو سن سنة حسنة فتكتب له حسنات بقدر ما ينتفع بها حيث انتفع بها. أو بالعكس فإنه قد يعمل عملاً فيه إضرار بالمسلمين من سن مظلمة أو ابتداع بدعة سيئة أو نشر أفكار ضارة بالمسلمين أو معادية للإسلام أو إظهار معصية وما إلى ذلك من أعمال السوء فإنه تكتب عليه أوزار ذلك بقدر ما أحدثت من أضرار حيث أضرت فإنه ليست الأعمال وحدها هي التي تكتب بل تكتب آثار تلك الأعمال من خير أو شر، قال (صلى الله عليه وسلم) من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً). جاء في (الكشاف): "(ونكتب ما) أسلفوا من الأعمال الصالحة وغيرها وما هلكوا عنه من أثر حسن كعلم علموه أو كتاب صنفوه أو حبيس حبسوه أو بناء بنوه من مسجد أو رباط أو قنطرة أو نحو ذلك، أو سيء كوظيفة وظفها بعض الظلام على المسلمين وسكة أحدثها فيها تخسيرهم وشيء أحدث فيه صد عن ذكر الله من ألحان وملاه وكذلك كل سنة حسنة أو سيئة يستن بها، ونحوه قوله تعالى ( يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ) أي قدم من أعماله وأخر من أثاره، وقيل هي آثار المشائين إلى المساجد .... وعن عمر بن عبد العزيز: لو كان الله مغفلاً شيئا لأغفل هذه الآثار التي تعفيها الرياح" (1) وجاء في (روح المعاني): "(ونكتب ما قدموا) ما أسلفوه من الأعمال الصالحة والطالحة. (وآثارهم) التي أبقوها بعدهم من الحسنات كعلم علموه... وغير ذلك من وجوه البر ومن السيئات كتأسيس قوانين الظلم والعدوان... وغير ذلك من الشرور التي أحدثوها وسنوها بعدهم للمفسدين. أخرج ابن أبى حاتم عن جرير بن عبد الله البجلي قال (قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً، ثم تلا (ونكتب ما قدموا وآثارهم)" (2). وقد تقول: لقد قدم الله (إحياء الموتى) على كتابة ما قدموا وآثارهم فقال (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ ) مع أن كتابة ما قدموا وآثارهم قبل إحياء الموتى فلم ذلك؟ فنقول إن التقديم والتأخير لا يكون دائماً مبيناً على السبق في الزمان أو على الأشرف وإنما هو مبني على العناية والاهتمام وهذه تختلف بحسب السياق والمقام فقد يقدم المتأخر أحياناً أو بالعكس ولذا نجد في القرآن تقديم الركوع على السجود مرة وتقديم السجود على الركوع مرة آخري، وتقديم الحياة على الموت مرة وتقديم الموت على الحياة مرة آخري، ونجد تقديم المتقدم في الزمن مرة وتقديم المتأخر مرة آخري قال تعالى ( إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ) – النساء 163 فقدم عيسى على أيوب ويونس وغيرهما ممن ذكر وهو بعدهم جميعاً، وذكر سليمان قبل أبيه داوود، فليس التقديم والتأخير قائماُ على السبق في الزمان إذن وإنما مداره على العناية والاهتمام كما ذكرت، وأوجه العناية والاهتمام تختلف بحسب السياق. وهنا قدم الإحياء على الكتابة لأنه أهم من عدة أوجه: منها أنه المناسب لما قبله من الإنذار والتبشير فإن ذلك يكون في الحياة بعد الموت، ومنها أن كتابة ما قدموا من الأعمال إنما هي لما بعد الموت وإلا فلا قيمة للكتابة، فقدم الأهم لذلك. ثم إنه رتب المذكورات بحسب الأهمية فإن أهم شيء فيما ذكر هو الإحياء بعد الموت ثم كتابة الأعمال التي تعرض على صاحبها في الحياة الثانية ثم كتابة الآثار وهي مستندة إلى ما قدم الأهم من ناحية آخري وهو ما لا يستطيع فعله إلا الله وهو إحياء الموتى ولذا جاء به بأسلوب القصر المؤكد ليدل على إنه لا يفعله إلا الله، وأما الكتابة فإنه يمكن أن يفعلها المخلوقون وإن لم تكن بنفس الدرجة من الدقة والإحاطة، ولذا قال تعالى ( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ ) ولم يقل (وإنا نحن نكتب ما قدموا). ثم من ناحية آخري قدم فعل الله على ما يفعله غيره، والإحياء فعل الله وأما الكتابة فهي فعل الملائكة الموكلين بها بأمره كما أخبر ربنا ( وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ) الزخرف 80( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) – ق18. ثم إنه قدم إحياء الموتى لأن السورة مبنية على ذلك وأن جوها يشيع فيه ذكر الحياة بعد الموت، قال تعالى ( وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ) – يس32 وهذا في الحياة الأخرى. وقال ( الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ )(33)، وهذا إحياء بعد الموت. وقال ( وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ )(48) أي الحشر . وقال ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ ) 51-53. ثم ذكر مشهداً من مشاهد الحياة الآخرة في الجنة ومشهداً في النار. وتختم السورة بقوله ( وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ )78-79 فالسورة يشيع فيها ذكر الحياة بعد الموت فناسب تقديمه على الكتابة عن كل وجه. جاء في (التفسير الكبير): "الكتابة قبل الإحياء فكيف أخر في الذكر حيث قال: (نحيى ونكتب) ولم يقل (نكتب ما قدموا ونحييهم)؟ نقول: الكتابة معظمة لأمر الإحياء لأن الإحياء إن لم يكن للحساب لا يعظم، والكتابة في نفسها إن لم تكن إحياء وإعادة لا يبقى لها أثر أصلا، فالإحياء هو المعتبر والكتابة مؤكدة معظمة لأمره، فلهذا قدم الإحياء ولأنه تعالى لما قال (إنا نحيى) وذلك يفيد العظمة والجبروت والإحياء عظيم يختص بالله والكتابة دونه فقرن بالتعريف الأمر العظيم وذكر ما يعظم ذلك العظيم" (3) وقال (نكتب) ولم يقل (نعلم) لغرض الاهتمام بها وتوثيقها وإطلاع صاحبها عليها بصغيرها وكبيرها، فإن الإنسان قد يعلم أشياء ولا يكتبها فإن كانت مهمة دونها. وقال (أحصيناه) ولم يكتف بالكتابة لأن الكتابة وحدها قد لا تكون كافية، فإن كتبت أشياء ولم تحصها فربما ضاعت أو تلفت فإن الإحصاء يحدد عدد المكتوب فلا يضيع منه شيء، ولم يكتف بإحصائها بل جعلها في موضع واحد وهو الإمام المبين وهو اللوح المحفوظ – كما قيل – وسمى إماماً لأن الملائكة تتبعه وتنفذ ما فيه فهو الإمام لها. وقال (نكتب) بالمضارع و(أحصيناه) بالماضي لأن الإحصاء في الإمام المبين سابق على الكتابة، فإن الكتابة تكون لما يفعله المكلفون وهي متأخرة عما كتبه الله في اللوح فقد جف القلم بما هو كائن إلى يوم الدين. جاء في (التفسير الكبير):"وقوله (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ) يحتمل وجوهاً: أحدهما أن يكون ذلك بياناً لكون ما قدموا وآثارهم أمراَ مكتوباً عليهم لا يبدل فإن القلم جف. وثانيها أن يكون ذلك مؤكداً لمعنى قوله (ونكتب) لأن من يكتب شيئا في أوراق ويرميها قد لا يجدها فكأنه لم يكتب فقال نكتب ونحفظ ذلك في إمام مبين، وهذا كقوله ( عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى).. وقوله (أحصيناه) أبلغ من كتبناه لأن من كتب شيئاً مفرقاً يحتاج إلى جمع عدده فقال هو محصى فيه وسمى الكتاب إماماً لأن الملائكة يتبعونه فما كتب فيه من أجل ورزق وإحياء وإماتة اتبعوه وقيل هو اللوح المحفوظ" (4). وقال ( وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ ) ينصب (كل) ولم يقل (وكل شيء) بالرفع ذلك أن المعنى بنصب (كل) أننا أحصينا كل شيء في كتاب مبين . وأما بالرفع فيحتمل معنيين: المعنى الأول وهو ما ذكرناه بالنصيب فيكون (كل)مبتدأ وجملة (أحصيناه)خبراً له. والمعنى الآخر أن تكون جملة (أحصيناه) نعتاً لشيء والخبر (في إمام مبين) فيكون المعنى (إننا كل شيء أحصيناه) (في إمام مبين) أي أن الشيء الذي أحصناه إنما هو في إمام مبين ومعنى ذلك أن الأشياء على قسمين: قسم محصى وهو في إمام مبين، وقسم غير محصى وهو ليس كذلك، وهذا المعنى باطل لا يمكن أن يراد. فجاء بالعبارة ذات الدلالة القطعية التي لا تحتمل دلالة آخري. إن هذه الآيات من سورة يس بينت المقصد من هذه السورة وعليها بنيت فكأنها تلخيص للسورة وبقية السورة تبين لها . وقد ارتبطت آيات السورة بهذه الآيات ارتباطا متينا واضحاً. فقد أجاب القسم بقوله ( إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) أي إنك واحد منهم، وقد طبعت السورة بهذا الطابع وقد بنيت على هذا الأمر فقد ضرب له مثلاً بأصحاب القرية إذ جاءها المرسلون وذكر قصتهم معهم. وقال ( يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) 30 فهذا يدل على كثرة الرسل وإنه واحد منهم. وذكر تصديق المكذبين لرسلهم في الآخرة ( هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ) 52. وقد ذكر في موطن آخر من السورة أن ما عهده الله إلى بنى آدم على لسان رسله هو صراط مستقيم ( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ) 60-61 فأنظر كيف وصف الرسول في أول السورة إنه على صراط مستقيم ويأتي في بحر السورة أن هذا هو عهده إلى بنى آدم. ثم قال ( تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ) وكما بنيت السورة على ما ذكرت من أمر المرسلين وشاع فيها ذلك بنيت أيضاً على العزة والرحمة وشاع ذلك فيها كما سبق أن ذكرنا في تفسير قوله ( تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ). ثم ذكر الغرض من هذا التنزيل وهو الإنذار فقال ( لِتُنْذِرَ قَوْمًا) وقد شاع أيضاً جو الإنذار فيها، وهو التحذير من مغبة التكذيب لرسل الله سبحانه وذلك بما يذكره من العقوبات في الدنيا والآخرة وذلك من نحو قوله تعالى (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ وهذا كله إنذار وتخويف. ونحو قوله ( وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ ) وقوله (مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ) وقوله ( إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ ). وذكر مشهداً من مشاهد جهنم وفيه تحذير أي تحذير. ومن ذلك قوله (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ) وهذا كله تحذير وإنذار لمن كان له قلب. ثم ذكر القوم الذين سينذرهم وموقفهم من هذا الإنذار وإنهم سواء عليهم الإنذار وعدمه فهم لا يؤمنون على أية حال. وبين لنا في السورة فيما ضرب من مثل وذكره أن هذا حال أكثر الأقوام الماضية وأن موقفهم من إنذار الرسل واحد ليتأسى رسول الله صلى الله عليه وسلم وليعلم أن هذا ليس موقف قومه وحدهم فقد ضرب له مثلاً بأصحاب القرية وموقفهم من رسلهم وذكر عاقبتهم ومآلهم ثم بين أن هذا شأن عباد الله على العموم ( يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) 30) ثم ذكر فيما بعد مؤكداً هذا المعنى (وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ) 46 ثم ذكر أن الشيطان أضل خلقاً كثيراً من بنى آدم ( وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ) 62. ثم ذكر في خواتم السورة أن الله خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين. وهذه الآية تؤكد ما بينه وقرره من حال الإنسان وموقفه من الله ورسالاته، ثم ذكر أن جزاء من اتبع الذكر وخشى الرحمن بالغيب مغفرة وأجر كريم، وشاع هذا الأمر في السورة وقرره في أكثر من موطن فذكر عاقبة الذين آمن بالرسل من أصحاب القرية وإنه قيل له ( قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ فذكر المغفرة والإكرام وهما ما ذكره في قوله فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ )،ثم ذكر أصحاب الجنة ونعيمهم 56-58. ثم ختم هذه الآيات بقوله ( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ) وشاع في السورة أمر إحياء الموتى حتى صار طابعاً لها كما سبق أن ذكرنا. فاتضح من هذا أن هذه الآيات هي المعاني التي بنيت عليها السورة وشاع فيها ذكرها والله أعلم. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضي السامرائي الجزء الثاني من ص42 إلى ص49 . 1- الكشاف 2/583 وانظر البحر المحيط 7/325 2- روح المعاني 22/218 3- التفسير الكبير 26/49 4-التفسير الكبير 26/49-50 الوقفة كاملة
٢٤٥ (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ) (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا) يحتمل هذا التعبير معنيين: المعنى الأول أن المقصود اضربْ لأجلهم مثلاً أي بينه لهم واذكره لهم وقصّ عليهم قصة أصحاب القرية ليتعظوا وليعلموا أنك لست بدعا من الرسل وإنما أُرسل قبلك رسل وأنذروا قومهم وأن موقفهم من رسلهم كان التكذيب وإنكار الرسالات وأنهم أذوا رسلهم وعذبوهم فأهلكهم الله لعل قومك يتعظون. والمعنى الآخر أن المقصود مثّل لنفسك حال قومك بأصحاب القرية واجعلهم مثلًا لهم أي شبّه حالهم بحال أصحاب القرية فإن حال قومك شبيه بحال أصحاب القرية وأن مثلّهم كمثلهم كما تقول مخاطبًا شخصًا: أنا أشبّه حالك بحال فلان إذ فعل كذا وكذا. وتقول لشخص: أنا أضرب لزيد مثلًا خالداً فإن كليهما قد خسر في تجارته، أي أجعله شبيهاً به. وعلى كلا هذين المعنيين يرتبط المثل بما قبله أحسن ارتباط. فإنه على المعنى الأول أي أن تضرب لهم المثل وتبينه لهم فإنه يقول له: بيّن لهم شأن أصحاب القرية وموقفهم من رسلهم فإنهم مثلهم في الاعتقاد والتكذيب. وستكون عاقبتهم مثلهم إن أصرّوا على كفرهم وعنادهم لعلهم يتعظون ويرعوون. وعلى المعنى الثاني يكون المقصود أن قومك ليسوا بدعاً من الأقوام فهماك أقوام مثلهم في التعنت والكفر وأنه سواء عليهم الإنذار وعدمه وأنه حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون وأنت لست وحدك تلاقي من العنت والإيذاء والتكذيب ما تلاقي فهؤلاء أصحاب القرية مثل قومك في موقفهم وعنادهم وإيذائهم رسلهم فقد أرسل إليهم ثلاثة رسل فكذبوهم وآذوهم فتصبّر وتأسّ بهم. وفي ذلك تصبي له وتأسية فيكون ضرب المثل له . والمعنيان مرادان مرتبطان بما قبلهما أجل ارتباط وأحسنه. جاء في (التفسير الكبير) في قوله (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا) وفيه وجهان. والترتيب ظاهر على الوجهين. الوجه الأول: هو أن يكون المعنى وأضرب لأجلهم مثلًا. والثاني: أن يكون المعنى وأضرب لأجل نفسك أصحاب القرية لهم مثلًا. أي مثَلهم عند نفسك بأصحاب القرية. وعلى الأول نقول: لما قال الله (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) وقال (لِتُنْذِرَ) قال: قل لهم (ما كنت بدعا من الرسل) بل قبلي بقليل جاء أصحاب القرية مرسلون وأنذروهم بما أنذرتكم وذكروا التوحيد وخوفوا بالقيامة وبشروا بنعيم دار الإقامة. وعلى الثاني نقول: لما قال الله تعالى إن الإنذار لا ينفع من أضله الله وكتب عليه أنه لا يؤمن قال النبي عليه الصلاة والسلام فلا تأس واضرب لنفسك وقومك مثلًا، أي مثّل لهم عند نفسك مثلًا حيث جاءهم ثلاثة رسل ولم يؤمنوا وصبر الرسل على القتل والإيذاء وأنت جئتهم واحدًا وقومك أكثر من قوم الثلاثة فإنهم جاءوا قرية وأنت بعثت إلى العالم"(1). وجاء في (روح المعاني): "فالمعنى على الأول: أجعل أصحاب القرية مثلًا لهؤلاء في الغلو في الكفر والإصرار على التكذيب أي طبق حالهم بحالهم على أن (مثلًا) مفعول ثان لا ضرب و (أصحاب القرية) مفعول الأول أخر عنه ليتصل به ما هو شرحه وبيانه. وعلى الثاني اذكر وبين لهم قصة هي في الغرابة كالمثل. وقوله سبحانه (أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ) بتقدير مضاف أي مثل أصحاب القرية"(2). وقال (إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ) ولم يقل (إذ جاءهم) لأنه أراد أنهم أتوهم في مكانهم لينذروهم. ولو قال (إذ جاءهم) لم يفد أنهم أتوهم إلى مكانهم بل يحتمل أنهم كانوا في مكان ما فأتاهم الرسل إليه. فقد يجتمع أهل قرية في مدينة ما ويأتيهم شخص إلى مكان اجتماعهم فيقال (جاء أهل القرية فلان وكلمهم) ولم يفد ذلك أنه ذهب إلى قريتهم بخلاف قوله (جاءها) فإنه يفيد أنهم ذهبوا إليهم في دارهم ليبلغوهم دعوة ربهم وينذروهم وفي هذا من الاهتمام بأمر التبليغ ما فيه. جاء في (روح المعاني): وقيل (إذ جاءها) دون (إذ جاءهم) إشارة إلى أن المرسلين أتوهم في مقرهم"(3). وقال (جاءها) دون (أتاها) ذلك أن المجيء يكون لما فيه مشقة ولما هو أصعب من الإتيان(4). ويبدو أنه كان في المجيء إلى أهل القرية وتبليغهم مشقة وإيذاء وتهديد فاختار المجيء على الإتيان. ولذا قال تعالى (وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا) - الفرقان () لأنه كان إتياناً سهلاً وذلك أنهم مروا بها وهم في طريقهم. وقال (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا) لأن إتيانها ودخولها كان ميسراً ولم يجدوا من أهلها مساءة أو مشقة فاستعمل (أتيا) دون (جاءا). **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 50 إلى ص 52: 1- التفسير الكبير 26/50. 2- روح المعاني 22/22. 3- روح المعاني 22/220. 4- انظر المفردات في غريب القرآن 6 و102 وأنظر كتاب لمسات بيانية (قصة موسى في سورتي النمل والقصص). الوقفة كاملة
٢٤٦ (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) في هذا الوقت المتأزم والظرف العصيب الذي كثر فيه التهديد والتوعد واشتد فيه الإرهاب جاء من أقصى المدينة رجل يسعى ليعلن إتباعه للرسل وإيمانه بهم ويبين ضلال قومه غير مبال بما سيحدث له. وفي التعبير دلالات مهمة في هذا الخصوص. 1- فقد ذكر أنه جاء من أقصى المدينة أي من أبعد مكان فيها لا يثنيه شيء حاملاً همّ الدعوة. 2- قال (مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ) ولم يقل (من أقصى القرية) وقد سماها قرية بادئ ذي بدء فقال (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ) ذلك للدلالة على أنها واسعة، فالقرية إذا كانت متسعة تسمى مدينة أيضاً. فأفاد أن هذه القرية كبيرة متسعة ولذا أطلق عليها مدينة أنه جاء من مكان بعيد وذلك يدل على اهتمامه الكبير بمعتقده الجديد. 3- قال (يسعى) أي يعدو ويسرع في مشيه وليس متباطئاً يقدم رجلاً ويؤخر أخرى وهو توجيه للدعاة يعدم التواني في أمر الله. 4- لم يسكت عن الحق ولم يجامل أو يهادن بل دعا قومه إلى الإيمان بما جاءت به الرسل وأتباعهم وأعلن عن إيمانه هو. 5- إن مجيئه من أقصى المدينة يدل على وصول البلاغ إلى أبعد مكان فيها مما يدل على جديتهم في التبليغ وتوسعهم فيه، وهو تصديق لقولهم (وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ.) وقال هنا (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) - القصص (20) بتقديم (رَجُلٌ) على (مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ). ذلك أن القصد في آية يس أن يبين أن مجيء الرجل كان من أبعد مواضعها. وأما في القصص فإنه يفيد أن الرجل من أقصى المدينة أي هو من أهل المواضع البعيدة غير أنه لا يلزم أن يكون مجيئه من أقصى المدينة. وهو كما تقول (جاءني من القرية رجال) أي جاءوك من القرية، وتقول (جاءني رجال من القرية) فالرجال هم من أهل القرية لكن لا يقتضي أن مجيئهم إليك كان من القرية بل قد يكونون في المدينة ثم جاءوك. وقد يكون المجيء من القرية. فقولك (جاءني رجال من القرية) يحتمل معنيين بخلاف قولك (جاءني من القرية رجال). وعلى أية حال فإن قوله وجاء رجل من أقصى المدينة) يحتمل ذلك ويحتمل أنه من أهل الأماكن البعيدة وإن لم يكن مجيئه من هناك. وفي تقديم (مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ) في سورة يس فائدة أخرى حتى لو كان مجيئها كليهما من أقصى المدينة. فإن قوله (وجاء من أقصى المدينة) يدل على أن الاهتمام أكبر لأكثر من سبب: 1- ذلك أن مجيء الرجل من أقصى المدينة إنما كان لغرض تبليغ الدعوة في حين أن مجيء الرجل إلى موسى كان لغرض تحذيره. والأمر الأول أهم. 2- ثم إن مجيء الرجل من أقصى القرية إنما كان لإشهار إيمانه أمام الملأ ونصح قومه، في حين أنه كان المجيء إلى موسى ليسرّ إليه كلمة في أذنه، فمجيء رجل يس إنما كان للإعلان والإشهار ومجيء رجل موسى إنما كان للإسرار. وفرق بين الأمرين. 3- إن مجيء رجل يس فيه مجازفة ومخاطرة بحياته، وليس في مجيء رجل موسى شيء من ذلك وإنما هو إسرار لشخص بأمرٍ ما ليحذر. 4- إن المجتمع في القرية كله ضد على الرسل وعقيدتهم مكذب لهم متطير بهم فإعلان الرجل أنه مؤمن بما جاء به الرسل مصدق لهم فيه ما فيه من التحدي لهم، بخلاف مجتمع سيدنا موسى عليه السلام فإنه ليس فيه فكر معارض أو مؤيد وليست هناك دعوة أصلاً. 5- إن نصر رسل الله وأوليائه ودعاته أولى من كل شيء فإن تعزيزهم تعزيز لدعوة الله. وإنما موسى عليه السلام فإنه كان رجلاً من المجتمع ليس صاحب دعوة آنذاك ولم يكلفه الله بعد حمل الرسالة. فتقديم (مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ) دل على أن الموقف أهم وأخطر. ومع ذلك أفادنا أن تحذير شخص من ظالم أمر مهم ينبغي أن يسعى إليه ولو من مكان بعيد. فإن كلا الموقفين مهم غير أن أحدهما أهم من الآخر فقدم ما قدم ليدل على الاهتمام. جاء في (التفسير الكبير) في قوله تعالى (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى) "وفي فائدته وتعلقه بما قبله وجهان: أحدهما – أنه بيان لكونهم أتوا بالبلاغ المبين حيث آمن بهم الرجل الساعي. وعلى هذا فقوله (مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ) فيه بلاغة باهرة. وذلك لأنه لما جاء من (أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ) وهو قد آمن دل على أن إنذارهم وإظهارهم بلغ إلى أقصى المدينة... وفي التفسير مسائل: (المسألة الأولى) قوله (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ) في تنكير الرجل مع أنه كان معروفاً معلوماً عند الله فائدتان: (الأولى) أن يكون تعظيماً لشأنه أي رجل كامل في الرجولية. (الثانية) أن يكون مفيداً لظهور الحق من جانب المرسلين حيث آمن رجل من الرجال لا معرفة لهم به فلا يقال إنهم تواطؤا. (المسألة الثانية) قوله (يَسْعَى) تبصرة للمؤمنين وهداية لهم يكونوا في النصح باذلين جهدهم. وقد ذكرنا فائدة قوله (مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ) وهي تبليغهم الرسالة بحيث انتهى إلى من في أقصى المدينة"(1). وجاء في (روح المعاني) (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ) أي من أبعد مواضعها (رَجُلٌ) أي رجل عند الله تعالى فتنويه للتعظيم. وجوز أن يكون للتنكير لإفادة أن المرسلين لا يعرفونه ليتواطؤا معه.... (يَسْعَى) أي يعدو ويسرع في مشيه حرصاً على نصح قومه، وقبل إنه سمع أن قومه عزموا على قتل الرسل فقصد وجه الله تعالى بالذب عنهم... وجاء (مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ) هنا مقدماً على (رَجُلٌ) عكس ما جاء في القصص وجعله أبو حيان من التفنن في البلاغة. وقال الخفاجي: قدم الجار والمجرور على الفاعل الذي حقه التقديم بياناً لفضله إن هداه الله تعالى مع بعده عنهم وأن بعده لم يمنعه عن ذلك. ولذا عبر بالمدينة هنا بعد التعبير بالقرية إشارة إلى السعة وأن الله تعالى يهدي من يشاء سواء قرب أو بعد. وقيل قدم للاهتمام حيث تضمن الإشارة إلى أن إنذارهم قد بلغ أقصى المدينة فيشعر بأنهم أتوا بالبلاغ المبين. وقيل أنه لو تأخر توهم تعلقه بيسعى فلم يفد أنه من أهل المدينة مسكنه في طرفها وهو المقصود"(2). يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ) قال لهم يا قوم ليعطف قلوبهم. وذكر لهم ثلاثة أكور تدعوهم إلى إتباع هؤلاء الدعاة: 1- كونهم مرسلين من الله وهذا أهم ما يستوجب أتباعهم فكونهم مرسلين من ربهم يدعو إلى أتباعهم لأنهم لا يدعون إلى أنفسهم ولا إلى معتقدات شخصية ولا إلى آراء خاصة ولا إلى أفكار بشرية وإنما يدعونهم إلى ما أراده ربهم وخالقهم. 2- وأنهم لا يسألون أجراً على هذا التبليغ ولا يبتغون مصلحة خاصة كما هو شأن كثير من أصحاب الدعوات الأرضية مما يدل على أنهم مخلصون في دعوتهم لهم. 3- أنهم مهتدون وهذا يقتضي الأتباع وهو بغية كل متبع مخلص. جاء في (الكشاف) "(مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ) كلمة جامعة في الترغيب فيهم أي لا تخسرون معهم شيئاً من دنياكم وتربحون صحة دينكم فينتظم لكم خير الدنيا وخير الآخرة"(3). وقد كرر الأتباع بقوله (يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ) لأكثر من غرض، فالتكرار يفيد التوكيد ويفيد أمراً آخر وهو: أن المرسلين ينبغي أن يتبعوا أصلاً، فإذا ثبت أن شخصاً ما مرسل من ربه كان ذلك داعياً إلى أن يتبع قطعاً وهذه دلالة قوله (اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ). أما أتباع غير المرسلين فيكون لمن فيه صفتان: 1- أن يكون مهتدياً. 2- أن لا يسأل أجراً ولا يطلب منفعة ذاتية. وهذا توجيه لعموم المكلفين، ولو قال (اتبعوا المرسلين. من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون) لكان ذلك خاصاً بأتباع الرسل. ولا يشير إلى أتباع غيرهم من المصلحين والداعين إلى دعوتهم. فتكرار: (اتَّبِعُوا) أفاد الإتباع للرسل في حالة وجودهم. والإتباع الثاني لمن يحمل هاتين الصفتين. جاء في (روح المعاني): "تكرير للتأكيد وللتوسل به إلى وصفهم بما يتضمن نفي المانع عن أتباعهم بعد الإشارة إلى تحقق المقتضى"(4). واختار (مَنْ) على (الذين) لكونها أعلم فإنها تشمل كل داع إلى الله واحداً كان أو أكثر. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 67 إلى ص 71: 1- التفسير الكبير 26/54 2- روح المعاني 22/225 – 226 3- الكشاف 2/582 4- روح المعاني 22/226. الوقفة كاملة
٢٤٧ (بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) (ما) تحتمل أنها مصدرية أي يا ليت قومي يعلمون بمغفرة ربي لي وجعلني من المكرمين. ويحتمل أن تكون اسماً موصولاً أي يا ليت قومي يعلمون بالذي غفر لي به ربي وجعلني من المكرمين، أي ليتهم يعلمون بالسبب الذي غفر لي به ربي وهو إتباع الرسل. وقال (بِمَا) ولم يقل (بالذي) ليشمل المصدرية والموصولة أي بالمغفرة والإكرام وبسبب ذلك فيجمع المعنيين ولو قال (بالذي) لم يدل إلا على معنى واحد. ولم يأت بالمصدر الصريح فيقل (يا ليت قومي يعلمون بمغفرة ربي لي وجعلي من المكرمين) لأنه لو قال ذلك لدل على معنى واحد وهو المصدرية دون المعنى الآخر. جاء في (الكشاف): "(ما) في قوله (بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي) أي الماءات هي؟ قلت: المصدرية أو الموصولة أي بالذي غفره لي من الذنوب"(1). وجاء في (البحر المحيط): "والظاهر أن (ما) في قوله (بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي) مصدرية. جوزوا أن يكون بمعنى (الذي) والعائد محذوف تقديره (بالذي غفره لي ربي من الذنوب) وليس هذا بجيد إذ يؤول إلى تمنى علمهم بالذنوب المغفورة والذي يحسن تمني علمهم بمغفرة ذنوبه وجعله من المكرمين"(2). وجاء في (روح المعاني): "والظاهر أن (ما) مصدرية ويجوز أن تكون موصولة والعائد مقدر أي يا ليت قومي يعلمون بالذي غفر لي به أي بسببه ربي. أو بالذي غفره أي بالغفران الذي غفره لي ربي. والمراد تعظيم مغفرته تعالى له فتؤول إلى المصدرية. وقال الزمخشري: أي بالذي غفره لي ربي من الذنوب. وتعقب بأنه ليس بجيد إذ يؤول إلى تمني علمهم بذنوبه المغفورة ولا يحسن ذلك. وكذا عطف (وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) عليه لا ينتظم"(3). وما ذهب إليه صاحب الكشاف من أن (مَا) تحتمل أن تكون اسماً موصولاً على معنى: بالذي غفره لي من الذنوب يضعفه ثلاثة أمور منها: 1- أن ذلك يؤول إلى تمني علمهم بالذنوب المغفورة ولا يحسن علمهم بما عمل من معاص تستوجب المغفرة كما أشار إلى ذلك صاحب البحر. 2- أن المغفرة معناها الستر، وغفران الذنوب سترها. وتمنيه علمهم بها يعني تمنيه نشرها وفضحها وهو مغاير لمعنى الستر وما أكرمه الله من سترها فإن ستر الذنوب من جلائل النعم. 3- أنها لا تنتظم مع قوله (وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) فإن ذلك يؤول إلى المعنى الآتي: يا ليت قومي يعلمون بالذي غفره لي من الذنوب وجعلني من المكرمين وهو لا يصح لأن (وَجَعَلَنِي) ستكون معطوفة على (غفره لي) أي صلة للذي فيكون المعنى: يا ليت قومي يعلمون بالذنب المغفور وجعلني من المكرمين. فإن قوله (مَا غَفَرَه لِي) يعني: الذي غفره لي ربي من الذنوب. أو بعبارة أخرى الذنب المغفور. فلا يصح جعل (وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) صلة له. فاتضح أن (مَا) إما أن تكون مصدرية أو اسماً موصولاً والباء تفيد السبب فيكون المعنى: يا ليت قومي يعلمون بالسبب الذي غفر له به ربي وجعلني من المكرمين. فيستقيم المعنى على الوجهين. والله أعلم. ولم يذكر العائد فيقل: (بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي) ولو قال ذلك لاقتصر على معنى الموصولية الاسمية دون المصدرية فحذف العائد جمع المعنيين. وقدم الجار والمجرور على الفاعل فقال (بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي) لأن هو المهم وهو مدار الكلام لأنه معلوم أن الله هو يغفر الذنوب فالفاعل معلوم ولكن المهم أن نعلم المغفور له. واختيار لفظ الرب ههنا (غَفَرَ لِي رَبِّي) مناسب لقوله ( إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ). وإضافته إلى نفسه فيها من الرعاية واللطف ما لا يخفى. وقدّم المغفرة على جعله من المكرمين لأن المغفرة هي سبب الإكرام ولأنها تسبقه فالمغفرة أولاً ثم يليها الإكرام. وقوله (وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) دون القول (وجعلني مكرماً) إشارة إلى أن هذا طريق سار عليه قبله المؤمنين والشهداء والصالحون وهو واحد منهم وليس فذاً لم يسبقه إليه أحد. وكون أن معه جماعة مثله أكرمهم ربه فيه زيادة إيناس ونعيم. فإن الوحدة عذاب وإن كانت في جنان الخلد فأكرمه بالجنة والرفقة الطيبة. إن أصحاب القرية ومعتقدهم وموقفهم من رسلهم شبيه بحال قوم الرسول (صلى الله عليه وسلم) وموقفهم منه من عدة نواح. ولذلك صح أن يضربوا مثلاً: 1- فقوله (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَفيهم بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ ) وقوله (وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ) - القمر (3). 2- وقول أصحاب القرية لرسلهم (مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا) شبيه بقول كفار قريش ( هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) – الأنبياء (3) وقولهم (بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ) - ق (2). 3- وقولهم (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ) شبيه بقول كفار قريش (هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ) ص (4) وقوله تعالى فيهم (وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) - القمر (3). 4- وقولهم (ولئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) شبيه بموقف كفار قريش من رسول الله والمؤمنين معه فقد آذوهم وعذبوهم حتى أن بعضهم مات من التعذيب. وقد رجم رسول الله بالحجارة في الطائف. وأخبر عنهم ربنا قائلاً (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ) - الأنفال (30). وقولهم (وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ). شبيه بقولهم (مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ). 6- وقول المؤمن لهم (اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا) شبيه بقوله (صلى الله عليه وسلم)(قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ) - الفرقان (57). 7- وقوله (أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ) يعني أنهم اتخذوا آلهة من دونه الله يعبدونهم. وهذا شبيه بمعتقدات العرب في الجاهلية الذين اتخذوا من دون الله آلهة والذين قال الله فيهم (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ(لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ). 8- لقد بين أن أصحاب القرية لم يؤمنوا إلا واحداً منهم وأنهم استوي عليهم الإنذار وعدمه مثل كفار قريش الذين قال الله فيهم (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) وقال (وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ). وأن الرسل الذين أرسلوا إلى أهل القرية يصح أن يكونوا مثلاً لرسول الله (صلى الله عليه وسلم): 1- فإنهم كُذّبوا كما أن الرسول كذبه قومه. 2- وأنهم بلغوا الرسالة مع تكذيب أصحاب القرية لهم. 3- وأنهم بلغوا الرسالة مع أنهم غرباء عن أهل القرية فقد جاءوها داعين إلى ربهم. 4- أنهم واجهوهم بالتطير منهم وبالتهديد. 5- وأنهم بلغوا رسالة ربهم بلاغاً مبيناً بحيث علم به كل واحد من أهل القرية. 6 ا شبيه بموقف كفار قريش الذين قال الله - وأنه ثبت من آمن منهم حتى استشهد. فكأن أصحاب القرية مثلاً في حالهم هم وفي حال رسلهم الذين بلغوا دعوة ربهم. وحال أهل القرية وموقفهم من رسلهم وسوء عاقبتهم التي لاقوها نتيجة التكذيب تكون مثلاً لقوم الرسول (صلى الله عليه وسلم) ليرتدعوا وليراجعوا أنفسهم. إن قصة أصحاب القرية مرتبطة بالآيات الأول التي ذكرناها من هذه السورة والتي ذكرنا أنها بنيت عليها السورة ومقاصدها. 1- فقد ارتبط قوله (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ) بقوله (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) فذكر أنه واحد من المرسلين وضرب مثلاً بمرسلين قبله. 2- وارتبط قوله (فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ) بقوله (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ.) 3- وارتبط قوله (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) بقوله (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى). 4- وارتبط قوله (إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ)… بقوله (وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ). 5- وارتبط قوله (بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) بقوله (فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ.) فقوله (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ) بشارة له فهو مقابل (فَبَشِّرْهُ) وقوله (بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي) يقابل (بِمَغْفِرَةٍ). وقوله (وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ) يقابل (وَأَجْرٍ كَرِيمٍ.) والله أعلم. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 91 إلى ص 95: 1- الكشاف: 2/585. 2- البحر المحيط 7/330. 3- روح المعاني 22/229 وأنظر أنوار التنزيل 584. الوقفة كاملة
٢٤٨ (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ) أي لم يحتجْ إلى إنزال جند من السماء ليهلكهم(1) فهم أتفه من ذلك. وقوله (وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ) يعني أنه ما كان يصح في حكمتنا وتقديرنا أن ننزل عليهم جنداً من السماء ولا ينبغي ذلك(2) لأنهم أقل شأناً من هذا. وقيل أيضاً أن المعنى "أننا ما كنا ننزل الملائكة على الأمم إذا أهلكناهم بل نبعث عليهم عذاباً يدمرهم"(3). وعلى هذا يكون معنى قوله (وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ) أنه لا ينبغي أن ننزل على هؤلاء جنداً من السماء لإهلاكهم وإنا لم نكن نفعل ذلك فيما مضى. فيكون المعنى نفي الإنزال على وجه العموم بدءاً من الماضي إلى هؤلاء القوم. وأما إنزال الجند لنصرة رسولنا محمد (صلى الله عليه وسلم) في بدر والأحزاب فذلك إنما كان تعظيماً لشأن سيدنا (صلى الله عليه وسلم)، وهو لا يشمله قوله (وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ) فإن ذلك متعلق بالأمم الماضية. جاء في التفسير الكبير: "(وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ) أية فائدة فيه مع أن قوله (وَمَا أَنْزَلْنَا) يستلزم أنه لا يكون من المنزلين؟ نقول: قوله (وَمَا كُنَّا) ما كان ينبغي لنا أن ننزل لأن الأمر كما كان يتم بدون ذلك فما أنزلنا وما كنا محتاجين إلى إنزال. أو نقول (وَمَا أَنْزَلْنَا، وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ) في مثل تلك الواقعة جنداً في غير تلك الواقعة. فإن قيل فكيف أنزل الله جنوداً في يوم بدر وفي غير ذلك حيث قال (وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا) ؟ نقول ذلك تعظيماً لمحمد (صلى الله عليه وسلم) "(4). وذهب قوم إلى أن (مَا) في قوله (وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ) ليست نافية وإنما هي اسم موصول معطوف على (جُنْدٍ) أي ما أنزلنا على قومه من جند من السماء والذي كنا ننزله على الأمم من أنواع العذاب. ورده أبو حيان بأن ذلك يعني عطف المعرفة على النكرة المجرورة بمن الزائدة وهو لا يصح. جاء في (البحر المحيط): "وقالت فرقة (مَا) اسم معطوف على جند. قال ابن عطية أي من جند ومن الذي كنا منزلين على الأمم مثلهم. انتهى. وهو تقدير لا يصح لأن (مِنْ) في (مِنْ جُنْدٍ) زائدة، ومذهب البصريين غير الأخفش أن لزيادتها شرطين: أحدهما أن يكون قبلها نفي أو نّهي أو استفهام. والثاني أن يكون بعدها نكرة. وإن كان كذلك فلا يجوز أن يكون المعطوف على النكرة معرفة. لا يجوز (ما ضربت من رجل ولا زيد) وأنه لا يجوز (ولا من زيد). وهو قدر المعطوف بـ (الذي). وهو معرفة فلا يعطف على النكرة المجرورة بـ (من) الزائدة"(5). ورد أبو حيان فيه نظر فإن العطف في نحو هذا غير جائز غير أنه لا يعطف على اللفظ وإنما يعطف على الموضع. فإنه لا يصح أن نقول (ما جاءني من امرأة ولا محمودٍ) بجر محمود وإنما نقول برفع محمود. ولا يصح أن نقول (ما رأيت من امرأةٍ ولا خالدٍ) بجر خالد وإنما نقول (ما رأيت من امرأة ولا خالداً) بالنصب لأنه لا يمكن توجه العامل إلى المعرفة. جاء في (المغني) في بحث (العطف على اللفظ): "وشرطه إمكان توجه العامل إلى المعطوف فلا يجوز في نحو (ما جاء من امرأة ولا زيد) إلا الرفع عطفاً على الموضع لأن (من) الزائدة لا تعمل في المعارف"(6). ونحو هذا يكون العطف على اسم لا النافية للجنس. فإن اسم (لا) هذه لابد أن يكون نكرة فإن عطفت عليه معرفة تعين رفعه لأن (لا) لا تعمل في المعارف نحو (لا امرأة فيها ولا زيدٌ) بالرفع فإنه لا يصح في (زيد) النصب أو بناؤه على الفتح(7). وعلى هذا فما المانع في الآية أن تكون (مَا) معطوفة على الموضع فتكون (جند) مجرورة و(ما) منصوبة مثل (ما رأيت من امرأة ولا زيدا)؟ والمعنيان صحيحان يحتملهما التعبير ويتسع لهما معاً فيكون ذلك من التوسع في المعنى. وقد أسند الإنزال إلى نفسه فقال (وَمَا أَنْزَلْنَا) ليدل على أنه هو الذي أنزل العقوبة فهو الذي أرسل الرسل وهو الذي عززهم بثالث وقد أسند ذلك إلى نفسه فقال (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ) فناسب أن يسند الإنزال إلى نفسه أيضاً ليدل على أن الجهة المرسلة والمعاقبة واحدة لا يليق أن يكون هو المرسل والمعاقب غيره. جاء في (التفسير الكبير) في قوله (وَمَا أَنْزَلْنَا): "قال ههنا (وَمَا أَنْزَلْنَا) بإسناد الفعل إلى نفسه. وقال في بيان حال المؤمن (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ) بإسناد القول إلى غير مذكور، وذلك لأن العذاب من باب الهيبة فقال بلفظ التعظيم. وأما في (ادْخُلِ الْجَنَّةَ) فقال: (قِيلَ) ليكون هو كالمهنأ بقول الملائكة حيث يقول له كل ملك وكل صالح يراه ادخل الجنة خالداً فيها"(8). وقال (عَلَى قَوْمِهِ) بإضافة القوم إلى ضمير الرجل القتيل ذلك أن هذا الرجل أضافهم إلى نفسه فقال لهم (يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) فهم قومه وقد دعاهم بـ (قومِ) ليتعطفهم ويدعوهم إلى ما يحييهم فقتلوه فقتلهم ربه سبحانه. وقال (مِنْ بَعْدِهِ) ولم يقل (بَعْدِهِ) للدلالة على أنه أنزل العذاب عليهم بعده مباشرة ولم يمهلهم. فإن (مِنْ) تفيد ابتداء الغاية. ولو قال (وما أنزلنا على قومه بعده) لأحتمل الزمن القصير والطويل فجاء بمن ليدل على أنه عاجلهم بالعقوبة من دون إمهال. جاء في (البحر المحيط): "وقوله (مِنْ بَعْدِهِ) يدل على ابتداء الغاية أي لم يرسل إليهم رسولاً ولا عاتبهم بعد قتله بل عاجلهم بالهلاك"(9). وقال (مِنْ جُنْدٍ) فجاء بمن الدالة على الاستغراق ليدل على أنه لم ينزل جنداً قلّوا أو كثروا. فقد استغرق نفي الإنزال كل الجند ولو لم يذكر (مِنْ) لاحتمل نفي إنزال الجنس ونفي الوحدة فقد يحتمل أنه أنزل جندياً أو جنوداً كما يحتمل أنه لم ينزل أصلاً. واختار كلمة (جُنْدٍ) على (مَلَك) لأنه في مقام العقوبة والمحاربة فكان اختيار لفظ جند أنسب. فإن قومه حاربوا الله ورسوله فحاربهم الله سبحانه من غير جند. واختار الجند على الجنود فقال (مِنْ جُنْدٍ) ولم يقل (من جنود) ذلك أن الجنود جمع جند، فإن (الجند) يجمع على أجناد وجنود(10). ونفي الجند يعني نفي الجنود أما نفي الجنود فلا يعني نفي الجند. ذلك أن نفي الواحد مع (مِنْ) الاستغراقية يعني نفي الجنس كله بخلاف نفي الجمع. فإنه إذا قال (ما أنزلنا من جند) فإن هذا ينفي إنزال الجند والجنود. ونحوه إذا قل (ما حضر من رجال) فإنك نفيت الجمع ولكن لم تنف الواحد أو الاثنين فقد يكون حضر رجل أو رجلان. أما إذا قلت (ما حضر من رجل) فقد نفيت الجنس على سبيل الاستغراق سواء كان واحداً أم مثنى أم جمعاً فلم يحضر أحد. فقوله (مِنْ جُنْدٍ) نفى إنزال الجند والجنود ولو قال (من جنود) لم ينف إنزال الجند فكان ما ذكره أعم واشمل. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أن (الجند) اسم جنس جمعي مفرده جندي فالياء للواحد وحذفها يفيد الجنس مثل رومي وروم(11) وزنجي وزنج. أما الجنود فهو جمع تكسير. ومن المعلوم أن اسم الجنس يقع على القليل والكثير فهو يقع على الواحد والاثنين والجمع. فإنك إذا عاملت رومياً واحداً أو روميين جاز لك أن تقول عاملت الروم أما الجمع فلا يصح فيه ذلك وإنما يقع على الجمع فقط(12). فقوله (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ) نفى الواحد والاثنين والجمع لأنه نفى اسم الجنس الجمعي ولو جاء بالجنود لم ينف الواحد والاثنين فكان ما ذكره أولى من كل وجه. واختار (مَا) للنفي على (لم) فلم يقل ولم (ننزل) وذلك لأن (مَا) أقوى في النفس من (لم)(13). وقد أكد النفي أيضاً بذكر (من) الاستغراقية المؤكدة، فأكد النفي باستعمال الحرف (مَا) واستعمال (من) الاستغراقية. وهناك أمر آخر حسّن ذكر (مَا) دون (لم) وهو ذكر (من) الاستغراقية فإن القرآن لم يأت البتة بمن الاستغراقية مع (لم) بخلاف (مَا). وقال (مِنَ السَّمَاءِ) ولم يقل (من السماوات) لأن السماء أعم وأشمل من السماوات فهي تشمل السماوات وتشمل أيضاً الجو والسحاب وما علاك على وجه العموم فهي تشمل السماوات وزيادة(14)، فكان ذلك أشمل وأعم. كما ناسب ذكر (من) الاستغراقية ذكر السماء فإن كليهما للاستغراق والعموم. وقد تقول: وما الحاجة إلى ذكر (السَّمَاءِ) وهو لم ينزل عليهم جنداً أصلاً لا من الأرض ولا من السماء؟ فتقول: أنه ذكر أنه لم ينزل عليهم جنداً من السماء وإنما أهلكهم بصيحة منها. فالسماء هي مبدأ إنزال العذاب لكن ليس بالجند وإنما بالصيحة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه لو لم يذكر السماء لكانت الآية على النحو الآتي: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ). وهذا المعنى لا يصح لأن قوله (وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ) ينفي إنزال الجنود على أية حال سواء كان من السماء أم من غيرها. في حين أن الله سبحانه أنزل جنوداً وأقواماً على آخرين فحاربوهم ودفع بعضهم ببعض وعاقب بعضهم ببعض. وكل إتيان من مكان عال فهو نزول أو إنزال. وكل حرب حصلت بين قومين أو أقوام وانحدر أحدهما من مكان عال فهو نزول. وقد يعذب الله بعض الناس ببعض ويدفع بعضهم ببعض ويبعث بعضهم على بعض كما قال تعالى (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ - الحج (40) وقال (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا) - الإسراء (5). ولا يخلو ذلك من إنزال جند، وكان يأجوج ومأجوج ينزلون من الجبل فيفسدون في الأرض. فلو حذف (مِنَ السَّمَاءِ) لم يستقم المعنى ولم يصح. هذا وأنه لو حذف أي قيد لم يصح المعنى فإن الآية هي: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ) 1- فإنه لو حذف (عَلَى قَوْمِهِ) لم يصح المعنى لأن الله سبحانه أنزل جنوداً من السماء بعده وذلك لنصرة سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم). 2- ولو حذف (مِنْ بَعْدِهِ) لم يصح المعنى لأن القصد هو معاقبة قومه بعد قتله فإن حذف الظرف لم يفهم أن العقوبة بسبب قتله. والمراد بيان ذلك. 3- ولو حذف (مِنْ جُنْدٍ) لم يصح المعنى لأنه لا يعلم المنفي على وجه التحديد. ولكان النفي عاماً وهو لا يصح إذ سيكون التعبير (وما أنزلنا على قومه من بعده من السماء وما كنا منزلين) وهو نفي لإنزال الجنود ولكل أنواع العذاب من السماء بل هو نفي لكل إنزال من السماء سواء كان خيراً أم شراً وهو لا يصح ولا يستقيم وإذا قيدنا المنزل بالعذاب لم يصح أيضاً إذ سيكون المعنى (وما أنزلنا على قومه من بعده عذاباً من السماء وما كنا منزلين) وهو لا يصح لأن الله سبحانه أنزل عليهم وعلى من قبلهم عذاباً من السماء ولكن ليس جنداً كما أخبر ربنا سبحانه. فقد قال في قوم موسى (فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) - البقرة (59). وقال في قوم لوط (إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) - العنكبوت (34). وأرسل على قومه وعلى من قبلهم الصيحة من السماء. والسماء كلمة عامة تشكل كل ما علا سواء كان سحاباً أم غيره. وقد فسر ربنا الرجز النازل على قوم لوط من السماء بأنه الصيحة وإرسال الحجارة، قال تعالى (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) الحجر (73، 74) فلا يصح الحذف. 4- ولو حذف (مِنَ السَّمَاءِ) لم يصح لما ذكرناه. فكان أعدل الكلام كلام ربنا سبحانه. جاء في (التفسير الكبير): "قال (مِنَ السَّمَاءِ) وهو تعالى لم ينزل عليهم ولا أرسل إليهم جنداً من الأرض فما فائدة التقييد؟ نقول الجواب على وجهين: (أحدهما) أن يكون المراد: وما أنزلنا عليهم جنداً بأمر من السماء فيكون للعموم. (وثانيهما) أن العذاب نزل عليهم من السماء فبين أن النازل لم يكن جنداً لهم عظمة وإنما كان ذلك بصيحة أخمدت نارهم وخربت ديارهم"(15). **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 95 إلى ص 101: 1- أنظر التفسير الكبير 26/61، فتح القدير 4/356 2- أنظر الكشاف 2/586، التفسير الكبير 26/62، روح المعاني 23/12، فتح القدير 4/356 3- تفسير ابن كثير 3/569 4- التفسير الكبير 26/62 5- البحر المحيط 7/331 – 332 وأنظر روح المعاني 23/2 6- مغني اللبيب 2/473 7- أنظر شرح الأشموني 2/12 8- التفسير الكبير 26/61 9- البحر المحيط 7/331 10- المصباح المنير (جند) 1/111 11- أنظر المصباح المنير (جند) 1/111 12- أنظر شرح الرضي علي الشافية 2/178 13- أنظر معاني النحو 4/570 14- أنظر التعبير القرآني (42 – 43). 15- التفسير الكبير 26/61. الوقفة كاملة
٢٤٩ (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ) أي ما كانت العقوبة أو الأخذة إلا صيحة واحدة(1) واسم كان ضمير مستتر ونفي بإنْ ولم ينف بـما، ذلك لأن (إن) أقوى من (ما)(2) ولذلك كثيراً ما تقترن بـإلا لإفادة القصر. ويتبين من مواطن اجتماعهما. قال تعالى (مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ)- يوسف (31) فإثبات الملكية ليوسف يحتاج إلى قوة ولذلك نفى بـما أولاً ثم نفى بإنْ وإلا لما هو أقوى. ونحو ذلك ما ذكرناه في قوله (قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ) فنفى أولاً بـما ثم نفى وأثبت بـإنْ وإلا. ونحوه ما مرّ قريباً وهو قوله تعالى (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً9 فنفى بمَا أولاً ثم نفى وأثبت بـإنْ وإلا. وقوله (واحدة) نعت مؤكد وقد أفاد أمرين: بيان بالغ قدرة الله، وبيان هوانهم وضعفهم فإنهم لم يحتاجوا إلى أكثر من صيحة واحدة. وأضمر اسم كان لظهوره ووضوحه فإنه دل عليه القيام وإن لم يجر له ذكر. وجاء بالفاء وإذا الفجائية للدلالة على سرعة هلاكهم. فإن الفاء تفيد الترتيب والتعقيب. وإذا تفيد المفاجأة وجاء بهما معاً للدلالة على سرعة المفاجأة بحيث لم تكن بين الصيحة وخمودهم مهلة. ولا يؤدي أي حرف هذا المؤدى فلو جاء بثم فقال (ثم إذا هم خامدون) لدلّ على أن خمودهم إنما حصل بعد مدة من الصيحة نظير قوله تعالى (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ) - الروم (20). ولو جاء بالواو لم يدل ذلك على التعقيب أيضاً ولم يدل أن ذلك إنما كان بسبب الصيحة فإن الواو لا تفيد السبب بل تفيد الإتباع. فجاء بالفاء للدلالة على معنيين السبب والسرعة ولا يؤدي أي حرف مؤداها. جاء في (التفسير الكبير): "وقوله (وَاحِدَةً) تأكيد لكون الأمر هيناً عند الله. وقوله (فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ) فيه إشارة إلى سرعة الهلاك فإن خمودهم كان مع الصيحة وفي وقتها لم يتأخر"(3). وجاء في (البحر المحيط) في قوله (فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ): "أي فاجأهم الخمود إثر الصيحة لم يتأخر"(4). وجاء في (روح المعاني): "وإن نافية وكان ناقصة واسمها مضمر وصيحة خبرها أي ما كانت هي أي الأخذة أو العقوبة إلا صيحة واحدة... و (إذا) فجائية وفيها إشارة إلى سرعة هلاكهم بحيث كان مع الصيحة وقد شبهوا بالنار على سبيل الاستعارة المكنية"(5). وقال (خَامِدُونَ) إشارة إلى سرعة هلاكهم وانطفاء حياتهم كانطفاء السراج. واختيار هذا الوصف أحسن اختيار. فإنه مأخوذ من خمود النار وهو سكون لهبها وذهاب حسيسها يقال: "خمدت النار تخمد خموداً سكن لهبها ولم يطفأ جمرها. وهمدت هموداً إذا أطفئ جمرها البتة. وأخمد فلان ناره وقوم خامدون لا تسمع لهم حساً. جاء في التنزيل العزيز (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ). قال الزجاج: "فإذا هم ساكتون قد ماتوا وصاروا بمنزلة الرماد الخامد الهامد"(6). وفي (القاموس المحيط): "خمدت النار كنصر وسمع خمداً وخموداً سكن لهبها ولم يطفأ جمرها"(7). وفي (المصباح المنير): "خمدت النار خموداً من باب قعد ماتت فلم يبق منها شيء قيل سكن لهبها وبقي جمرها"(8). وفي (أساس البلاغة): "نار خامدة وقد خمدت خموداً سكن لهبها وذهب حسيسها"(9). يتضح مما مر أن الفعل خمد يحمل المعاني الآتية: 1- يقال خمدت النار أي سكن لهبها ولم يطفأ جمرها. 2- وقيل أيضاً خمدت النار إذا ماتت ولم يبق منها شيء. 3- ويقال خمد القوم إذا سكتوا فلم يسمع لهم حساً. 4- وخمد القوم سكتوا وماتوا وصاروا بمنزلة الرماد الخامد الهامد. 5- أما همود النار فهو انطفاؤها وعدم بقاء أثر منها. جاء في (لسان العرب): "همدت النار تمهد هموداً طفئت طُفوءاً وذهبت البتة فلم يبن لها أثر... الأصمعي: خمدت النار إذا سكن لهبها وهمدت هموداً إذا طفئت البتة"(10). وجاء في (القاموس المحيط): "الهمود الموت وطفوء النار أو ذهاب حرارتها"(11). وجاء في (المصباح المنير): "همدت النار هموداً من باب قعد ذهب حرها ولم يبق منه شيء"(12). واختيار الخمود على الهمود أنسب من عدة نواح منها: 1- أن في ذلك إشارة إلى سرعة سكونهم وانقطاع حركتهم فإن الخمود أسرع من الهمود ذلك أن إطفاء السراج والشعلة إنما يكون في أسرع وقت. جاء في (التفسير الكبير): "والخمود في أسرع زمان فقال (خامدين) بسببها فخمود النار في السرعة كإطفاء سراج أو شعلة"(13). 2- وبيان أن حركتهم وأصواتهم قد خمدت فلا تسمع لهم حساً وذلك بعد التوعد والتهديد والضجيج والصخب الذي ملأ القرية وبعد البطش والتنكيل بالرجل الناصح. بعد كل ذلك إذا هم ساكتون خامدون لا تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزاً. 3- ثم إن اختيار الخمود مناسب لقوله (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً) وذلك أنه إذا كان في موضع ما ضجيج وصياح وصخب فإنه لا يسكته إلا صوت أو صيحة أعلى منه فصاح بهم صيحة أسكتتهم وأخمدتهم. 4- إن في اختيار الخمود على الهمود إشارة إلى البعث بعد الموت فإن الخمود لا يعني الفناء وإنما يعني ذهاب اللهب والحرارة وبقاء الجمر فكأن ذلك إشارة إلى مفارقة الأرواح للأبدان وليس فناءها. جاء في (روح المعاني): "ولعل في العدول عن (هامدون) إلى (خَامِدُونَ) رمزاً خفياً إلى البعث بعد الموت"(14). 5- اختيار الخمود على الهمود فيه صورة فنية أخرى. وهي صورة الجمر الذي يغطيه الرماد وهي شبيهة بحالة الجثة التي يعلوها تراب القبر وفيها إشارة إلى أنهم يخترقون بالنار في داخلها وإن كان لا يظهر ذلك للناظرين. 6- ومن معاني الخمود الموت أيضاً كالهمود. فأعطى الخمود معنى الهمود مع معان أخرى لا يؤديها الهمود كسرعة الهلاك والسكوت بعد الصيحة والرمز الخفي إلى البعث بعد الموت وأن ظاهرهم ساكن بارد وحقيقتهم نار تحرق. فكان اختيار الخمود أولى والله أعلم. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 101 إلى ص104: 1- الكشاف الكبير 26/61 2- أنظر معاني النحو 4/576 3- التفسير الكبير 26/62 4- البحر المحيط 7/332 5- روح المعاني 23/02 6- لسان العرب (خمد) 4/144 7- القاموس المحيط (خمد) 1/292 8- المصباح المنير (خمد) 1/181 9- أساس البلاغة (خمد) 250 الوقفة كاملة
٢٥٠ برنامج لمسات بيانية أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ أي ألم يعلموا كثرة إهلاكنا للأمم الماضية فيتعظوا. و(كَمْ) خبرية تفيد التكثير. والقرون جمع قرن وهو الأمة. وفي الآية مسائل: 1- أنه قال أَلَمْ يَرَوْا. وفي مكان آخر قال أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا. 2- وقال ههنا قَبْلَهُمْ وقال في مكان آخر (من قبلهم). 3- وقال ههنا مِنَ الْقُرُونِ فجمع وقال في مكان آخر (من قرن) فأفرد. 4- وقال ههنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ فقدم الظرف على القرون. وفي مكان آخر قدم القرون على الظرف فقال وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وقال وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ. فما سر هذا الاختلاف؟ فنقول: 1- إن معنى (أَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ) (ألم يتبين لهم). ومعنى (ألم تر) و (ألم يهد لك) متقاربان إلى حد كبير ولكن القرآن خص كل تعبير بموطن. فقد استعمل الرؤية في نحو هذا في موطنين وهما آية يس هذه. والموطن الآخر قوله تعالى في سورة الأنعام أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ - الأنعام (6). واستعمل (أَلَمْ يَهْدِ) في موطنين أيضاً وهما قوله تعالى في سورة السجدة أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ - السجدة (26). وقوله في سورة طه أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى - (128). والملاحظ أنه يستعمل فعل الرؤية في سياق ذكر العقوبات الدنيوية فيقول أَلَمْ يَرَوْا ولعل ذلك لأن عقوبات الدنيا يمكن أن ترى آثارها. أما في سياق الآخرة وأحوالها وعقابها فيستعمل (أَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ) ولعل ذلك والله أعلم أنه من باب الهداية العقلية والتبصر وهو ألصق بالهداية والتبين من الرؤية. وإليك إيضاح ذلك. فإنه بعد أن ذكر عقوبة أهل القرية في يس بقوله إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ قال أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ. وقال في سورة الأنعام فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ - (5). فحذرهم. ثم ذكر الآية أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا.... بعدها وفيها قوله فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ثم يلفت نظرهم إلى ما أوقعه من عقوبات على الأمم المكذبة قبلهم وذلك نحو قوله وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ - (10، 11). فأنت ترى أن الآية ذكرت في سياق العقوبات الدنيوية فذكر (أَلَمْ يَرَوْا). وأما قوله أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ فقد جاء في سياق أحوال الآخرة. قال تعالى أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ أَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ - السجدة (18 – 20). وقال إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَأَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ... . فقال (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ) في سياق ذكر أحوال الآخرة. وكذلك الحال في آية طه فقد قال تعالى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى  أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ.... فقال (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ) في سياق أحوال الآخرة أيضاً ولم يذكر شيئاً من العقوبات الدنيوية. 3- وأما قوله (قَبْلَهُمْ) و (مِنْ قَبْلِهِمْ) فإن (مِنْ) تفيد ابتداء الغاية فتفيد الزمن الذي قبل المعنيّين بالضمير مباشرة فما قبله. وأما (قَبْلَهُمْ) فيفيد الزمن القريب والبعيد كما هو معلوم. فقوله (كم أهلكنا من قبلهم) فيه تهديد وتوعد أكبر من قوله (قَبْلَهُمْ) من دون (مِنْ) وذلك لأن إهلاك القريب أدعى إلى الموعظة والعبرة من إهلاك البعيد، وهو أشد تأثيراً في النفوس. فكلما كان الهالك أقرب زمناً إلى الشخص كان أدعى إلى الموعظة من ذوي الأزمان السحيقة. ولذلك هو يستعمل (مِنْ قَبْلَهُمْ) في مواطن التهديد والتوعد الشديد. وإليك بيان ذلك: قال تعالى في سورة يس أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ. وقال في السجدة أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَأَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ - (26، 27). ولو نظرنا في سياق الآيتين لأتضح لنا أن التهديد في السجدة أكبر وأشد ما في يس وذلك من جملة نواح، منها: 1- أنه قال في السجدة (يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ) أي يمرون ويمشون فيها ويبصرونها وذلك أدل على التوعد وأدعى للموعظة والعبرة. فإن دخول مساكن المهلكين والمشي فيها يبعث أثاراً عميقة في النفس. والتهديد بأن مصيرهم كمصير أولئك أوضح. 2- قال في السجدة  إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ ولم يقل مثل ذلك في يس. 3- أنه عقب بعد ذلك بقوله أَفَلَا يَسْمَعُونَ تقريعاً لهم، أي لا يسمعون حديثهم وأخبارهم؟ 4- ثم قال بعدها أَفَلَا يُبْصِرُونَ زيادة في التقريع. 5- وقد تهددهم وتوعدهم قبل هذه الآية بأن يذيقهم العذاب في الدنيا قبل عذاب الآخرة بقوله  وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ - (21) ولم يقل مثل ذلك في يس. 6- ذكر من آثار رحمة الله ونعمه عليهم في سورة يس من إخراج الحبوب وإنشاء الجنات وتفجير العيون ما لم يذكره في سورة السجدة فإنه لم يذكر في السجدة إلا إخراج الزرع الذي يأكل منه الأنعام والناس. فكان المقام والسياق في السجدة يدل على التهديد والتوعد أشد مما هو في سورة يس فجاء بـــ (قَبْلَهُم) في يس و (مِنْ قَبْلِهِمْ) في السجدة. ونحو ذلك قوله تعالى في سورة (ص): كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ - (3). وقوله في سورة (ق): وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ - (36). فقال في (ص): مِن قَبْلِهِم، وقال في (ق) قَبْلَهُمْ. ومن النظر في السياق الذي وردت فيه كل من الآيتين يتضح أن التوعد والتهديد في (ص) أشد مما في (ق)، فإنه في (ق) لم يزد على أن قال بهد هذه الآية إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ - (37) ثم انتقل إلى أمر آخر ثم إلى الحشر في الآخرة. وأما في (ص) فإن السياق يختلف فقد ذكر من موجبات توعدهم ما لم يذكره في (ق). فقد قال بعد هذه الآية: وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌأَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ  وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَاد مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌأَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ. من (4 – 8). 1- فقد ذكر أنهم قالوا: هذا ساحر كذاب. 2- وتعاهد الملأ على نصرة الآلهة وتواصلوا بذلك. 3- وقالوا إن ما أتى به الرسول إنما هو اختلاق وكذب. 4- وعجبوا كيف ينزل عليه الذكر من بينهم. في حين لم يزد في (ق) على أنه قال  بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) واستبعدوا البعث بقولهم أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3). وليس في مثل تلك الخصومة والمواجهة. وعلاوة على ذلك فقد توعهدهم بالعذاب بقوله بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ أي لم يذوقوه بعد وسيذوقونه. ثم تهددهم مرة أخرى بقوله وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ - (15). فالفرق بين المقامين واضح. فإن موقف الكفار من الرسول في (ص) أشد وكان تهديده لهم اشد فقال في (ص) (مِن قَبْلِهِم) وقال في (ق) (قَبْلَهُمْ). فاتضح الفرق بين قوله كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ و مِن قَبْلِهِم. وهناك أمر آخر حسّن قوله (قَبْلَهُمْ) في سورة يس إضافة إلى ما ذكرناه وهو أنه قال في ختام الآية أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ وذلك ليدل على أن الأمم لا ترجع إلى الدنيا وإن تطاول عهدها بالفناء وابتعد زمانها وأن الأمم الهالكة جميعها لا تعود إلى الدنيا وليس ذلك مختصاً بما زمنه قريب منهم فإنه لم ترجع أمة أبيدت وأهلكت منذ أول الدنيا إلى الآن ولن ترجع إليها في المستقبل وإنما سيجمعها ربها ويرجعها إليه. وهذا أدعى إلى حذف (من) ليشمل جميع الأمم ابتداء من أول الدنيا. 3- وأما تقديم الظرف (قَبْلَهُمْ) على (الْقُرُونِ) أو تأخيره عنها بحسب القصد فإنه إذا أراد تهديد المشركين قدم (قَبْلَهُمْ) فيقول مثلاً أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ. وإن لم يرد ذلك قدم القرون على الظرف فيقول مثلاً وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ - الإسراء (17) أووَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا - يونس (13). فتقديم ما يتعلق بهم وهو الزمن المضاف إليهم يعني تهديدهم بخلاف تأخيره فإنه لا يفيد ذاك. وكل ما ورد بقصد التهديد تقدم فيه الظرف على القرون نحو قوله أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ وقوله وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا وذلك في ثمانية مواطن من القرآن الكريم. وقدم القرون على الظرف (قَبْلِهِم) في موطنين وهما: قوله تعالى وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ - الإسراء (17). وقوله وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا - يونس (13). أما قوله تعالى وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ فليس الموطن موطن تهديد لقوم الرسول وإنما الكلام على من بعد نوح من القرون. قال تعالى مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًاوَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًاكُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا - (15 – 20). فليس المقام مقام تهديد لقوم الرسول خاصة. وأما قوله وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا فهو ليس تهديداً لهم أيضاً كما أنه ليس السياق أو المقام في ذلك. قال تعالى: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ - (13، 14). ويدل على أن المقام ليس مقام تهديد بالإهلاك قوله تعالى ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فالمقام في جعلهم خلائف من بعدهم لا في إهلاكهم. فاتضح الفرق. 4- وأما إفراد القرون وجمعها بعد (كَم) فإن ذلك إنما يكون لغرض فإنه يفرد إذا كان يريد ذكر صفة القرن المهلك أو حالة من حالاته أو لأي سبب آخر يقتضيه السياق. ويجمع إذا لم يرد ذلك وإنما يريد ذكر المجموع على العموم، أو يريد أن يبين أن هذه القرون المهلكة سيحييها ربها ويجمعها أو لأي سبب آخر يقتضيه السياق. وإليك إيضاح ذلك: قال تعالى أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ - الأنعام (6). فهو ذكر صفة القرن الذي أهلكه بقوله: 1- مكنّاهم في الأرض ما لم نكن لكم. 2- أرسلنا السماء عليهم مدراراً. 3- وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم. ثم ذكر بعد ذلك أنه أنشأ بعده قرناً آخرين. فأهلك قرناً وأنشأ بعده قرناً آخر. فناسب ذلك الإفراد. وقال: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا - مريم (74). فوصف القرن المهلك بأنه أحسن أثاثاً وأحسن منظراً. وقال في (ق) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ  - ق (36). فذكر صفة القرن بأنهم بطشاً من الكفرة في زمن الرسول وأنهم تقلبوا في البلاد. وقال في (ص): كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ - ص (3). أي فجأروا وصاحوا وصرخوا واستغاثوا. فذكر حالتهم هذه عند الإهلاك. وقد تقول: ربما كان هذا شأن المهلكين جميعاً. فنقول: ليسوا كلهم كذلك بدليل قوله تعالى في سورة يس في أصحاب القرية إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ. وقال في آخر سورة مريم وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا  والسياق يقتضي الإفراد ذلك أنه قال قبل هذه الآية وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًاإِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا - مريم (93 – 95). فأنت ترى أن السياق في الإفراد فقد ذكر أنه سبحانه أحصى كل من في السماوات والأرض واحداً واحداً وعّدهم عدّا وأن كل واحد منهم سيأتيه يوم القيامة فرداً. فناسب ذلك الإفراد. فأفرد القرن لذلك والله أعلم. في حين قال: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ. – يس (31). وقال: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ - السجدة (26). وقال: أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى - طه (128). وقال:وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا - الإسراء (17). فذكر القرون على العموم من دون تخصيص قرن منها أو مجموعة منها بأمر معين. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أنه قد يذكر القرون مجموعة في مقام ذكر الآخرة لأنه سيحييها ويجمعها فقال في سورة يس أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ. فذكر أنه سيجمعها كلها ويحضرها لديه سبحانه. وقال في سورة السجدة: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ - السجدة (25، 26). فذكر سبحانه أنه يفصل بينهم يوم القيامة. وقال في سورة طه وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىأَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى - (124 – 128). فأنت ترى أنه ذكر في القرون مجموعة في هذه الآيات في سياق ذكر الآخرة. أو يكون السياق يقتضي الجمع لأمر آخر وذلك نحو قوله تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا فأنت ترى أنه ذكر القرون من دون وصف لها وقد أراد بيان كثرة القرون المهلكة المتطاولة من بعد نوج. ثم إن السياق لم يخل من إشارة إلى الآخرة. فقد جاء بعد هذه الآية. مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا  وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا - الإسراء (18 – 20). وقد تقول: إن صيغتي الجمع والإفراد كافيتان في التفريق بينهما ولا حاجة إلى هذه الإطالة. فنقول لولا ورودهما بعد (كم) الخبرية لم نكلف أنفسنا بتسويد سطر واحد ولكن المفرد بعد (كم) الخبرية لا يدل على الواحد وإنما يدل على الكثرة، فتقول (كم رجل أكرمت) لا يدل على أنك أكرمت رجلاً واحداً وإنما يدل على إكرام الكثير، فكان المفرد ههنا دالاً على الجمع فاقتضى التفريق بينهما. والله أعلم. أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ والمعنى ألم يروا أنهم لا يرجعون إليهم؟ وقدم الجار والمجرور (إِلَيْهِمْ) لإرادة الاختصاص أي لا يرجعون إليهم بل إلينا. وفيه إمداح إلى الحشر والحياة بعد الموت. وأكد ذلك بالآية وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ. فقد أثبت الحشر ضمناً بتقديم الجار والمجرور وصرح بذلك في الآية بعدها. ونفى بـــ (لَا) دون (لم) للدلالة على أن الرجوع إلى الدنيا مرة ثانية لا يكون أصلاً لا في زمن المخاطبين ولا في المستقبل. ولو نفاه بـــ (لم) لكان نفى الرجوع في الماضي دون المستقبل. وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ لما بيّن أن المهلكين لا رجعة لهم إلى الدنيا ذكر أنهم كلهم راجعون إليه محضرون لديه. وفي الآية تنبيه على أن من أهلكه الله في الدنيا وعاقبه لا يتركه سدى بل سيرجعه إليه ويحاسبه ويعاقبه. جاء في (التفسير الكبير): "لما بين الإهلاك بين أنه ليس من أهلكه الله تركه. بل بعده جمع وحساب وحبس وعقاب"(1). و (وَإِنْ) نافية و (لَمَّا) بمعنى (إلا). و (كُلٌّ) مبتدأ وخبره (جميع). وليست (جميع) ههنا بمعنى (كل) وإنما معنى (جميع) ههنا (مجموعون) فهي فعيل بمعنى اسم المفعول. والمعنى أن كلهم مجموعون محضورون. و (جميع) قد تكون بمعنى مجموعين وبمعنى مجتمعين تقول: قوم جميع أي مجتمعون(2). وتقول: (الطلاب جميع) أي الطلاب مجتمعون. و (نحن جميع) أي مجتمعون فهذا كلام تام. جاء في (الكشاف): "فإن قلت: كيف أخبر عن (كل) بجميع ومعناها واحد؟ قلت: ليس بواحد لأن كلا يفيد معنى الإحاطة وأن لا ينفلت منهم أحد. والجميع معناه الاجتماع وأن المحشر يجمعهم. والجميع فعيل بمعنى مفعول يقال: حي جميع وجاءوا جميعاً(3). والمقصود بـــ (مُحْضَرُونَ) أنهم محضرون للحساب، و (لَدَيْنَا) ظرف قدم على متعلقة (مُحْضَرُونَ) لإفادة الحصر بمعنى أن الإحضار لديه وليس لدى غيره. وهو نظير تقديم الجار والمجرور في قوله  أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ. و مُحْضَرُونَ إما خبر ثان أو نعت لـ (جَمِيعٌ) على المعنى ويصح إفراده حملاً على اللفظ فيقال (وإنْ كل لما جميع لدينا محضر) كما قال تعالى أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ - القمر (44). وقد تقول: ولم حمل على المعنى في يس وحمل على اللفظ في القمر؟ فنقول: لما ذكر القرون المهلكة الكثيرة في يس ناسب أن يجمع فيقول أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُحْضَرُونَ. أما في سورة القمر فإنهم فريق واحد أو جمع واحد وليس جموعاً كما قال تعالى بعدها سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ فناسب ذلك الإفراد. ثم إن الانتصار إنما هو وصف للفريق كله أو للجمع كله وليس لكل فرد. فيقول الفريق المنتصر أو الجيش المنتصر (نحن انتصرنا) أو (جيشنا انتصر). ولا يقول الجندي: أنا انتصرت. فالنصر وصف للمجموع لا لكل فرد على حدة فوحد الوصف لأنه وصف للفريق أو للجمع لا لأفراده واحداً واحداً. بخلاف الإحضار للحساب أمام الله فإن كل فرد سيحضر أمام ربه ويمثل للحساب كما قال تعالى وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا فناسب الجمع في يس من جهة أخرى. وقد تقول: ولم قال إذن في سورة الشعراء وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ - الشعراء (56) فجمع ولم يفرد؟ والجواب أن ذلك لأكثر من سبب ويدلل عليه السياق قال تعالى فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ - (53 – 46). فإن فرعون أرسل في المدائن المتعددة أناساً يحشرون الناس ويجمعونهم يبلغونهم قرار فرعون المذكور فهم جموع متعددة لا جمع واحد فناسب الجمع من جهة. ومن جهة أخرى لم يقل (وإما لجميع حاذر) لأنه لم يرد أن يجعل الحذر وصف الفريق على العموم بل أراد أن يجعله وصفاً لكل لفرد فكل فرد بعينه ينبغي أن يكون حاذراً فهو ليس مثل (نحن جميع منتصر) الذي هو وصف الجمع لا وصف الأفراد. فإن هذا وصف كل فرد في المجموع. فناسب الجمع ههنا. فأتضح أن كل تعبير هو أنسب في مكانه. والله أعلم. الوقفة كاملة


إظهار النتائج من 241 إلى 250 من إجمالي 396 نتيجة.