| ٢٣٨١ |
قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾[الأحقاف: 31].
قوله : ﴿مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ ليست فيه ﴿مِنْ﴾بمعنى (بعض)؛ لأن الحديث عن جزاء الإيمان بالله وترك الكفر، والانتقال من الكفر إلى الإيمان يمحو الذنوب التي وقع فيها صاحبها قبل إيمانه كلها، ويدل على ذلك ماعطف الله عليه بعده، حيث قال: ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾والإجارة من عذاب الله لا تكون إلى بعد غفران الذنوب كلها، فدل هذا كله على أن التبعيض غير مقصود بالآية.
إذاً فلماذا عدى الفعل ﴿يَغْفِرْ﴾ بحرف الجر ﴿مِنْ﴾, مع إمكان أن يعديه بنفسه؟ ، وقد ورد كذلك في آيات أخرى, كقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31] .
الجواب: أن الفعل ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ضمن معنى: (ينقذكم, ويخرجكم منها), قال أبو القاسم السهيلي - رحمه الله - : "ولكن لا يكون ذلك في القرآن إلا حيث يذكر الفاعل الذي هو المذنب, نحو قوله: ﴿لَكُمْ﴾؛ لأنه المنقذ المخرج من الذنوب, ولو قلت: (يغفر من ذنوبكم) – دون أن تذكر الاسم المجرور – لم يحسن إلا على معنى التبعيض؛ لأن الفعل الذي كان في ضمن الكلام, وهو الإنقاذ, قد ذهب بذهاب الاسم الذي هو واقع عليه".
وفي قوله تعالى: ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ﴿أَلِيمٍ ﴾: أبلغ من (مؤلم)؛ لأن (مؤلما) يجوز أن يكون قد آلم, ثم زال الألم, أما (أليم) فيدل على ملازمة الألم وعدم انقاطعه. والله أعلم.
الوقفة كاملة
|
| ٢٣٨٢ |
قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآَتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌحَكِيمٌ﴾[الممتحنة:10].
حيث كرر التحريم بين الكافر والمؤمنة, فقال أولاً: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ ﴾, ثم أردف به قوله: ﴿وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ﴾, مع أن الظاهر يدل على أن الأولى مغنية عن الأخرى, فإذا كانت المرأة المؤمنة المهاجرة محرمة على زوجها, فهو محرم عليها , فما الداعي إلى التكرار؟
إن للتكرار هنا فائدتين – كما قال الزركشي – رحمه الله- :
" إحداهما: أن التحريم قد يكون في الطرفين, ولكن يكون المانع من أحداهما, كما لو ارتدت الزوجة قبل الدخول بها, يحرم النكاح من الطرفين, والمانع من جهتهما, فذكر الله سبحانه الثانية؛ ليدل على أن التحريم كما هو ثابت في الطرفين كذلك المانع منهما.
والثانية: أن الأولى دلت على ثبوت التحريم في الماضي, ولهذا أتى فيها بالاسم الدال على الثبوت, والثانية في المستقبل, ولهذا أتى فيها بالفعل المستقبل ". انتهى كلام الزركشي رحمه الله.
وههنا نظرة أخرى في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ ﴾, فعبر بـ﴿إِذَا ﴾, ولم يعبر بـ(إن) ؛ لأن (إن) تستعمل في الأشياء المحتملة غير المؤكدة, ومجيء المؤمنات مهاجرات من الأشياء المحققة, فقد هاجرت سبيعة بنت الحارث الأسلمية رضي الله عنها, وتركت زوجها في مكة, ولأجل ذلك عبر بـ﴿إِذَا ﴾ التي تدل على تحقق وقوع ما بعدها.
أما استعمال (إن) بعد ذلك في قوله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ﴾ فلأن العلم اليقيني بصدق الإيمان لايمكن أن يتحقق من لقاء قصير يعقد عاجلاً لمحاولة معرفة ما لدى المرأة المهاجرة من أسباب لهجرتها, وهذا من رحمة الله تعالى بالمؤمنات وبالمؤمنين؛ لأنه لو قال: (فإذا علمتوهن مؤمنات) لوجب على الممتحنين التثبت واالتيقن من صدق إيمان المرأة , وهذا ما لا سبيل إليه, وفيه مشقة على المهاجرة حيث تحتاج إلى وقت طويل, وهي معلقة, حتى يظهر صدق إيمانها, لكن هذه الآية دلت على أن عماد الحكم يكون على الظواهر, والله أعلم بالبواطن.
وأخيراً أقول : إن قوله تعالى: ﴿جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ ﴾ استشهد به أبو علي الفارسي على جواز تذكير الفعل وتأنيثه إذا كان الفاعل مما جمع بألف وتاء, حيث قال: ﴿جَاءَكُمُ ﴾, ولم يقل: (جاءتكم), ولكن رد عليه بأنه يجوز الوجهان هنا؛ لوجود فاصل بين الفعل: (جاء) والفاعل: (المؤمنات), وهو المفعول به, وهو الضمير (كم). والله أعلم.
الوقفة كاملة
|
| ٢٣٨٣ |
قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾[الصف: 12].
لو أن سائلا سأل، فقال: لم حذفت (منْ) في هذه الآية: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾، ولم تكن كآية سورة (الأحقاف):﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾[الأحقاف: 31] لقلت: قد بينت أن آية (الأحقاف) تخص الكافرين، وقد دلت على الإنقاذ من الكفر وذنوبه؛ لأن الإسلام يجُب كل ما قبله، فهي خروج كامل من الذنوب.
أما آية الصف فهي إخبار عن المؤمنين الذين قد سبق لهم الإنقاذ من ذنوب الكفر بإيمانهم، ثم وعدوا على الجهاد بغفران ما اكتسبوا في الإسلام من الذنوب، وهي غير محيط بهم كإحاطة الكفر المهلك بالكافر، فلم يتضمن الغران معنى الاستنقاذ؛ إذ ليس ثم إحاطة من الذنب بالمذنب، وإنما تضمن معنى الإذهاب والإبطال للذنوب؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات، كذا قال السهيلي –رحمه الله – في كتابه (نتائج الفكر).
أما قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾[البقرة: 271]. فإن﴿مِنْ ﴾ فيها للتبعيض؛ لأن الصدقة لا تذهب جميع الذنوب، بل بعضها.
الوقفة كاملة
|
| ٢٣٨٤ |
قوله تعالى:﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِين﴾[الجمعة: 11].
جاء التعبير بـ﴿ إِذَا ﴾ الشرطية الدالة على تحقق الوقوع؛ لأن الشرط وجزاءه قد وقعا قبل نزول الآية, حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلميخطب بأصحابه خطبتي الجمعة بعد صلاتها, إذ جاءت تجارة من الشام, فأنصرف كثير من الصحابة – رضوان الله عليهم- نحوها, وتركوا الرسول صلى الله عليه وسلم مع قليل من أصحابه. فنزلت الآية, فهي إخبار عما سبق.
وههنا وقفة يسيرة مع قوله: ﴿انْفَضُّوا إِلَيْهَا ﴾, فالأصل في الضمير أن يعود على أقرب مذكور, وهنا الضمير الذي جر بـ(إلى) كان الأصل فيه أن يعود على اللهو, فيقال(انفضوا إليه)؛ لأنه الأقرب, ولكنه عاد مؤنثاً إلى التجارة, وإن كانت أبعد, فقال: ﴿انْفَضُّوا إِلَيْهَا ﴾.
وللعلماء في تعليل ذلك أقوال, منها: أن التجارة أجذب للقلوب, وأشغل لها عن طاعة الله من اللهو, وأن المشتغلين بالتجارة أكثر عدداً من المشتغلين باللهو, أو لأنها أكثر نفعاً من اللهو, فهي أصل, وهو تبع لها, وكذلك إذا وقع النهي عن الانشغال بالتجارة – وهي مباحة- عن ذكر الله فالتحذير من الانشغال باللهو – وهو غير مباح – يكون من باب (الأولى), وليس العكس كذلك, ثم إن التجارة كانت سبباً في انفضاض الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو يخطب يوم الجمعة, وبسببهم نزلت الآية, فناسب تقديم ما كان سبباً على ما جاء تبعاً, وهو ضرب الطبول, أو اللهو.
والذي أراه أن الضمير يمكن أن يرجع إلى التجارة واللهو معاً, لكن لم يعد مذكراً لتدخل التجارة أيضاً, ولو عاد مذكراً لاقتصر على اللهو, ولم يغلب المذكر على المؤنث – كما هي عادة العرب-؛ لأن اللهو غير عاقل. والله أعلم.
وتحسن الإشارة هنا إلى أن لتكرار حرف الجر﴿مِنَ ﴾ في قوله: ﴿مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ﴾فائدة, هي قطع إمكان الظن بأن ما عند الله خير من التجارة واللهو مجتمعين فقط, فبتكرار حرف الجر دلت الآية على أن ما عند الله من الرزق والثواب خير من اللهو, وخير من التجارة, منفردين, أو مجتمعين. والله أعلم.
الوقفة كاملة
|
| ٢٣٨٥ |
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾[التغابن: 14].
حيث قدم الأزواج على الأولاد؛ لأنه قد حكم عليهم بعداوتهم لهم, ووقوع ذلك من الأزواج أكثر منه في الأولاد, ولذلك قدمهم. والله أعلم.
وقوله: ﴿عَدُوًّا ﴾ بمعنى (أعداء)؛ لأن ﴿عَدُوًّا ﴾على وزن (فعول) الذي يستوي فيه المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث, قال تعالى: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴿75﴾ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ﴿76﴾ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴿77﴾ ﴾[الشعراء: 77:75 ], ولذلك قال بعده: ﴿فَاحْذَرُوهُمْ ﴾, فأعاد عليه ضمير الجمع.
ثم تأملوا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾, فترتيب العفو والصفح والغفران جاء في غاية الإبداع والروعة, فبدأ بالعفو, وهو ترك العقوبة, ثم ثنى بالصفح, وهو ترك التثريب واللوم والتعبير بالذنب, وختم بالغفران, وهو إخفاء الذنب وستره.
فتبارك من تكلم بهذا البيان حقاً, وبلغه رسوله صلى الله عليه وسلم وحياً.
الوقفة كاملة
|
| ٢٣٨٦ |
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾[التغابن: 15].
قدم الأموال في هذه الآية؛ لأن الأموال لا تكاد تفارقها الفتنة, أما الأولاد فليست في استلزام الفتنة مثل الأموال, ولذلك أخر ذكرهم. والله أعلم.
الوقفة كاملة
|
| ٢٣٨٧ |
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ﴾[الملك: 19].
في هذه الآية الكريمة قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ ﴾, و(رأى): الأصل في معناهاإذا كانت بصرية الرؤية دون قصد مسبق, أما (نظر) فالأصل في معناها: الرؤية المقصودة, فتقول: نظرت إلى القمر, ورأيته, فالأول جاء بعد قصد النظر إليه, والثاني جاء دون قصد.
قال الراغب الأصفهاني في (المفردات): " إذا عدى (رأيت) بـ ﴿إِلَى ﴾ اقتضى معنى النظر المؤدي إلى الاعتبار", فضمنت ﴿لَمْ يَرَوْا﴾ معنى (لم ينظروا), والدليل تعدي الفعل بـ ﴿إِلَى ﴾؛ لأن المقصود – والله أعلم- رؤية الطير حالة كون الرائين قاصدين أو غير قاصدين, وكأنه يقول: انظروا إليها معتبرين.
وفي هذه الآية تنبيهات أود الإشارة إليها بإيجاز:
التنبيه الأول:قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ هذا القول مكون من: همزة الاستفهام, وواو العطف, والفعل المجزوم بـ ﴿لَمْ ﴾, والمعطوف عليه مقدر, والتقدير: أغفلوا؟ , ولم يروا؟ , وحذف المعطوف عليه يكثر في مثل هذا الأسلوب.
التنبيه الثاني:فائدة قوله: ﴿فَوْقَهُمْ ﴾ طلب النظر والاعتبار فيها في حالة طيرانها؛ لأنها إذا لم تكن في حال الطيران فلا بسط فيها, ولا قبض, وأمكن اصطيادها بسهولة, أما إضافة كلمة (فوق) إلى الضمير (هم), حيث قال: ﴿فَوْقَهُمْ ﴾؛ ليدل على قربها منهم, وأنه لا يطلب منهم الاعتبار بشئ بعيد عنهم, وعسير عليهم بلوغه.
التنبيه الثالث:التعبير عن بسط الأجنحة بالاسم: ﴿صَافَّاتٍ ﴾, وعطف القبض عليه بالفعل﴿يَقْبِضْنَ﴾؛ لأن الطيران أكثره بسط للأجنحة, وقبضها قليل, لا يلجأ إليه الطائر إلا عندما يهم بالهبوط, فكأن الأصل في الطيران البسط, فعبر عنه بالاسم؛ لأن الاسم يدل على الثبوت والدوام, وبما أن القبض فرع عليه يتجدد عند الحاجة عبر عنه بالفعل الذي يدل على التجدد والحدوث.
التنبيه الرابع:مجيء اسم ﴿الرَّحْمَنُ ﴾ في الآية دون سائر أسماء الله الحسنى في قوله: ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ ﴾ إشارة إلى رحمة الله تعالى بهذه الطيور حيث خلقها على هيئة تمكنها من السلامة من الأذى بالطيران والبعد عن مواطن الخطر. والله أعلم.
الوقفة كاملة
|
| ٢٣٨٨ |
قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ ﴿41﴾ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴿42﴾ ﴾[الحاقة: 41, 42].
تأمل كيف ختم الله تعالى الآية الأولى بقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ ﴾, وختم الآية الأخرى بقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾, ووجه ذلك: "أن مخالفة القرآن لنظم الشعر ظاهرة وواضحة لا تخفي على أحد, فقول من قال : شعر, عناد وكفر محض, فناسب ختمه بقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ ﴾.
وأما مخالفته لنظم الكهان وألفاظ السجع فتحتاج إلى تدبر وتذكر؛ لأن كلا منهما نثر, فليست مخالفته لهما في وضوحها لكل أحد كمخالفة الشعر, وإنما تظهر بتدبر ما في القرآن من الفصاحة والبلاغة والبدائع والمعاني الأنيقة, فحسن ختمه بقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾.
الوقفة كاملة
|
| ٢٣٨٩ |
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا ﴿14﴾ ﴾[المزمل: 14].
كرر لفظ ﴿الْجِبَالُ ﴾؛ لأنه في مقام التهديد والوعيد, ثم إنه لو أضمر, فقال: (وكانت كثيباً), لكان محتملاً أن يعود الضمير على الأرض, فتكون هي التي أصبحت كثيباً مهيلاً, وهذا غير مراد, فمنعاً لهذا الاحتمال أظهر في موضع الإضمار. والله أعلم.
الوقفة كاملة
|
| ٢٣٩٠ |
قوله تعالى:﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا ﴾[الإنسان: 28]
سبق القول مرارا: إن (إذا) تستعمل في ما كان متحقق الوقوع، و(إن) تستعمل في ماكان محتمل الوقوع، أو بعيده، لكن اشكل على العلماء استعمال (إذا) في هذه الآية مع مشيئة التبديل، والتبديل غير واقع.
وأجيب بأن التبديل هنا يحتمل وجهين:
"أحدهما: إعادتهم في الآخرة؛ لأنهم أنكروا البعث.
والثاني: إهلاكهم في الدنيا وتبديل أمثالهم، فيكون كقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآَخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا ﴾[النساء: 133].
فإن كان المراد في الدنيا وجب أن يجعل هذا بمعنى(إن) الشرطية؛ لأن هذا شئ لم يكن، فهي مكان (إن)؛ لأن الشرط يمكن أن يكون وألا يكون، ألا ترى إلى ظهورها في قوله تعالى:﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآَخَرِينَ ﴾ [النساء: 133], ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾[سبأ: 9]، وإنما جاز لـ(إذا) أن تقع موقع(إن) لما بينهما من التداخل والتشابه"
ولست أرى أن (إذا) هنا بمعنى (إن)، بل أراها باقية على معناها الأصلي؛ فيكون ذلك أبلغ في التهديد؛ ليأتي نتيجة لما سبقه من ذكر الخلق وشد الأسر.
الوقفة كاملة
|