| ٢٣٦١ |
قوله تعالي : " وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) " النحل : 8 .
عادةُ العربِ في كلامها أنْ تُؤَخِّرَ الأهمَّ للامتنان به إذا كانَ المقامُ مقامَ تَعْداد للفضائلِ والمكارمِ , لكنَّ ظاهرَ هذه الآيةِ يوحي بتقديمِ الأهمِّ , حيثُ قَدّمَ الخيلَ علي البغال , والبغالَ علي الحميرِ , فَلِمَ جاءَ الكلام في هذه الآية علي خلاف النسق المعروف عند العرب ؟
الجوابُ عن ذلك : أنَّ الآية سارتْ علي القاعدة , ولم تشذَّ عنها ,
فالحميرُ أهمُّ من الخيلِ والبغالِ , والبغالُ أهمُّ من الخيلِ ؛ نظرًا إلي أنَّ معظمَ الناسِ يستفيدونَ من الحميرِ حيث يقدرون عليها , ولا يقدرون علي الخيل , و يستطيع كثيرٌ من الناسِ الحصولَ علي البغالِ أكثرَ من استطاعتِهم الحصولَ علي الخيلِ , ومن هنا يتضحُ أنَّ الآيةَ لَم تخالفُ سَنَنَ العربِ في كلامها . والله اعلم .
والمتأمّل لقوله تعالي : " لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً " يجد تنويعًا بالأسلوب ؛ فالركوبُ و الزينةُ علّتان لخلقِ هذه الدواب , لكنَّهُ عَبّرَ عن الركوبِ بالفعلِ , وَعَبَّرَ عن الزينةِ بالإسمِ المنصوب , وَيُعَلِّلُ النُّحَاةُ ذلك بقولهم : إن الزينةَ مفعولٌ لأجله , من الفعل في الآيةِ السابقه علي هذه الآية : " وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) " النحل : 5 حيث اتّحدَ المصدرُ مع العاملِ بالفاعلِ , ففاعلُ الخلقِ و التزيين هو اللهُ تعالي , ولذلك استوفي المصدرُ شروطَ النصبِ علي المفعولِ لأجله , فَنُصِبتْ " زِينَةً " , أما الركوبُ فَفاعلُهُ المخاطبون , فانتفى شرطٌ من شروطِ نصب المفعولِ لأجله من عدم اتّحاده مع عامِله بالفاعلِ , فجُرَّ باللامِ [ الكشاف : 2 / 402 ] , وهذا هو التعليلُ اللفظي لسياق الكلام .
وللزمخشريّ تعليلٌ آخر حيث قال : " فإن قلتَ : فهلا وَرَدَ المعطوفُ والمعطوفُ عليه من سَنَنٍ واحدٍ , قلتُ :لأنّ الركوب فعلُ المخاطبين , وأمّا الزينة ففعلُ الزائن , وهو الخالق " [ المصدر السابق ] .
أمّا التعليلُ المنظورُ فيه إلي المعني فهو أن يُقالَ : إنَّ المقصدَ الأساسَ من خلقِ هذه الدوابِّ هو الركوبُ , وهو يتجدّدُ مرّةً بعد أخري , وغيرُ ثابتٍ , ولذلك عَبّرَ عنه بالفعلِ , وجرّه باللامِ المفيدةِ للتعليل , أمّا الزينةُ فهي تابعةٌ لأهمِّ الغرضين , وهو الركوبُ , فجَعَلَهَا تبعًا , وعبّرَ عنها بالاسمِ الذي يدّلُ علي الثبوتِ و الدوامِ ؛ لأنَّ الزينةَ غيرُ متجدّدة .
وأخيرًا تأمّلْ قوله : " وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ " تجد الإعجاز عينه ؛ فالعربُ حين نزولِ القرآنِ الكريم لم تعرفْ غيرَ وسائلِ النقلِ المذكورةِ في الآيات , أمّا وسائلُ النقلِ الأخري فأشار الله تعالي إليها إشارةً بقوله : " وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ " , ولذلك لا تعجَبْ حينَ تقرأُ بعض التفاسيرِ القديمة فتجدها لا تقطعُ بمرادِ اللهِ تعالي بهذه الآيةِ ؛ لأنَّ هؤلاء المفسرين لم يروا غيرَ تلك الوسائل المعهودة لديهم . والله واعلم .
قوله تعالي : " قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (26)" [ النحل 26 ] .
إذا تأمّل القارئ قوله تعالي : " فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ " فقد يبدو له أنّ قوله : " فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ " مغنٍ عن قوله : " مِنْ فَوْقِهِمْ " ؛ لأن " خَرَّ " و" عَلَيْهِمُ " و " السَّقْفُ " كلّها تدلّ علي حصول الخرِّ من فوقهم ؛ فالخرّ لا يكون إلا فيما سقط من العُلّوِ إلي الأسفل , و ( علي ) في أصل استعمالها تدلّ علي وقوع الشيء من أعلي إلي أسفل , والسقف أصله أن يكون في العُلّوِ.
لكنّ المتدبّر لهذه الآية يدرك أنّ لقوله : " مِنْ فَوْقِهِمْ " فائدةً جليلةً ؛ إذ دلّتْ علي الفوقيّة الحقيقيّة , فالسقف قد وقع عليهم , وكانوا تحته , فهلكوا , وما أفلتوا [ البرهان فى علوم القرآن : 2 / 443 , 3 /67 ] , ولولا ذِكْرُ " مِنْ فَوْقِهِمْ " لَتُوُهِّمَ غيرُ ذلك ؛ لأنّ ( علي ) ليستْ قطعيّةً في الدلالة علي العلو , بل قد تكون هنا " بمعني ( عن ) , أي : خرّ عن كفرهم بالله , كما تقول : اشتكى فلانٌ عن دواءٍ شَربَهُ , أي : من أجل كفرهم أو بمعني ( اللام ) , أي فخرّ لهم " [ البرهان فى علوم القرآن : 2 / 442 ] , وذكر ابن جنّي أنّ ( علي ) قد تخرج عن الاستعمال في العلوم إلي الاستعمال في الأفعال الشاقّة المستثقلة " علي ( حد ) قولِ مَنْ يقول : قد سرنا عشرًا , و بقيت علينا ليلتان , وقد حفظتُ القرآن وبقيتْ عليّ منه سورتان , و قد صمنا عشرين , و بقي علينا عشرٌ , وكذلك يقال في الاعتداء علي الإنسان بذنوبه وقبيح أفعاله : قد أخربَ عليَّ ضيعتي , وموّت عليَّ عواملي , وأبطلَ عليَ انتفاعي , فعلي هذا لو قيلَ " فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ " , ولم يقل : " مِنْ فَوْقِهِمْ " لجاز أن يُظنَّ به أنه كقولك : قد خرّبتُ عليهم دارَهُمْ و قد أهلكتُ عليهم مواشيَهُمْ وغلاتِهِمْ , وقد تلفتْ عليهم تجارتُهُمْ , فإذا قال : " مِنْ فَوْقِهِمْ " زال ذلك المعني المحتمل , وصار معناه أنّه سقط وهم من تحته " [ الخصائص : 2 / 270 – 271 ] , ويؤيّد ذلك أنّه يقال : سقط عليه موضع كذا , إذا كان يملكه , وإن لم يكن من فوقه , بل تحته [ البرهان فى علوم القرآن : 2 / 443 ] .
كما أنّه ليس كلّ سقفٍ يكون من فوقٍ ؛ " فإن كثيرًا من السقوف يكون أرضًا لقومٍ , وسقفًا لآخرين " [ البرهان فى علوم القرآن : 3 / 67 ] , فرفع احتمال أن يكون السقف تحتهم بقوله : " مِنْ فَوْقِهِمْ " . والله أعلم .
الوقفة كاملة
|
| ٢٣٦٢ |
قوله تعالي : " وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51) " النحل 51 .
حيث قال الله سبحانه وتعالي : " إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ " مع أنّ قوله : " إِلَهَيْنِ " دالٌ علي التثنيةِ , فما فائدةُ الوصفِ بقوله : " اثْنَيْنِ " ؟
للعلماء في ذلك أقوالٌ متعدّدةٌ , من أحسنها قولُ أحمدَ بنِ الحسينِ ابنِ الخبّازِ الإربليِّ - رحمه الله - : " إنَّ فائدتهَا توكيدُ النهي عن الإشراكِ باللهِ سبحانه ؛ و ذلك لأنَّ العبرةَ في النهي عن اتخاذ الإلهين إنما هو لمحض كونهما اثنين فقط , ولو وُصِفَ " إِلَهَيْنِ " بغير ذلك من الصفات كقوله : ( لا تتخذوا إلهين عاجزين ) لأشعرَ بأنَ القادرَيْن يجوزُ أنْ يُتَّخَذا , فمعنى التثنيةِ شاملٌ لجميعِ الصفاتِ , فسبحانَ مَنْ دَقَّتْ حكمتُهُ في كلِّ شيء !!! " [ البرهان فى علوم القرآن : 2 / 433 – 434 ] .
وقيل : إنَّه لو قال : " لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ " فقط , دونَ الصفةِ , لأحتملَ النّهي عن الجمع بينهما , فلا مانعَ من اتِّخاذِ كلِّ واحدٍ منهما منفردًا .
واحتمل النهيَ عن الاقتصارِ عليهما , فلا مانِعَ من اتّخاذِ آلهةٍ ثلاثةٍ فأكثر , ولنفي هذين الاحتمالين أتي بقوله : " اثْنَيْنِ " ؛ ليتوجّهَ النفيُ إلي التعدّدِ نفسهِ و العددِ .
الوقفة كاملة
|
| ٢٣٦٣ |
قوله تعالي : " وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (81) " النحل 81 .
يستشهدُ أهلُ اللغةِ بهذه الآية علي حذف العاطفِ والمعطوفِ , ويجعلونَ التقدير : ( وجعل لكم سرابيل تقيكم الحرّ والبرد ) , فإذا سألوا عن سر حذف ( البرد ) قالوا : إن الخطابَ للعربِ , وبلادُ العربِ حارّةٌ , والوقايةُ عندهم من الحرّ أولي وأهمُّ ؛ لأنه في حرارته أشدُّ من البرد في برودته .
والصحيحُ أنَّ الوقايةَ من البرد ذكرها اللهُ تعالي في الآية التي قبلَ هذه الآية حيث قال : " وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (80) " النحل 80 ؛ فالصوفُ والوَبَرُ والشّعَرُ لا تلبسُ في الصيف , فأغنى ذكرها سابقًا عن إعادتها .
وذكر ابن هشام - رحمه الله - أنّ عدم ذكره كان اكتفاءً بقوله في أوّل السورة عن الأنعام : " وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) " [ النحل : 5 ] . والله اعلم .
الوقفة كاملة
|
| ٢٣٦٤ |
قوله تعالي : " وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (17) " [ الكهف : 17 ] .
في هذه الآية من البدائع ما لا يحيط به بيانٌ , فتأمّل كيف أراد الله عز وجل " أن يعرّفنا لُطْفَهُ للفتية , وَحِفْظَهُ إيّاهم في المَهْجَعِ , واختيارَهُ لهم أصلحَ المواضعِ للرّقود , فَأعْلَمَنا أنهّ بوأهُمْ في مقنأةِ الجبل , مستقبلًا بنات نعشٍ , فالشمسُ تزورُّ عنه , وتستدبره طالعةً وجاريةً وغاربةً , ولا تدخل عليهم , فتؤذيهم بحرِّها , وتلفحهم بسمومها , وتغيّر ألوانهم , و تبلي ثيابهم , وأنهم في فجوة من الكهف – أي متّسعٍ منه - , ينالهم فيه نسيمُ الريح وبردها , وينفي عنهم غُمّةَ الغار وكربه " .
الوقفة كاملة
|
| ٢٣٦٥ |
قوله تعالي : " وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (18) " [ الكهف : 18 ] .
ظن الناظر إلي أصحابِ الكهفِ أنّهم أيقاظٌ يتجدّدُ عندما يعيدُ النظرَ إليهم مرّةً بعد أخري , ويري من هيئتهم وحالهم ما يدلُّ علي ذلك , ولتجدُّدِ الظنِّ والحسبانِ عنده عُبِّرَ عنه بالجملة الفعلية : " تَحْسَبُهُمْ " , ولثبوتِ رقودهم ودوامه وعدمِ استيقاظهم منه عُبِّرَ عنه الجملة الاسمية , وهي قوله : " وَهُمْ رُقُودٌ " .
وفي هذه الآية أيضًا جملةٌ فعليةٌ , وأخري اسميّةٌ , حيث عَبَّرَ عن تقليبِ أصحابِ الكهف يمينًا وشمالًا بالجملة الفعلية : " وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ " ؛ لتكرارِ حصولِه مرّةً بعد مرةٍ منعًا من تآكلِ أجسادهم وعَبَّرَ عن بسط الكلبِ ذراعيه ؛ لثبوتهِ ودوامه , بقوله : " وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ " أي الجملةِ الاسميةِ التي تدلُّ علي ذلك .
أمّا قولُه : " ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ " فالمراد : الجهة ذات اليمين والجهة ذات الشمال , و الإتيان بــ " ذَاتَ " التي هي بمعني ( صاحبة ) , دون أنْ يقولَ : ( ونقلبهم يمينا وشمالا ) ؛ لأنَّ المقصودَ أيمانُهُمْ وشمائلُهُم , ولو جاءت منكَّرةً لما تحدّدتْ . والله أعلم .
أمّا تكرارُ كلمه " ذَاتَ " حيثُ قالَ : " ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ " مع إمكان أن يقالَ في غير القرآن الكريم : ( قلّبْتُه ذاتَ اليمينِ وذات الشمال ) ؛ فلأنَ المدّة بين التقليبين طويلةٌ حتي قال بعضُ المفسِّرين : إنها سَنَهٌ , وقال مجاهد : تسع سنواتٍ والله أعلم .
وأخيرا تأملوا تكرار كلمة : " مِنْهُمْ " في قوله تعالي : " لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا " . فتكرارُ الجار والمجرور " مِنْهُمْ " للدلالة علي هولِ منظرهم و للتأكيد علي أن الرعب يكونُ بسبب رؤيتهم علي تلك الحالة لا بسبب وحشة المكان الذي هم فيه . والله اعلم .
الوقفة كاملة
|
| ٢٣٦٦ |
قوله تعالي : " فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61) " [ الكهف : 61 ] .
نَسَبَ النسيان إلي موسي - عليه السلام - و فتاه , مع أنّ الناسي هو الفتي , فأشرك موسي - عليه السلامُ – فيه ؛ لسكوته وعدم سؤاله عنه .
الوقفة كاملة
|
| ٢٣٦٧ |
قوله تعالى : " فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26) " مريم 26 .
لم ترد في القرآن الكريم كلمة ( الصوم ) مرادا بها الصيام الشرعي المعروف , و هو الإمساك عن الطعام والشراب والجماع , وإنما وردت فيه مرادا بها الصمت , كما في هذه الآية .
وأما الصوم الشرعي فقد عُبّر عنه في القرآن الكريم بالصيام , كقوله تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) " البقره 183 . والله أعلم .
الوقفة كاملة
|
| ٢٣٦٨ |
قوله تعالى عن يحيى - عليه السلام - : " وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15) " مريم 15 , وقوله تعالى على لسان عيسى - عليه السلام - : " وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) " مريم 33 .
فإن تحية يحي - عليه السلام - بدئت بالسلام نكرة , حيث قال : " وَسَلَامٌ عَلَيْهِ ", أما تحية عيسى - عليه السلام - فقد بدئت بالسلام معرفة , حيث قال : " وَالسَّلَامُ عَلَيَّ " , و السر في ذلك - والله اعلم - أن السلام دعاء وطلب , و العرب في ألفاظ الدعاء والطلب تأتي بها نكرة , فتقول : ويلٌ له , وسقيا لك ورعيا ؛ لأن ألفاظ الدعاء تجري مجرى النطق بالفعل , والفعل بمعنى النكرة , فـ( سلام عليكم ) بمعنى : سلمكم الله , و ( سقيا لك ) بمعنى : سقاك الله , وهكذا , فالأصل في التحية أن تكون بلفظ النكرة , إلا أننا نجد أن تحية عيسى - عليه السلام - بدئت بالمعرفة , و لذلك فوائد منها : أن السلام اسم من أسماء الله , فذكره يشعر بذكر الله سبحانه وتعالى , ويشعر أيضا بطلب معنى السلامة منه , لأنك متى ذكرت اسما من أسماء الله فقد تعرضت لطلب المعنى الذي اشتق ذلك الاسم منه , ويشعر أيضا بعموم التحية , و أنها غير مقصورة , فأنت ترى أنه ليس قولك : ( سلام عليك ) – أي : سلام مني – بمنـزله قولك : ( السلام ) في العموم , كذا قال أبو القاسم السهيلي في : كتابه ( نتائج الفكر في النحو ) .
و هذا إذا كانت التحية من الإنسان , أما إذا كانت من الله تعالى كتحيه ليحيى - عليه السلام - فليست بحاجة إلى التعريف ؛ لعدم قصد التبرك , ولا التعرض , ولا الطلب , ولا العموم في التحية منه ومن غيره , كما يقصد العبد , فسلام من الله تعالى كاف من كل سلام , ومغن عن كل تحيه , ومرب على كل أمنيه .
وأحب أن أشير إلى أن على الكاتب والمتحدث أن يبدءا كلامهما بقول : ( سلام من الله عليكم ), فيبءا بالنكره , ويختماه بقول : ( والسلام عليكم ) ؛ بالمعرفه , و السر في ذلك أن هناك إجماعا من العلماء على ابتداء الكتابة و الحديث بالسلام نكرة , و اختتامهما به معرفة , ذكر ذلك السهيلي أيضا , وذكر في تعليله : " أنها مشعرة بالعموم , والكاتب مؤكد لخصوص نفسه بالتسليم , مشعر بسلامة وده للمكتوب إليه , لاسيما عند افتتاح الكلام ؛ ليستشعر المكتوب إليه الأنس والسلامة من الكاتب على الخصوص , من غير التفات إلى طلب العموم , وهذا المعنى كله إنما يحصل بإسقاط ( الألف واللام ) .
فإذا ختم الرسالة قال : ( والسلام عليك ) معرفا ؛ وذلك لثلاث فوائد :
إحداها : أن الخصوص بسلام الكاتب قد حصل في أول الكتاب , ووقع الأنس به , فكان العموم هنا أبلغ في الدعاء ؛ فإنه لا يخص نفسه , بل يجمع له سلامه وسلام غيره .
والفائدة الثانية : أن يختم باسم من أسماء الله تعالى , كما فعل في الصلاة ؛ طلبا للأجر , وتبركا بالذكر , و اكتفي في أول الرسالة بـ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) , و حسبك به ذكرا .
والفائدة الثالثة : بديعة جدا , وهي أن ( الواو ) العاطفة توجب بناء الكلام على ما تقدم ... فأشعرت الواو بعطف فصل على فصل من الكتاب , فلما فرغ منها قال : ( والسلام ) , يريد : وبعد هذا كله ( السلام عليك ) .
و في الآيتين السابقتين قيد السلام على يحيى وعيسى - عليهما السلام - بيومي ولادتهما ويومي موتهما ويومي بعثهما , فما السر في ذلك ؟
قال ابن القيم - رحمه الله تعالى – : " إن طلب السلامة يتأكد في المواضع التي هي مظانُّ العطب و مواطن الوحشة , وكلما كان الموضع مظنة ذلك تأكد طلب السلامة , وتعلقت بها الهمة , فذكرت هذه
المواطن الثلاثة ؛لأن السلامة فيها آكد , وطلبها أهم , والنفس عليها أحرص ؛ لأن العبد فيها قد انتقل من دار كان مستقرا فيها , موطن النفس على صحبتها وسكناها إلى دار هو فيها معرض للآفات و المحن والبلاء .
الوقفة كاملة
|
| ٢٣٦٩ |
قوله تعالى : " ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (69) " مريم 69 .
الشيعة : الفرقة التي شايع بعضها بعضا , وتابعه , ومنهم الأشياع , وهم التبع , قال ابن القيم - رحمه الله تعالى - عن لفظ الشيعة : " و غالب ما يستعمل في الذم , ولعله لم يرد إلا كذلك , كهذه الآية , وكقوله : " إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159) " الانعام 159 , وقوله : " وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (54)
" سبأ 54 ؛ وذلك - والله أعلم - لما في لفظ الشيعة من الشياع و الإشاعة التي هي ضد الائتلاف والاجتماع , ولهذا لا يطلق لفظ الشيع إلا على فرق الضلال ؛ لتفرقهم واختلافهم " . انتهى كلام ابن القيم - رحمه الله - .
و أقول : إن لفظ الشيعة ليس مخصوصا بالذم , بل هو غالب فيه , لقوله تعالى : " وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83) " الصفات 83 . والله اعلم .
الوقفة كاملة
|
| ٢٣٧٠ |
قوله تعالى : " وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) " طه : 39 .
إن كلام الله لا يماثله كلام ؛ فهو أبلغ من أن يباري , و اسمي من أن يجاري , هل نعم أمعنا النظر في هذه الآية العظيمة ؟ : " وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي " أيكون المراد : أحببتك ؟ أم : جعلت الناس يحبونك ؟ أم : أنزلت القبول لك في الأرض ؟
وأقول : ما تفكرت في القرآن الكريم , وتدبرت آياته , إلا رثيت لحال مترجمي معانيه إلى اللغات الأخرى ؛ لأنهم لا يملكون إلا أن ينقلوا إليها معنى واحدا فقط , وآيات الله في كثير من الأحايين تدل على أكثر من معنى , ألم يختلف المفسرون في المراد بهذه الآية ؟
قال ابن عطية - رحمه الله - :
" ... ثم أخبر تعالى موسى أنه ألقي عليه محبة منه , فقال بعض الناس : أراد محبة آسية ؛ لأنها كانت من الله , وكانت سبب حياته , وقالت فرقه : أراد القبول الذي يضعه الله في الأرض لخيار عباده ,وكان حظ موسى منه في غاية الوفر , وقالت فرقه : أعطاه جمالا يحبه به من رآه , وقالت فرقة : أعطاه ملاحة العينين ..... ".
وأقول : تدبروا قوله : " وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي " , تجدوا أنه استعمل الإلقاء , ونكر المحبة , و خصصها بكونها منه عز وجل , فلم يقل : ( وأحببتك ), ولا : ( جعلت الناس يحبونك ) , ولا : ( ألقيت عليك المحبة ) ؛ وذلك - والله اعلم - ليشمل كل الصور المتوقعة , وهذا من إعجاز كلام الله - جل جلاله - , قال أبو حيان التوحيدى - تجاوز الله عنه - : " و سمعت ابن سمعون الصوفي يقول : ما يقف البشر على بعد غور قول الله تعالى لكليمه : " وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) " , فإن في هاتين الكلمتين ماله ما لا يبلغ كهنه , ولا ينال آخره , ولو أن أرق الناس لسانا , وألطفهم بيانا , أراد أن يتوسط حقيقة هذا القول , لم يستطع , و عاد حسيرا , ونكص بهيرا , وبقى عاجزا .
ثم قال : اللهم حبب بعضنا إلى بعض , واجمع شملنا إلى رضاك عنّا , مع إحسانك إلينا , إنك أهل ذلك , والجواد به " .
ونقل أبو حيان أنه قيل : " إذا أحب الله عبدا ألقي مودته على الماء , فلم يشرب منه أحد إلا أحبه , وإذا أبغض الله عبدا القي بغضه على الماء , فلم يشرب منه أحد إلا أبغضه " الصداقه والصديقين : 212 .
وجماع الأمر كله ما رواه الإمام البخاري - رحمه الله - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال : " إذا أحب الله العبد نادي جبريل : إن الله يحب فلانا فأحببه , فيحبه جبريل , فينادي جبريل في أهل السماء : إن الله يحب فلانا فأحبوه , فيحبه أهل السماء , ثم يوضع له القبول في الأرض " .
الوقفة كاملة
|