أسرار بلاغية

٢١١ برنامج لمسات بيانية *في سورة الصف قال تعالى :(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ (14)) وفي آل عمران تكررت الآية (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52)) عيسى ينسب النصرة إليه وهم يقولون نحن أنصار الله مباشرة فما دلالة هذا؟ (د.فاضل السامرائى) أولاً ما معنى (مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ)؟ هذا التعبير يحتمل معنيين الأول أنا أنصر الله (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ (7) محمد) ينصر دينكم، فمن يكون معي في نصرة دين الله؟ أنا أنصر حتى أنتهي إلى الله، حتى أفضي إلى ربي حتى نصل إلى ربنا. فمن يكون معي في نصرة الله (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ)؟ أنا أنصر الله أنصر دينه فمن يكون معي في ذلك؟ هذا شكل والشكل الثاني إن الله ينصرني في هذا الأمر فمن يكون معي في نصرة الله إياي؟ ينصرني يعني يؤيدني فمن يكون معي في هذا الأمر؟ وهذه يعبر عنها بـ (مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ) يعني أنا سأفعل وينصرني الله بشكل ما فمن يكون معي في ذلك؟، أنا أنصره وهو ينصرني فمن يكون معي؟ هذا السؤال يحتمل المعنيين وقد ذكرهما المفسرون والآية تستوعب المعنيين. ومن ينصر دين الله ينصره الله هي متلازمة وفي الحالتين يجمعهما قوله تعالى (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ) ولذلك الأمران مطلوبان والمعنيين ذكرهما المفسرون لأن (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ) فيها المعنيين من يكون نصيراً معي لدين الله والله ينصره؟ نصر الله له صور كثيرة وليس له صورة واحدة، التثبيت هو نوع من النصر وكون الإنسان ثابتاً على دينه والفتنة لا تضره هذا نصر. إذن هذان المعنيان هما مما يجمعهما قوله تعالى (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ). يبقى السؤال لماذا قال نحن أنصار الله؟ ولم يقل نحن أنصارك إلى الله؟ هم للإعلام بأنهم سينصرونه وإن لم يكن معهم حتى لو مات أو قتل لأنهم لو قالوا نحن أنصارك إلى الله سيتعلق التصر بوجوده إذا كان معهم (أنصارك) فإذا أفضى انفضوا، نحن أنصارك انتهى ما بينهما، نحن أنصار فلان فإذا ذهب انتهى الأمر. قالوا (نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ) يعني سنكون سواء كنت معنا أو لم تكن معنا على الإطلاق. لو قالوا نحن أنصارك إلى الله معناه أن النصرة ستنقطع بعد ذهابه لكن لما قالوا نحن أنصار الله النصرة لا تنقطع حتى بعد ذهابه. حتى هو لم يقل من أنصار الله؟ وإنما قال (مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ) لأنه لو قال من أنصار الله؟ لادّعى كل واحد أنه أنصار الله وحتى اليهود تقول نحن أنصاره. إذن هو يريد نصرة الله عن طريق الدين الذي جاء به فهو مكلف ورسول ولم يرد أن يعمم السؤال وإلا لقال كل واحد نحن أنصار الله من وجهة نظرهم. إذن السؤال (مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ) ولم يقل من أنصار الله؟ السؤال فيه نظر والإجابة فيها نظر أيضاً. والإجابة (نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ) لم يقولوا نحن أنصارك يعني هو ما يسأل من أنصار الله؟ لأنه سيجيب كثيرون وسيدّعون أنهم أنصار الله وإن لم يكونوا من أتباعه. الكل أنصار الله والإجابة لم تكن نحن أنصارك إلى الله حتى لا تكون متعلقة به وإنما بالله مباشرة حتى لو ذهب وهذا يعلم صدقهم من خلال هذا الكلام فهم فعلاً صادقون ولم يربطوا الإجابة به شخصياً وإنما بأصل الرسالة وأصل الدعوة. سؤال: هل قالوا فعلاً هذا الكلام؟ هم قالوا مدلول هذا الكلام لأن ربنا سبحانه وتعالى حتى لو كان بغير لسان العرب يترجم أدق الترجمة لكن بأسلوب معجز، أدق الترجمة وينقل المعاني أدقهل لكن بأسلوب معجز. هم لم يتكلموا العربية فربنا نقل عنهم معنى الكلام تماماً بأسلوبه المعجز كما قالوا وبالتالي حينما نقل عن فرعون نقل الكلام الذي يريده فرعون لكن بأسلوب معجز وتعبير أدبي. أنا قرأت ترجمات لشاعر مترجمين مختلفين هي المعاني واحدة لكن لكل مترجم أسلوب مختلف بحسب ما أوتي من قوة بيان قصص نقرأها مترجمة لكن المترجم يعطيها وإن كانت الأحداث هي واحدة لكن كيف تصاغ وكيف تنقل؟ هذا ما حدث بالفعل لكن الله تعالى نقله لنا بأسلوب معجز. الوقفة كاملة
٢١٢ – قال تعالي في سورة البقرة : { فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ  } [ البقرة : 113 ] . وقال نحو ذلك في مواطن أخري ( النحل : 124 , الحج : 69 , الزمر : 3 ) . وقال : { إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ  } [ يونس : 93 ] . وقال نحو ذلك في سورة الجاثية ( 17 ) . وقال : { إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ  } [ الحج : 17 ] . وقال نحو ذلك في السجدة ( 25 ) . سؤال : لماذا قال في مواضع ( يحكم ) , وفي مواضع ( يقضي ) , وفي مواضع ( يفصل ) ؟ الجواب : قالوا : " الحكم بالشئ هو أن تقضي بأنه كذا , أو ليس بكذا , وسواء ألزمت ذلك غيرك أو لم تلزمه " . وقد تحكم علي أمر أنه حق أو باطل , من غير فصل أو قضاء أو إلزام , قال تعالي : { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ  يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ  } [ النحل : 58 – 59 ] . وقال : { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ  } [ العنكبوت : 4 ] . أما القضاء فأصله القطع والفصل . وقضاء الشئ إحكامه , وإمضاؤه , والفراغ منه . والقضاء في اللغة علي وجوه ؛ مرجعها إلي إنقطاع الشئ وتمامه وكل ما أحكم . وكل ما أحكم عمله وأتم أو ختم , أو أدي أداء أو نفذ أو أمضي , فقد قضي . والقاضي في اللغة معناه : القاطع للأمور المحكم لها . وقد يكون بمعني الفراغ , وتقول : ( قضيت حاجتي ) و ( قضي فلان صلاته ) . قال تعالي : {  فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ } [ القصص : 29 ] . وقال : { وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ  } [ هود : 44 ] . وجاء في ( الفروق اللغوية ) في الفرق بين الحكم والقضاء : " إن القضاء يقتضي فصل الأمر علي التمام , من قولك : ( قضاه ) إذا أتمه وقطع عمله , ومنه قوله تعالي : { ثُمَّ قَضَى أَجَلاً } [ الانعام : 2 ] . والحكم يقتضي المنع عن الخصومة .... ويجوز أن يقال : الحكم فصل الأمور علي الأحكام بما يقتضيه العقل والشرع ". فالقضاء أشد ؛ لأنه يقتضي إمضاء الحكم وإتمامه والفراغ منه . وأما الفصل فإنه إبانة أحد الشيئين من الآخر , حتي يكون بينهما فرجة , قال تعالي : { وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ } [ يوسف : 94 ] . والفصال : الطلاق ؛ لأنه تدور معانيه علي البعد . جاء في ( لسان العرب ) : " الفصل بون ما بين شيئين , والفصل الحاجز بين الشيئين . والفصل القضاء بين الحق والباطل " . فهو أشد مما قبله ؛ لأنه يفيد الابتعاد . والقرآن يستعمل الحكم فيما هو أخف من القضاء , ويستعمل القضاء فيما هو أخص من الفصل . قال تعالي : { إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ  } [ النحل : 124 ] . وقال : { وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُواْ حَتَّى جَاءهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } [ يونس : 93 ] . فقد قال في آية النحل : { وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ } . وقال في آية يونس : { إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ } ذلك أنه ذكر في آية يونس الاختلاف بعد مجئ العلم , وهو أشد مما قبله ؛ مما لم يذكر فيه ذلك . ونحو ذلك قوله تعالي : { وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [16] وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [17] } [ الجاثية : 16 – 17 ] . وهو نظير ما مر . أما الفصل فهو أشد , قال تعالي : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [17] } [ الحج : 17 ] . فأنت تري أن الفصل إنما هو بين ملل مختلفة مؤمنة , وأهل كتاب , ومشركين . وهذا يقضي الافتراق بين هذه الملل في الحكم , وفي الخاتمة , فمنهم في الجنة , ومنهم في السعير في دركات مختلفة . وقال تعالي : { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ [23] وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [24] إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [25] } [ السجدة : 23 – 25 ] . فذكر أن الله يفصل بينهم , وقد قيل : إن الفصل إنما هو بين الأنبياء وأممهم , وقيل : بين المؤمنين المشركين . والفصل بين هؤلاء أشد في الحكم والخاتمة . وقال تعالي : { لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ } [ الممتحنة : 3 ] . ذلك أن هذا الفصل إنما هو بين المؤمنين وأعداء الله , قال تعالي : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ [1] إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ [2] لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [3] } [ الممتحنة : 1 – 3 ] . فناسب ذكر الفصل , وناسب كل تعبير موضعه . (أسئلة بيانية في القرآن الكريم الجزء الثاني ص : 10) الوقفة كاملة
٢١٣ قال تعالي في سورة البقرة : { فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [ البقرة : 196 ] . سؤال : لماذا ذكر أن العشرة كاملة , مع أنه معلوم أن الثلاثة والسبعة عشرة ؟ الجواب : قيل في ذلك أوجه منها : أنه جاء بـ ( كاملة ) لئلا يتوهم أن الواو بمعني ( أو ) التخييرية , فيختار أحد الأمرين . والواو قد تأتي للإباحة , في نحو قولك : ( جالس الحسن وابن سيرين ) , وفولهم : ( الكلمة أسم , وفعل , وحرف ) أي : اسم , أو فعل , أو حرف . وقيل : هي صفة مؤكدة , نحو قوله تعالي : { وَقَالَ اللّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ} [ النحل : 51 ] . والتوكيد غير عزيز في اللغة , وذلك نحو أن تقول : ( كتبت بيدي ) , و ( رأيت بعينيي ) , و ( سمعت بأذني ) وقوله : { وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } [ الأنعام : 38 ] . وهو يفيد تقرير الحكم وتوكيده , وقوله : ( كاملة ) للإفادة ألا ينقص من الأيام شيئا , وللدلالة علي أنه كمال لصائمه , وانها مجزئة عن الهدي . أو أن المعني : تلك عشرة كمل الحج بها , والله أعلم . (أسئلة بيانية في القرآن الكريم الجزء الثاني ص : 19) الوقفة كاملة
٢١٤ – سؤال : قال تعالي : { وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [ البقرة : 212 ] . وقال نحو هذا في أكثر من موضع , فما معني هذا ؟ الجواب : إن لهذا التعبير أكثر من دلالة كلها صحيحة , ومن ذلك : 1- أنه لا يسأل عما يفعل , ولا يحاسبه أحد . 2- وانه يرزق من غير تقتير , وبلا نهاية لما يعطيه . فهو لا يخشي أن تنفذ خزائنه , كما يفعل المخلوقون , فإنهم يحسبون حسابا لما عندهم . 3- وأنه لا يحاسب المرزوق , فيرزقه علي قدر طاعته أو معصيته , وإنما يمد من يشاء من هؤلاء وهؤلاء علي ما تقتضيه حكمته , كما قال تعالي : { كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُوراً} [ الإسراء : 20 ] . 4- أنه يعني أنه يوسع علي من توجب الحكمة التوسعة عليه , ولا يفعل ذلك من غير حكمة . 5- هو يرزق من يشاء من غير حساب من العبد , فقد يرزق العبد , وهو لا يعلم , ولا يحسب لذلك حسابا , كما قال تعالي : { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً [2] وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ } [ الطلاق : 2 – 3 ] . (أسئلة بيانية في القرآن الكريم الجزء الثاني ص : 20) الوقفة كاملة
٢١٥ لماذا قال الله سبحانه : { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ } [ البقرة : 240 ] . وقال : { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } [ البقرة : 233 ] . فاستعمل الحول , ولم يستعمل العام أو السنة , كما قال الله سبحانه : { وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } [ لقمان : 14 ] . الجواب : أما السنة والعام والحجة فقد ذكرناها في كتابنا ( من أسرار البيان القرآني – باب المفردات ) . واما استعمال الحول ههنا , فله مناسبته , ذلك أن معني ( الحول ) السنة " اعتبارا بانقلابها , ودوران الشمس في مطالعها ومغاربها " . ومن معاني ( الحول ) في اللغة التحول والتغير , يقال : ( حال ) أي " تحول من موضع إلي موضع , وحال فلان عن العهد ؛ أي : زال " . ومن معاني ( الحول ) الحجز والمنع , يقال : " حال الشئ بين الشيئين يحول حولا وتحويلا ؛ أي : حجز " . قال تعالي : { وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ } [ هود : 43 ] . وقال : { وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ } [ الانفال : 24 ] . ولم يستعمل القرآن ( الحول ) إلا في حالتي الوفاة أو الطلاق , وكلاهما تحول وحاجز . قال تعالي : { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ....} [ البقرة : 240 ] . وقال : { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } [ البقرة : 233 ] . فقد ذكر بعضهم أن هذه الآية خاصة بالمطلقات , يدل علي ذلك أمران : الأمر الأول : أن الآية ذكرت عقيب آيات الطلاق , فكانت من تتمتها . والأمر الآخر : أن إيجاب الرزق والكسوة فيما بعد للمرضعات يقتضي التخصيص ؛ إذ لو كانت الزوجة باقية لوجب علي الزوج ذلك بسبب الزوجية , لا الإرضاع . والوفاة تحول وتغير , والوفاة حاجز بين الزوجين , فناسب استعمال الحول , والطلاق تحول وتغير وهو حاجز بين الزوجين , فناسب استعمال الحول أيضا . وذلك من لطيف التناسب ودقته . (أسئلة بيانية في القرآن الكريم الجزء الثاني ص : 21) الوقفة كاملة
٢١٦ قال الله سبحانه في سورة البقرة : { وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ } [ البقرة : 282 ] , وقال في الآية نفسها : { وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ } . سؤال : لماذا قال أولا : { وَاسْتَشْهِدُواْ } ,وقال فيما بعد : { وَأَشْهِدُوْاْ } ؟ الجواب : إن ( استشهد ) أبلغ من ( أشهد ) , فإن ( استشهد ) قد يفيد الطلب ؛ أي : طلب الإشهاد كاستنجد بمعني طلب النجدة , واستنصر بمعني طلب النصرة . وقد يكون للمبالغة , كاستيأس ؛ أي المبالغة في اليأس , واستقر بمعني المبالغة في الاستقرار . وكلا المعنيين أبلغ من ( أشهد ) . هذه , وإن المقام مع ( استشهدوا ) أبلغ من ( اشهدوا ) ؛ ذلك أنه قال سبحانه : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء .... وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ ...} [ البقرة : 282 ] . فقد ذكر الاستشهاد مع الدين , وذلك لحفظ حقوق الدائن , ثم ذكر أن الكاتب ينبغي أن يكتب بالعدل . ثم أمر الذي عليه الحق أن يتقي الله ربه , ولا يبخس من الحق شيئا , ثم ذكر أنه إذا كان الذي الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو , فليملل وليه بالعدل . ثم قال : { وَاسْتَشْهِدُواْ } , وقال : { شَهِيدَيْنِ } , ولم يقل ( رجلين ) ؛ لأن الشهيد هو المبالغ في الشهادة , العالم بموقعها , المقتدر علي أدائها . في حين قال : { وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ } فمقام حفظ الحقوق مع الاستشهاد أبلغ , والاحتياط أكبر , فناسب ذكر الاستشهاد , وناسب ذلك ذكر الشهيد , وهو المبالغ في الشهادة . فناسب المبالغة في الاستشهاد في الشهيد , فناسب كل موضعه . جاء في ( روح المعاني ) : { وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ } أي : اطلبوهما ليتحملا الشهادة علي ما جري بينكما " . وجوز أن تكون السين والتاء للمالغة " إيماء إلي طلب من تكررت منه الشهادة , فهو عالم بموقعها , مقتدر علي أدائها , وكأن فيها رمزا إلي العدالة ؛ لأنه لا يتكرر ذلك الشخص عند الحكام , إلا وهو مقبول عندهم , ولعله لم يقل : جلين ؛ لذلك " . وجاء في ( البحر المحيط ) : { وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ } , أي : اطلبوا للاشهاد شهيدين , فيكون ( استعمل ) للطلب , ويحتمل أن يكون موافقة ( أفعل ) أي : أشهدوا , نحو استيقن موافق أيقن .... ولفظ ( شهيد ) للمبالغة , وكأنهم أمروا بأن يستشهدوا من كثرت منه الشهادة , فهو عالم بمواقع الشهادة وما يشهد فيه ؛ لتكرر ذلك منه . فأمروا بطلب الأكمل , وكان في ذلك إشارة إلي العدالة " . (أسئلة بيانية في القرآن الكريم الجزء الثاني ص : 23) الوقفة كاملة
٢١٧ قال تعالي : { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ } [ آل عمران : 14 ] . سؤال : إن الآية ذكرت الرجال ولم تذكر النساء , فقد جاء فيها : { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء } , ولم تذكر حب الشهوات للرجال من النساء , فلم ذلك ؟ الجواب : من أوجه : الأول : أن ربنا قال : { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ } , ولم يقل : ( زين للرجال ) , والناس يدخل فيهم الرجال والنساء . الثاني : أنه عندما ذكر البنين ألمح إلي رغبة النساء في ذلك , فإنهن يرغبن في البنين , كما يرغب الرجال , ويحملنهم في أحشائهن , ولكنه لم يشأ أن يخدش حياءهن , فيذكر حبهن للرجال . ثم إن الرجال قد يجهرون بذلك , ويسعون في هذا الأمر , وينفقون الأموال في ذلك , فصرح بذكرهم , وألمح في هذا المعني إلي النساء , ولا يحسن أن يقال فيهن كما يقال في الرجال . الثالث : أنه ذكر القناطير المقنطرة من الذهب والفضة , والنساء لا يختلفن عن الرجال في حبهن لذلك , بل ربما يفقنهم فيه . فشملت الآية عموم الناس . (أسئلة بيانية في القرآن الكريم الجزء الثاني ص : 28) الوقفة كاملة
٢١٨ قال تعالي في آل عمران : { وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ [157] وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ [158] } [ آل عمران : 157 – 158 ] . وقال في سورة ( المؤمنون ) : { أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظَاماً أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ } [ المؤمنون : 35 ] . سؤال : لماذا قال في آيتي آل عمران : ( متم ) بضم الميم . وقال في سورة ( المؤمنون ) : ( متم ) بكسر الميم ؟ الجواب : لا إشكال من الناحية اللغوية في ذلك . فإن ( مات ) فيها لغتان : ( مات يمات موتا ) مثل : ( خاف يخاف خوفا ) و ( نام ينام نوما ) . واللغة الأخري ( مات يموت ) مثل ( قال يقول ) . فعلي لغة ( مات يمات ) يقال : ( مت ومتنا ) بكسر الميم مثل : ( خفت وخفنا ) . وعلي لغة ( مات يموت ) يقال : ( مت ومتنا ) بضم الميم . والوجهان جائزان . أما من الناحية البيانية , فمن المعلوم أن الضمة اثقل من الكسرة , وحالة الموت المذكورة في آل عمران أثقل وأشد مما في ( المؤمنون ) ,وإن السياق أصعب وأشق , فإن الكلام علي ما حصل لهم في أحد , وما أصابهم من قتل ( الآيات : 152 – 155 ) . ثم ذكر الموت في الغزوات , أو الضرب في الأرض , وذلك يعني : الموت في الغربة , فقال : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [ آل عمران : 156 ] . ثم قال : { وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ .... } الآية , بمعني : الموت في سبيل الله ؛ أي : في الجهاد . وليس السياق كذلك في سورة ( المؤمنون ) , وإنما هو في الحوار بين رسول من رسل الله وكفار قومه , فقد قالوا فيه : { مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ [33] وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ [34] أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظَاماً أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ [35] هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ [36] } [ المؤمنون : 33 – 36 ] . ولا شك أن الموت في الغزوات أو في الغربة أثقل وأشد من الموت علي الفراش . فجاء فيما هو أثقل وأشد بما هو أثقل , وهو الضمة , ولما هو أخف بما هو أخف , وهو الكسرة . ويدلك علي ذلك أنه حيث قال : { أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً } ونحوها , جاء بالكسرة نظير قوله : { أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظَاماً } . (أسئلة بيانية في القرآن الكريم الجزء الثاني ص : 30) الوقفة كاملة
٢١٩ قال تعالي في سورة الأنعام : { وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ } [ الأنعام : 100 ] . سؤال : لماذا قال : ( وخرقوا ) ولم يقل : ( اختلفوا ) ؟ الجواب : اختلق وخرق بمعني , لكن في ( خرق ) معني الفساد والحمق إضافة إلي معني الاختلاق , وهو الكذب والافتراء , فإن الخرق قطع الشئ علي سبيل الفساد , من غير تدبر ولا تفكير , ورجل أخرق : لا يقدر , ولا يحسن العمل , والخرق الجهل والحمق , والأخرق الجاهل . وهو أنسب تعبير لمن قال بذلك , ووصفه بذلك سبحانه وتعالي عما يصفون . (أسئلة بيانية في القرآن الكريم الجزء الثاني ص : 49) الوقفة كاملة
٢٢٠ قال تعالي في سورة الأنعام : { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ } [ الأنعام : 130 ] . وقال في الزمر : { وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ } [ الزمر : 71 ] . سؤال : لماذا قال في آية الأنعام : { يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي } وقال في الزمر : { يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ } ؟ الجواب : ذكرنا هذا السؤال في الجزء الأول من كتاب ( أسئلة بيانية ) , وقد أجبنا عنه , وقد أثير الآن مرة أخري , وسنجيب عنه من جانب ىخر , غير ما ذكرناه في الجزء الأول , فنقول : إن القصة معناها الخبر , وقص عليه خبره , أي : أورده , قال تعالي : { فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ } [ القصص : 25 ] . ومعني ( تلا ) قرأ , وتلوت القرآن قرأته . فالتلاوة تكون لنص يقرأ , سواء كان من كتاب , أم كان عن حفظ . ومعني ( يقصون ) : يوردون عليكم الأخبار , وهذه الأخبار قد تكون من كتب أو نصوص , أو إخبارا من دون صحف . فقوله ( يقصون ) أعم ؛ لأنه يشمل كل ما يخبر , سواء كان من صحف , أم من دون صحف , وسواء كان تلاوة أم لا . إن قوله : ( يقصون ) يشمل جميع الرسل من أنزلت عليهم الكتب , ومن لم تنزل عليهم . وأما قوله : ( يتلون ) فهو أخص ؛ لأنه يخص من أنزلت عليه صحف فيتلوها . فلما ذكر معشر الجن والإنس في الأنعام , وهو أعم جمع , ناسب ذلك قوله : ( يقصون ) ؛ لأنه أعم . وقد قال قبل هذه الآية : { وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً } [ الأنعام : 128 ] أي : الإنس والجن . وقال بعد هذه الآية : { ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ } [ الأنعام : 131 ] فذكر عموم القري المهلكة , مما يدل علي أنه يشمل جميع الرسل : من أنزلت عليه صحف أو كتب , ومن لم تنزل . وأما في الزمر , فإنها أخص ؛ لأنه يقال ذلك للزمرة , كما قال تعالي : { وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا } أي : لكل زمرة . فناسب ذكر ما هو أخص وهو التلاوة . (أسئلة بيانية في القرآن الكريم الجزء الثاني ص : 50) الوقفة كاملة


إظهار النتائج من 211 إلى 220 من إجمالي 396 نتيجة.