أسرار بلاغية
| ١٩١ | (الْكِتَابَ) كلمة الكتاب تدل على الكمال، أي الكتاب المكتمل ، وسورة الكهف ترتيبها في النزول الثامنة والستون ، فيقال معنى الكتاب هنا أحد معنيين : 1- أن القرآن بعضه يسمى كتاب ، كما يسمى بعضه قرآن، بدليل قوله تعالى {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} ﴿١٨﴾ سورة القيامة. فالآية تسمى قرآناً . 2-أن المقصود نزول الكتاب كاملاً من اللوح المحفوظ، لأن كلمة (أنزل) تستخدم لنزوله كاملاً .(في المطبوع 14/8832) الوقفة كاملة |
| ١٩٢ | (رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ) تحتمل الآية معنيين : 1-لا تمنعهم ولا تلهيهم عن الحضور للمساجد. 2-لا تلهيهم وهم يؤدون تجارتهم عن ذكر الله وعبادته، فهم يذكرون الله حال أعمالهم وتجارتهم.(في المطبوع 16/10280-10281) الوقفة كاملة |
| ١٩٣ | (كافة) كافة الأصل أنها (كاف) ، ولكنها جاءت للمبالغة ،وتحمل معنيين: 1-إن الرسالة كافة لكل معاني الخير. 2-إنك كاف لجميع أجناس الناس.(في المطبوع20/ 12329-12330) الوقفة كاملة |
| ١٩٤ | (يَوْمَ التَّنَادِ) تشمل معنيين : 1-التباعد ، أي يبتعد بعضهم عن بعض . 2- المناداة ، ينادي بعضهم على بعض .(في المطبوع13372) الوقفة كاملة |
| ١٩٥ | (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا) في سورة فصلت قال تعالى {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿٩﴾ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ ﴿١٠﴾ ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴿١١﴾} سورة فصلت ففي فصلت خلق الأرض أولاً ، وفي النازعات خلقها ثانياً، فكيف يجمع بينهما ؟ والجواب أن (بعد) تحتمل معنيين: 1- بعدية ذكر، أي بعد ذكر السماء يذكر الأرض. 2- بعدية حدث، أي أن خلق الأرض مر بمرحلتين ، المرحلة الأولى : خلق مادتها ، والمرحلة الثانية : أعدها للحياة بدليل قوله تعالى (أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا) . الوقفة كاملة |
| ١٩٦ | {قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} ﴿١٧﴾ (ما أكفره) تأتي على معنيين: 1-التعجب من كفره . 2- الإنكار عليه، والإنكار يؤول إلى التعجب . الوقفة كاملة |
| ١٩٧ | قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ٢٣ فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ٢٤﴾ [البقرة: 23-24]. وقال في سورة يونس: ﴿أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ٣٨ بَلۡ كَذَّبُواْ بِمَا لَمۡ يُحِيطُواْ بِعِلۡمِهِۦ وَلَمَّا يَأۡتِهِمۡ تَأۡوِيلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [يونس: 38-39]. وقال في سورة هود: ﴿أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِعَشۡرِ سُوَرٖ مِّثۡلِهِۦ مُفۡتَرَيَٰتٖ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ١٣ فَإِلَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلۡمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [هود: 13-14]. سؤال: أ – لماذا قال في البقرة: ﴿فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ﴾ بذكر ﴿مِّن﴾ مع المثل ولم يذكرها في يونس ولا في هود؟ ب – لماذا قال في البقرة: ﴿وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾، وقال في يونس وهود: ﴿وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِين﴾؟ ج – لماذا شدد التحذير في البقرة فقال: ﴿فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ﴾. ولم يقل مثل ذلك في يونس ولا هود؟ د- ولماذا قطع بعدم الفعل بعد الشرط في البقرة، فقال: ﴿وَلَن تَفۡعَلُواْ﴾؟ الجواب: أ – إن معنى: (ائتني بشيء من مثله) يختلف عن قولك: (ائتني بشيء مثله)، فإن قولك: (ائتني بشيء من مثله) يعني افتراض أن له مثلاً فتقول: ائتني بشيء من هذا المثل. يقال: إن لهذا الشيء أمثالاً. فتقول: ائتني بشيء من مثله أي من هذه الأمثال. أما قولك: (ائتني بشيء مثله) فإنك لا تفترض أن له مثلاً فقد يكون أن له مثلاً أو لا يكون فاستحدث أنت مثله كأن تقول لصاحبك: ائتني بشعر مثل هذا أي بشعر مماثل له سواء كان مستحدثًا أم موجودًا. وبعد هذه المقدمة في التفريق بين معنيي (من مثله) و (مثله) نقول: ب- قوله: ﴿وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا﴾ أعم من قوله: ﴿أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ﴾ في يونس وهود لأن مظنة الافتراء واحد من أمور الريبة. فالريبة قد تكون من مظنة الافتراء أو غيره، فإنهم قالوا: ساحر أو مجنون أو يعلّمه بشر وما إلى ذلك. ج – قوله في البقرة: ﴿وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا﴾ يحتمل أن يكون من مثل القرآن أو من مثل الرسول أي من شخص أمي لم يتعلم. وهو أعم مما في الآيتين في يونس وهود فإنهما نص في أن المطلوب أن يأتوا بمثل القرآن. فناسب العموم العموم، وإن كان المعنى الأول هو الأظهر. د – حذف مفعولي ﴿تَفۡعَلُواْ﴾ و﴿وَلَن تَفۡعَلُواْ﴾ مجانسة للإطلاق وإن كان المقصود معلومًا. هـ - قال في يونس وهود: ﴿أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ﴾ فقال: ﴿فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّثۡلِهِۦ﴾ أو: ﴿بِعَشۡرِ سُوَرٖ مِّثۡلِهِۦ مُفۡتَرَيَٰتٖ﴾ أي افتروا أنتم كما افترى. و- لا يحسن بعد قوله: ﴿وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا﴾ أن يقال: (فائتوا بسورة من مثله مفتراة) من جهتين: الأولى: أنهم لم يقولوا: (افتراه) كما في آيتي يونس وهود. والجهة الأخرى: أنه لا يحسن بعد قوله: ﴿مِّن مِّثۡلِهِۦ﴾ أن يقول: (مفتراة) لأنه افترض أن له مثلاً فهو إذن ليس مفترى. ز- وعلى هذا لا يحسن أن يقال: (أم يقولون افتراه فائتوا بسورة من مثله) لأنه افترض أن له مثلاً فهو إذن ليس بمفترى. ح- لا يحسن بعد قوله: ﴿أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ﴾ في يونس وهود أن يقال: ﴿فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّثۡلِهِۦ﴾. فإنهم قالوا: (افتراه) وإذن ليس له مثل. وقوله: (من مثله) يقتضي أن له مثلاً، وإنما ينبغي أن يقال: (فائتوا بسورة مثله)، أي: افتروا أنتم أيضًا. ط – لم يقل في البقرة: (وادعوا من استطعتم من دون الله) لأنه افترض أن له مثلاً، ومعنى ذلك أن هناك من استطاع أن يفعل، إ ذن فليأتوا بشيء مما فعله المستطيع. فإن الغرض من دعوة من استطاعوا أن يفعلوا مثله وهو قد افترض أن له مثلاً فدعاهم إلى أن يأتوا بشيء مما فعله هؤلاء. ي – قال: ﴿وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ أي: ادعوا من يشهد لكم أن هذا الكلام مثل هذا. وعلى هذا فالآية تقتضي دعاء من استطاعوا ودعاء الشهداء، فالأوّلون دعاهم بقوله: ﴿مِّن مِّثۡلِهِۦ﴾ لأنه افترض أن هناك من استطاع أن يأتي بمثله، والشهداء دعاهم للشهادة. وهذا أوسع وأعم فناسب العموم العموم. ك – ذكر بعد آية البقرة أن يتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة لأن الذي لا يؤمن بعد إقامة الحجة عليه ولم يستعمل عقله إنما هو بمنزلة الحجارة فقرن بينهما. ل – لما قال في أول سورة البقرة: ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ﴾ ناسب أن يقول: ﴿وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ﴾. كما ناسب أن يقطع بعدم الاستطاعة على الفعل بقوله: ﴿وَلَن تَفۡعَلُواْ﴾ لأنه ذكر ابتداء أنه لا ريب فيه. (أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ8: 11) الوقفة كاملة |
| ١٩٨ | قال تعالى: ﴿وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ﴾ [البقرة: 120]. سؤال: لماذا قال: ﴿حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ﴾ بإفراد الملة ولم يقل: حتى تتبع ملتيهما؟ ولماذا جاء بـ (لا) في قوله ﴿وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ﴾ ولم يقل: (ولن ترضى عنك اليهود والنصارى)؟ الجواب: 1- الجواب عن السؤال الأول أنه لو قال: (حتى تتبع ملتيهما) لكان المعنى أن اليهود لا يرضون حتى تتبع الملتين. وأن النصارى لا يرضون حتى تتبع الملتين. وهذا غير مراد ولا يصح. 2- أما الجواب عن السؤال الثاني فإنه لو قال ذلك من دون (لا) أي: (ولن ترضى عنك اليهود والنصارى حتى تتبع ملتيهما) كان المعني أنه لن يرضى عنك الجميع حتى تتبع الملتين. ولو قال: (ولن ترضى عنك اليهود والنصارى حتى تتبع ملتهم) احتمل ذلك معنيين: الأول: أن الجميع لا يرضون حتى تتبع ملتهم. بمعنى أنك إذا اتبعت ملة اليهود رضيت عنك اليهود والنصارى، وإذا اتبعت ملة النصارى رضيت عنك اليهود والنصارى، وهذا المعنى لا يصح وهو غير مراد. والآخر: هو احتمال ما نصت عليه الآية أي: لن ترضى عنك اليهود حتى تبتع ملتهم، ولن ترضى عنك النصارى حتى تتبع ملتهم. وما جاء في التعبير القرآني نص على المعنى المراد من دون احتمال آخر. (أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 16 ،17) الوقفة كاملة |
| ١٩٩ | قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَمَا جَعَلۡنَا ٱلۡقِبۡلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيۡهَآ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِۚ وَإِن كَانَتۡ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۗ﴾ (143). وقال في سورة الأنعام: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَۚ فَإِن يَكۡفُرۡ بِهَا هَٰٓؤُلَآءِ فَقَدۡ وَكَّلۡنَا بِهَا قَوۡمٗا لَّيۡسُواْ بِهَا بِكَٰفِرِينَ٨٩ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ﴾ (89، 90). وقال في سورة الزمر: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱجۡتَنَبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ أَن يَعۡبُدُوهَا وَأَنَابُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰۚ فَبَشِّرۡ عِبَادِ١٧ ٱلَّذِينَ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ (17، 18). سؤال: لماذا قال في آية البقرة: ﴿إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ﴾، فحذف العائد على (الذين) من الفعل (هدى). وكذلك في آية الأنعام فقد قال: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ﴾، ولم يقل: (هداهم الله). في حين قال في آية الزمر: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُۖ﴾ فذكر العائد وهو الضمير (هم) المتصل بالفعل (هدى)؟ الجواب إن هذا النوع من الحذف إنما هو من الحذف الكثير في اللغة، والفرق بين الذكر والحذف أن الذكر يفيد التوكيد كما هو معلوم، ومعنى ذلك أن قوله: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُۖ﴾ آكد من قوله: ﴿ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ﴾ لأنه صرح بذكر الضمير. أما الفرق بين آية البقرة وآية الزمر فإن آية الزمر تقتضي التوكيد أكثر من آية البقرة وذلك أن آية البقرة إنما هي في تحويل القبلة. وأما آية الزمر فإنها فيمن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وهؤلاء على درجة كبيرة من الهدى فإنهم لا يكتفون باتباع الحسن وإنما يتبعون الأحسن، ثم إنه جاء معهم بالفاء فقال: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُ﴾ ولم يأت بـ (ثم)، والفاء تدل على الترتيب والتعقيب فإنهم بمجرد سماع القول يتبعون الأحسن. وقال: (يتّبعون) مضارع (اتّبع) بتضعيف التاء وهو على وزن (افتعل) الدالّ على المبالغة في الاتباع ولم يقل(يتْبعون) بالتخفيف، وهذه مرتبة عظيمة أعلى من مجرد اتباع القبلة لأن اتباع القبلة إنما هو من استماع القول واتباعه فهو واحد من الأمور المطلوبة. فهداية المذكورين في الزمر أعلى وآكد لأنها تشمل ما ذكره في آية البقرة وغيره مما يريده الله. ولذا كان التوكيد في الزمر هو المناسب. وأما آية الأنعام فهي في جمع من رسل الله وأنبيائه وفيهم أولو العزم، ولا شك أن هؤلاء أعلى من المذكورين في آية الزمر. قد تقول: ولماذا إذن لم يذكر الضمير مع فعل الهداية مع أنهم أولى بالتوكيد من غيرهم؟ والجواب: إن ربنا ذكر كل أحوال الهداية مع هؤلاء الذين ذكرهم في سياق آية الأنعام، واستعمل كل أنواع التعدية لفعل الهداية. فقد عدى الفعل إلى المفعول مباشرة بأسمائهم الظاهرة، فقال: ﴿وَنُوحًا هَدَيۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ . . .﴾ إلخ. فعطف هؤلاء الأنبياء والرسل على نوح الذي هو مفعول (هدينا) أي: ومن ذريته هدينا سليمان وأيوب ويوسف ..... إلخ. ثم عدى الفعل إلى ضميرهم أيضًا فقال: ﴿وَٱجۡتَبَيۡنَٰهُمۡ وَهَدَيۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ (87)، فقال:﴿هَدَيۡنَٰهُمۡ﴾ فعدّى الفعل إلى ضميرهم كما قال: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُۖ﴾ وزاد على ذلك الاجتباء. ولم يكتف بذاك بل قال أيضًا: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ﴾ فحذف مفعول (هدى) وهو الضمير العائد على الرسل فجعل الكلام على صورة المطلق فأطلق المعنى، إذ يحتمل هذا التعبير معنيين: الأول: أولئك الذين هداهم الله وهو الأظهر. والثاني: أولئك الذين هدى الله بهم. فصار المعنى: أولئك الذين هداهم الله وهدى بهم، ولو ذكر الضمير لدل على معنى واحد، فاتسع المعنى بالحذف. ولا شك أن هذا المعنى أوسع من ذكر الضمير وأمدح لهم. فزاد على ما ذكره في الزمر بالتعدية إلى المفعول المباشر وهو الاسم الظاهر، وبالحذف للدلالة على الإطلاق واتساع المعنى. ثم إنه ذكر من الهداية ما لم يذكره في الآيتين. فقد ذكر الهداية العامة، وهو قوله: ﴿وَنُوحًا هَدَيۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ . . .﴾ إلخ. ولم يخصص الهداية بأمر معين. ثم ذكر أنه هداهم إلى صراط مستقيم فقال: ﴿وَٱجۡتَبَيۡنَٰهُمۡ وَهَدَيۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ وهذه هداية أخرى. ثم أفاد بالحذف أنه هداهم وهدى بهم. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن أسند فعل الهداية مع رسل الله مرة إلى ضمير التعظيم، فقال: ﴿وَنُوحًا هَدَيۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ . . .﴾ إلخ، وقال: ﴿وَهَدَيۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾. وأسنده مرة أخرى إلى اسمه الجليل وهو اسمه العَلَم فقال: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ﴾. في حين أسنده في الآيتين الأخريين إلى اسمه العلم، فزاد في الإسناد مع الرسل على ما في الآيتين الأخريين. هذا علاوة على ما ذكره من التعظيم لأنبيائه ما لم يذكره مع الآخرين من نحو قوله: ﴿وَكُلّٗا فَضَّلۡنَا عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾. وقوله: فزاد الاجتباء على الهداية. وقوله: ﴿وَٱجۡتَبَيۡنَٰهُمۡ وَهَدَيۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾. وقوله: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَۚ﴾. وقوله: ﴿فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ﴾. فناسب كل تعبير موضعه. وقد تقول: ألا يحتمل الحذف في آية البقرة وهي قوله: ﴿وَإِن كَانَتۡ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۗ﴾ ما ذكرته في قوله: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ﴾ فيكون المعنى: إلا على الذين هداهم الله وهدى بهم، فيتسع المعنى، فيكون مَن ذكرهم في البقرة أعلى ممن ذكرهم في الزمر نظير ما ذكرته في آية الأنعام؟ والجواب: إن السياق يأبى ذلك، فإن هذه الآية في تحويل القبلة إلى الكعبة بعد أن كانت إلى بيت المقدس، ويكفي في ذلك أن يتجه المسلم إلى الكعبة في صلاته، وأن يهديه الله للرضا بذلك سواء كان يهدي الآخرين أم لا، وسواء كان عالمًا أم لا. فمن رضي بذلك واتجه إلى القبلة، شملته الآية أيًّا كان فلا يصح تقدير ما ذكرت. وقد تقول: ولِمَ لَم يحذف الضمير في آية الزمر فيقول: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ﴾ ليشمل الذين هداهم الله وهدى بهم، فيكون أمدح لهؤلاء كما فعل في آية الأنعام؟ والجواب: إن ذكر الضمير ههنا من رحمة الله بنا، ولو حذفه لكان البشرى لا تنال إلا من هداه الله وهدى به، فيكون ممن جمع بين الأمرين، ولا تنال مَن هداه الله ولم يَهد به، فذكر الضمير أفاد نصًّا أن البشرى تنال مَن هداه الله، وأن ذلك كافٍ لأن تناله بشرى ربنا. وهذا من رحمته سبحانه بعباده، والحمد لله رب العالمين. (أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 21: 25) الوقفة كاملة |
| ٢٠٠ | قال تعالى في آل عمران: ﴿فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ﴾ (64) وقال في سورة هود: ﴿قَالَ إِنِّيٓ أُشۡهِدُ ٱللَّهَ وَٱشۡهَدُوٓاْ أَنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ٥٤ مِن دُونِهِۦۖ﴾ (54، 55). سؤال: لماذا قال في آية عمران: ﴿ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ﴾ فجاء بالباء مع (أنا) ولم يذكرها في قوله: ﴿وَٱشۡهَدُوٓاْ أَنِّي بَرِيٓءٞ﴾ فلم يقل: (بأني بريء) مع أن الفعل فيهما واحد وهو قوله: (اشهدوا)؟ الجواب: إن الباء مُقدرة في قوله تعالى: ﴿وَٱشۡهَدُوٓاْ أَنِّي بَرِيٓءٞ﴾ والمصدر المؤول منصوب على نزع الخافض لأن (شهد) بهذا المعنى يتعدى بالباء وذلك نحو قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَن شَهِدَ بِٱلۡحَقّ﴾ (الزخرف :86)، وقوله: ﴿وَمَا شَهِدۡنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمۡنَا﴾ (يوسف: 81). ومعلوم أن الذكر أقوى وآكد من الحذف فقوله: ﴿ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ﴾ أقوى وآكد من قوله: ﴿وَٱشۡهَدُوٓاْ أَنِّي بَرِيٓءٞ﴾ وسياق كل الآيتين يوضح ذلك. قال تعالى في آل عمران: ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۢ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ٦٤﴾ [آل عمران: 64]. وقال في سورة هود: ﴿إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعۡتَرَىٰكَ بَعۡضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٖۗ قَالَ إِنِّيٓ أُشۡهِدُ ٱللَّهَ وَٱشۡهَدُوٓاْ أَنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ٥٤ مِن دُونِهِۦۖ فَكِيدُونِي جَمِيعٗا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ٥٥﴾ [هود: 54-55]. ومن النظر في كل من الموضعين يتضح أن ما ذكره رسول الله آل عمران أكثر مما قاله نبي الله هود في سورة هود. فقد قال في آل عمران: 1- ﴿أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ﴾ 2- ﴿وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡٔٗا﴾ 3- ﴿ا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ﴾ وأما في هود فقد ذكر البراءة من الشرك فقط فقال: ﴿أَنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ٥٤ مِن دُونِهِۦۖ﴾، وهو واحد مما جاء في آل عمران. ثم لو نظرنا فيما جاء عن الشرك في كل الموضعين لوجدنا أن ما في آل عمران أقوى وأعم فقد قال فيها: ﴿وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡٔٗا﴾ أي: أيّ شيء كان، وهذا التعبير يحتمل معنيين: لا نشرك به شيئًا من الشرك ولا نشرك به شيئًا من الأشياء. في حين قال في هود: ﴿أَنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ٥٤ مِن دُونِهِۦۖ﴾ فإنه ذكر البراءة مما يشرك قومه. فكان ما في آل عمران أعم وأشمل لأنه نفى كل أنواع الشرك ويدخل فيه ما ذكره في هود. فكان ما في آل عمران أقوى وآكد وأعم فناسب ذكر الباء فيه، ولما كان ما في هود جزءًا مما ذكر في آل عمران ناسب الحذف، والحذف في نحو هذا قياس كما هو معلوم. (أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 33 : 35) الوقفة كاملة |
إظهار النتائج من 191 إلى 200 من إجمالي 396 نتيجة.