| ١١ |
آية (٢٣) : (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)
* التحدي كان بأكثر من صورة، السور المكية جميعاً جاءت من غير (من) فكان أحياناً يطالبهم بحديث، يقول لهم: فأتوا بقرآن مثله، أحياناً عشر سور، أحياناً سورة مثل الكوثر أو الإخلاص، هذا كان في مكة.
في المدينة (في سورة البقرة) هنا القرآن إنتشر وصار أسلوبه معروفاً، الآن يقول لهم (بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ) (من) للتبعيض، هو لم يقل : فأتوا بمثله وإنما ببعض ما يماثله أو بعض ما تتخيلونه مماثلاً ولا يوجد ما يماثله فما معناه؟ هذا معناه زيادة التوكيد أنه لو تخيلتم أن لهذا القرآن مثال فحاولوا أن تأتوا بجزء من ذلك المثال الذي تخيلتموه فهذا أبعد في التيئيس من قوله (مثله) مباشرة.
هذا إمعان في التحدي.
* الفرق البياني بين قوله تعالى (مِّن مِّثْلِهِ) فى سورة البقرة و(مِثْلِهِ) فى سورة هود؟
أولًا: إذا افترضنا أن لهذا الشيء أمثالاً فيقول: ائتني بشيء (مِّن مِّثْلِهِ)، أما عندما نقول : ائتني بشيء (مثله) فهذا لا يفترض وجود أمثال لكنه محتمل أن يكون له مثيل فإن كان موجودًا ائتني به وإن لم يكن موجوداً فافعل مثله.
ثانيًا: قال تعالى في سورة البقرة (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ) وهي بلا شك أعم مما جاء في سورة هود (افْتَرَاهُ) لأن مظنة الإفتراء أحد أمور الريب.
ثالثًا: المفسرون وضعوا احتمالين لقوله تعالى (مِّن مِّثْلِهِ) أي من مثل القرآن أومن مثل هذا الرسول الأمي الذي ينطق بالحكمة أي فاتوا بسورة من القرآن من مثل رجل أمي كالرسول صلى الله عليه وسلم، وعليه فإن (مِّن مِّثْلِهِ) أعمّ لأنه تحتمل المعنيين أم (مِثْلِهِ) فهي لا تحتمل إلا معنى واحداً وهو مثل القرآن ولا تحتمل المعنى الثاني.
رابعًا: أنه حذف مفعولي الفعلين المتعديين في قوله (فَإِن لَمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا) والحذف قد يعني الإطلاق عموماً في اللغة.
* هل يمكن أن نضيف كلمة مفتراة في سورة البقرة فيقول مثلاً فاتوا بسورة من مثله مفتراة كما قال (مفتريات) في هود؟
هذا التعبير لا يصح من عدة جهات:
أولًا: هم لم يقولوا افتراه كما قالوا في سورة هود.
ثانيًا: وهو المهم أنه لا يُحسن أن يأتي بعد (مِّن مِّثْلِهِ) بكلمة مفتراة لأنه عندما قال من مثله افترض وجود مثيل له فإذن هو ليس مفترى ولا يكون مفترى إذا كان له مثيل إذن تنتفي صفة الافتراء مع افتراض وجود مثل له.
ثالثًا: لا يصح أن يقول في سورة هود أن يأتي بـ (فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ) لأن استخدام (مِّن مِّثْلِهِ) تفترض أن له مثل إذن هو ليس بمفترى ولا يصح بعد قوله تعالى (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) أن يقول (فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ) لنفس السبب الذي ذكرناه سابقاً. إذن لا يمكن استبدال إحداهما بالأخرى.
رابعًا: قال تعالى في آية سورة البقرة (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) ولم يقل ادعوا من استطعتم كما قال في هود (وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) لأنه في آية سورة البقرة عندما قال (مِّن مِّثْلِهِ) افترض أن له مثل إذن هناك من استطاع أن يأتي بهذا المثل وليس المهم أن تأتي بمستطيع لكن المهم أن تأتي بما جاء به فلماذا تدعو المستطيع إلا ليأتي بالنصّ؟ فقال (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ) ليشهدوا إن كان هذا القول مثل هذا القول فالموقف إذن يحتاج إلى شاهد محكّم ليشهد بما جاءوا به وليحكم بين القولين. أما في آية سورة هود فالآية تقتضي أن يقول (وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ) ليفتري مثله، هم قالوا افتراه فيقول تعالى ادعوا من يستطيع أن يفتري مثله كما يقولون، إذن في سورة البقرة أعمّ وأوسع لأنه تعالى طلب أمرين: دعوة الشهداء ودعوة المستطيع ضمناً أما في آية سورة هود فالدعوة للمستطيع فقط.
ومما سبق نلاحظ أن الآية في سورة البقرة بُنيت على العموم أصلاً (لا ريب، من مثله، الحذف قد يكون للعموم، ادعوا شهداءكم). ثم إنه بعد هذه الآية في سورة البقرة هدّد تعالى بقوله (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)) والذي لا يؤمن قامت عليه الحجة ولم يستعمل عقله فيكون بمنزلة الحجارة.
الوقفة كاملة
|
| ١٢ |
آية (٣٨) : (قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ )
* (وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ (٣٦)) (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا (٣٨)) لماذا في المرة الأولى (وقلنا) وفي الثانية (قلنا)؟
عندما تأتي العقوبة تالية للجريمة أو الخطيئة مباشرة تأتي بالواو (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)) وهذه واو التهديد والوعيد أنت عصيت وأنا أعاقبك ، إذن (وقلنا) متعلقة بغضب الله عز وجل بعد المعصية مباشرة ، بالتهديد والعقوبة ، أما (قلنا) الثانية متعلقة بالمغفرة والتوبة والرضى ، هذا الاستغفار يطفئ غضب الرب (فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)) فجاءت بعد التوبة ورضى الله عز وجل مباشرة .
* أين جواب الشرط في الآية ؟
فإما يأتينكم : هي (إنّ وما) جمعتا معاً ، إنّ شرطية وما الزائدة بين أداة الشرط وفعل الشرط وجملة (فمن تبع هداي) هي جواب إنّ والفاء رابطة لجواب إنّ وجملة فلا خوف عليهم فهي جواب لـ(من تبع هداي).
* الفرق بين قوله تعالى هنا (فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ) و(فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ) في طه :
تَبِع زيدٌ عمراً مر به فمضى معه ، يعني مررت في طريقك فرأيت شخصاً واقفاً ما أن حاذيته حتى صار خلفك تماماً انقياد كامل ، التُبُع باللغة العربية الظل أنت حيث ما تسير صار ظلك معك يتْبعك- بتسكين التاء- تماماً ولا يتّبعك- بتشديد التاء- ما الفرق؟
يتْبعك تلقائياً محاذاة كظلِّك بشكل مباشر أما يتّبعك- بتشديد التاء- فيها جهود وفيها مراحل وفيها تلكؤ وفيها مشقات وفيها أشياء كثيرة تقول أنا تتبعت المسألة حتى حللتها أو وقفت على سرها ، تتبعت مرة مرتين ثلاث أربع ليل نهار هذا اتّبَع، معنى ذلك أن كلمة تَبِع إما التوحيد وإما الشرك ، فرب العالمين حين يقول (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى) يعني التوحيد أرسلت لكم نبياً يقول اتركوا الأصنام لا إله إلا الله هذا تَبِع على طول لا يتردد . فلما قال (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ) هذه الشريعة أرسلت لكم شريعة حاولوا كل واحد يطبق منها ما يستطيع على قدر جهده وعلمه ونشاطه وهمته هذا إتّباع .
تبِع كظل الشيء وأنت لا تكون ظل النبي إلا في التوحيد لا إله إلا الله لابد أن تكون مثل ظله ، لكن إتّباع لا أين أنت وأين هو؟! .
* (لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) من حيث التأليف والتركيبة البيانية :
• (لا خوف عليهم) بالإسم و (ولا هم يحزنون) بالفعل ، ما قال لا يخافون كما قال ولا هم يحزنون :
وذلك لأنهم يخافون في الواقع وخوفهم يوم الآخرة (يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) هؤلاء مؤمنون يخافون، الخوف مدح لهم هنا ، كل المكّلفين يخافون حتى يؤمّن الله من يؤمّن ، ولما كان الخوف حقيقة عبّر عنه بالإسم.
• لم يقل لا يخافون :
معنى (لا خوف عليهم) يعني لا يُخشى عليهم خطر، أما هم فقد يكونوا خائفين أو غير خائفين، قد يكون هناك إنسان غير خائف لأنه لا يقدر الخطر لكن هنالك خطر عليه، الطفل مثلاً لا يخاف النار هو لا يعلم العواقب ولا يقدرها ونحن نخاف عليه ، إذن لم يقل لا يخافون لأن واقع الأمر أنهم يخافون فأمّنهم الله بقوله (لا خوف عليهم) وهذا هو المهم .
• لم يقل لا خوف عليهم ولا حزن؟
هو قال (ولا هم يحزنون) جعل الحزن بالفعل وأسند إليه (ولا هم يحزنون) ، لو قال لا خوف عليهم ولا حزن لا يصح المعنى لأن ذلك يعني لا يحزن عليهم أحد يعني نفى الحزن عن غيرهم ولم ينفه عنهم يعني هم قد يحزنون لكن لا يحزن عليهم أحد ، والمطلوب أن تنفي عنهم الحزن لا أن تنفيه عن غيرهم ، ثم قد يكون هذا ذم أن لا يحزن عليهم أحد كما قال ربنا (وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) النحل) يعني لا يستحقون أن تحزن عليهم ، إذن لو قال لا خوف عليهم ولا حزن لا يستقيم المعنى قد يكون ذم وليس فيه فائدة ولا ينفعهم .
• خصص الحزن بتقديم (هم) (ولا هم يحزنون) :
التقديم أفاد الحصر ، أراد ربنا تبارك وتعالى أن ينفي عنهم الحزن ويثبته لغيرهم يعني ليس هم الذين يحزنون لكن الذي يحزن غيرهم من الكفرة هؤلاء أصحاب الحزن ، لو قال لا خوف عليهم ولا يحزنون يعني هم لا يحزنون لكن لم يثبت الحزن لغيرهم .
• لم يخصص الخوف ما قال لا عليهم خوف بتقديم الجار والمجرور كما قال ولا هم يحزنون :
وهذا أيضاً لا يصح ، عندما يقول لا عليهم خوف يعني ليس عليهم الخوف ولكن الخوف على غيرهم ، أنت نفيت الخوف عنه وأثبته على غيرهم أي الكفار، من يخاف على الكفار؟ وهم مغضوب عليهم؟ هذا المعنى يفهم إذا قدّم وقال لا عليهم خوف كان نفاه عنهم وأثبته على غيرهم .
• (لا خوف عليهم) الإسم مرفوع وهنالك قراءة لا خوفَ بالفتح فلماذا فيها قراءتين؟
لا خوفَ عليهم بالنصب نص في نفي الجنس ولا النافية للجنس تعمل عمل (إنّ). لما تقول لا رجلَ بالبناء على الفتح هذا نفي نص الجنس يعني لا يوجد أيّ رجل مطلقاً ، لا رجلٌ نفي الجنس على الأرجح ويحتمل نفي الواحد لكن مع إحتمال وجود رجلين أو ثلاثة أو أربعة هذا احتمال واحتمال.
لا خوفٌ عليهم في غير القرآن يمكن أن تجعله لا خوفٌ عليهم بل أكثر من خوف ، بينما لا خوفَ عليهم نفي جنس الخوف .
لا شك السياق نفي الجنس تخصيصاً من أكثر من ناحية : من ناحية مقام مدح ، من ناحية قال (ولا هم يحزنون) فإذا كانوا لا يحزنون فإنه لا خوف عليهم لأن الحزن إذا كان هنالك شيء مخوف فتحزن لذلك ، إذن دلت القرائن على نفي الخوف تنصيصاً وجاء بـ (لا) النافية للجنس أيضاً في قراءة أخرى. فإذن القراءتان دلت على نفي الخوف تنصيصاً وبالقرينة.
لكن هنالك مسألة إذا كان هو أفاد نفي الجنس تنصيصاً أو بالقرينة إذن لماذا يأت بنفي الجنس ولم يقل لا خوفَ عليهم؟
هو عندما يقول (لا خوفٌ عليهم) بالرفع هذا يفيد معنيين:
١- الأول كون حرف الجر (عليهم) متعلق بالخوف مثلاً (فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ) متعلق بـ(خاف) ، لو كان الجار والمجرور (عليهم) متعلقاً بالخوف يكون الخبر محذوفاً لأن لا خوفٌ عليهم الخبر يكون محذوفاً .
٢- يحتمل أن يكون الجار والمجرور (عليهم) ليس متعلقاً بالخوف وإنما متعلق بكان واستقر يعني لا خوف كائن عليك. مثل (عليكم أن تجلسوا في الصف) إذا تعلق الصف بالجلوس لا يكون هنالك خبر، الجلوس في الصف مطلوب نافع مفيد، لا خوفٌ عليك موجود .
إذن فيها معنيين واحتمالين وليست هنالك قرينة سياقية تحدد معنى معينا ً، إذن هذا توسع في المعنى جمع معنيين : إذا أخذناها على أن (عليهم) متعلقة بالخوف يكون الخبر محذوف يعني لا خوف عليهم من أي مكروه أو لا خوف واقع عليهم إذن الرفع فيها احتمالين أن يكون (عليهم) متعلق بخوف فيكون الخبر محذوف تقديره كائن أو موجود أو (عليهم) هو الخبر، الخوفُ عليهم وكل واحدة لها دلالة .
أما لا خوفَ عليهم ليس له إلا دلالة واحدة (عليهم) هو الخبر نصّاً لا يجوز أن يتعلق بالخوف نحوياً ، لأنه لو كان تعلق به سيكون شبيهاً بالمضاف فنقول لا خوفاً عليهم بالنصب ولا يصح البناء مطلقاً لأنه شبيه بالمضاف ولا يمكن أن نبني . لو اكتفى لا خوفَ عليهم سنفقد معنى (لا خوفَ) خوفَ نعربها إسم لا النافية للجنس، أما (لا خوفٌ) (لا) نعربها إما عاملة عمل ليس وقسم يجعلها مهملة فيكون خوف مبتدأ وعليهم خبر.
• هو نفي الخوف الثابت والمتجدد ونفى الحزن الثابت والمتجدد :
- قال (لا خوف عليهم) هذا ينفي الخوف الثابت .
- نفي الحزن المتجدد من الفعل المضارع (ولا هم يحزنون) الذي فيه تجدد واستمرار وهذا يقتضي (لا خوف عليهم) لأن الحزن مرحلة تالية للخوف فإذا نفى ما يستجد من الحزن ينفي ما يستجد من الخوف.
- نفي الحزن المتجدد ينفي الخوف المتجدد لأنك تخاف فتحزن، الخوف أولاً ثم الحزن بعدما يقع إذا وقع ما يخاف منه .
- نفي الخوف الثابت ينفي الحزن الثابت ، فجاء أحدهما بالفعل والآخر بالإسم وأحدهما مرتبط بالآخر .
• لم يقل لا خوفٌ عليهم ولا حزن لهم؟
- جملتان إسميتان تدلان على الثبوت؟ لو قال لا حزن لهم هو ينفي الحزن عنهم ولا يثبته لغيرهم، هو قال (ولا هم يحزنون) أثبت الحزن لغيرهم .
- لو قال ولا لهم حزن هذا تنصيص على الجنس بمعنى ليس هنالك نص في نفي الجنس يعني لا لهم حزن لأن لا النافية للجنس لا يتقدم خبرها على إسمها فإذا تقدّم لا تعود نصاً في نفي الجنس ثم يجب رفع الحزن لا يجوز نصبه ولا بناءه (ولا لهم حزنٌ) ما دام تقدم الخبر تصير (لا) مهملة.
- ثم سنخسر الثابت والمتجدد لأنها تصبح كلها إسماً إذن تنفي الثابت فقط ولا تنفي الثابت والمتجدد.
هذا كله في (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون).
الوقفة كاملة
|
| ١٣ |
آية (٧٤) : (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)
* دروس مستفادة من قصة البقرة : بقصة واحدة أخذنا حزمة من الأهداف العظيمة :
أولاً : ذبح العجل من القلوب قبل أن يذبح على الأرض ، لأن قطعا العجل الذهبي الذي عبده بنو إسرائيل مُثل لهم فلما يذبحوا البقرة الصفراء فالمعني المعنوي والتربوي هاهو يحصل قطعا أو هكذا يفترض .
ثانياً : بنو إسرائيل غلاظ الإيمان بالغيب وبالذات الإيمان بالآخرة فكان درس البقرة ليريهم قدرة الله على البعث كيف يحي الله الموتى ، ضرب ميت بقطعة من ميت فيحيا .. ما هذا؟ هذه قدرة الله هذه معجزة يسوقها الله عز وجل ، وتناسقت القصة مع جو سورة البقرة اللي كله جو الإحياء من بعد الموت .
ثالثاً : الجريمة كانت مقيدة ضد مجهول والآن علم القاتل وانتهي التنازع ، أحياء أوشكت أن تقتتل وتقع دماء جديدة .
رابعاً : تعليم بني إسرائيل تلقي الأمر للتنفيذ ، وأن الأمر للالتزام ، الشعب مع النبي جند في الميدان الأمر للتنفيذ العسكري ينفذ بلا اعتراض ، هذا نبي يوحى إليه .
خامساً : قلوب بني إسرائيل لانت للحظات .. دقائق .. ساعات ( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ) يا الله! يعني ما لبثت قلوبكم أن عادت إلى طبيعتها وعادتها وهيئتها رجعت القساوة والعمي النفسي رجع إلى قلوبكم من جديد ، ولكي أعطيك صورة مجسدة لقسوة القلب ما اكتفى بكلمة قست قلوبهم ، لا أعطاك إياه في مثل مجسد ( فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) قلوب من اللحم تكون أشد قسوة من الحجارة! الدليل (وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء) كالحجر اللي كنتم منه تشربون منه يا بني إسرائيل ورأيتم كيف تخرج المياه من حجارة من قلب الصخر يخرج الماء (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ) ثلاث نماذج على الحجارة إما انفجار أنهار .. إما خروج مياه .. إما هبوط من خشية الله . أفيصيب قلوبكم مثل ما كان من هذه الحجارة؟ الجواب: لا .. إذن قلوبكم أقسى من الحجارة .
* ختم الآية الكريمة (وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) بتاء الخطاب وما قال (عَمَّا يَعْمَلُونَ) الماضين لأن المقصود يا حاضرين نزول القرآن ويا شاهدين هذا النبي صلى الله عليه وسلم ، الله تعالي ليس غافلا عما تعملون .
* (وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) هذا النص تكرر في القرآن مرات كثيرة لكن في البقرة وآل عمران (وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) :
السياق كان دائما يجيء عن بني إسرائيل ، كذلك في البقرة وآل عمران (وما الله) وفي باقي المواطن (وما ربك) لأنه في القرآن المكي كان يتنزل لمسح ألم النبي صلى الله على النبي وسلم فكان (وما ربك) كلمة المواساة ، لكن هنا (وَمَا اللّهُ) يربي المهابة في قلوب بني إسرائيل وغيرهم .
الوقفة كاملة
|
| ١٤ |
(الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)
* (الْحَمْدُ للّهِ) جملة مؤلفة من كلمتين، هل كان من الممكن استعمال كلمات أخرى أو التغيير في وضعها ؟ في الظاهر . . نعم . . هناك كلمات و أساليب تحمل المعنى نفسه ، ولكن هل تفي بالمراد ؟ وماذا عن المعنى العام ؟
١ـ المدح لله
- المدح هو الثناء وذكر محاسـن الغير من الصـفات والأعمال أما الحمد فهو الثناء على الجميل من النعمة او غيرها وذكر المحاسـن مع التعظيم والمحبة فأيهما أقوى ؟
- المدح قد يكون للحي ولغير الحي ، وللعاقل وغير العاقل من جماد أو حيوان كالذهب والديك أما الحمد فيخلص للحي العاقل.
- المدح قد يكون قبل الإحسان أو بعده أما الحمد فلا يكون إلا بعده ، فالحمد يكون لما هو حاصل من المحاسن في الصفات أو الفعل فلا يحمد من ليس في صفاته ما يستحق الحمد أما المدح فقد تمدح إنساناً ولم يفعل شيئاً من المحاسن ، ولذا كان المدح منهياً عنه.
- المدح لم يرد في القرآن الكريم لا بالمصدر ولا بالمشتقات ولا أي صيغة من صيغ المدح لما في المدح من إحتمال الصدق والكذب.
** يظهر لنا مما تقدم أننا عندما نقول (الْحَمْدُ للّهِ) فإننا نحمد الله الحي الذي اتصـف بالصفات الحسنى والفعل الجميل فاسـتـحـق الحمد على صفاته وعلى فعله وإنعامه ، ونعترف له بالتفضل والتكرم فقدأسبغ علينا من إحسانه ظاهراً وباطناً ما لا يعد ولا يحصى، مع إظهار تعظيمنا وإجلالنا له وتأكيد توجه محبتنا إليه، ولو قال المدح لله لم يفد شيئاً من ذلك.
٢ـ الشكر لله
ـ الحمد يقتضي المحبة والتعظيم والشكر ليس فيه ذلك فحينما تشكر إنساناً ليس شرطاً أن تعظّمه أو تحبه.
ـ لا يكون الشكر إلا على ما وصل للشـخـص من النعم ، أما الحمد فعلى ما وصل إليه وإلى غيره، فالشكر إذن أضيق نطاقاً.
ـ الشكر يختص بالنعم ولا يوجه للصـفات، فنحن لا نشكر فلاناً على علمه أو قدرته، أما الحمد فيكون على النعم وعلى الصفات الذاتية وإن لم يتعلق شيء منها بنا.
** مما تقدم يتضح لنا أن المدح أعم من الحمد ، وأن الحمد أعم من الشكر وفي الأول تعميم لا يناسب المقام ، وفي الأخير تخصيص غير مناسب أيضاً فهل يمكن استعمال واحدة من هذه العبارات؟
٣- الثناء على الله
الثناء لا يأتي إلا مع (على) وفيه نوع من الإستعلاء لا ينسجم مطلقاً مع بداية الفاتحة ولكن أنت تقول حمده وحمد له فعله والتعدي باللام تقرّبه، لا نجد أثنى على الله إبتداء إنما يقول حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله تأتي ملحقة لا تأتي منفردة لأن فيها نوع من الإستعلاء، ولم يرد الثناء بكل تصريفاته في كتاب الله عز وجل.
٤ـ أحمد الله أو نحمد الله أو احمدوا الله
ـ هي جمل فعلية تدل على الحدوث وتجدد الفعل أما (الْحَمْدُ للّهِ) فجملة اسمية تدل على الدوام والثبوت
لذا فمن القواعد المعروفة في اللغة أن الجملة الاسمية أقوى من الجملة الفعلية لأن :
ــ الجملة الفعلية تختص بفاعل معين أو جماعة تؤمر بالحمد ، ولكن ماذا عن غيرهم من الناس ؟ أما الجملة الاسمية فلا تحدد فاعل معين فهو المحمود على وجه الاطلاق منك ومن غيرك.
- الجملة الفعلية ترتبط بزمن معين مما يعني أن الحمد لا يحدث في غير هذا الزمن الذي يتم فيه الحمد
وزمن الإنسان زمن محدد معين ، يرتبط أو يساوي عمره على أقصى تقدير ، فلا يتجاوزه إلى ما بعده ولا يبدأ قبله، فيكون الحمد أقل مما ينبغي بكثير أما في الجملة الاسمية فالحمد مطلق مستمر، فهو كان محمودا قبل حمد الحامدين وقبل شكر الشاكرين.
ــ الجملة الفعلية لا تفيد أن المفعول مستحق للفعل، فقد نشكر من لا يستحق الشكر، أما الجملة الاسمية فتفيد استحقاقه للحمد تأكيداً فالحمد والثناء حق لله تعالى ثابت له يستحقه لذاته ولصفاته ولما أنعم من آلائه .
ــ وإن كان الفعل للأمـر(احمد أو احمدوا) فإن المأمور قد يفعل ما أمر به دون اقتناع، وإنما خوفا من الآمر أو رغبة في شيء .
ــ والحمد صفة قلبية، وهي اعتقاد كون المحمود متفضلاً منعماً مستحقا للتعظيم والإجلال، فإذا تلفظ الإنسان بالجملة الفعلية ذات الفاعل والزمن المحددين وكان قلبه غافلا عن معنى التعظيم اللائق كان كاذبا، أما إن تلفظ بالجملة الاسمية فإنه يكون صادقاً وإن كان قلبه غافلا لاهيا، لأنها تفيد أن الحمد حق لله ، وهذا حاصل سواء عقل أم غفل .
٥ـ الحمدَ لله (بالنصب)
- جائزة على تقدير فعل محذوف، فتكون جملة فعلية والجملة الاسمية أقوى كما تقدم ، فقراءة الرفع (الحمدُ لله) تفيد ثبوت الشيء على جهة الاستحقاق ثباتاً دائماً، فهي أولى من قراءة النصب .
٦ـ حمدا لله
- هي جملة فعلية نقدر لها فعلاً محذوفاً ، والجملة الاسمية (الحمدُ لله) أقوى .
ـ (الحمدُ لله) معرّفة بأل، و (أل) تفيد العهد وتفيد استغراق الجنس، فإن أفادت العهد كان المعنى: الحمد المعروف بينكم هو لله، وإن أفادت الاستغراق كان المعنى: إن الحمد كله لله على سبيل الإحاطة والشمول. ويظهر أن المعنيين مرادان، أما (حمدا لله) فنكرة لا تفيد شيئا من المعاني المتقدمة .
٧ـ إن الحمد لله
- (إن) تفيد التوكيد، وليس المقام مقام شك أو إنكار يقتضي توكيدا .
- (إن الحمدَ لله ) جملة خبرية تحمل إلينا خبراً واضحاً محدداً (ثبوت الحمد لله تعالى) ولا تحتمل إنشاء ، أما (الحمدُ لله) فتفيد الإخبار بثبوت الحمد لله ، فهي خبرية ولكنها تفيد إنشاء التعظيم واستشعار نعم الله علينا، وفيها معنى الدعاء ، فهي ذات معان أكثر.
٨ـ لله الحمد
ـ (لله الحمدُ) فيها تقديم الجار والمجرور ، وفي التقديم اختصاص وحصر أو إزالة شك، والمقام في سورة الفاتحة هو مقام مؤمنين يقرون بالعبادة ويطلبون الاستعانة والهداية ، فليس هناك من ادعى أن ذاتاً أخرى قد تشترك معه في الحمد فنزيل الظن عنده، أو أن الحمد لغير الله لنخصه به؟
ـ كما أن الحمد في الدنيا ليس مختصا لله وحده، وإن كان هو سببه كله، فالناس قد يحمد بعضهم بعضاً، وفي الحديث (من لم يحمد الناس لم يحمد الله)، فيجوز توجيه الحمد لغير الله في ظاهر الأمر، فلا حاجة للاختصاص بالتقديم.
٩ـ اختصاص الاسم العلَم (الله) بالذكر، دون سائر أسمائه االحسنى وصفاته
- كان يمكن أن يقال الحمد للحي، الحمد للرحيم، الحمد للبارئ .. ، ولكن لو حدث ذلك لأفهم أن الحمد إنما استحقه لهذا الوصف دون غيره، فجاء بالاسم العلَم ليدل على أنه استحق الحمد لذاته هو لا لصفة من صفاته
ـ ثم إن ذكر لفظ الجلالة (الله) يناسب سياق الآيات، فسيأتي بعدها بقليل "إياك نعبد وإياك نستعين" ولفظ الجلالة (الله) مناسب للعبودية، لأنه مأخوذ من لفظ الإله أي المعبود.
ـ هذا والمجيء بوصف غير لفظ الجلالة ليس فيه تصريح بأن المقصود هو الله عز وجل.
* كلمة الحمد لله وحدها بُدئ بها في أربع سور أخرى كأنما هذه البدايات تحاول أن تبيّن نماذجاً من الحمد، يُحمَد الله عز وجل هنا لرحمته وهنا لفضله وهنا لعلمه وهنا لإعطائه العلم للآخرين وهنا لخلقه السموات والأرض، فكأن بدايات السور متكاملة:
- في الفاتحة الحمد لله هو جنس الحمد، نظام كليٌّ وهناك جزئيات في بدايات أربع سور أخرى بينها نوع من التلازم والتشابك.
- في الأنعام (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) الكلام على بدء الخلق وفيه معنى التقدير والتصوير، ومن رحمة الله سبحانه تعالى جعل الظلمات والنور.
- في فاطر (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا) هذه المنشيء، ثم تكلم على جعل الملائكة.
- في سبأ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) هذا الذي في السموات والأرض ملك لله سبحانه وتعالى.
- في الكهف (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ) الملائكة والرسل وإنزال الكتاب نماذج من آلآء الله ونعمه التي يُحمد عليها.
*** *** *** *** ***
(رَبِّ الْعَالَمِينَ) :
* اختيار كلمة (رَبِّ) هي أنسب ما يمكن وضعه بعد (الْحَمْدُ للّهِ) فهو أولى بالحمد من غيره لأن الرب هو المالك والسيد والمربي والمنعم والقيّم فإذن رب العالمين هو ربهم ومالكهم وسيدهم ومربيهم والمنعم عليهم وقيُمهم، و تناسب ما بعدها (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) لأن من أولى مهام الرب الهداية لذا اقترنت الهداية كثيراً بلفظ الرب كما اقترنت العبادة بلفظ الله تعالى .
*اختيار كلمة (الْعَالَمِينَ) :
-- العالمين جمع عالم وهو كل موجود سوى الله تعالى ويجمع على العوالم وعلى العالمين، رب العالمين يقتضي كل صفات الله تعالى ويشمل كل أسماء الله الحسنى. لكن اختيار العالمين على العوالم أمر بلاغي لأن العالمين خاص للمكلفين وأولي العقل والعلم فقط .
-- لا تستعمل كلمة العالمين إلا إذا اجتمع العقلاء مع غيرهم وغلبوا عليهم، والعالمين جمع العالم بكل أصنافه لكن يغلُب العقلاء على غيرهم فيقال لهم العالمين لا يقال لعالم الحشرات أو الجماد أو البهائم العالمين، أما العوالم قد يطلق على أصناف من الموجودات ليس منهم المكلفون (تقال للحيوانات والحشرات والجمادات).
-- العالمين تشمل جيلاً واحداً وقد تشمل كل المكلفين أو قسماً من جيل كما جاءت في قصة سيدنا لوط بمعنى قسم من الرجال (قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَن الْعَالَمِينَ).
-- السورة كلها في المكلفين وفيها طلب الهداية وإظهار العبودية لله وتقسيم الخلق كله خاص بأولي العقل والعلم لذا كان من المناسب اختيار العالمين على غيرها من المفردات او الكلمات لتشمل كل العالمين لا بعضهم.
* الحمد لله رب العالمين جاءت في أكثر من موضع جاءت في أول الفاتحة تحميداً وتمجيداً لله سبحانه وتعالى وبها يختم العمل والدعاء وتأتي قي سور آخرى في سياق الحديث عن الآخرة أي الحمد لله رب العالمين في البدء وفي الختام:
- الحمد لله رب العالمين في بداية الفاتحة بعد البسملة معناه بداية عمل.
- في نهاية سورة الصافات بعد الحديث عن الكون وما يضم إلى قيام الساعة وإنتهاء الحياة (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)).
- في نهاية سورة الزمر(وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ ... وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)).
- في الأنعام (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)) هنا نهاية عمل في نهاية الحياة إنتهى أمرهم.
- في يونس (وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)) في آخر الدعاء في الجنة.
- في غافر (هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)) هنا يحتمل في أول الدعاء وآخره.
الوقفة كاملة
|
| ١٥ |
آية (٨٦) : (أُولَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ)
* الفرق بين استخدام كلمة (يُنصرون) في سورة البقرة وكلمة (يُنظرون) في سورة البقرة وآل عمران :
قال تعالى في سورة البقرة (أُولَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ (٨٦)) وقال في سورة البقرة أيضاً (خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ (١٦٢)) وفي سورة آل عمران (خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ (٨٨)) .
لو نظرنا في سياق الآيات في سورة البقرة التي سبقت آية ٨٦ لوجدنا الآيات تتكلم عن القتال والحرب والمحارب يريد النصر لذا ناسب أن تختم الآية ٨٦ بكلمة (ينصرون) أما في الآية الثانية في سورة البقرة وآية سورة آل عمران ففي الآيتين وردت نفس اللعنة واللعنة معناها الطرد من رحمة الله والإبعاد والمطرود كيف تنظر إليه؟ كلمة يُنظرون تحتمل معنيين لا يُمهلون في الوقت ولا يُنظر إليهم نظر رحمة فاستوجب ذكر (يُنظرون) .
الوقفة كاملة
|
| ١٦ |
(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )
* الملاحظ أنه ذكر الفريضة أولاً (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) لم يحدد وقتاً ولا مدة ، ثم بعدها ذكر الأيام مبهمة قال (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ) لم يُحّددها، ثم بيّن بقوله (شَهْرُ رَمَضَانَ) فيما بعد، الآن تعيّن الوقت للصيام وحدّد إذن أصبح الفريضة هي صيام شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن أي الذي ابتدأ فيه نزول القرآن من اللوح المحفوظ جملة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ثم نزل منجماً فيما بعد على مدى ثلاث وعشرون سنة.
* (أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) فيها دلالتان إما ابتداء إنزال القرآن فيه أو أنزل في شأنه القرآن أي في تعظيمه.
* (أُنزل فيه القرآن) بني الفعل للمجهول ولم يقل أنزلنا فيه القرآن فالفاعل مُضمر محذوف لأن سياق الكلام عن شهر رمضان تعظيماً له ولو قال أنزلنا يعود ضمير المتكلم على مُنزِل القرآن وهو الله سبحانه وتعالى.
* جاءت (هُدًى) منصوبة : فيها احتمالان أن تكون حال أي (هادياً للناس) أو مفعول لأجله أي لأجل هداية الناس. الهداية غير موجودة لولا القرآن، فإذن هي ابتغاء علة لم تكن حاصلة إلا بالقرآن ، بهذه الطريقة يجمع معنيين.
* في أول السورة قال (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) وهنا قال (هُدًى لِّلنَّاسِ) فإذن القرآن فيه هداية عامة وفيه هداية خاصة ، هداية عامة (هُدًى لِّلنَّاسِ) فيه آيات بينات تستدل منها على أن هذا القرآن قطعاً من فوق سبع سموات ، (وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى) فيه دلائل آيات واضحة تحتج بها على أن هذا القرآن هو من عند الله وفيه آيات أحكام هادية للناس في معاملاتهم تفرق بين الحق والباطل ، واستخدم الكلمتين بالمعنيين هنا، (هُدًى لِّلنَّاسِ) هدى عام (وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى) هدى خاص .
*( فَمَن شَهِدَ) أي من كان حاضراً مقيماً وليس مسافراً ، شهد الشهر ليس بمعنى شاهد الهلال. تقول أشهِدت معنا؟ أي هل كنت حاضراً معنا؟. لأنه ذكر المسافر فيما بعد.
* في الآية الأولى قال (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا) بينما هنا لم يذكر (مِنكُم) قال (وَمَن كَانَ مَرِيضًا) لأن الآية الأولى تقدمها قوله (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) فلو لم يقل منكم كان يُظن أن هذا حكم الأولين وليس للمسلمين فكان لا بد أن يذكر (منكم) لئلا ينصرف المعنى للذين من قبلكم. بينما في الآية الأخرى بدأها بقوله (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ) فذكر (مِنْكُمُ) لأن الخطاب للمسلمين فلا داعي لتكرارها.
* لم يأت في هذه الآية بقوله (وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ) :
- لأن المسألة قد انتقلت من الاختيار إلى الفرض .
- لأنه في الآية نفسها (وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ َ) قال يريد بكم اليسر فكيف يقول أن تصوموا خير لكم؟ وهذا من تمام رأفته ورحمته بنا سبحانه وتعالى.
* قول الله عز وجل ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) تعقيب على أنه أعفى المريض والمسافر من الصيام ، فكأنك لو خالفت ذلك لأردت الله معسراً لا ميسراً والله لا يمكن أن يكون كذلك ، بل أنت الذي تكون معسراً على نفسك ، فإن كان الصوم له قداسة عندك، ولا تريد أن تكون أسوة سيئة فلا تفطر أمام الناس ، والتزم بقول الله (فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) لأنك لو جنحت إلى ذلك لجعلت الحكم في نطاق التعسير ، فهل أنت مع العبادة أم أنت مع المعبود؟ أنت مع المعبود بطبيعة الإيمان.
* الفرق بين مشيئة الله وإرادة الله :
أكثر المتكلمين يرون أن المشيئة والإرادة سوءا لكن قسم منهم يقول أن المشيئة تقتضي الوجود ولذلك قال (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن) الإرادة لا تقتضي الوجود ربنا قد يريد شيئاً من الناس لكن الناس لا يفعلوه، ربنا يريد الناس أن يعبدوه ، (يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ) لكن الإنسان قد يريد لنفسه العسر.
* (وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ) هذه اللام فيها احتمالان:
- احتمال أن تكون اللام زائدة في مفعول فعل الإرادة يعني يريد لتكملوا العدة والقصد منها التوكيد .
- والآخر يحتمل أن يكون للتعليل والعطف على علّة مقدرة وهذا كثير في القرآن الكريم وفي لغة العرب.
* (عَلَى مَا هَدَاكُمْ) (ما) تحتمل معنيين بمعنى الذي أي على الذي هداكم ، والمصدرية بمعنى الهداية أي على هدايته لكم ونرجح المعنيين فهما مرادان.
* قال (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ولم يقل تفلحون :
ذلك أن الصيام قد يُظن لأول وهلة أنها عبادة شاقة علينا فإذا ما انتهينا منها أدركنا لطف الله سبحانه وتعالى ونشعر بفضل الله تعالى وكيف أعاننا على القيام بهذه الفريضة فندرك عظمتها ونستشعر آثارها في أرواحنا فنتوجه إلى الله تعالى بالشكر على هذه العبادة العظيمة وعلى عونه لنا على أدائها.
الوقفة كاملة
|
| ١٧ |
آية (٥٦) : (وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ)
* رحمة جاءت بالمؤنث وقريب بالمذكر
لغويًا:
- كلمة قريب تطابق إذا كان القُرب في النَسَب تحديداً تقول هو قريبي وهي قريبتي، وإذا لم تكن للنسب فتجوز المطابقة وعدمها قال تعالى (لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) الشورى) هذه ليست للنسب.
- من جهة أخرى رحمة الله مضاف ومضاف إليه وفي باب الإضافة يجوز أن يكتسب المضاف من المضاف إليه التذكير والتأنيث أو غير ذلك مثل (إمارة العقل مكسوفٌ) لم يقل مكسوفة، وقال تعالى (فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤) الشعراء) لم يقل خاضعة جعل الخضوع للمضاف إليه (خاضعين) هذا يجوز لأن الأعناق جزء من الإنسان. (وما حب الديار شغفن قلبي) الحب مفرد وشغفن مؤنث وجمع (للديار وليست للحب).
- في الآية الرحمة يصح الإستغناء عنه بحيث إذا حذفنا يبقى المعنى العام واحد (إن الله قريب من المحسنين).
بيانيًا:
لو قال قريبة ستكون الرحمة هي القريبة فقط لكن لما قال قريب كسب معنيين رحمته وهو قريب، فالتذكير يشعر بقربه هو وقرب رحمته.
الوقفة كاملة
|
| ١٨ |
آية (٢٣١ - ٢٣٢) : (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)
* إذا بلغت الأجل وانتهت العدة، هل يوجد إلا التسريح؟ فما دلالة قوله (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ)؟
البلوغ يأتي بمعنيين، المعنى الأول المقاربة، والمعنى الثاني الوصول الحقيقي والفعلي.
في الآية الأولى طلق الرجل زوجته لكن عدتها لم تنته بل قاربت على الانتهاء فربما يمكنه أن يسرحها أو يمسكها بإحسان. والله تعالى يريدنا أن نتمسك باستبقاء الحياة الزوجية إلى آخر فرصة تتسع للإمساك ، إذن هنا (فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) أي قاربن بلوغ الأجل.
* الفرق بين الاستهزاء و السخرية:
الاستهزاء أعم من السخرية ، فالاستهزاء عام بالأشخاص وبغير الأشخاص (وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُوًا) ويقال هو المزح في خفية.
السخرية لم ترد في القرآن إلا في الأشخاص تحديداً (وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ (٣٨)هود).
الوقفة كاملة
|
| ١٩ |
آية (٢٣٣) : (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).
* قال الوالدات ولم يقل على الوالد وإنما قال المولود له لأنه ابنه استحقاقاً يُدعى باسمه ويلتحق به في النسب ُكماً أنه المسؤول عنه يتكفله ويرعاه فهو له وليس للأم فالوالدة (هي وَلَدت) لكن المولود للأب.
* استعمال (وَالْوَالِدَاتُ) بالجمع و(الْمَوْلُودِ لَهُ) بالإفراد يحتمل أن يكون للمولود له أكثر من زوجة فالوالدات بالجمع لتشملهن.
* نلاحظ أنه تعالى قال (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ) ولم يقل على الوالدات لأنهن لسن مكلفات شرعاً بإرضاع الولد فيمكن لهن أن لا يُرضعن أو أن يأتين بمرضعة.
* لكنه تعالى قال (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ) لأن هذا واجب الأب فجمع سبحانه البيان والشرع والحكم.
* الفرق بين (لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا) :
-- (لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا) الأب مكلّف بأن يُنفق على أولاده ، من الذي كلفه؟ سواء كان العُرف أو الرحم أو القانون أو الفقه - وكله يرجع إلى مشيئة الله - لكن التكليف المباشر لم يذكر أنه من الله عز وجل ما قال أنا أكلفك فهو مكلّف (مبني للمجهول).
-- عندما يكون هناك حكمٌ شرعي منصوصٌ عليه بالقرآن الكريم بالتعيين يقول (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا(٢٨٦)) هذا تكليف من رب العالمين سبحانه ليس مبنياً للمجهول.
-- رب العالمين يتكلم بصيغة التعظيم بنون المتكلم (لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا(٤٢)الأعراف) وحيثما تكلم بصيغة الجمع معناه هو يفعل شيئاً لا يستطيع أحد غيره أن يفعله، فقط هذا من اختصاص الله والسياق عن المؤمنين وجزائهم في الجنة بياناً وإظهاراً لقدرهم عند الله عز وجل.
* دلالة كلمة (تضار) فى قوله تعالى (لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ)
هذا حكم شرعي (لا) ناهية وليست نافية بدليل الراء في (يضارَّ) مفتوحة. ولكن هل هي لا تضارَر؟ أي لا يضرها أحد أو لا تضارِر، هي لا تضر أحداً؟ المعنيان مرادان وكلاهما منهي. أي لا يوقع عليها ضرر بحيث الأب يضرها إذا كانت مطلقة؟ أو هي لا تضر زوجها بحيث تمنع إبنها؟ هذا من باب التوسع في المعنى.
* (لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ (٢٣٣) لم َلم يقل ولا والد بولده بدل ولا مولود له بولده؟
لو قال لا تضار والدة بولدها ولا والد بولده يكون الحكم واحد، هذا ولِد له حكماً وشرعاً وعرفاً ينتسب لأبيه ويلتحق بأبيه ولو قال ولا والد بولده لصار الحكم واحداً فلما تغير الحكم تغيرت الصيغة (وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ) هذه لام الاستحقاق.
* الملاحظ في القرآن الكريم أنه إذا استعمل الفعل المضارع بعد الشرط فمظنة التكرار. واستعمال الماضي مظنة عدم التكرار. (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) إذا انفصلا انتهى الأمر، كم مرة سيطلق؟ لا تتكرر هذه الإرادة.
الوقفة كاملة
|
| ٢٠ |
آية (٢٤٣) : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ)
* (أَلَمْ تَرَ) في اللغة العربية تأتي بمعنيين. الأول: السؤال عن الرؤية البصرية والرؤية القلبية، والمعنى الآخر معناها ألم تعلم ألم ينتهي علمك؟ للتعجيب سواء رآه أو لم يسبق له رؤيته للفت نظر السامع الذي يحدثه والمخاطب إلى أمر يدعو إلى التأمل والعجب من الحالة أو من قدرة الله أو ما إلى ذلك، (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ) ألم ينتهي علمك؟ ألم تسمع منهم؟ ألا تتعجب من أولئك؟ (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ) إقرأ الحوار بينهم ألا تعجب من هذا المتكبر وكيف كان يحاوره إبراهيم؟.
* الفرق بين آلآف وألوف (وَهُمْ أُلُوفٌ) في القرآن:
آلآف من أوزان جمع القِلّة (أفعال) أفعُل، أفعال، أفعِلة، فِعلة. من أوزان القِلّة، وألوف من الكثرة. لذلك قال ربنا سبحانه وتعالى (أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ (١٢٤) آل عمران) لأن القلة من الثلاثة إلى العشرة فإن تجاوزها دخل في الكثرة (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ) قال بعضهم قطعاً أكثر من عشرة آلآف وقسم أوصلهم إلى أربعين ألفاً.
الوقفة كاملة
|