التدبر
| ١١ | ﴿أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ﴾ لا تعلّق قلبك في رزقك - ولا في غيره - بغير الرزاق سبحانه، فهو الذي يعطي ويمنع الوقفة كاملة |
| ١٢ | الداعية لا يمنعه بُعد المسافات عن دعوته، ف(مؤمن آلِ يس) قال الله عنه (من أقصى المدينة) وهو لفظ مقصود لتنبيه الدعاة على المضي. الوقفة كاملة |
| ١٣ | ( مناع للخير..) من المتوعدين بالعذاب : من يمنع الخير عن الناس. الوقفة كاملة |
| ١٤ | ( وما يمسك فلا مرسل له من بعده) لن يمسك الله عن عبده (شحا) وإنما (لطفا) فحتى ما يمنعه الله هو عطية أخرى . الوقفة كاملة |
| ١٥ | إليه يصعد الكلم الطيب) لا أحد يعترضه أو يمنعه من كل أحد مهما كانت لغاتهم أو أحوالهم إليه بلا واسطة أو ترجمان. الوقفة كاملة |
| ١٦ | قال إبراهيم (إني ذاهب إلى ربي) (ذاهب) أجمل وأمتع سفر: السفر لله. الوقفة كاملة |
| ١٧ | مهما تعددت وجهات السفر، يظلُّ السفر إلى الله وجهة المهتدين: ﴿إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سيهدين﴾. الوقفة كاملة |
| ١٨ | سورة عبس أولها ( عبس ) وهو من صفة الوجه ، وخُتمت بوصف الوجوه في قوله ( وجوه يومئذ مسفرة … ) . السيوطي. الوقفة كاملة |
| ١٩ | صباح الرزق.. رزقك في السماء لن يستطيع أحد من الخلق أن يصل إليه ليمنعه" وفي السماء رزقكم وما توعدون الوقفة كاملة |
| ٢٠ | "فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين" أي ذهب خفية دون أن يشعرهم،بخلاف مايفعله البعض،إذا نزل به ضيف أشعره أنه سيكرمه فيمنعه،وهذا ليس من الكرم في شيء. الوقفة كاملة |
تذكر واعتبار
| ١١ | (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم) هذا أمر من الله تعالى لعباده على لسان نبيه، والمعنى في الاستعاذة عند ابتداء القراءة لئلا يلبس على القارئ قراءته ويخلط عليه، ويمنعه من التدبر والتفكر الوقفة كاملة |
| ١٢ | ((وقد تركتُ فيكم ما لم تَضلُّوا بعدهُ إنْ اعْتَصَمْتُم به كتاب الله)) ترك النبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- كتاب الله، وهو مصُون، محفُوظ من التَّحريف والتَّغيير والزِّيادة والنُّقصان {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحِجر:9]، فهو كما تركهُ إلى أنْ يُرفع في آخر الزَّمان، والاعتصامُ بِهِ هو المخرج من الفِتَن، وهو حلٌّ للمُشكلات والمُعْضِلات، وهو دواءٌ وعِلاج لأمراض القلوب والأبدان، فمن تمسَّك بكتاب الله واعتصم بِهِ لنْ يضِل في الدُّنيا ولا في الآخرة، ولا يشقى في الآخرة، والكلام عن القُرآن والعِناية بِهِ أمرٌ جاءت بِهِ النُّصُوص، فجاء الحثُّ على قراءة القرآن، وعلى فَهم القُرآن، وعلى إقراءِ القرآن، وعلى تدبُّر القرآن. قراءة القرآن بالنِّسبة للمُسلم أمرٌ مطلُوب جاء التَّرغيبُ فيه بكلِّ حرف عشر حسنات، وعلى طالب العلم على وجه الخُصُوص من يُعْنَى بالعلم الشَّرعي آكد، ومن المُؤسف أنَّ بعض من ينتسب إلى العلم مُهمل للقُرآن، يهُمُّهُ ما يشتملُ بزعمِهِ على الأحكام العمليَّة، تَجِدُهُ من حلقة إلى حلقة يتَتَبَّع دُرُوس الحديث والفِقه، وهو هاجرٌ لكتاب الله! والعِلم والنُّور كُلُّهُ في كتاب الله، وزيادةُ الإيمان واليقين إنَّما تنشأُ عن تدبُّرُ القرآن. فتدبَّر القرآن إنْ رُمتَ الهُدى والعلم تحت تدبُّرِ القرآنِ {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24]، والأمر بالتَّدبُّر في أربع آيات، وجاءَ الأمرُ بالتَّرتيل، وعلى كُلِّ حال وضعُ طُلاَّب العلم بالنِّسبة للقُرآن غير مَرضي، كثيرٌ منهم لا أقول كُلُّهم، يُوجد – ولله الحمد – من لهُ وِرْد يومي من القرآن لا يُخلُّ بِهِ سفراً ولا حضراً هذا موجُود؛ لكنْ علينا أنْ نُعنى بالقرآن، شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمهُ الله تعالى– يقول: "من قرأ القرآن على الوجه المأمُور بِهِ -يعني بالتَّرتيل والتَّدبُّر والتَّفهُّم والتَّغنِّي وتحسين الصَّوت-، يُورثُ القلب من الإيمان واليقين والطَّمأنينة ما لا يُدْرِكُهُ إلاّ من فَعلهُ"، هذا شيء ذَكَرهُ شيخ الإسلام وأكَّد عليهِ هو وابنُ القيِّم وكُتُبهم مملُوءة من هذا، وغيرُهُم مِمَّن يُعنى بِأدْوِيَة القُلُوب، ولِذا تجِد من يَتَتَبَّع الأحكام في الظَّاهر ويَغْفُل عن هذا الجانب المُهم، والعِلاج النَّاجع لأدْوِيَة القُلُوب تَجِدُهُ في غَفْلة، كثيرٌ من النَّاس يشكُو قَسْوة القلب، عامَّةُ النَّاس يَشْكُو الغفلة وعدم الخُشُوع في الصَّلاة، سَببُ هذا ومرَدُّهُ هجرُ القرآن، هجراً حقيقيًّا أو حُكْمِيًّا؟ على كُلِّ حال القُرآن والعِنايةُ بِهِ أمرٌ مُستفيضٌ في النُّصُوص الشَّرعيَّة، وأهلُ العلم أفَاضُوا في هذا وبيَّنُوا ولم يبقَ إلاَّ العمل. الوقفة كاملة |
| ١٣ | (تؤمن بالقدر)) الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان لا يصح إلا به، وأنكره طوائف من أهل الزيغ والضلال، وحصل إنكاره قديماً في عهد الصحابة لما جاء إلى ابن عمر أناس قال: إنهم أو في جهتهم قوم أهل عمل، ويتقفرون العلم، لهم عناية بالعلم والعمل، ومع ذلك يقولون: بأن الأمر أنف يعني مستأنف -ينفون القدر- فقال: ابن عمر كما في صحيح مسلم أخبرهم أنني بري منهم ،وأنهم برآء مني، ولو كان لهم أمثال الجبال من ذهب وأنفقوها لم يقبل منهم حتى يؤمنوا بالقدر، فالإيمان بالقدر ركن كما في هذا الحديث، وفي غيره من الآيات والأحاديث، أركان الإيمان مذكورة ولا بد من الإيمان بالقدر خيره وشره، وأن الكل من عند الله -جل وعلا- وأنه بتقديره وبعلمه وكتابته ومشيئته وإيجاده كل حصل بتقدير الله -جل وعلا- وقضائه. بالغ في نفيه القدرية النفاة ويتزعمهم المعتزلة والرافضة القديرية، وبعض فرق الزيدية ينفون القدر يبالغون في النفي، والمتقدمون من أهل العلم يقولون: ناظروهم بالعلم إن نفوه كفروا، وإن أثبتوه خصموا، وفي مقابلهم من يبالغ في الإثبات وينفي القدرة عن المخلوق، وأن المخلوق لا مشيئة له ولا إرادة ولا قدرة، وأن حركته وأعماله كحركة الورق، ورق الشجر في مهب الريح وهؤلاء -يسمون الجبرية-، ومذهب أهل السنة والجماعة وسط بين المذهبين يثبتون القدر، وأن الله خلق العباد، وأفعال العباد، والعباد أيضاً لهم مشيئة وإرادة، لكنها تابعة لمشيئة الله وإرادته، وأنهم أعطوا من حرية الاختيار ما يكفي، ويقيم الحجة للمطيع بالثواب والعاصي بالعقاب. القدرية النفاة حينما نفوا القدر، وجعلوا للعبد حرية وقدرة واختيار مستقل لا ارتباط لها بمشيئة الله -جل وعلا- من أجل نفي الظلم عن الله -جل وعلا-؛ لأنه لو قدر عليه ثم عذبه صار ظالم له عنده، ومع ذلك ليس باللازم ، الله -جل وعلا- كتب عليهم، وقدر عليهم، وقضى عليهم بما هم عاملون، وترك فيهم من الحرية والاختيار ما يجعلهم يختارون أحد النجدين، وأحد الطريقين، يعني الكافر هل هو أرغم على كفره؟ تارك الصلاة في أحد شده وأوثقه ألا يذهب إلى المسجد ويصلى مع المسلمين؟ في أحد يمنعه من الوضوء والقيام والذهاب؟ ما في أحد فلديه حرية واختيار كافية في مؤاخذته، وكل إنسان يحس هذا بنفسه، يحسه من نفسه يعني حينما يقول: أن والله هو كتب الله عليه أنه ما يصلي، نعم لو أخذه النوم وأخذ بنفسه من أخذ بنفسه غيره ممن نام، وقد فعل الاحتياطات وبذل الأسباب نعم نقول: غير مكلف، لكن صحيح غير مريض، غير معذور ليس لديه أي عذر يتعذر به، سليم معافى ومع ذلك يترك الصلاة ويقول: هذا أمر كتبه الله علي، ما الذي يمنعه من أن يتوضأ ويذهب إلى؟ ما في ما يمنع، فلا ظلم {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} [(46) سورة فصلت] {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [(49) سورة الكهف]، وهذا واضح لكل منصف يدرك هذا الأمر من نفسه، وتجد هذا الذي يحتج بالقدر ويقول: إنه مجبور لو ضربه أحد، أو أخذ ماله أحد، أو قتل ولده أحد يستسلم ويقول: هذا أمر مكتوب، ولا لأحد كلام لا يمكن، لا يمكن طيب القدر الذي تحتج به على المعايب تفعل المعاصي وتترك الواجبات وتقول: أنا مجبور، لماذا لا تحتج به في المصائب؟ ولذا جاء في الحديث الصحيح أن موسى -عليه السلام- قال لآدم: ((يا آدم خلقك الله بيده وأسكنك جنته، أخرجت نفسك وذريتك من الجنة فقال: يا موسى، اصطفاك الله بكلامه، وكتب لك التوراة بيده، كم تجد هذا مكتوب علي قبل أن أخلق؟ قال: بأربعين عاماً، قال النبي -عليه الصلاة والسلام- فحج آدم موسى، فحج آدم موسى)) كيف حج آدم موسى؟ يعني هل آدم -عليه السلام- احتج بالقدر على المعصية؟ الاحتجاج بالقدر على المعاصي طريقة المشركين {لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا} [(148) سورة الأنعام]، هل آدم احتج بالقدر على المعصية؟ لا المعصية تاب منها، تاب الله عليه وهداه واجتباه، المعصية انتهى أثرها بالتوبة فلا احتجاج بقيت المصيبة، المصائب احتج عليها بالقدر ما في ما يمنع، مثلاً إنسان يمشي في طريق مظلم فعثر في صخرة، أو في حفرة انكسرت رجله، يجئ واحد يلومه يقول: وين عيونك، وين أنت، وليش تطلع، وليش، قال: هذا شيء مكتوب يا أخي هذا ما في إشكال يحتج بالقدر، لكن إذا زنا وقال: هذا شيء مكتوب ليس له أن يحتج بالقدر، فالاحتجاج بالقدر على المصائب لا على المعائب، لا على المعائب، وآدم احتج بالقدر على المصيبة التي ترتبت على المعصية التي تاب منها وبرئي منها بالتوبة النصوح، فحج آدم موسى، ومنهم من أشار إلى أن آدم حج موسى؛ لأن اعتراض موسى على آدم -عليهما السلام- لا ينبغي أن يعترض عليه، وهكذا حال الولد مع والده لا ينبغي أن يعترض عليه، لكن هذا الكلام وإن أشير إليه في بعض كتب التفسير إلا أنه لا وجه له، نعم حق الأب والوالد محفوظ بنصوص أخرى، لكن قوة الحجة مع آدم -عليه السلام- بسبب أن موسى أعترض على مسألة كتبت على آدم قبل أن يخلق، وأن آدم -عليه السلام- احتج بالقدر في المصيبة لا على المعصية. الوقفة كاملة |
| ١٤ | قوله تعالى: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الطلاق: 12] من الألفاظ التي بقيت على عمومها ولم تخصص إجماعًا، فالله -جل وعلا- على كل شيء قدير. وفي صحيحِ مسلمٍ من حديثِ ابنِ مسعودٍ –رضي الله عنه- في قصةِ آخرِ مَن يَدخُلُ الجنةَ: «فيقولُ له الربُّ: إني لا أَسْتهْزِئُ منك، ولكني على ما أشاءَ قادرٌ» [مسلم: 187]. فهذا منطوقُه موافقٌ للآيةِ، وظاهر مفهومِه معارَضٌ بمنطوقِ الآيةِ، وحينئذٍ يُلْغَى المفهومُ لمعارضتِه للمنطوقِ. قال الإمام الطبري –رحمه الله- في أول تفسير سورة الملك: (وهو على ما يشاء فعلُه ذو قدرة لا يمنعه من فعله مانع ولا يحول بينه وبينه عجز). والأولى عدم تقييد القدرة بالمشيئة خشية الإيهام؛ لأنه يفهم منه أن الذي لا يشاؤه لا يقدر عليه، وهذا ليس بصحيح. وعلى الإنسانِ إذا كان يَتحدَّثُ ابتداءً عن مشيئة الله وقدرته، أن يأتي بالآياتِ التي عمومُها محفوظٌ. أما عن مثلِ قولِه تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ} [الشورى: 29]. فيقال في معناها: إن (إذا) هنا بمعنى: متى، أو أن مفهوم (إذا يشاء) ملغى؛ حيث لو كانت شرطية كان مفهومها أنه إذا لم يشأ ذلك لا يقدر عليه، والله منزه عن ذلك، وله -سبحانه- القدرة الشاملة. الوقفة كاملة |
| ١٥ | في قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [البقرة: 253] إثباتُ صفةِ المَشيئَةِ، وفيها أيضًا إثباتُ صفةِ الإرادةِ، والإرادةُ والمشيئةُ بينَهما شيءٌ من التداخلِ، فالإرادةُ الكونيةُ مطابقةٌ للمشيئةِ، والإرادةُ الشرعيَّةُ مطابقةٌ للمحبةِ، وإرادة الله قد يقَعُ مُقْتضاها وقد لا يَقَعُ؛ لأن اللهَ أرادَ للعبادِ أن يَعبدوه، فمنهم مَن امتَثَلَ، ومنهم مَن لم يَمْتَثِلْ، فمَن امتَثَلَ صدَقَتْ عليه الإرادةُ الشرعيَّةُ وهي محبوبةٌ للهِ -جلَّ وعلا- ومَن لم يَمْتَثِلْ ولم يَعْبُدِ اللهَ -جلَّ وعلا- ثبتت فيه المشيئةُ والإرادةُ الكونيَّةُ وهي غيرُ محبوبةٍ للهِ -جلَّ وعلا-. وقد اقتَضَتْ حكمةُ اللهِ أن يَشاءَ شيئًا إرادةً كونية وهو لا يُحِبُّه. ويقَعُ في تصرُّفاتِ البشرِ من هذا النوعِ الكثيرُ؛ فالرجلُ يُقدِّمُ ولدَه بطوعِه واختيارِه إلى الطبيبِ؛ ِليَفتَحَ بطنَه ولِيزيلَ عنه ما يُؤذيه وهو يَكرَهُ هذا العملَ، فهو مكروهٌ من وجهٍ، محبوبٌ من وجهٍ. والمكلَّفُ مطالبٌ بأن يدورَ مع الإرادةِ الشرعيَّةِ والسعي إلى تحقيقها، ولا يَلْتَفِتَ إلى الإرادةِ الكونيَّةِ، وقد جاء الخبرُ عن اللهِ وعن رسولِه -ﷺ- عن أمورٍ لا بدَّ من وقوعِها، ومن ثمَّ فمن الخطأِ أن نَستَسْلِمَ ونقولَ: إن كان لا بدَّ من وقوعِها فليس لنا أن نُدافِعَ. ومثالُ ذلك أن الإرادةَ الشرعيَّةَ تَمْنَعُ من سفرِ المرأةِ من دونِ مَحْرَمٍ، وأما الإرادةُ الكونيَّةُ فقد دلَّتِ الأدلةُ على أن المرأةَ ستسافرُ وحدها من الحيرة –الشام- حتى تطوف بالكعبة [البخاري:3595]. فالإرادةُ الشرعيةُ تمنَعُ من هذا، والإرادةُ الكونيةُ تدلُّ على أنه سيقعُ لا محالةَ، وعلى المُسلمِ أن يتعلَّقَ بالإرادةِ الشَّرعيةِ، ولا يتعلَّلَ بالإرادةِ الكونيَّةِ؛ لأن ذلك دليلُ العجزِ. وقد احتجَّ المشركون بالإرادةِ الكونيَّةِ، كما في قولِه تعالى: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا} [الأنعام: 148] فاللهُ أرادَ أن يشركوا إرادةً كونيَّةً من بابِ الابتلاءِ لهم، مع أن اللَه هداهم إلى السبيلِ هدايَة دَلالةٍ وإرشادٍ، لكنهم اختاروا الضلال، كما قال تعالى عن ثمود: { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت: 17] فهم الذين جنوا على أنفسِهم. والنظرُ إلى مثلِ هذه الأفعالِ من قِبَلِ اللهِ زلَّتْ بسببه أقدامٌ وضلَّتْ به أفهامٌ، فالجبْرِيَّةُ تمسكوا بنصوصٍ، والقدريَّةُ الغلاةُ تمسكوا بنصوصٍ، وغفَلَ كلُّ فريقٍ عما استدَلَّ به الفريقُ الآخرُ، ووَفَّقَ اللهُ أهلَ السنةِ للنَّظرِ إلى أدلةِ الفريقين فتوسَّطوا في المسألةِ، فقالوا: إن للعبدِ حريةً واختيارًا؛ لأنه لو كان مجبورًا لكان في ذلك ظلمٌ له، لكنَّ مشيئته واختيارَه لاتخرجُ عن مشيئةِ اللهِ وإرادته الكونيَّة. الوقفة كاملة |
| ١٦ | الموقف ممن يُفتي بغير علم أو ديدنه التساهل. الموقف ممن يفتي بغير علم أو بهوى أو ديدنه التساهل، أو ديدنه التشدد، المقصود أنه ليس على الجادة، الدين يسر، ولن يشاد أحد الدين إلا غلبه، لكن لا يعني هذا أننا نتنصل من الدين ونتتبع الرخص، لا، علينا بالدليل، فكل قول يسنده الدليل هو الذي يجب أن يعمل به، وهو الذي يفتى به، مع الأسف أن القنوات وغيرها من وسائل الإعلام مكنت بعض الناس من القول على الله بغير علم وهذه كارثة، فليحذر أولئك الذين يفتون الناس بغير علم من المفتونين مما جاء بالفتوى والتقول على الله بغير علم، ولو لم يكن في ذلك إلا ما جاء في سورة الزمر، {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ} [(60) سورة الزمر] هل يمكن أن يقول الذي يفتي بغير علم أنا ما كذبت على الله؟ {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ} [(116) سورة النحل] بل يدخل في هذه المسألة دخولاً أولياً. وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً -ينتزعه من صدور الرجال- ولكن يقبضه بقبض العلماء)) نحن نرى تطاول بعض من لا علم عنده، أو من يتمكن ولم يرسخ قدمه في العلم، أو يفتي بهوى، نرى تطاوله بعد قبض بعض العلماء، فكيف لو قبض أهل العلم، ولم يبق إلا أمثال هؤلاء الذين يفتون بالهوى؟ نسأل الله السلامة والعافية، منهم من يسلك مسلك التساهل، محتجاً بأن الدين يسر، ((ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه)) وما خير النبي -صلى الله عليه وسلم- بين أمرين إلا اختار أيسرهما، نعم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، لكن متى هذا؟ هذا في وقت التنـزيل، الذي ينـزل الآن الوحي بالتأييد واختيار النبي -صلى الله عليه وسلم- شرع، لكن هل يختار أيسر القولين من ليس بمشرع؟ هذا مثلما ذكرنا، هذا تتبع للرخص، ومثل هذا يخرج من الدين بالكلية وهو لا يشعر، فمثل هؤلاء يجب أن يمنعوا من الفتوى، والتقول على الله بغير علم، والله المستعان. الوقفة كاملة |
| ١٧ | هدي النبي في رمضان. الأصل أن المسافر لا يُفطر إلا إذا تحقق فيه الوصف المبيح للفطر وهو السفر، يعني إذا باشر السفر وشرع فيه وفارق الحضر، وهذا قول أكثر أهل العلم، أما مادام حاضرًا غير مسافر فهو شاهد للشهر فلا بد من إمساكه قال تعالى: { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 158]، وما ذكره ابن القيم عن محمد بن كعب مما رواه الترمذي وحسنه [799] قال: «أتيت أنس بن مالك وهو يريد سفرًا، وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل فقلت: سنة؟ قال: سنة، ثم ركب» فإن في إسناده عبد الله بن جعفر والد الإمام علي بن المديني وهو ضعيف، وعلى كل حال فالأحوط ألا يفطر، ولا يقصر الصلاة، ولا يجمع بين الصلاتين إلا إذا تحقق فيه الوصف المبيح للترخص وشرع في السفر، والله أعلم. الوقفة كاملة |
| ١٨ | تطهير السريرة أولى من تطهير العلانية. ((اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين)) لا توجد في صحيح مسلم، فمن أهل العلم من حكم عليها بالشذوذ، من أهل العلم من حكم عليها بالشذوذ؛ لأنها لو كانت محفوظة ما أهملها مسلم، ولا أهملها الرواة الثقات، ومنهم من يقول: إنها زيادة ثقة ليست مخالفة فلا مانع من قبولها، والأئمة الحفاظ كثير منهم لا يثبتها؛ لأن الثقات من الرواة لم يرووها، ومن أهل العلم من يرى أنها ثقة، وهي جارية على من يطرد قبول زيادات الثقات، هي جارية على قوله وعلى طريقته ومنهجه، من يقول بقبول الزيادات مطلقاً يقبل مثل هذه الزيادة، مثل: ((إنك لا تخلف الميعاد)) في آخر الذكر بعد إجابة المؤذن، مثل هذه الزيادة يقبلها ويصححها الشيخ الألباني، والشيخ ابن باز -رحمة الله على الجميع- لكن الأئمة الحفاظ الكبار يحكمون عليها بالشذوذ؛ لأنها لو كانت محفوظة ما تركها من هو أحفظ، ولا خرجها ورواها الإمام مسلم في صحيحه، ولما عدل عنها وتركها دل على أنها ليست بمحفوظة، وعلى كل حال بعض الناس يتسامح في اللفظ إذا كان أصله، إذا كان معناه صحيحاً، يقولون: ما المانع أن يقال: اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين هذا دعاء؟ ويدل عليه قوله -جل وعلا-: {إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [(222) سورة البقرة] يشهد له هذا ولا مانع من قبولها ما دام القرآن يشهد لها، وبعض الناس يدقق في هذه الأمور لا سيما في العبادات المؤقتة، يعني ما في مانع أن تدعو بدعاء مطلق: "اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين" أنت لو قلت: اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين ما في ما يمنع؛ لأن الله -جل علا-: {يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [(222) سورة البقرة] لكن التوقيت بعد الوضوء بعد هذا الذكر الثابت عن النبي -عليه الصلاة والسلام- هو الذي لا يراه كثير من أهل التحقيق؛ لأن مثل هذا لا بد له من حجة ملزمة، ثابتة عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، والجمع بين التوبة لطهارة الباطن، والوضوء لطهارة الظاهر، الجمع بينهما ظاهر "اجعلني من التوابين" ليطهر الباطن، "واجعلني من المتطهرين" ليطهر الظاهر، كما في قوله: {إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [(222) سورة البقرة] الجمع بينهما ظاهر، وتقديم التوبة على طهارة البدن لأنها أهم؛ لأن تطهير السريرة أولى من تطهير العلانية. الوقفة كاملة |
| ١٩ | جهز نفسك لسفرك الاخير # موعظة مؤثرة سورة المنافقون أية 10 الوقفة كاملة |
| ٢٠ | موعظة مؤثرة لكل غافل عن السفر الاخير - اعرف قيمة الحياة سورة الزمر أية 56 الوقفة كاملة |
احكام وآداب
| ١١ | التصريح بالأشخاص يُلجأ إليه في آخر المطاف. تسمية الأشخاص إنما يلجأ إليها في آخر المطاف إذا لم تجدِ ولم تنفع السبل، وإذا كان في ذكرها مصلحة، ولم يترتب على ذكرها مفسدة أعظم، فالشرع جاء بجلب المصالح ودرء المفاسد، فإذا كان ذكر الشخص يترتب عليه التحذير منه؛ لأنه متلبس ببدعة، ويخشى على الناس من أن يقتدوا به يحذر الناس منه، لا مانع من ذكر اسمه، والسلف ذكروا المبتدعة بأسمائهم وأعيانهم، وحذروا الناس من بدعهم، لكن إذا كان الناس إذا حذروا من البدع ارتدعوا، لا، لا يلزم من ذكر الأسماء، بعض العصاة العتاة إذا بينت منكراتهم ومعاصيهم وعرف الناس أن هذه منكرات تضر بهم وأن هؤلاء متلبسون لا يلزم ذكر أسمائهم؛ لكن إذا كان الناس بحيث لا يفهمون أن هذا الشخص متلبس بهذا المنكر، وهو يلبس على الناس ويروغ في طريقته وأساليبه، ويغتر به كثير من الناس لا بد من شهره، ما المانع؟ بالشرط المتقدم على ألا يترتب على ذلك مفسدة. وأبو سعيد الخدري أنكر على مروان، وهو على المنبر، بين الصحابة في خطبة جمعة؛ لكن المفسدة مأمونة، أما إذا توقع مفسدة خاصة أو عامة، إذا كانت خاصة تختص بالشخص، وأراد أن يتحمل ويرتكب العزيمة هذا أمر؛ لكن إذا كان هناك ضرر متعدي، يتعدى إلى غيره فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، والله المستعان. مسألة ما يتعلق ببعض أهل العلم، وأن من يفتي بمسائل قد يكون فيها سبب لتساهل بعض الناس وفهمهم على غير مقصودها، أو هو نفسه ترخص في بعض الأمور، أو ترجح عنده بعض الأشياء إذا كان أهل للاجتهاد فالأمر فيه سعة على أن يبين القول الصواب، أما إذا كان ليس من أهل الاجتهاد فينبغي أن يبين ويذكر اسمه لئلا يغتر به الناس على أن لا ينال شخصه بشيء، يعني الشخص لا ينبغي أن ينال بشيء، فكونك تحذر من القول، وإن لزم منه ذكر القائل لا يعني أنك تنتقص هذا الرجل، نعم، تساهل في كثير من الأمور التي تجر إلى أمور لا تحمد عقباها، هو ما ينظر إلى درء المفاسد وإلى مسائل سد الذرائع وغيرها ينظر إلى المسألة بعينها بغير نظر إلى ما تجر إليه هذه المسألة، لا بد أن تبين، وما زال أهل العلم يرد بعضهم على بعض، ما زال أهل العلم قديماً وحديثاً يرد بعضهم على بعض، ويبين بعضهم خطأ بعض؛ لكن لا يمنع، أو بل الأصل أن تذكر المحاسن؛ لئلا يجرد الإنسان من كل خير ومن كل فضل؛ لأنه وقع في خطأ واحد، هو ليس بالمعصوم يبين ما عنده من فضل وخير وعلم وعمل، ثم بعد ذلك يقال: أخطأ، وقد رُد على عمر -رضي الله عنه- قال: أخطأ عمر، إيش المانع؟ لأنه ليس بمعصوم، فمن دونه من باب أولى؛ لكن ينبغي، الأمور بمقاصدها قد يرد بعض الناس ويشهر بعض الناس؛ لأنه يرى في نفسه وهذه أمور لا يحكم بها على كل أحد، يرى في نفسه أنه لا يمكن أن يرتفع هو إلا إذا هضم غيره، ما هو بصحيح هذا؛ بل العكس، فإذا سئل عن فلان وفلان، قيل: إيش فلان ما فلان، وقصده بذلك أن يرتفع، هذا خطأ، ليس هذا بطريق للشهرة ولا للرفعة لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ بل العكس الناس يزدرون مثل هذا النوع إذا كان الحامل له هذا المقصد، والله المستعان، والله -سبحانه وتعالى- هو المطلع على السرائر، فيحذر الإنسان من مَغِبَّة صنيعه متى؟ {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} [(9) سورة الطارق] يعني قد يروج على بعض الناس الآن؛ لكن غداً، يروج؟ ما يروج شيء، والله المستعان. إذا كان الشخص التبس عليه أمر فلان أو علان من الناس، وأراد أن يسأل من يثق به من أهل العلم إيش رأيك بمنهج فلان طريقة فلان؟ علم فلان؟ عمل فلان؟ نعم، بينه وبينه من باب النصح، إذا تعلق الإنسان بهذه الأمور وصارت وظيفته الجرح والتعديل لذات الجرح والتعديل، فإنه غالباً وهذا الذي يشهد به الواقع أنه يحرم العلم والعمل، فيكون نصيبه من العلم والعمل القيل والقال، وأعراض المسلمين حفرة من حفر النار، كما يقول ابن دقيق العيد: "أعراض المسلمين حفرة من حفر النار"، يقول: "وقف على شفيرها العلماء والحكام"، والله المستعان. يا أخي بيان المنهج العام للشخص نعم منهج فلان أنه متساهل مثلاً، عموماً يعني، فلان متشدد، يعني المذاهب بجملتها، مشتهر في العالم الإسلامي كله أن الحنابلة كلهم متشددون، الحنفية متساهلون، مع أنهم في بعض الأبواب الحنفية أشد من الحنابلة، في باب الأطعمة الحنفية أشد من المالكية، في باب الأشربة المالكية أشد من الحنفية، وهكذا، ما تجد عالم، عالم يعني يستحق هذه الكلمة تجده متساهل في كل شيء أو متشدد في كل شيء، يُسيِّره الدليل، إذا ترجح عنده في هذه المسألة أو في هذا الباب من أبواب العلم والدين أن نصوص التيسير والتسهيل أو التشديد، والمسألة مفترضة في شخص من أهل الاجتهاد، من أهل العلم، وفي الجملة يعني لا يقبل قول المفتي ما لم يضم للدين والعلم الورع: وليس في فتواه مفت متبع ما لم يضف للدين والعلم الورع أما إذا كان ما عنده ورع، ما يتورع في أن يقول ما شاء متى شاء؟ وكيف شاء؟، ومتى طلب منه، هذا ما هو عالم هذا، هذا ليس بقدوة هذا. الوقفة كاملة |
| ١٢ | الصيام يُنمِّي ملكة المُراقبة. وليس الصِّيامُ في الإسلام من أجلِ تعذيب النَّفس؛ بل لِتربيتها وتزكِيَتها، والصِّيامُ أيضاً يُنمِّي لدى الصَّائم مَلَكَة المُراقبة، فهو ينتهي عن مَلاذِّ الدُّنيا وشهواتِها، وما يمنعُهُ من ذلك سوى إطلاعُ الله تعالى عليه ومُراقبتُهُ لهُ، لا جَرَمَ أنَّهُ يحصُلُ لهُ من تَكرارِ هذه المُلاحظة المُصاحِبَةِ للعمل مَلَكَة المُراقبة لله تعالى والحياءُ منهُ سُبحانهُ أنْ يراهُ حيثُ نهاهُ، و إلاّ فما الذِّي يمنع الَّصائِم أنْ يدخُل في مكانٍ ويستخفي عن النَّاس ويأكُل ويشرب؟؛ لكن هذهِ المَلَكة هو يعرف أنَّ الله -جلَّ وعلا- مُطَّلع عليه، فمن تكرار هذه العبادة مع الالتزام بعدم المفطرات مع الخلوة لا شكَّ أنَّهُ تنمي عندهُ هذهِ المَلَكة، وفي هذهِ المُراقبة من كمال الإيمان بالله تعالى والاستغراق في تعظيمِهِ وتقدِيسِهِ أكبر مُعدٍّ للنُّفُوس ومُؤهِّلٍ لها لِضبطِ النَّفس ونزَاهَتِها في الدُّنيا وسعادتها في الآخرة، والمُراقبة كما قال ابن القيم في مدارج السالكين: "دوامِ علمُ العبدِ وتَيَقُّنِهِ بإطلاع الحقِّ سُبحانهُ وتعالى على ظاهِرِهِ وباطِنِهِ"، وهي ثمرةُ علم الإنسان بأنَّ الله -سُبحانهُ وتعالى- رقيبٌ عليهِ، نَاظِرٌ إليهِ، سامِعٌ لقولِهِ، وهو مُطَّلِعٌ على عَمَلِهِ في كُلَّ وقتٍ وكُلَّ لحظة، وكُلَّ نَفَس وكُلَّ طرفة عين والغافلُ عن هذا بمعزل، ومن أدِلَّتِهِ قولهُ تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ} [البقرة: 235]، وقال الله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً} [الأحزاب: 52]، وقال -جلَّ وعلا-: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]، وقال تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} [العلق: 14]، وقال تعالى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر: 19] إلى غير ذلك من الآيات، في حديث جبريل -الذِّي تقدَّم شرحُهُ- في سُؤالِهِ عن الدِّين سأل النبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- عن الإحسان، فقال لهُ: ((أنْ تعبُد الله كأنَّكَ تراهُ؛ فإنْ لمْ تكُن تراهُ فإنَّهُ يراك))، والمٌراقبة كما قال ابن القيم -رحمهُ الله تعالى- هي: "التَّعبُّد بأسماءِ الله الحُسنى" الرَّقِيبْ، والحفيظ، والعليم، والسَّميع، والبصير، فمن عقَل هذهِ الأسماء وتعبَّد بمُقتضاها حصلتُ لهُ المُراقبة ، يعني التَّعبُّد لله -جلّ وعلا- بِمعاني هذهِ الأسماء هو معنى الإحصاء الذِّي ورد في حديث الأسماء: ((من أحصاها دخل الجنة)) وش معنى أحصاها؟ عَدَّها وكتبها في ورقة وردَّدها؟ هذا الإحصاء؟! لا بُدَّ من العمل بمُقتضاها؛ فإذا عَمِل بمُقتضى الرَّقيب والحفيظ السَّميع العليم البصير حَصَلت لهُ هذهِ المُراقبة. الوقفة كاملة |
| ١٣ | القُلُوب تحتاج إلى مُراجعة. {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ}[(191) سورة آل عمران] وهُو أفضل الأذكار، وهذهِ صِفةُ قراءتِهِ -عليه الصلاة والسلام- مُرتَّلة، مع التَّدبُّر، مع التَّأثُّر بالقُرآن؛ لأنَّهُ يقرأ كلامُ الله، كأنَّهُ يُخاطب الرَّحمن. هُو الكِتابُ الذِّي من قام يقرؤُهُ كأنَّما خاطب الرَّحمن بالكلِم وعلى طالب العلم أنْ يُعنى بهذا أشدَّ العِناية، يكُون لهُ وِرْد يومي لا يُخلُّ بِهِ سفراً ولا حضراً، وأنْ يكُون على هذهِ الطَّريقة؛ لأنَّهُ إذا تعوَّد على غيرها صَعُبَ عليهِ أنْ يرجِع، يصعُب عليهِ أنْ يرجِع، في الأمُور المحسُوسة إذا تعوَّد السُّرعة في السَّيَّارة يصعُب عليهِ يَهدِّي، ويتضايق من أيِّ شخص يمشي أمامُهُ وهُو غير مُسرع، والذِّي تعوَّد الهذ في القراءة ما يستطيع أنْ يقف، وكم حصل مِمَّن تعوَّد هذهِ السُّرعة إنَّهُ يسجد في غير موضع السُّجُود، ويتجاوز السُّجُود، ولا ينتبه إلا بعد ورقتين أو ثلاث، والقلوب كما تعلمُون في هذه الأزمان انتابها ما انتابها، وغطَّى عليها من الرَّان مع اللهُ بِهِ عليم. وهذا يحصل على كافَّة المُستويات حتَّى من بعض طُلاَّب العلم، والله المُستعان، يعني يُتصوَّر إنَّ شخص يبدأ بيُونس ولا يشعُر إلا وهُو بيُوسف؟! مرَّت عليه هُود ما دري، يعني من منَّا من تُحرِّك فيه شعرة الآية: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ}[(8) سورة المدثر] نحس؟ والله ما نشعر بشيء يا الإخوان، نسأل الله -جل وعلا- أنْ يُحيِيَ القُلُوب، وأنْ يمنع الوسائل التِّي صارت سبَباً على تغطِيَة هذه القُلُوب، التَّخليط في المَطْعَم أمرُهُ مُشْكِل جدًّا، وعُمُوم النَّاس الآن لا يبحثُون إلاَّ عن المال بأيِّ وسيلةٍ كانت، لا ينظُرُون في السَّبب أو الوسيلة التي حصل بها هذا المال، والأكل، والمُوظَّف والتَّاجر على حدٍّ سواء، النَّاس كُلُّهم أو جُلُّهُم لا يحتاطُون في أمر المَطْعَم والمَشْرَب، وهذا السَّبب جَعَلَهُم يَصِلُون إلى هذا الحد، يدعُون فلا يُستجاب لهُم، ويَقْرَؤُون ولا يَنْتَفِعُون، وشيخ الإسلام -رحمه الله- يقول: "قراءة القُرآن على الوجه المأمُور بِهِ تُورثُ قلب المُسلم من العِلم واليقين والإيمان ما لا يُدْرِكُهُ أحد إلا من يفعلُهُ"، لذلك نقرأ القرآن أو نقرأ جرائد والله أمرٌ واحد، وإذا أردْتَ أنْ تعتبِر فاعتبر بمن يقرأ ويبكي، فهل هذا خُشُوع؟ لا ندخل في قُلُوب ولا في النِيَّات، لكنْ هل هذا خُشُوع؟ يبكي في أوَّل الآية وفي آخر الآية يُتعتع وفي الآية الثَّانية ما كأنَّ شيئاً حصل هذا خُشُوع؟ خُشُوع السَّلف إذا بَكَى اللَّيلة من بُكرة يُعاد مريض، هذا التَّأثُّر الحقيقي، أمَّا تتأثَّر عينك تدْمع هذا تخاشُع لا بأس وزين وأفضل من عدمِهِ؛ لكنْ يبقى إنَّ الخُشُوع الحقيقي ما هُو موجُود، يعني الآية الثَّانية كأنَّهُ ما كأنَّ شيئاً حصل، وحصل قِصَّة أظن ذكرتها لكم، قدامي بالعشر وفي الوتر في القُنُوت بعد، يبكي بُكاءً شديداً، ولمَّا سلَّم يُناقِش صاحِبُهُ عن الثَّلاجة التي تُحفظ بها الشاهي، وش تسمِّيها أنا ما أسمِّيها وتهاوشوا، كادا أنْ يتضارباَ، وقد أزعج النَّاس ببُكائِهِ الشَّديد، يا الإخوان القُلُوب تحتاج إلى مُراجعة، تحتاج إلى مُعاودة، هذا المرض الحقيقي، الإنسان إذا أُصيب بزُكام وإلا بأدنى مرضٍ حِسِّي فَزِع إلى الأطِبَّاء، والقُلوب ما نسعَى أدنى سَعِي لإصلاحِها، هذه مُشكلة، يعني الإنسان قد يُمسَخ وهُو ما يدري؛ بل المسخ المعنوي أعظم من المسخ الحِسِّي كما قرَّر أهلُ العلم، إذا مُسِخ القلب خلاص انتهى، والله المُستعان. الوقفة كاملة |
| ١٤ | الحذر من تتبع خطوات الشيطان. خطوات الشيطان، الشيطان يعرف أنه لو بدأ بالغاية ما وُفق، ما وافقه من ينتسب إلى الإسلام؛ لأن لو قال للإنسان: اكفر قال: ما أكفر، لكن يبدأ به خطوات، يبدأ به بالمكروهات والشبهات، ثم لا يلبث أن يتجاوز به إلى المحرمات، ثم المحرمات تهون عليه وتسهل فلا يكون هناك سد يحول بينه وبين الكفر؛ لأنه إذا تساهل بالمحرمات تساهل بما فوقها من الكبائر والموبقات، ثم إذا هانت عليه هذه ما صار بينه وبين الشرك والكفر حاجز معين سياج يمنعه من اقتحامه يسهل عليه ارتكابه، وهذا أمر مشاهد أن من يتساهل في أول الأمر لا ينتهي إلى حد، فخطوات الشيطان يبدأ بأدنى الوسائل، يقول مثلاً: النساء الآن قَلَّت الأعمال عندهن في بيوتهن، وكل امرأة عندها خادمة ولا تستطيع أن تصنع شاي، فهي دائماً جالسة، ولذلك ركبتها الشحوم، وتوالت عليها الأمراض، وهُددت بالأخطار، لا بد لها من رياضة، تقول: افعلي رياضة في البيت، ما تفعل، يعني المسألة مسألة كسل متراكم ما تعان على أن تزاول الحركة في البيت، لو كانت تبي تتحرك لاشتغلت في أعمالها الأصلية، لكن لا تتحرك، لا بد أن تلزم، وفي البيوت ما يستطيع أحد أن يُلزم، ما لها إلا في المجامع العامة وفي المدارس بحيث يوضع لها درجات تلتزم بها، هذه خطوة من خطوات الشيطان، الخطوة الأولى يقول تحتشم، احتمال في أول الأمر أن يقول: تلعب، تزاول الرياضة بعباءتها، ويش المانع؟ وفي محيط نساء، وقد يقال في أول الأمر في الفصل نفسه لا في الفِناء، ثم بعد ذلك يقال الفصل غير مناسب، كراسي وطاولات ومدري إيش؟ اخرجن في الأسياب أوسع شوي، ثم الخطوة التي تليها في الفِناء، ثم بعد ذلك هذا اللباس، هي في محيط نساء، وهذه الألبسة تعيقها أن تزاول ما تريد بحرية، ثم بعد ذلك يقضي عليها من حيث لا تشعر، ثم تقع في الغايات، مثل ما وقع من وقع في البلدان المجاورة، يعني أعظم درس نستفيده ما وقع فيه جيراننا من المسلمين وغيرهم، يعني المسألة خطوات لو تتبعنا تاريخ هذه الفواحش التي انتشرت في البلدان الإسلامية، لوجدناها إتباعاً لخطوات الشيطان، هي تخطيط خبيث مغرض من شياطين الإنس يوحي إليه شياطين الجن بهذه الخطوات ويطبق وينفذ وينظِّر والناس يتبعونه كالأغنام، يأتي بمبرر مقبول ثم الخطوة الأولى تسهل على الناس ثم الثانية ثم الثالثة ثم...، كنا نتساءل عن هؤلاء اللواتي يزاولن بعض الأعمال التي لا تخطر على عقل، يعني بنت من بيت مسلم محافظ تخرج شبه عارية تغني بين الناس في الملأ، كنا نسأل الوافدين من تلك البلدان، هل لهؤلاء البنات آباء؟ يعني هل هن من أسر، يعني من أبٍ وأمٍ مسلمين؟ وإلا من لا أنساب لهم؟ ولا أحد يغار عليهم؟ قال: لا هؤلاء من الأسر الكبيرة؛ لأنهم يعدون وين هذا تطور وتقدم، هذه خطوات الشيطان، يملي عليهم شيئاً فشيئاً...الخ إلى أن يكون هذا هو القدوة، يكون هذا قدوة في المجتمع، ولذلك تجدون أرذال الناس تجدونهم هم القدوات الآن، والدعايات بأسمائهم، وصورهم يكتسب من وراءها الملايين وهكذا، وهم أرذال الناس وأسافلهم، لكنها خطوات الشيطان، يعني تساهلنا في الخطوة الأولى، الخطوة الثانية أختي أختي تليها بلا محالة، ثم الثالثة إلى أن نجد أنفسنا في وَحَل، لا نستطيع الخروج منه، وعلى هذا على من ولاه الله الأمر وبيده حل وعقد لا يجوز له أن يجيز الخطوة الأولى مهما كانت الظروف يعني تموت المرأة في بيتها من الأمراض ولا ترتكب ما حرم الله عليها، فإن ما عند الله لا ينال بسخطه؟ ترجون العافية؟ من الله -جل وعلا-، فكيف تطلب بما يسخط الله -جل وعلا-؟! ولم يجعل الله -جل وعلا- شفاء أمتي كما في الحديث فيما حرم عليها. فهذه صورة لخطوات الشيطان، من اتبع خطوات الشيطان، اتبع الخطوة الأولى لا بد أن يقع في الثانية؛ لأن المبررات موجودة، مرصودة من الأصل، ومضبوطة ومتقنة إلى أن تخرج إلى الشارع عريانة، لكنها تدرج في المجتمع؛ لأن المجتمع ما يقبل مثل هذا أول الأمر، فخطوات الشيطان التي يمليها على أوليائه ينتظرون بها الفرص المناسبة، نسأل الله السلامة والعافية. الوقفة كاملة |
| ١٥ | المُدَاوَمَة على العمل الصَّالح. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-، قال: قال لي رسُول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((يا عبد الله!)) يعني يا عبد الله بن عمرو يُخاطِبُهُ ((لا تَكُن مثل فُلان كان يقُومُ من الليل، فترك قيام الليل)) [مُتَّفقٌ عليه]، وهذا يدُلُّ على أهميَّة قيام الليل، وفضل قيام الليل، ويدل أيضاً على فضل المُداومة على العمل الصَّالح، وأنَّ من عَمِلَ عملاً صالحاً عندهُ فيه حُجَّة شرعيَّة لا ينبغي لهُ أنْ يَتْرُكَهُ؛ لأنَّ التَّرك نُكُوص عن الحق، والنَّبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- إذا عَمِلَ عملاً أثْبَتَهُ؛ لكنْ ما يمنع أنْ يكُون الشَّخص يَعْمل العمل في وقت نشاط ثُمَّ يفتُر عنهُ ثُمَّ يَعُود إليهِ، ولا يَمنع أنْ يترُكَهُ إلى أهمّ منهُ، قد يلزم الإنسان عمل يُداوم عليهِ من النَّوافل ثُمَّ يرى أنَّ غير هذا العمل أفضل منه، مثال ذلك: لو أنَّ أحداً من أهل العلم لَزِمَ عِبادة من العبادات صيام نوافل مثلاً، قيام الليل، صلاة أعداد من الرَّكعات أثناء النَّهار، ثُمَّ رأى أنَّ هذا العمل يَعُوقُهُ عن تعليم النَّاس الخير، أو رأى أنَّ مثل هذا العمل يُضْعِفُهُ عن عمله المَنُوط بِهِ، ثُمَّ ترك بعضهُ وخَفَّفْ، يعني هل الأفضل للعالم مثلاً أنْ يقرأ القرآن يختم كل يوم أو يُخَفِّف من القراءة ويُعلِّم النَّاس الخير؟ لو كان ديدنُهُ يقرأ القرآن في ثلاث؛ لكنْ قِراءتُهُ القرآن في ثلاث تَعُوقُهُ عن بعض الدُّرُوس أو عن التَّصدِّي لقضاء حوائج النَّاس لا سِيَّما إنْ كان مِمَّنْ يُحتاج إليه أو إفتاء النَّاس أو توجيههم، ألا يُقال لهُ اقرأ القرآن في سبع وعلِّم النَّاس الخير؟ يقول يا أخي أنا مُعتاد أنْي أقرأ في ثلاث! وترك العمل مذمُوم، نقول: نعم، إذا تركتهُ لما هو أفضل منهُ لا تُذم، أمَّا هنا يقول: ((يا عبد الله، لا تَكُن مثل فُلان كان يقُومُ من الليل، فترك قيام الليل)) نعم قيام الليل دأبُ الصَّالحين، وقد قال النبي -عليه الصَّلاةُ والسَّلام-: ((نعم الرجل عبد الله)) ابن عُمر ((لو كان يقُومُ من الليل)) فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلاَّ قليلاً، قيام الليل دأبُ الصَّالحين، واللهُ المُستعان، ((لا تَكُن مثل فُلان)) فُلان ما سُمِّي في الغالب أنَّ ما يأتي بمثل هذا السِّياق لا يُسمَّى، ولا يُحرص على تسمِيتِهِ سَتْراً عليهِ، يعني كُتب المُبْهَمات تُعنى ببيان مثل هذا، إذا مرّ فُلان شخص مُبهم يُسَمُّونهُ، ويبحثُون عنهُ، ويحرصون على جمع الطُّرق من أجل أنْ يظهر هذا الاسم، ومعرفة المُبهمات لا شكَّ أنَّ لها فوائد؛ لكنْ مثل هذا الذِّي ورد بمثل هذا السِّياق يُسْتَرْ عليهِ؛ لأنَّ السِّياق سِياق ذمّ ، ((لا تَكُن مثل فُلان كان يقُومُ من الليل، فترك قيام الليل)) ففي هذا استحباب المُداومة على العمل الصَّالح، وعدم ترك ما اعتادَهُ الإنسان إلاَّ إذا كان تركُهُ إلى ما هو أهمّ منهُ وأفضل منهُ مفضُول ((وأحبُّ العمل إلى الله أَدْوَمُهُ – في رواية – ما دَاوم عليه صاحبه)) فالمُداومة على العمل والمُتابعة أفضل، وفعل العمل ثُمَّ الانقطاع لا شكَّ أنَّهُ يُشعر بشيء من الرَّغبة عن العمل الصَّالح، فبدلاً من أنْ يزداد الإنسان ينقُص! لا شكَّ أنَّ هذا مذمُوم شرعاً. الوقفة كاملة |
التساؤلات
| ١١ | قال ابن جرير في [تفسيره] : يعني جل ثناؤه بذلك : إن تبتم فتركتم أكل الربا وأنبتم إلى الله عز وجل فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ من الديون التي لكم على الناس دون الزيادة التي أحدثتموها على ذلك ربا منكم ، كما حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد عن قتادة وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ والمال الذي لهم على ظهور الرجال جعل لهم رؤوس أموالهم حين نزلت هذه الآية ، فأما الربح والفضل فليس لهم ، ولا ينبغي لهم أن يأخذوا منه شيئا . حدثني المثنى قال : حدثنا عمرو بن عون قال : حدثنا هشيم عن جويبر عن الضحاك قال : وضع الله الربا وجعل لهم رؤوس أموالهم . حدثني يعقوب قال : حدثنا ابن علية عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله : وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ قال : ما كان لهم من دين فجعل لهم أن يأخذوا رؤوس أموالهم ولا يزدادوا عليه شيئا . حدثني موسى بن هارون : قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط عن السدي وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ الذي أسلفتم وسقط الربا . حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد عن قتادة ذكر لنا : أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم الفتح : ألا إن ربا الجاهلية موضوع كله ، وأول ربا أبتدئ به ربا العباس بن عبد المطلب . حدثنا المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا ابن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته : إن كل ربا موضوع ، وأول ربا يوضع ربا العباس . القول في تأويل قوله : لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ يعني بقوله : لاَ تَظْلِمُونَ بأخذكم رؤوس أموالكم التي كانت لكـم قبل الإرباء على غرمائكم منهم دون أرباحها التي زدتموها ربا على من أخذتم ذلك منه من غرمائكم ، فتأخـذوا منهم ما ليس لكم أخـذه ، أو لم يكـن لكـم قبل وَلاَ تُظْلَمُونَ يقول : ولا الغريم الذي يعطيكم ذلك دون الربا الذي كنتم ألزمتموه من أجل الزيادة في الأجل يبخسكم حقا لكم عليه فيمنعكموه ؛ لأن ما زاد على رؤوس أموالكم لم يكن حقا لكم عليه ، فيكون بمنعه إياكم ذلك ظالما لكم ، وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن عباس يقول وغيره من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى قال : حدثنا أبو صالح قال : حدثني معاوية عن علي عن ابن عباس وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ فتنقصون . وحدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله تعالى : فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ قال : لا تنقصون من أموالكم ، ولا تأخذون باطلا لا يحل لكم . الوقفة كاملة |
| ١٢ | س3: ما تفسير هذه الآية يقول الله في كتابه المجيد: فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إلى قوله: إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ . ج: هذه الآية تكملة للآية التي قبلها في حكـم شهادة غير المسلم في الوصية في السفر ، ومعنى هذه الآية : إن اطلع وظهر أن الوصيين قد استوجبا الإثم بسبب الخيانة وأيمانهما الكاذبة ، فيقوم مقامهما اثنان من ورثة الميت ، فيحلفان بالله أن أيمانهما أصدق من الوصيين ، ثم يقضى للورثة ، وبإمكانك مراجعة تفصيلية على هذه الآية في تفسير ابن جرير والبغوي وابن كثير رحمهم الله جميعا . الوقفة كاملة |
| ١٣ | س: يقول االسائل : أرجو أن تتفضلوا بتفسير الآية الكريمة وهي قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ الآية ؟ ج: الآية على ظاهرها، يبين سبحانه وتعالى أن الفرار من الموت لا يمنع الموت، ولا يمنع من قدر الله شيئاً، فالواجب على المؤمن أن يستعد للقاء الله، وأن يعمل الصالحات وأن يتوب من السيئات ، حتى إذا هجم عليه الأجل إذا هو قد استعد للقاء ربه بطاعته والتوبة إليه، أما فراره من بلد إلى بلد ومن مستشفى إلى مستشفى ليسلم من الموت فهذا لا ينجيه من عذاب الله ولا يمنع الموت من المجيء إليه، فالأجل متى وصل لم يمنع منه مانع كما قال عز وجل: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وقوله سبحانه: إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ولهذا قال: فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ فالمقصود أن الخروج من البلاد أو من القبيلة أو من إقليم إلى إقليم أو من حي إلى حي لأجل الخوف من الموت لا يمنع من الموت، كما قال الله سبحانه: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ فالموت لابد منه كما قال سبحانه: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فالواجب الإعداد للموت والتأهب بالأعمال الصالحة، بأداء فرائض الله وترك محارم الله، ومن وقوف عند حدود الله بالتوبة إليه من سائر المعاصي، بالتعاون على الخير وبالتواصي بالحق والصبر عليه، هذا هو الواجب على أهل الإسلام ، ولا ينبغي أن يغرهم الشيطان؛ لأن صحتهم أو فرارهم إلى مستشفيات راقية، أو إلى بلاد صحية، أو إلى غير هذا من أسباب الحياة أو من أسباب الرفاه أو من أسباب الصحة، لا ينبغي أن يغرهم هذا، فإن الموت لا يمنعه مانع ولو كان في أصح بلاد ولو كان في أرقى مستشفى، متى جاء الأجل لم يمنعه مانع كما سمعت من الآيات الكريمات . الوقفة كاملة |
| ١٤ | س: تسأل أختنا أم عبد الله عن تفسير قول الحق تبارك وتعالى: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وهل تنطبق هذه الآية على الذي يخاف، وهو في منزله ؟ ج: هذه الآية نزلت في قصة المسلمين يوم أحد ، لما كان الشيطان يخوف المسلمين من رجوع الكفار إليهم وقتالهم، قال الله جل وعلا : إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ المعنى يخوفكم بأوليائه يعني يعظمهم في صدوركم، ويجعلهم عظماء في صدور المسلمين، حتى يخافوهم وحتى يحذروهم فلا يجاهدوا، فبين سبحانه وتعالى أن هذا غلط، وأنه من الشيطان ونهاهم عن خوفهم منهم، فقال: فَلا تَخَافُوهُمْ يعني لا تخافوا أعداء الله، الخوف الذي يجعلكم تجبنون عن قتالهم، أما الخوف الذي يوجب الإعداد لجهادهم، والأهبة والحذر ، هذا مطلوب، قال تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ والذي لا يخاف عدوه لا يعدُّ له العدة فالواجب يُعدُّ العدة لعدوه، من السلاح والزاد والقوة في الجهاد، وجمع الصفوف والتشجيع على القتال، والإقدام ونحو ذلك، لكن لا يخافهم خوفاً يجعله يجبن منهم ويتأخر عن قتالهم، هذا هو المنهي عنه، فإن الشيطان يعظّم الكفار في صدور المسلمين حتى يخافوهم وحتى يجبنوا عن قتالهم، فهذا هو المعنى في قوله فَلا تَخَافُوهُمْ : يعني لا تخافوهم الخوف الذي يمنعكم من قتالهم وجهادهم أو يجعلكم تجبنون عن قتالهم، هذا هو المنهي عنه، أما الخوف الذي يوجب الإعداد لهم وأخذ الحذر فهذا مطلوب، على المسلم أن يخاف شرَّهم وأن يحذر مكائدهم، فَيُعِدُّ العدة، عليه أن يعد العدة اللازمة من السلاح ومن الحرس ونشر العيون التي تعرف أحوالهم حتى لا يهجموا على المسلمين، ولهذا قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ وقال سبحانه: وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً فدل ذلك على أنهم مأمورون بأن يأخذوا حذرهم وأن يخافوا شر عدوهم ويخافوا مكائدهم فيكونون على حذر وعلى أهبة وعلى استعداد حتى لا يهجم عليهم العدو على غفلة وعلى غرة، فالمقصود أن الخوف المنهي عنه غير الخوف المأمور به، الخوف المنهي عنه هو الذي يدعو إلى الجبن والتأخر وتعظيم الكفار ونشر الذُّعْر بين الناس هذا منكر، أما الخوف الذي معناه الإعداد لهم والجد في حفظ أماكن المسلمين وثغورهم حتى لا يهجم عليهم العدو فهذا هو المطلوب . الوقفة كاملة |
| ١٥ | س: يقول سبحانه: وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ، وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ، فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ اشرحوا لي هذه الأجزاء من الآيات الكريمة جزاكم الله خيراً؟ ج: هذا معنى ظاهر، كفى بالله حسيباً، كفى بالله وكيلاً، وهو سبحانه وتعالى الحسيب بعباده، والوكيل عليهم، والكفيل لهم ، حسبنا الله ونعم الوكيل، فكفى بالله حسيباً وكفى بالله وكيلاً، ولا يمكن أن يخرج عن قدرته وعزَّته أحد سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى إذا أراد شيئاً لا يمنعه أحد، بل قدره نافذ سبحانه لعباده، صالحهم وطالحهم، فهو جل وعلا المصرّف لعباده، كيف يشاء، لا راد لقضائه، ولا غالب لأمره سبحانه وتعالى، وهو على كل شيء قدير . الوقفة كاملة |
| ١٦ | س: ما معنى قوله تعالى: وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ ؟ ج: معناه أن الله سبحانه يغيث من استغاث به ممن أراده بشرٍ من المخلوقات ، ويمنعه ممن أراده بسوءٍ إذا شاء ، ولا أحد من الخلق يستطيع أن يمنع أحدًا أراده الله بسوء فينجيه من بأس الله وعقابه ، ونظيره قوله تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وبالله التوفيق ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم . الوقفة كاملة |
| ١٧ | س: ما معنى قوله تعالى: عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ما المقصود بهذه الآية، يقول السائل: ما هو الذي ينهار به في هذا الجرف، أفيدونا جزاكم الله خيراً؟ ج: هذه الآية يفسرها ما قبلها، يقول جل وعلا : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يبيّن سبحانه وتعالى أن ما فعله المنافقون، من تعمير مسجد للضرار، كان المنافقون بنوا بيتاً وسمّوه مسجداً، وقالوا: إنّه لذوي الحاجة في الليلة الشاتية والمطيرة، وكان هذا عند عزمه صلى الله عليه وسلم على التوجه إلى تبوك ، وطلبوا منه أن يصلّي فيه، وقال: نحن على سفر ولكن إذا رجعنا صلينا فيه إن شاء الله فلما رجع ودنا من المدينة جاء خبره من السماء، أنّه مسجد ضرار، وأنه قد فعله المنافقون مضارة لمسجد قباء ، وقال الله فيه: لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ وهو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ومسجد قباء خير من هذا المسجد، الذي أسسوه على البلاء والفساد، والقصد الفاسد، وكانوا يقولون إنه يأتي أبو عامر الفاسق ، وكان يقال له الراهب، يريدون أنّه ينزل فيه، ويكون حرباً للرسول صلى الله عليه وسلم، ولأصحابه فأطْلَعَ الله جل وعلا ، نبيّه على مقصدهم الخبيث، ونهاه أن يقوم فيه: لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ثم قال: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ كمسجد قباء ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ثم قال سبحانه: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يعني كهؤلاء الذين أسسوا هذا البناء وهو سبب لسقوطهم في جهنم، هو ببنيانهم هذا، المقصود وعيدهم هم وإلا البنيان ليس المقصود، المقصود: أنهم أسّسوا عملهم الخبيث، على شفا جرف هار، فإن هذا الذي أسّسوه وهو قصدهم أن يأتي أبو عامر الفاسق ، ويحارب النبي صلى الله عليه وسلم، ويحارب المسلمين، لأنّ هذا أساس خبيث، أساس باطل، أساس يقود أهله إلى أن يهوي بهم في جهنم، نسأل الله العافية . الوقفة كاملة |
| ١٨ | س: يقول: أرجو أن تتكرموا بتفسير قول الحق تبارك وتعالى في سورة مريم : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا رجلٌ كان في شبابه يعمل كثيراً من الكبائر، ويترك الصلاة ، ثم تاب واهتدى وأقبل على الصلاة ، ويستشهد كثيراً بهذه الآية، ما هو قولكم جزاكم الله خيراً؟ ج: هذه الآية تدل على عظم جريمة من أضاع الصلاة ، يقول سبحانه: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وخلْف بالتسكين هو خلف السوء، يعني الذي يأتي بعد الصالح وهو على غير هدى، يقال له خلْف. فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ يعني قوماً جاؤوا بعدهم، ليسوا على استقامة بل على إضاعة للصلوات وركوب للمحارم، ولهذا قال: وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ يعني المحرمة كالزنى وشرب المسكرات واللواط، وأكل الربا وغير ذلك مما حرم الله. فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا يعني خساراً ودماراً وعاقبةً سيئة، وقال بعض المفسرين غَيًّا يعني وادياً في جهنم، خبيثاً طعمه، بعيداً قعره، نسأل الله العافية، وبكل حال فالّذي يضيّع الصلوات، ويتركها قد أتى منكراً عظيماً، وهو كافر عند جمع من أهل العلم، وإن لم يجحد الوجوب، أمّا إذا جحد الوجوب، قال: إنها لا تجب صار كافراً عند الجميع، نسأل الله العافية، لكن لو تركها تهاوناً وهو يعلم أنها واجبة عليه ، لكن تساهل، فهذا هو محل الخلاف بين أهل العلم، والصواب أنه يكفر بذلك، لقوله صلى الله عيله وسلم: الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلاَةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ ولم يقل إذا جحد وجوبها، وقال عليه الصلاة والسلام : إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلاَة خرّجه مسلم في صحيحه، في أدلّة أخرى، غير هذين الحديثين، فيجب على كل مؤمن ومؤمنة العناية بالصلاة ، والمحافظة عليها : طاعةً لله وتعظيماً له، كما قال سبحانه: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ وقال: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ كذلك يحذر الشهوات التي حرم الله عليه، من سائر المعاصي، يجب الحذر منها أينما كان في السفر والإقامة، في الغيبة والشهادة، في جميع الأحوال، كالزنى والمآكل المحرمة والمشارب المحرمة، كالخمر وغير هذه مما حرم الله عز وجل، لكن من تاب تاب الله عليه في ذلك، فالكفر أعظم الذنوب إذا تاب صاحبه، تاب الله عليه ولهذا قال سبحانه: إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فإذا ندم على ما مضى منه وأقلع وعزم أن لا يعود واستقام على الصلاة وغيرها مما أوجب الله، وعلى ترك ما حرم الله، فله الجنة والكرامة، كما قال في آية الفرقان سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا هذا وعيدهم إذا ماتوا على الشرك، أو على قتل النفس بغير حق، أو على الزنى، هذا وعيدهم نسأل الله العافية، ثم قال: إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا فإذا تاب من الشرك والقتل والزنى، أبدل الله سيئاته حسنات ، إذا صحت التوبة وأتبعها بالعمل الصالح، بدل الله سيئاته حسنات وغفر له سبحانه وتعالى، كما قال عز وجل في الآية الأخرى: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى وقال سبحانه في آية الزمر: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ سبحانه وتعالى، والمعنى للتائبين، أجمع العلماء على أن المراد بذلك التائبون، من تاب تاب الله عليه وغفر له جميع ذنوبه، فالواجب التوبة والبدار بها، ولا يقنط ولا ييأس، بل يحسن ظنه بربه ويبادر بالتوبة، ويتبعها بالعمل الصالح، بصلوات التطوع، بالصدقات، وعيادة المريض، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، إلى غير هذا من وجوه الخير، التي تكون تارة واجبة كالأمر بالمعروف، وتكون تارة مستحبة، فالمقصود أنه يتبع توبته بالأعمال الصالحات، من واجب ومستحب، فيحافظ على الصلوات الخمس، ويؤدي الزكاة ويصوم رمضان ويحج البيت ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الله ويتعاطى ما يسر الله له من النوافل وغيرها من الطاعات، التي أوجبها على عباده سبحانه وتعالى، وذلك من الدلائل على صدق التوبة، كونه يتبعها بالعمل الصالح، من الدلائل على صدق التوبة، واستقامة صاحبها عليها. الوقفة كاملة |
| ١٩ | س: تقول السائلة: قال الله في كتابه العزيز: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا أرجو توضيح معنى الآية وخاصة في قوله تعالى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ؟ ج: الآية تكلم عنها أهل العلم، بينوا أنه لا يجوز لها مد النظر إلى الرجال فعليها أن تغض بصرها كما على الرجل أن يغض بصره عن النساء؛ لأن هذا قد يعرض الجميع للفتنة وغض النظر الذي يقصد منه أن يكون عن شهوة ، أمَّا النظر العابر الذي تنظر به إلى الطريق وإلى الناس في الطريق من غير قصد معين، هذا لا يضر وهكذا الرجل ينظر إلى الطريق وينظر إلى المرأة من غير قصد أن ينظر إليهن وإلى زينتهن، ولكن بغير قصد؛ للعبور في الطريق، أو في المسجد أو فيما أشبه ذلك وما سواه وبالأخص إذا كان لشهوة، فإنه يحرم جدّاً، أن ينظر إليها بشهوة، أو نظرها إليه بشهوة، لأن هذا وسيلة الفتنة، وإذا كان بغير شهوة فلا يقصد ولا يلام، أما النظر العابر فلا يضر وأما النظر الدائم الذي يحصل تعمده وقصده، فهذا يخشى منه أن يجر إلى الشهوة فيمنع بخلاف النظر العابر الذي لا يقصد، فلا يضر أو الفجأة الذي يفجأ الإنسان، ينظر إليه فجأة، وهي كاشفة فيصرف بصره ولا يضره ذلك، كذلك هي تصرف بصرها، ولا تمد نظرها إلى الرجال، بل تغض بصرها، وإن كانت للشهوة حرم بكل حال. أمَّا قوله سبحانه: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا فالزينة هي ما يُظهر منها الفتنة، من إظهار الشعر، أو القلادة أو الوجه ، أو الصدر أو العضد، أو الذراع أو اليد أو الكف أو القدمين، أو الخلخال أو ما أشبه هذا، مما يفتن الناس، هذه هي الزينة، ومن زينتها ما خلق الله فيها من الجمال، من الوجه واليد والرأس ونحو ذلك، وهكذا ما تلبسه من الزينة من قلادة ومن أقراط في الأذنين، ومن خلاخل في الساقين، وما أشبه ذلك، فإن هذه كلها تسمى زينة، زينة متصلة وهي الجمال، وزينة منفصلة وهي ما تلبسه المرأة، من الحلي في العنق والأيدي وأشباه ذلك، فهذه الأشياء لا تبديها للرجال؛ لأنها تفتن الرجل، وهو قوله: إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا . الشيء المعتاد، الملابس المعتادة، التي لا تقصد للفتنة فلا بأس بالنظر إليها، الملابس المعتادة لابد من إبدائها كالعباءة والجلال الذي عليها تمشي فيه فينبغي ألاّ يكون ذلك فاتناً، يكون عاديّاً وملابس عادية، ليس فيها فتنة . الوقفة كاملة |
| ٢٠ | س: رسالة من سوريا ، حماة ، من الأخ: أ. ح. يقول: أرجو أن تتفضلوا بتفسير قول الله تعالى: الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا جزاكم الله خيرًا ؟ ج: هذه الآية من آيات الصفات، الله جل وعلا بيّن فيها وفي غيرها أنه خالق السموات والأرض وما بينهما، هو الخلاق العليم لكل شيء، لا خالق سواه ولا رب سواه سبحانه وتعالى . قال تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ . وقال سبحانه: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا . وقوله سبحانه: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ . هذا وصف لنفسه، بأنه استوى على العرش وهذا في سبعة مواضع من القرآن، قال جل وعلا في سورة طه: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى . وفي سورة الأعراف: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ فهذه الآية العظيمة وما جاء في معناها في المواضع السبعة، كلها دالة على إثبات الاستواء، وأن الله جل وعلا استوى على العرش ، استواءً يليق بجلاله وعظمته لا يشابه الخلق في شيء من صفاته، بل له سبحانه صفات خاصة تليق به على أكمل وجه، وخير وجه كما قال سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ . وقال سبحانه: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ . وقال عز وجل: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا . وقال سبحانه: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ فالاستواء هو العلو والارتفاع، يعني ارتفع فوق العرش وعلا فوق العرش ارتفاعًا يليق بجلاله، لا يشابه خلقه في استوائهم على سطوحهم أو على سفنهم، أو على سياراتهم استواء يليق به وارتفاعاً يليق به، لا يشبه خلقه بشيء من صفاته، مثل العلو، ولهذا يقال: استوى على السفينة أي صار فوقها، استوى على السطح صار فوقه، استوى على الدابة صار فوقها، فالاستواء على الشيء العلو فوقه، والارتفاع فوقه، لكن استواء الرب يليق به لا يشابه المخلوقات في استوائها، وهكذا بقية الصفات، الرحمة رحمة تليق بالله، والرحمن الرحيم، رحمة خاصة وعامة، تعم المخلوقات كلهم ورحمة خاصة بالمؤمنين تخصهم، وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ، المقصود أن الرحمة وصف خاص غير الإرادة وبعض أهل العلم يؤول يقول: الرحمن معناه من له إرادة الإعانة والرحمة، هذا غلط وتأويل، والصواب عند أهل السنة أن الرحمة غير الإرادة، الإرادة صفة مستقلة وله سبحانه إرادتان: قدرية وشرعية ، فالقدرية مثل قوله جل وعلا: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . سبحانه وتعالى، ومثل قوله جل وعلا: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ ، وهناك إرادة شرعية مثل قوله جل وعلا : يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ، إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا هذه إرادة شرعية، يعني أراد الله شرعاً أن يطهر أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وأراد شرعاً أن يبين للناس أحكام دينهم ويفهمهم إياها، لكن من الناس من يفهم ويتعلم ومن الناس من لا يفقه، فليس كلهم مهتدين، أما الإرادة القدرية فهي نافذة لا يمنعها شيء كما قال عز وجل: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، هذه إرادة قدرية نافذة، وهكذا قوله جل وعلا: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ ، هذه إرادة كونية إذا أراد هداية العبد إرادة كونية شرح صدره للإسلام، ومنَّ عليه بالقبول حتى يهتدي، وهكذا الغضب صفة خاصة تليق بالله، وبعض العلماء يقول إرادة الانتقام وهذا غلط؛ لأن الغضب غير الانتقام، الإرادة شيء والغضب شيء آخر، الغضب يوصف الله به كما قال جل وعلا: وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ في قاتل نفسه، المقصود أن الغضب وصف، الله يغضب على أعدائه، غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ . اليهود والنصارى والكفرة، مغضوب عليهم، غضب من الله وسوء عقاب؛ الله لا يشابه الخلق فيه، كالرضا والرحمة، وكالإرادة وغير ذلك، صفة مستقلة، هو رحيم بالمؤمنين، رحيم بالناس ويغضب على من عصاه وخالف أمره، وغضبه يليق به، لا يشابه غضب المخلوقين، كما أن رضاه لا يشابه رضا المخلوقين، وهكذا استواؤه وهكذا محبته، وهكذا رحمته، كلها صفات حق لا تشابه صفات المخلوقين عند أهل السنة والجماعة؛ لأن الله سبحانه يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ هو سبحانه الرحمن الرحيم، موصوف بالرحمة، صفة تليق بالله، لا يشابه فيها خلقه جل وعلا، يغضب على من عصاه غضباً يليق بالله، لا يشابه خلقه في غضبه، وهكذا إرادته وهكذا يده، وهكذا سمعه وبصره، كلها صفات تليق بالله، لا يشابه خلقه في شيء من صفاته جل وعلا . الوقفة كاملة |
أسرار بلاغية
| ١١ | آية (١١٤) : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) * في الآية استفهام بـ (من) ليس الغرض منه إنتظار جواب وإنما هو استفهام إنكاري خرج إلى النفي أي لا أحد أظلمُ ممن منع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه . * الآية قد جُمِع فيها المسجد (مساجد) للتعظيم من شأن المسجد وليكون الوعيد شاملاً لكل مخرِّب لمسجد أو مانع العبادة فيه فقد نزلت في أهل مكة لأنهم منعوا المسلمين دخول المسجد الحرام . * الفرق الدلالي بين الخراب والهدم والدمار والهلاك واستخدامها في القرآن : الخراب ضد العمران (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ (٢) الحشر) وقد يكون الخراب بمعنى ترك المكان (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا) يعني لا يجعل فيها مصلّين، يمنع المصلين بصورة من الصور إذا كان متسلطاً ظالماً . الهلاك هو الموت وهو عام يستعمل في الإنسان وغير الإنسان في الأموال وفي كل شيء ليس بالضرورة عقوبة (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ (١٧٦)النساء) يعني مات (هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ(٢٩)الحاقة) (يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا(٦)البلد) (وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا(٤) الأعراف) . الدمار عقوبة وهو إيصال الهلاك للإنسان وغير الإنسان (أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) النمل) (وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ(١٣٧) الأعراف) . الهدم هو ضد البناء ، شيء مبني تهدمه لأي سبب (لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ (٤٠) الحج) ، لو أردت أن تجدد البيت القديم تهدمه ثم تبنيه . * الفرق بين استعمال كلمتي عقاب وعذاب كما وردتا في القرآن الكريم : --- هذه الكلمات من لهجات مختلفة فليس بينها فروق مثل السكين والمُدية ، فالعذاب عقاب والعقاب عذاب ولكن هناك تناسب بين الصوت والمعنى : فالقاف في (عقاب) حرفاً شديداً يُولد بإنطباق ثم إنفصال مفاجيء وكلمة العقاب تكون للشيء السريع في الدنيا لأن القاف أسرع ، بينما الذال في (عذاب) فيها رخاوة وامتداد ، والعذاب يأتي في الدنيا ويأتي في الآخرة ، العذاب في الآخرة (ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) وجاء بها في الدنيا بمعنى العقاب (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) هذه عقوبة سمّاه عذاباً ما يدل على أن العذاب أوسع من العقاب لأنه يستعمل دنيا وآخرة ويستعمل بمكان العقاب ، وعندما نأتي إلى الآيات التي تتحدث عن جزاء المشركين في الدنيا يسميه عذاباً أو عقاباً أما في الآخرة يسميه عذاباً فقط . --- لما يأتي الوصف لله عز وجل لا يكون مؤقتاً لا بدنيا ولا بآخرة فلما يقول : (والله شديد العقاب) هذه صفة ثابتة عامة له سبحانه لكن لما يستعمل كلمة العقاب مع البشر يستعملها في الدنيا لم تستعمل في الآخرة . --- وصف الله سبحانه وتعالى نفسه (إن ربك سريع العقاب (١٦٥) الأنعام) لكن لم يصف نفسه جلّت قدرته بأنه سريع العذاب ولكن إستعمل (وأن الله شديد العذاب) لأن العقاب فيه سرعة . الوقفة كاملة |
| ١٢ | آية (١٧٧) : (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) * (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ (١٧٧)) و (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى (١٨٩)) ما سبب الاختلاف ؟ التعبير أصلاً مختلف ، الأولى (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) البر خبر ليس مقدّم لأن خبر أخوات كان كلها يجوز تقديمه و(أن تولوا وجوهكم) مصدر مؤول اسم ليس ، خارج القرآن معناها ليس أن تولوا وجوهكم البر . الآية الثانية (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى) لا يصح لغة أن يقول ليس البرَ ، هذه الباء تدخل على الخبر ولا تدخل على الإسم مثل (وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ) (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) لا تدخل الباء على الإسم أصلاً . الآية الأولى يمكن أن يقال فيها ليس البرُ أو ليس البرَ لأنه يمكن أن يكون هناك تقديم وتأخير لكن الآية الثانية لا يمكن لأنه ما دام عندا (الباء) الباء تدخل على الخبر حتماً مزيدة على الخبر ولا تزاد في الإسم هذا قياس يعني متى ما شئت إفعل في خبر (ليس) ، فإذن لا يمكن أن ننصب البرّ لأنه دخلت الباء فاقتضى أن تكون الباء داخلة على خبر (ليس) ولا يمكن غير ذلك . * (لَيسَ البرّ أنْ تولوا وُجوهَكم) استعمل القرآن الفعل المضارع بمعنى التحول والتحرك أي تولية الوجه ، ووصف البر بأنه من تتمثل فيه هذه الصفات ، وهي من الآيات الجامعة التي تبين لنا أن البر يكون ممثلا كاملا في هذا الإنسان المتصف بهذه الصفات التي تعددها الآية . * استعمل النبيين دون المرسلين لأن النبوة أوسع من الرسالة ، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً . ونلحظ استعمال الجنس (والكتاب) أي جنس الكتاب . * بين الفئات التي يصلها العطاء وتستحقه ، فبدأ بذوي القربى من باب حرصه على الأرحام ، وثنى باليتامى ثم بالمساكين الذ ين يحتاج المرء إلى البحث عنهم ليعرفهم ، وهذا من التوجيهات الاجتماعية القرآنية في الرعاية المالية ، ثم ذكر ابن السبيل ليطمئن المسلم على نفسه أنى كان فإذا انقطع به المال فى سفر فإن له حقا في هذا المال ، وذكر السائلين (من سأل بالله فأعطوه) ، والسائلون ليسوا هم المساكين . ثم ختم بالرقاب ، والحقيقة أن الإسلام أبقى منفذاً واحداً للرق وهو (رقيق الحرب) ثم فتح أبواباً لإخراج العبد من حالة عبوديته بالصدقات والكفارات والترغيب في العتق ، وباباً آخر وهو(المكاتبة) وهو من مصارف الإنفاق الطوعي . * قال سبحانه (على حبه) ولم يقل وهو يحبه لأن (على) أفادت التمكن من حب المال وشدة التعلق به فنبّه بها على أبعد أحوال التعلق بالمال ، فإذا كنت في حالة شدة حبك للمال تنفقه في سبيل الله وأنت مرتاح النفس فكيف بك في أحوالك الأخرى؟ * دلالة نصب (الصابرين) ولم يقل الصابرون معطوفة على الموفون عطف على خبر لكنّ : هذا يُسمّى القطع في اللغة ويكون للأمر المهم ، ويسمى مقطوع على المدح أو الذم . وفي الآية (الصابرين) مقطوعة وهي تعني أخص أو أمدح الصابرين ، وكأننا نسلّط الضوء على المقطوع لأن الصابرين يكونون في الحرب والسلم وفي البأساء وهي عموم الشدة والاصابة في الأموال والضرّاء في البدن والدين كله صبر فقطع الصابرين لأهميتها . * الفرق بين البأساء والضراء : البأساء معناها البؤس وما فيه من الفقر والشدة والمشقة ، في الحرب وغيرها . والبأساء بمعنى الحرب أيضاً . الضراء الإصابة في الأبدان من مرض وأوجاع والإصابة في الأموال . * قال تعالى (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ ..) ولم يقل: ولكن البر أن تؤمنوا ، ليناسب الجزء الأول من الآية الذي أتى بالخبر مصدرا وباعتبار أن البر هو الإيمان لا المؤمن : جاء في الآية بالمصدر المؤول (أن تولوا = التولية ) ، وكذلك في الآية (١٨٩) (... وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى ..َ) وليس (ولكن البر أن تتقوا) . في لغة العرب يمكن أن يحذف المضاف ويقوم المضاف إليه مقامه كما في قوله تعالى (وسئل القرية) ففيها مضاف محذوف (واسأل أهل القرية) فحذف كلمة (أهل) وجعل كلمة (قرية) مكانها، وأخذت موقعها الإعرابي . فعندما يقول (ولكنّ البِرّ مَن اتّقى) كأن هذا المتقي صار هو البر بعينه . فالبِرّ الحقيقي هو هذا الذي اتقى أو الذي توفرت فيه هذه الصفات. * (أولئك الذين صدقوا) جاء باسم الإشارة (أولئك) للبعيد ليقول إن على المسلم أن يسعى ليكون مثلهم ويصل إليهم . * (وأولئك هم المتقون) جاء بالضمير (هم) ضمير الفصل يؤتى به ليميز بين الخبر والصفة ، وفيه أيضاً معنى التوكيد ، فأثبت لهم الخبرية توكيداً وتخصيصاً . الوقفة كاملة |
| ١٣ | (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) * (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ) وليست معدودة : - من حيث اللغة في غير العاقل : الجمع بصيغة الجمع (معدودات) يدل على القلة (حتى العشرة) ، و بصيغة المفرد (معدودة) يدل على الكثرة (أكثر من عشرة) ، (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ) جمع قلة والشهر ثلاثون يوماً وجمع القلة حتى العشرة ولكن يجوز من باب البلاغة للتكثير وضع أحدهما مكان الآخر كما يستعمل القريب للبعيد والبعيد للقريب. وفيها أمران : - قد يكون تقليلاً لهن تهويناً للصائم. - قسم يقول أنها في أول فرض العبادة كانت ثلاثة أيام في كل شهر فقط ثم نُسِخ وجاء شهر رمضان فصارت معدودات. * (عَلَى سَفَرٍ) وليس في سفر لأن على سفر لا تعني أنه سافر بالفعل ، وكثير من الفقهاء قالوا على سفر أي أباح للمتهيء للسفر وإن لم يكن مسافراً أن يفطر إذا اشتغل بالسفر قبل الفجر. * (طَعَامُ مِسْكِينٍ) بدل للإيضاح والتبيين طعام مسكين إيضاح للفدية. * قال الحق بعد الحديث عن الفدية ( فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ) : فعندما كان الصوم اختيارياً كان لابد أيضاً من فتح باب الخير والاجتهاد فيه، فمَنْ صام وأطعم مسكيناً فهذا أمر مقبول منه، ومن صام وأطعم مسكينين وجمع بين الصيام والفدية فذاك أمر أكثر قبولا. ومَنْ يدخل مع الله من غير حساب يؤتيه الله من غير حساب. * التفت من ضمير الغائب (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ) إلى المخاطب (وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ) ولم يقل وأن يصوموا لئلا يخص المرضى والمسافرين وتتداخل مع قوله (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ) لكن هذه أعم ليشمل الجميع المرخّص لهم وغيرهم. * جاء أسلوب الشرط مستخدماً (إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) التي تفيد التشكيك والتقليل ولم يستخدم (إذا) التي تفيد الجزم والتحقيق وفي ذلك إشارة إلى أن علمك أيها المؤمن بفوائد الصيام في الدنيا والآخرة عِلمٌ غير محقق لأن فوائده خفية وأسراره قد لا تتوصل إلى معرفتها ولذلك يرغّبك في هذه العبادة حتى لو لم تدرك فوائدها إدراكاً كاملاً. الوقفة كاملة |
| ١٤ | آية (١٨٧) : (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) * تأمل هذا التشبيه القرآني بتشبيه كل واحد منهما باللباس للآخر وقد جاءت هذه الآية لتعبر عما تحمله تلك العلاقة المقدسة بين الرجل والمرأة وما يمثله كل واحد منهما لصاحبه. اللباس الذي يستر العورات ويدفيء صاحبه ويمنع عنه الأذى والضرر إلى غير ذلك من المنافع الكثيرة. فلو أردت وضع كلمة مكانها لما أدّت المعنى المراد. * سبب الاختلاف بين (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا) و (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا (٢٢٩) البقرة) مع أنها كلها حدود الله: إذا ذكر محرّمات يقول (لا تقربوها) مثل الخمر لا ينبغي أن تقربها (وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) هذا حرام ، أما في الأمور الحلال فلا ينبغي أن تتجاوزها ، الأحكام التي ذكرها في الحلال (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا (٢٢٩) البقرة). * الحدّ هو الحاجز ونهاية الشيء الذي إن تجاوزه المرء دخل في شيء آخر وشُبِّهت الأحكام بالحد لأن تجاوزها يُخرج من حِلٍ إلى منع. ونهى الله تعالى المؤمن عن المقاربة لأن بين الصيام والإفطار قيد خيط أو شعرة وإن استمر المرء على الأكل أفطر وإن أكل قبل هذا الخيط أفطر أيضاً ولذلك نهى عن قربان هذا الحد لأنه دقيق سرعان ما يخرج المرء منه وهو غير شاعر بما فعل. * الفرق بين (يبين الله لكم آياته) و(يبين الله لكم الآيات) : من حيث اللغة كلمة الآيات عامة أما (آياته) فخاصة ، والإضافة إلى ضمير الله سبحانه وتعالى فيها تشريف وتعظيم. المواطن التي يقول فيها (آياته) بالاضافة إلى ضميره سبحانه معناها أهم وآكد. الأحكام المختصة بالحلال والحرام يقول (آياته) مثل (١٨٧)، والأقل منها يقول الآيات (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ .. وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩)) قال الآيات لأن هذه ليس لم يكن فيها تحريم بعد. (وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ .. وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)) هذه أحكام ومحرمات. * (لعلكم تتقون) لعلّ بمعنى (كي) لأن لعل في القرآن من الله إذا كانت في وعد من الله سبحانه وتعالى فمعناها واقعة. * الفرق بين يتقون (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ )١٨٧))، تتفكرون (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ )٢٦٦))، يتذكرون )وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ )٢٢١))، تعقلون (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ )٢٤٢)) في خواتيم الآيات في سورة البقرة، كيف نميز بينهم في الحفظ؟ لو نظرنا إلى الآيات نجد فيها إرتباطاً وثيقاً: - التقوى هي تجنّب الوقوع فيما لا يرضي الله سبحانه وتعالى ، عندما يقول (لعلكم تتقون) في أربع آيات في سورة البقرة (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ .. لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)) ( .. خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣)) (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)) ( .. تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)) ، نجد أنها تأتي بعد فرض، فعل أمر(إفعلوا) أو فعل مضارع بـ لا الناهية (لا تفعلوا) أو بـ (كتب) بمعنى فرض. - (لعلكم تتفكرون) وردت مرتين في سورة البقرة (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩)) (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)) الكلام على قضية تستدعي التفكير إما بضرب مَثَل يتأمله الإنسان وإما يكون جواباً عن سؤال يتفكر في الإجابة عنه . والآيتان فيما يتعلق بالمال. أُنظر الصورة من يودّ هذا؟ شيخ كبير عنده ذرية ضعفاء يفكر فيهم وفيها ثمر تأتي نار تحرقه. (لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) تفكّر، شغّل عقلك، هذا المال الذي عندك قد يحرقه الله تعالى في أية لحظة فأنفق منه. - (لعلهم يتذكرون) التذكّر للإتّعاظ ، ووجدنا أنه في سياق بيان مخالف لعُرفِهِم. فعند ذلك يُطلب إليهم أن يكون لهم بهذا الكلام عظة وعبرة يتّعظون به فلا يخالفوه (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)) . الآية تريد أن تعالج عُرفاً إجتماعياً عند العرب أنه إذا أراد أن يتزوج لا يختار أَمَة ولكن يختار حُرّة ولا يزوّج إبنته لعبد وإنما يزوجها لحُرّ أياً كان. ولكن الآية توضح أن الإيمان هو المقدّم وليس أي شيء آخر. الوقفة كاملة |
| ١٥ | آية (١٩٧) : (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ) * ضمير الإناث يستعمل للإناث ويستعمل لجمع غير العاقل، نقول الجبال هُنّ شاهقات ما نقول هم. (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ) هي للأشهر. بينما ضمير الواو في جمع المذكر السالم لا يستعمل إلا للذكور العقلاء فقط. * الفرق بين الذنب والمعصية والسيئة والإثم والفحشاء والفسوق والضلال والإسراف والظلم والكفر: الذنب الكبائر كما يقول أكثرهم (رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا (١٩٣) آل عمران) السيئة الصغائر لذلك يستعمل المغفرة مع الذنب والتكفير مع السيئة. المغفرة يعني تستر الذنب والتكفير من كفر أي غطّى، لاحظ أيضاً المِغفَر الذي يلبسه الإنسان في الحرب يستر، التكفير هو تكفير البدن، المغفرة هو ما يمنع الضر، يقي الإنسان تحديداً، هو يقي الإنسان معناه أن الأمر الكبير يحتاج إلى مغفرة والصغير لا يحتاج إلى مثل هذا. واستعمل ربنا التكفير مع السيئة لأنها أقل والمغفرة مع الذنب لأن الذنب قد يأتي بإيذاء أكبر. يقولون الذنوب هي الكبائر والسيئات هي الصغائر. الإسراف السرف هو تجاوز الحد في كل فعل في الإنفاق أو في الأكل أو غيره، في كل شيء. الضلال ما يقابل الهدى، العدول عن الطريق المستقيم. العصيان الخروج عن الطاعة يأمرك فتعصي (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) طه) المعصية خروج عن الطاعة. الفحشاء هو ما عظم قبحه من الأفعال والأعمال. الفسوق هو الخروج عن الطاعة من فسقت الرطبة ما خرج عن الطريق ويمتد من أيسر الخروج إلى الكفر كله يسمى فاسقاً. الكفر سماه فسوق (وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥) النور) والنفاق سماه فسوق (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ (١٨) السجدة) وليس كل فاسق كافراً لكن كل كافر فاسق قطعاً. الظلم، الظلم هو مجاوزة الحد عموماً وقد يصل إلى الكفر (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤) البقرة) وقد لا يصل. الكفر فهو الخروج عن المِلّة. الكفر أصله اللغوي الستر وتستعار الدلالة اللغوية للدلالة الشرعية. الفسق أعم من الكفر يشمل الصغير والكبير، الكافر هو فاسق، المشرك فاسق، الذي يترك شيئاً من الدين هو فاسق، عمل شيئاً من المحرمات هو فاسق سواء كان قليلاً أو كبيرًا، إذن الفسق أوسع . * القرآن الكريم يفرق في الاستعمال بين الفسق والفسوق: الفسق لم ترد إلا في سياق الأطعمة وخاصة في الذبائح (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ ... وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ (٣) المائدة) (وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ (١٢١) الأنعام) وغيرها. أما الفسوق فهو عامّ (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ (١٩٧)) (وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ (٢٨٢)) (وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ (١١) الحجرات) (وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ (٧) الحجرات) إذن الفسوق أعمّ كأنه لما كان البناء أطول (فسوق) من (فسق) جعله أوسع يعني ناسب بين بناء الكلمة والدلالة. * عبّر ربنا سبحانه وتعالى بالنفي (فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ) ولم يعبّر بالنهي: ولا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا: ذلك لأن النفي أبلغ من النهي الصريح فالنهي قد يعني أنه يمكن أن يحصل هذا الفعل لكنكم منهيوّن عنه. أما النفي فيعني أن هذا الفعل ينبغي أن لا يقع أصلاً فضلاً عن أن يفعله أحدٌ منكم أيها المسلمون ومن ثمّ أدخل النفي على الإسم لينفي جنس الفعل وأصله. * ذكر الأمر بالتقوى عاماً للناس كلهم (وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) ثم أمر أولي الألباب خاصة بالتقوى (وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ) ، هذا يسمى الإطناب وفائدة الإطناب هنا أن الأمر بالتقوى ليس خاصاً بأولي الألباب وحدهم ولا يتوجه الكلام إليهم دون غيرهم لأن كل إنسان مأمور بالتقوى لكن ذكر هنا الخاص بعد العام للتنبيه على فضل الخاص وهم أولوا الألباب وأرجحيته على العام وهم عوام الناس لأن الناس يتفاضلون بالألباب وبها يتمايزون. الوقفة كاملة |
| ١٦ | آية (١٢) : (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) * كم في هذا التعبير (إِنِّي مَعَكُمْ) من العناية والحفظ والنصر؟ عبر الله عن معيته لعباده الصالحين بقوله (إِنِّي مَعَكُمْ) فأنت تطمئن إن كان معك من هو أشد منك قوة وسلطة وتشعر بالأمان فكيف إذا كان الله معك أينما كنت يرعاك ويصونك. فلا تخاف ولا تُهزَم. * في قوله (وَعَزَّرْتُمُوهُمْ) لفتة معنوية فالتعزير هو المنع ويطلق على النصر لأن الناصر يمنع المعتدي على منصوره. الوقفة كاملة |
| ١٧ | آية (٦٧) : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) * مناسبة الآية لسياقها: وقعت الآية في سياق الذين أوتوا الكتاب ومحاربتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمفروض تبليغهم كتبيلغ غيرهم مع أنهم يكثرون مجادلته ويدّعون العلم وكلما جاءهم رسول قتلوا فريقاً وكذبوا فريقاً آخر وطبعاً هذه من المثبطات أن تدعو من لا تأمنه لو كانوا أقل مجادلة لأمل منهم خيراً. ولكنهم يقولون نحن أصحاب الكتب وأصحاب العلم لكن ربنا أوقعها هنا بالذات حتى لا يترك مجالاً لأهل الكتاب أو غيرهم أمره بالتبليغ لا يمنعه من ذلك مانع ولا يثبطه مثبط ثم قال (وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) مع أنهم حاولوا قتله كما قتلوا قبله من الأنبياء وهذا إعجاز لأن الرسول كان يُحرس ولما نزلت الآية صرف الحرس وقال انصرفوا فقد عصمني الله وهذا دليل على أنه يأتيه الوحي من الله تعالى. * (وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) افتتح ربنا هذه الجملة من الآية بلفظ الجلالة للتأكيد على العاصم وهو الله. فإن عصمك الله يا محمد فلا تخشى أحداً. وفي الابتداء بإسم الله طمأنة لفؤاد النبي صلى الله عليه وسلم بسماع اسم الله . الوقفة كاملة |
| ١٨ | آية (١٧) : (أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَامًا وَرَحْمَةً أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ) * حكمة الترتيب في ذكر البينة ثم الشاهد ومن قبله كتاب موسى: صحة الحكم في القضاء تستند إلى أمرين البينة أو الشهود العدول، فإذا اجتعمت تصبح حجة دامغة، هو الآن ذكر بينة وشاهد لما كانت الدعوة أنه عليه الصلاة والسلام مرسل من ربه، إذن يحتاج بينة من ربه وإضافة إلى ذلك يجب أن يكون شاهد من ربه، إذن صارت البينة شاهد عدل قطعاً لأنه من ربه، ذكر كلاهما ولكنه لم يكتف بهذا قال أيضاً هنالك شاهد آخر وهو كتاب سابق من ربه شهد بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام قال صراحة أنه سياتي هذا الرسول وذكر اسمه ومكان نشاته وأين نزل الوحي وعلامته البدنية ومن أي شعب هو؟ وإلى أين يهاجر؟ هذا في التوراة الحالية سفر التثنية الإصحاح ٤٣، الآية رقم ٢ ، هم رقّموها: "جاء الرب من سيناء وأشرق لنا من ساعير واستعلن من جبل فاران ومعه ألوف الأطهار" "جاء الرب" يعني شريعة الرب، و"ساعير" مكان المسيح فلسطين، "واستعلن" سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام نزل عليه الوحي في غار حراء "من جبل فاران" فاران مكة بالإجماع والحجاز إسمها فاران أصلاً، وفي التوراة أن إبراهيم جعل إسماعيل في بادية فاران، " ومعه ألوف الأطهار" أي الذين معه وهذه الجملة موجودة في بعض النسخ ومحذوفة في نسخة أخرى، ثم أشار إلى الهجرة وقال "لتترنم سكان سالع" سالع هذا جبل في المدينة، يتكلم بعد الهجرة، وذكر الشامة على كتفه. (بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى) هذه كلها تأكيدات على نبوة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام. * لم يذكر لفظ الجلالة ولكن قال (بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ) الرب في اللغة هو المربي والمرشد والموجّه والمعلم إذن هو الأنسب لذكر البينة الذي يبيّن، وفي القرآن كله لم ترد البينة مقترنة إلا مع الرب، لم ترد مع الله. * (وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ) مضارع فيه تجدد واستمرار ما قال تلاه، ذكر شاهدين شاهد من قبله كتاب موسى، وشاهد يتلوه فاستغرق كل الزمن الماضي والحال والاستقبال، فهذا الشاهد يمكن أن يكون مستمراً إلى يوم القيامة، وفي كل زمان قد يظهر شاهد ودليل جديد على صحته ولا تنقضي عجائبه. * قال (وَمَن يَكْفُرْ بِهِ) ولم يقل من كفر حتى يشمل كل من يكفر إلى يوم القيامة. * (فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ) (تَكُ) وليس تكن: نحوياً تصح تكُ وتكُن، لكن بعد أن ذكر الأمور وكل واحد منها كافي في إثبات الدعوة قال (فَلاَ تَكُ) يعني إحذف أي شك أو ريبة من نفسك كما حذف النون من أصل الكلمة. * (وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ) بعد أن ذكر هذه الأمور البينة من ربه والشاهد من ربه والكتاب من ربه والحق من ربه ماذا بقي؟! لا شيء، ثم لعله يبقى في النفس شيء بأن لعله يرى أنه كيف لا يؤمن الناس بعد كل هذه، فاحتاط بعد ذلك حتى يقطع كل شك لعله في النفس أنه لماذا هؤلاء لا يؤمنون فقال له إذا رأيت أكثر الناس لا يؤمنون فهذه طبيعتهم. * النهي الذي ورد في الآية (فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ) أبلغ ما يكون النهي: - جاء بالفاء الدالة على السبب يعني بعد أن ذكرنا الأسباب الموجبة على صحة الدعوة (فَلاَ تَكُ) . - ثم جاء بالنهي (لا) . - ثم حذف النون (تَكُ) . - ثم قال (فِي مِرْيَةٍ) ولم يقل على مرية أو ممترياً أو شاكاً، (في) ظرفية يعني لا تكن في الشك كما يكون الشخص في اللُجة أُخرج منها. - ثم نكّر المرية حتى يشمل كل شك. - ثم قال (مِّنْهُ) من القرآن، لم يقل لا تك في مرية لأن الإنسان يشك في أمور كثيرة لكن المقصود هنا القرآن. - ثم قال (إِنَّهُ الْحَقُّ) أكّد بـإنّ ثم عرّف الحق ليدل على أنه وحده الحق ولا حق سواه، فلو اتبعت أي كتاب آخر كان اتباعك باطلاً، فكل كتاب آخر منسوخ. - ثم ذكر الجهة التي تدل على أحقيته (مِن رَّبِّكَ) . - ثم قال (وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ) حتى يحتاط للمسألة. - حذّر قبلها بأن الذي لا يؤمن موعده النار (وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ) . الوقفة كاملة |
| ١٩ | آية (٣٠) : (وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) * ذكر نوح أمرين يمنعان من طرد من آمن معه: - (إِنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ (٢٩)) هو أعلم بحالهم. - ثم قال لا أستطيع ذلك ليس الأمر إلي إن فعلت ذلك سيعاقبني (مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ) من يمنعني منه؟ * (مَن يَنصُرُنِي) استفهام أي لا يوجد أحد ينصرني، يجب أن يكون هناك ذات قوية أعلى منه ولا يوجد. * (يَنصُرُنِي مِنَ) هي في الأصل نصره على (وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) لما يقول نصره منه أي نجّاه منه، ليس بالمعنى الحرفي فالنصر ليس هو النجاة لكن هذا باب التضمين ليشمل معنيين؛ النصر والنجاة، هنا من ينصرني من الله؟ من ينجيني منه؟ يعني من يمنعني هل هنالك ذات تنصره؟ * قال (إِن طَرَدتُّهُمْ) بصيغة الماضي ولم يقل إن أطردهم: إذا جاء الفعل الماضي بعد أداة الشرط فالغالب أن القرآن يستعمله لما يراد به مرة واحدة يستعمله القرآن (إِن طَرَدتُّهُمْ)، وإن جاء مضارعاً فمظنة التكرار أكثر من مرة، (وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا) لأن هذا قتل خطأ، بينما (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا) هذا مظنة التكرار، إن أطردهم معناها يتكرر لكنه إن طردهم ستأتيه العقوبة ولن ينجيه أحد من الله حتى يكرر فعله. * (أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) لم يقل تتذكرون: إسأل أي واحد من ينصرني من الله؟ لا أحد، إذن لا تحتاج إلى طول تفكير الأمر واضح، تتذكرون قد تحتاج إلى طول، (أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) هو كأنما يذكرهم بأمر غائب عنهم. الوقفة كاملة |
| ٢٠ | آية (٣٧) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ) * بدأ سبحانه بما فيه نجاة المؤمنين (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ) وقدّمه على مصير الظالمين (إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ)، وفي كل القرآن الكريم يقدم نجاة المؤمنين على هلاك الكافرين لأنها أهم أولاً ليطمئن قلوبهم ويحفظهم ويحميهم لأنهم عزيزين عليه، مثل قوله (فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا (٦٤) الأعراف) ومع باقي الأنبياء أيضاً هنا في السورة. * (بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا) جاء بالأعين - أي الرعاية والحفظ - جمع للدلالة على تكثير الحفظ وديمومته، يحفظه من هؤلاء وهو يعمل قد يمنعونه من العمل، وقسم قال أعيننا يعني الملائكة لأنها تحفظ أيضاً (يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ (١١) الرعد)، والوحي مفرد أي نعلمك كيف تصنعها. * (فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ) ذكر صفتهم التي تستدعي إهلاكهم وعقوبتهم لا تستدعي أن تستشفع فيهم. * (ظَلَمُواْ) جعله مطلقاً لأنفسهم ولغيرهم ولذلك لم يذكر صفة معينة أو قيد معين، ظلموا عامة هذه صفتهم. * (إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ) جاء بالإسم الدال على الثبوت والدوام وكأن الأمر انتهى عند الله هم مغرقون، ولو قال سأغرقهم فهو لم يحصل بعد. الوقفة كاملة |
إظهار النتائج من 11 إلى 20 من إجمالي 358 نتيجة.