التدبر

١٨٥١ قصص الأنبياء في أرض الإسراء فوائد من قوله تعالى إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا سورة يوسف أية 17 الوقفة كاملة
١٨٥٢ قصص الأنبياء في أرض الإسراء الصدق ليس فقط في اللسان- من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه سورة يوسف أية 18 الوقفة كاملة
١٨٥٣ قصص الأنبياء في أرض الإسراء فوائد وعبر توجيهات القائد قبيل الرحيل سورة يوسف أية 81 الوقفة كاملة
١٨٥٤ قصص الأنبياء في أرض الإسراء فوائد وعبر الاسترجاع من خصائص هذه الأمة سورة البقرة أية 156 الوقفة كاملة
١٨٥٥ قصص الأنبياء في أرض الإسراء فوائد وعبر سورة البقرة أية 132 الوقفة كاملة
١٨٥٦ قصص الأنبياء في أرض الإسراء فوائد وعبر لماذا أمر موسى بخلع نعليه؟ سورة طه أية 11 الوقفة كاملة
١٨٥٧ قصص الأنبياء في أرض الإسراء فوائد وعبر الاصطفاء والتوفيق للطاعة نعمة عظيمة تحتاج لشكر سورة طه أية 13 الوقفة كاملة
١٨٥٨ قصص الأنبياء في أرض الإسراء فوائد وعبر ركنا التوحيد سورة طه أية 14 الوقفة كاملة
١٨٥٩ قصص الأنبياء في أرض الإسراء فوائد وعبر وما تلك بيمينك يا موسى سورة طه أية 17 الوقفة كاملة
١٨٦٠ قصص الأنبياء في أرض الإسراء فوائد وعبر من منافع عصا موسى سورة طه أية 18 الوقفة كاملة

تفسير و تدارس

١٨٥١ خواطر الشعراوى , سورة النساء الوقفة كاملة
١٨٥٢ تفسير سورة سبأ دورة الاترجة الوقفة كاملة
١٨٥٣ تفسير سورة سبأ دورة الاترجة الوقفة كاملة
١٨٥٤ تفسير سورة سبأ دورة الاترجة الوقفة كاملة
١٨٥٥ تفسير سورة سبأ دورة الاترجة الوقفة كاملة
١٨٥٦ بينات 1435 هـ الوقفة كاملة
١٨٥٧ برنامج بينات 1435 ه الوقفة كاملة
١٨٥٨ تفسير سورة سبأ دورة الاترجة الوقفة كاملة
١٨٥٩ برنامج بينات 1435 ه الوقفة كاملة
١٨٦٠ بينات 1435 هـ الوقفة كاملة

أسرار بلاغية

١٨٥١ .(أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ (20)) *ما تعلُّق هذه الآية وتواصلها بما قبلها خاصة بعد انتهاء وصايا لقمان لابنه فكيف نربط بين هذه الآية وما سبقها من آيات؟ انتهت وصية لقمان بالآية التي ذكرناها (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)) وبدأ الآن كلاماً آخر وهو كلام رب العالمين وخطابه للخلق (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ (20)) هو قبل وصية لقمان قال (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10)) ذكر خلق السموات وإلقاء الرواسي في الأرض وما بثّ فيها من كل دابة قبل وصية لقمان وهنا ذكر النِعم التي أنعمها في السموات والتسخير وأسباب النِعم، هناك الخلق وهنا المرحلة الأخرى وهي التسخير بعد الخلق هناك خلق السموات وهنا تسخيرها لأن التسخير يكون بعد الخلق، بدأ هناك بالخلق (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) والآن إسباغ النعم والتسخير في النِعم فالخلق أولاً ثم التسخير والنِعم التي أنعمها رب العالمين علينا فهو الخالق وهو المسخر وهو المُفيض بالنِعم، هذه من حيث الارتباط. ومن حيث المضمون الناس هم يعلمون أن الله خالق السموات والأرض (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ (38) الزمر) كان المتوقع أن معرفة هذا الأمر تدعو الناس إلى عبادته سبحانه لكن مع ذلك ذكر مع هذا (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ) قال قسم من الناس يجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب مبين. هذه الآية ليست فقط لها ارتباط بالآية التي سبقت وصية لقمان فهي كأنها مكملة لها خلق السموات وما إلى ذلك ثم بعدها التسخير وحتى يبدو أن لها ارتباطاً بأول السورة (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (2) هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ (3)) وصف الكتاب بأنه حكيم وذكر بأنه هدى ورحمة للمحسنين وذكر أن هؤلاء يجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، هناك ذكر الكتاب وذكر أنه حكيم، وهنا ذكر أنهم يجادلون بغير علم ولو اطلعوا على الكتاب لكان عندهم علم لأن حكيم من الحِكمة توفيق العلم بالعمل، يعلم ثم يعمل بمقتضى العلم، الحكمة أن يضع الشيء في محله قولاً وفعلاً. إذن بغير علم يقابل وصف الكتاب بأنه حكيم لأنهم لو اطلعوا وقرأوا الكتاب لكانوا يتكلمون بعلم، ثم قال (ولا هدى) وقد وصف الكتب بأنه هدى قال (هدى ورحمة). (ولا كتاب منير) وهو أثبت أنه كتاب حكيم (تلك آيات الكتاب الحكيم) إذن هنا قال (ورحمة للمحسنين) وهنا لم يحسنوا في الجدال يجادلون بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير إذن لم يحسنوا في الجدال وأما الرحمة المذكورة فرحمته بخلقه وما أفاض عليهم من النِعم في السورة. فهي إذا كما هي مرتبطة كأنما هي تأتي بعد الوصية هي مرتبطة بفاتحة السورة (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (2) هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ (3)). اللمسات البيانية في الآية: الآية الكريمة (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ) قال ألم تروا ولم يقل ألم تر أي الخطاب لعموم العقلاء وليس المفرد، خاطب جمع العقلاء. (ألم تروا) أي ألم تبصروا، ألم تر إلى يصير علماً يعني ألم تعلم (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ (45) الفرقان) ربنا لا يُرى فيعني ألم تعلم. ورأى قد يكون قلبياً أو بصرياً، فإذن (ألم تروا) الخطاب لعموم العقلاء ثم قال (سخر لكم) ذكر نعمته بالتسخير لعموم الخلق ثم قال (ما في السموات وما في الأرض) شمل عموم ما فيهما ما في السموات وما في الأرض وهذا أعمّ تسخير (ما في السموات وما في الأرض) (ما بمعنى الذي) لم يقل كما قال في مواطن أخرى (وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) إبراهيم) تحديداً، (وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ (32) إبراهيم) (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ (12) النحل) (اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ (12) الجاثية) هذه جزيئات وهنا قال (ما في السموات وما في الأرض)، إذن ألم تروا جمع، سخر لكم جمع ثم ما في السموات وما في الأرض أعم تسخير ثم قال (وأسبغ) معناها أفاض في العطاء وليس العطاء فقط، كلها في الزيادة والمبالغة في الشيء. ثم قال (نِعمه) جمع الكثرة لم يقل أنعمه لأن أنعم جمع قلة وجمع القِلّة معدود بين الثلاثة والعشرة ونِعم جمع كثرة غير معدود لما أثنى الله تعالى على إبراهيم  قال (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ (121) النحل) لم يقل لنعمه، لا يستطيع لأنها لا تُحصى (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا (34) إبراهيم) نعمة هنا جنس وحتى النعمة الواحدة فيها نِعم. النِعم عامة والنعمة قد تكون للجنس مثل الإنسان فتشمل جميع النِعم وحتى لو كانت واحدة فهي لا تُحصى. (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا) نعمة هنا إسم جنس يعني النعمة على العموم مثل كلمة رجل أحياناً يراد به فرد وأحياناً يراد به جنس. هنا قال ربنا تعالى نِعمه ولم يقل أنعمه. ثم قال (ظاهرة وباطنة) دلالة على شمول النِعم لكافة أنواعها ظاهرة وباطنة. ولو قال وأسبغ عليكم نعمه قد يظن ظان أنها ظاهرة وغير باطنة مثلاً؟ ذكر ظاهرة وباطنة للشمول لأن من النعم ما هو باطن مثل العقل والقلب وما أودعه الله تعالى فينا من القوة والأشياء باطنة لأن الإنسان قد لا يحس إلا بالنعم الظاهرة فقال (ظاهرة وباطنة) وهذه كلها متناسبة مع الشمول الذي يذكره. ثم قال (بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير) فأفاض في ذكر مركّب الجهل، عناصر الجدل. هو أوسع وأفاض في عموم المسخر لهم عموم الخلق (ألم تروا، سخر لكم، أسبغ عليكم) وأوسع وأفاض فيما سخره لهم (ما في السموات وما في الأرض) وأوسع وأفاض في الفعل (أسبغ) وأوسع وأفاض في النعم (نعمه) وأوسع وأفاض في الشمول (ظاهرة وباطنة) وأوسع وأفاض في ذكر عناصر الجهل (بغير علم ولا هدى ولا كتاب مبين) هذه تشمل عناصر الجهل المركّب الظاهر والباطن. العلم هذا باطني أنت ترى إنساناً لكن لا تحدد علمه من الرؤية وقد تظهر بعض الآثار إذا تكلم الشخص، هذا أمر باطني. والهدى قسمين قد يكون ظاهراً وقد يكون باطناً، ظاهراً في الكتب ورب العالمين سمى الكتب هدى التوراة والنجيل والقرآن هدى ورحمة، والهدى الظاهر أدلاء الطريق (إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) طه) من يهديه وذكر النجوم (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) النحل) هذا هدى ظاهر والهدى الباطن هو توفيق الله وما يقذفه من نور في قلب الإنسان (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) الكهف) (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى (76) مريم) (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا (13) السجدة) وقوله (ولا كتاب منير) هذا كتاب ظاهر مقروء. إذن نفى عناصر الجهل وتدرج في ذكر العناصر من الباطن إلى المشترك إلى الظاهر، الباطن هو العلم والمشترك هو الهدى والباطن هو الكتاب. ثم وصف الكتاب بأنه منير لم يقل فقط ولا كتاب لأن هؤلاء قد يرجعون إلى كتب غير منيرة (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ (6) لقمان) وقد يرجعون إلى الكتب المحرفة، إذن كلمة منير أفادت أنها حددت كتاب الله. علاقة منير بالوصف الذي قبله من الجهل المركّب الذين هم فيه أنهم في ظلمات ويخرجهم من الظلمات إلى النور. واللطيفة أن هذه المجادلة في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير هي أنكر المجادلات وهي مثل أنكار صوت الحمير فمن اللطيفة أن تكون بعدها، فهي مناسبة لما قبلها. جعل كلاهما من المستنكرات المستنكر في العقول أن يرفع الإنسان صوته والمستنكر في الجدال والنقاش أنه بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. القرآن كله وحدة واحدة مترابطة دائماً ولا يمكن تفسير القرآن بما هو خارج عنه وهناك كلام أن القرآن يفسر بعضه بعضاً ومن الأسس الذي يتصدى لعلم التفسير أن يرجع إلى ما في القرآن من نحو التعبيرات والمعاني حتى يتبين له كثير من الأمور. وهناك رسالة دكتوراة بعنوان وحدة السورة في القرآن الكريم تناولت هذه الجوانب. *قال تعالى في سورة النحل (شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (121)) وفي سورة لقمان (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً (20)) فما الفرق بين أنعُم ونِعَم؟ نِعمه هل هي نِعَم واحدة؟ أنعم جمع قِلّة على وزن أفعُل، نِعم جمع كثرة. ونعم الله تعالى لا تحصى ولا يمكن أن تُشكر ولا نستطيع شكرها فالله تعالى مدح ابراهيم  على أنه شكر الأنعم أي القليل من النِعم فمدحه على ذلك لأنه لا يمكن لأحد أن يشكر نِعَم الله تعالى التي لا تُحصى فأثنى على ابراهيم  لأنه كان شاكراً لأنعم الله تعالى. والله تعالى لم يسبغ علينا أنعماً ولكنه أسبغ نعماً ظاهرة وباطنة لا تُحصى. والاسباغ هو الإفاضة في ذكر النِِعم. قال تعالى في سورة الإنسان (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)) شاكراً اسم فاعل والكفور مبالغ في الكفر. وتوجد نِعم مستديمة منها ما نعلم وما لا نعلم والله تعالى أفاض علينا بالنعم الكثيرة ولو شكرنا نشكر باللسان وهو بحد ذاته نعمة. الوقفة كاملة
١٨٥٢ (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (21)) اللمسات البيانية في الآية: أراد أن يبين ضلالهم وجهلهم بعد أن ذكر مجادلتهم في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير أراد أن يبين ضلالهم وجهلهم وقلة إدراكهم، ما قال اتبعوا ما عندنا أو اتبعوا سبيلنا وإنما قال (اتبعوا ما أنزل الله) لو قال اتبعوا سبيلنا لقالوا سبيلنا أفضل، قال (اتبعوا ما أنزل الله) هذه محايدة هل ما عندهم أفضل مما أنزل الله؟ بالطبع لا. لو قال لهم اتبعوا سبيلنا أو ما عندنا لقالوا ما عندنا أفضل وفيه الكفاية. ثم قال (وإذا قيل لهم) بني الفعل لما لم يسمى فاعله (قيل) لو يذكر فاعلاً معيناً لأنه لا يتعلق الأمر بذكره وحتى لا يُظن أن رفضهم بسبب هذا القائل لأنك أحياناً ترفض القول بسبب قائله (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) الزخرف) حتى في حياتنا قد تقبل القول من أحدهم ولا تقبله من آخر ولذلك قال (وإذا قيل لهم) للمحايدة حتى لا تأخذهم العزة بالإثم. ثم قال (بل نتبع ما وجدنا عليهم آباءنا) أي جعلوا آباءهم بإزاء الله تعالى، لو قالوا لو نعلم أن هذا أنزله الله لأتبعناه لو قالوا ذلك كان يعذرهم السامع حتى يقيم عليهم الحجة، لكنهم قيل لهم (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله) هم يرفضون الرسالة بحد ذاتها آثروا اتباع آباءهم على ما أنزل الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. ثم قال (أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير) هذا سؤال تعجيب من حالهم، هذا كلام رب العالمين يتعجب من حال هؤلاء (أولو كان) استفهام يُنكر عليهم يثير العجب من حالهم. هم قالوا (بل نتبع ما وجدنا عليهم آباءنا) بإزاء ما أنزل الله، (أولو كان الشيطان) هذا تعجيب من حالهم لأن معتنق كل فكرة يبتغي المآل السعيد والعاقبة الحسنة، وهو ذكر أمرين: الشيطان يدعوهم والشيطان لا شك أنه عدو للإنسان ثم عاقبة من اتبعه عذاب السعير فكيف يتبعونه؟! الداعي هو الشيطان والمآل عذاب السعير فكيف يتبوعه؟ هذه إهانة لكل عاقل أن ينجو بجلده ويفر مما هو فيه إلى ما أنزل الله. الشيطان غرّهم كما غرّ أباهم آدم . الشياطين يدعون إلى عذاب السعير. انتهى كلامهم عند (بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا) (أولو كان الشيطان) هذا كلام الله تعالى، لما قالوا (بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا) الشيطان هو الذي يمنعهم من الإيمان إذن هو منعهم ودعاهم ووسوس لهم وترك ورفض ما دعاهم إليه الله سبحانه وتعالى وفي الحقيقة الشيطان دعاهم إلى عذاب السعير وإلى جهنم. في هذا القول الشيطان دعاهم إلى عذاب السعير. التركيب (أولو) يعني أولو كان ذلك؟ تقول لفلان سأفعل كذا فيقول أول كان كذا؟ تقول ولو كان كذا، ولو فعلت كذا؟ لو فعلت كذا، أولو كان فذ ذلك أذى؟ قال ولو كان في ذلك أذى، برغم أن الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير. الإجابة على أولو كان؟ نقول ولو كان، هذا إصرار عجيب وما التفتوا ولا انتبهوا لأن الشيطان عمّ عليهم. *ما الفرق بين وجدنا وألفينا في القرآن (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (21) لقمان) (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ (170) البقرة)؟ نقرأ الآية التي فيها ألفينا والتي فيها وجدنا (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ (170) البقرة) وفي الأخرى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (21) لقمان) (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ (104) المائدة). آية ألفينا وآيتين وجدنا. في القرآن الكريم لم يرد الفعل ألفى إلا فيما هو مشاهد محسوس ولذلك قال بعض النحاة أنه ليس من أفعال القلوب، قسم يدخلوه في أفعال القلوب وقسم يقولون لا ليس من أفعال القلوب وإنما في الأفعال المحسوسة المشاهدة. أفعال القلوب قلبية يستشعر بها. وهي فعلاً في القرآن لم ترد إلا مشاهدة. في هذه الآيات في القرآن (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءهُمْ ضَالِّينَ (69) الصافات) (وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ (25) يوسف) (بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا (170) البقرة). (وجدنا) في القرآن وفي غير القرآن وردت قلبية وغير قلبية ومشاهدة وغير مشاهدة مثلاً (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً (37) آل عمران) (وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا (86) الكهف) (وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ (39) النور) (وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ (102) الأعراف) يعني وجدهم يخلفون الميعاد، (وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (62) الأحزاب) (وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا (110) النساء) وجد هي أشمل وتستعمل للأمور القلبية وألفينا للأمور المحسوسة هذا في القرآن أما في غير القرآن ففيها كلام. من حيث اللغة قسم من النحاة يقول هي ليست من أفعال القلوب أصلاً، هذا حكم عند قسم من النحاة. والنحاة في (وجد) هذه لا يختلفون فيها ويقولون هي من أفعال القلوب الأفعال المحسوسة أما (ألفى) فهم مختلفون فيها قسم يقول هي قد تأتي من أفعال القلوب وقسم يقول هي ليست من أفعال القلوب. في القرآن لم ترد في أفعال القلوب وإنما هي محسوسة. ماذا ينبني على هذا؟ التعبير كيف اختلف بالنسبة لهذا الأمر؟ الذي لا يؤمن إلا بما هو مشاهد وحسوس معناه هو أقل علماً ومعرفة وإطلاعاً بمن هو أوسع إدراكاً، أقل، ولذلك عندما يستعمل (ما ألفينا عليها آباءنا) يستعملها في الذم أكثر من (وجدنا)، يعني يستعمل (ألفى) إذا أراد أن يذم آباءهم أشد من الحالة، الذم محتلف وقد تكون حالة أشد من حالة في الحالة الشديدة يستعمل ألفينا، يستعملها أشد في الذم. (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ (170) البقرة) نفى عنهم العقل، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ (104) المائدة) نفى عنهم العلم. أيّ الأشد تنفي العقل أو تنفي العلم؟ نفي العقل أشد. فاستعمل ألفى في نفي العقل ونفي العقل يعني نفي العلم. نفى العقل وفي الثانية نفى العلم، العاقل يمكن أن يعلم لكن غير العاقل لا يعلم. وحتى في الآية الأخرى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (21) لقمان) الشيطان يدعو العاقل أو غير العاقل" يدعو العاقل لأن غير العاقل غير مكلف، يدعوهم معناه هم أصحاب عقل إذن هو يستعمل ألفى إذا أراد أن يذم أشد بنفي العقل ويستعمل وجد لما هو أقل. سؤال: الجاهليون كانوا يعلمون هذا الكلام ألفى ووجد والفروق الدلالية؟ هم قطعاً يستعملون ألفى في الأمور المادية المحسوسة أكثر ولذلك قال قسم من النحاة أنه ليس من أفعال القلوب. سؤال: إذن كل كلمة في القرآن تحتاج إلى دراسة وإلى علم غزير وليس إلى وجهة نظر أو انطباع القارئ أو الباحث في القرآن الكريم وهناك علاقات ترابطية ودلالية لا بد أن تحتاج إلى علم وأي علم. الإجتهاد مبني على علم وأصحاب علوم القرآن يذكرون شروط للذي يتصدى لهذا العلم، لا يأتي أحد ويقول أنا أفسر القرآن الكريم. . الوقفة كاملة
١٨٥٣ (وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (23)) قال (من كفر) بالماضي وقبلها قال (ومن يسلم) بالمضارع. في آية سابقة قال تعالى (وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ (40) النمل) الشكر يتجدد وينبغي أن يتكرر لأن النعم متكررة متجددة فكل نعمة تستوجب شكر فقال ومن يشكر أما الكفر يكفي أن يكفر فمسألة واحدة (ومن كفر). قلنا من يسلم وجهه إلى الله، يفوض أمره إلى الله أو يتبع أوامر الله الاتّباع مسائل كثيرة وما يقتضي التفويض إلى الله أمور كثيرة متعددة في الحياة فقال (ومن يسلم) أما من كفر ليس بالضرورة أن يتجدد الكفر لو كفر في الاعتقاد مرة واحدة فلا يحتاج إلى التكرار. (وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ (22) لقمان) قلنا إما يتبع أوامر الله أو يفوض أمره إلى الله وقلنا الإتباع في أمور كثيرة والتفويض تفويض الأمور إلى الله وما يحصل فيها والمصائب التي تقع عليه وما يحذره وما يخافه أمور كثيرة جداً فقال (ومن يسلم وجهه). *ما دلالة الفاء في (وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ) ثم ما دلالة هذا التعبير بالذات وما اللمسات البيانية فيها؟ (وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ) لو تأملنا فيه فهو تعبير غريب وليس مثل فلا تحزن لكفره، الكفر فاعل والكاف المخاطب مفعول به (المخاطَب هو الرسول )، في اللغة المنهي هو الفاعل لما أقول لا يضرب محمد خالداً المنهي هو محمد، المنهي هو الفاعل ففي الآية الكفر هو المنهي وليس الرسول . المعنى العام لا تحزن لكفره هذا أصل المعنى لكن كيف اختار التعبير؟ لماذا لم يقل فلا تحزن لكفره. في اللغة المنهي هو الفاعل إلى المفعول. لم يقل تعالى فلا تحزن وإنما قال (فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ) الكاف مفعول به. لو قال لا تحزن يكون الفاعل المخاطب (أنت) لكن في الآية المنهي هو الكفر. المنهي في الآية هو الكفر يعني أيها الكفر لا تُحزِن رسول الله ، ينهى تعالى الكفر ألا يُحزن رسول الله  إشفاقاً على رسول الله  وكأن الكفر يريد أن يُحزِن رسول الله . هذه فيها تعبير مجازي كأن الكفر ذات عاقلة تريد أن تحزن الرسول فينهاه تعالى (فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ) تعبير في غاية اللطافة والرقة. قال تعالى في آيات أخرى (وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ (127) النحل) ليس هنا مفعول به منهي. في القرآن (فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5) فاطر) لأن الشيطان يغرّ المسلم، المنهي هو إبليس لكن المقصود به الإنسان أن لا يغتر بإبليس. (فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ) المنهي هو الكفر أن لا يُحزِن رسول الله. الفاء في (فَلَا يَحْزُنكَ) الفاء يمكن حذفها. ذكرها له معنى وحذفها له معنى. الفاء هنا عرّفتنا جواب الشرط ولو حذف الفاء لا تكون شرطية، هناك ضوابط لاقتران الفاء بجواب الشرط. الفاء تحتمل أن تكون موصولة وتحتمل أن تكون شرطية والذي يحدد أحياناً ضابط لفظي كأن يكون الجزم (من يدرس ينجح) هذا شرط للأن إسم الموصول لا يجزم. هذا الذي يحدد الفاء الموطن موطن وجوب اقتران الفاء بالشرط لأن هذا نهي (لا) الناهية إذا كانت (من) شرطية فالفاء لا بد أن تأتي, وإذا كانت (من) موصولة لا تأتي الفاء. لو لم تأتي بالفاء في الآية تكون موصولة، الفاء شرطية وهذا هو المقصود. وإذا كانت موصولة ومن كفر لا يحزنك كفره المعنى ليس واحداً. الشرط يفيد العموم قطعاً (من يستعن بالله يعنه) لا يقصد شخص معين. أما الموصول فلا يدل على الغموم لأن الموصول معرفة وقد يكون المعرفة للجنس أو للواحد (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12)وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) المدثر) شخص معين واحد هو الوليد بن المغيرة. الموصول لا يقتضي أن يكون جنساً يحتمل أن يكون واحداً معيناً أو جنساً (أكرمت من زارني) من يزورني أكرمه، من يعتدي عليّ أعتدي عليه. الشرط يدل على العموم والكوصول ليس بالضرورة وفي الآية أراد تعالى العموم وليس جماعة معينة في الكفر وإنما الكلام على الإطلاق وفهمنا الإطلاق من الفاء. هذه الفاء عيّنت أن (من) شرطية والشرط يفيد العموم إطلاقاً لأنه لو قال لا يحزنك يحتمل أن يكون جماعة معينة بينهم مشادة أو أذى لا تعني غيرهم لكن عندما جاء بالفاء صارت للعموم ولو حذفها ليست بالضرورة للعموم إذن ذكرها ليس كحذفها، وجود الفاء يحدد معنى الشرطية لـ (من) وهذا فيه العموم وهذا هو المقصود بالآية. *قال تعالى في الآية (إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ (23)) بالجمع وفي آية سابقة قال (ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ (15) لقمان) بالمفرد واضافة (ثم) فما الفرق؟ (إلينا) ضمير التعظيم، إليّ ضمير الإفراد. الآية السابقة (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (15)) الآية السابقة في مقام الوحدانية والنهي عن الشرك فجاء بضمير الوحدة (إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ) (وإن جاهداك على أن تشرك بي) كلها في مقام التوحيد والنهي عن الشرك فيقول (إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ). أما الآية الثانية فليست في مقام التوحيد فجاء كضير التعظيم وأيضاً قدم الجار والمجرور (إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ) للحصر أي إلينا مرجعهم لا إلى غيرهم. *هنا قال (فَنُنَبِّئُهُم) وفي مواطن أخرى قال (ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (60) الأنعام) فما الفرق؟ في الآية السابقة في لقمان قال (ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم (15)) (ثم) عاطفة تفيد التراخي. في الآية لم يأتي بـ (ثم) قال (إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ). في الآية الأولى الكلام على التراخي معناها تقريب المرجع (إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ) هنالك مهلة أما في الآية لم يكن هناك مهلة وإنما جعل المرجع أقرب. لماذا جعل هناك مهلة وهنا لم يجعل مهلة بدون (ثم)؟ هو جاء بـ (ثم) هناك أكثر من سبب قال (وَإِن جَاهَدَاكَ) المجاهدة قد تسغرق وقتاً وقال (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) فيها وقت (وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ) فيها وقت وهذا يناسب (ثم). أما في هذه الآية ليس فيها ما يدل على التراخي ما يقتضي التراخي أما في تلك الآية ما يدل على التراخي. السياق في هذه الآية ليس فيه تراخي كأن فيه تقريب الأمر (إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ) وقت قليل وينتهي لما نهاه عن الحزن فقال له الوقت قريب ولا يعقل أن ينهاه عن الحزن وأن لا يهتم بهذا ثم يقول له هناك وقت طويل فقال (إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ) إذن هناك أكثر من مسألة استدعت استعمال (ثم). عندما ترى صاحبك في ضيق وتريد أن تخفف عنه تقول له الدنيا قصيرة فتقلل الأمر في عينه حتى يخف فلما قال تعالى (فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ) يريد أن يصبره فقال أن الوقت قصير (إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ) المهم أن تهون المسألة عليه لا العكس، الله تعالى ينهاه عن الحزن فلا يطيل الوقت عليه. العرب كان تعرف هذا وهم كانوا إذا أرادوا أو يواسوا شخصاً يقولون له الدنيا قصيرة. *قال تعالى (فأنبئكم) وفي مواطن أخرى لم يستعمل الفاء فلماذا؟ في مواطن قال (فأنبئكم) (فينبئهم) (ثم ينبئهم) الأمر الأساسي في فهم التعبير هو السياق ووضعه في مكانه. أصل السياق في الدنيا (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا (159) الأنعام) لم يذكر إلينا مرجعهم. هناك لما ذكر المرجع صار بين الدنيا والتنبيه وقت طويل قال (ثم ينبئهم) وهناك قال (إلي مرجعهم) فلما رجعوا سيكون التنبيه أقرب وهنا لم يقل الرجوع (فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (14) المائدة) إلى يوم القيامة الوقت ممتد فيقول سوف، السياق هو الذي يحدد. لما يذكر الكلام إذا كان السياق مبني على التأخير يقول (ثم). (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57) الأنعام) ليس هناك استعجال فلا يقول فأنبئكم. في نفس السياق (قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58) الأنعام) يقول (ثم) لأن المقام ليس في الاستعجال. السياق الذي يحدد ولا ينبغي أن نقطع كلمة من سياقها. *قال تعالى بما عملوا وفي آية سابقة في السورة قال بما كنتم تعملون فما الفرق بين الآيتين؟ الآية الكريمة قوله تعالى (وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) ذكرنا بعض الأمور التي تتعلق بالآية فيما سبق ووقفنا عند قوله تعالى (فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا). ربنا تعالى في آية سابقة في السورة نفسها قال (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (15)) (كنتم تعملون) هذا الماضي المستمر، كان يعمل مستمر، كنتم تعملون أي كنتم مستمرون على العمل في الماضي يسمى الماضي المستمر و(عملوا) هذا الماضي المنقطع. هناك أكثر من ماضي وأنواعه متعددة لكن في الآية (بما كنتم تعملون) بالماضي المستمر وهذه الآية بالماضي المنقطع (بما عملوا). السبب كما ذكرنا أكثر من مرة أن السياق يحدد المسألة، في الآية السابقة ذكر استكرار المجاهدة (وإن جاهداك) واستمرار المصاحبة بالمعروف (وصاحبهما في الدنيا معروفاً) واستمرار الإتباع اتباع المنيبين إليه (واتبع سبيل من أناب إليّ) ثم قال (ثم إلي مرجعكم) و (ثم) تفيد المهلة والتراخي، هذه الأمور تحتاج إلى استمرار عمل، هنا ليس فيها استمرار عمل (وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا) ما ذكر أموراً فيها دلالة على استمرار العمل لكن المصاحبة والمجاهدة واتباع سبيل المؤمنين ثم إلي مرجعكم أما هنا ما قال (ثم) فيها أصلاً إذن هناك سياق الآية يدل على استمرار العمل قال بما كنتم تعملون جاء بالماضي المستمر وهنا ليس فيها استمرار عمل فقال بما عملوا فإذن هذه مناسبة لهذا الموضع وتلك مناسبة للموضع الذي وردت فيه. الماضي المستمر له دلالات سياقية. مسألة الماضي فيها أكثر من ستة عشر زمن في الماضي، يُدرّس للأطفال الفعلال ماضي أنه ما مضى وانقطع فقط وتبقى هذه المعلومة ثابتة بينما الماضي كثير هناك الماضي المنقطع، وأحياناً الماضي بحد ذاته هكذا عملوا، هو الآن ماضي منقطع أي انقطع وانتهى لأن الماضي بهذه الصورة قد يكون ماضي واستمر عليه لم ينقطع (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (80) طه) ليس مرة واحدة (وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79) الأعراف) وأحياناً المنقطع لما يكون مسبوقاً بـ (كان) مثل قد كان فعل (وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ (15) الأحزاب). وأيضاً هناك الماضي المعتاد كان رسول الله يفعل كذا أي معتاد عليه كان رسول الله  يمسح كذا ثلاثاً ماضي معتاد بمعنى الماضي المستمر يسمونه المعتاد أي ما اعتاد عليه. هناك كلام كثير في الماضي. *قال تعالى (فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا) بالفاء وفي سورة المائدة قال (وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (14))؟ ذكرنا هذا الأمر في الحلقة السابقة أنه في بعضها لم يذكر إلينا مرجعهم وهنا ذكر إلينا مرجعهم فلما يكون المدة بين الرجوع والتنبيء ليست طويلة بينما لم يذكر أصلاً المرجع فيكون المسافة أطول وشرحنا أمثلة في حينها. *في قوله تعالى (إن الله عليم بذات الصدور) لم يقل إننا مع أنه قال قبلها (إلينا مرجعهم) بضمير الجمع؟ في أكثر من مناسبة ذكرنا أنه إذا ورد ضمير التعظيم لا بد أن يسبقه أو يأتي بعده ما يدل على الإفراد وهذا سمت في القرآن الكريم لم يتخلف في أي موطن من المواطن في جميع القرآن. لما كان ما سبق هو في ضمير التعظيم (إلينا مرجعهم فننبئهم) يأتي بعده ما يدل على المرد لئلا تبقى في الذهن شائبة شرك فقال (إن الله عليم بذات الصدور) وهذا ثابت في القرآن واضح في جميع القرآن لم يتخلف في موطن واحد حيث ذكر ضمير التعظيم لا بد أن يسبقه أو يأتي بعده ما يدل على أنه مفرد. *(إن الله عليم بذات الصدور) مع أن الآية تتكلم عن الذي كفر ومع هذا لم يقل عليم به؟ قال تعالى (وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) كأنما المناسب أن الله عليم به أي بالكافر على الأقل. لو قال إن الله عليم به سيقصر العلم الآن على من كفر لكن لما قال عليم بذات الصدور صارت أشمل ودخل فيها الذي كفر وغيره. عليم بالذي كفر فيها تخصيص بالذي كفر تحديداً لو قال عليم به يعود الضمير على من كفر، إنما قال عليم بذات الصدور دخل فيها من كفر ومن لم يكفر والله تعالى ليس فقط عليم بالذي كفر بل هو عليم بذات الصدور عموماً فهذا حتى يفيد العموم وهذا في القرآن كثير (وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170) الأعراف) ما قال إنا لا نضيع أجرهم وهذا أفاد أن هؤلاء من المصلحين معناه أن الذين يمسكون الكتاب وأقاموا الصلاة من المصلحين ثم هنالك مصلحون آخرون دخلوا فيهم فدخل فيهم هؤءلا وهؤلاء. من اعتدى على فلان فإننا نعاقب المعتدين فدخل فيهم من اعتدى على فلان وعلى غيره فهذا أفاد الشمول فدخل فيه هؤلاء ودخل فيه صار عموماً أن الله عليم بذات الصدور ولو قال عليم به المعنى يختلف من ناحية أخرى، هو قال بذات الصدور وذات الصدور يعني خفايا الصدور لو قال عليم به ستكون للأشياء الظاهرة إن الله عليم به أي بالشحص الذي كفر لكن لما قال بذات الصدور صار الخفايا يعني ما في داخل الصدور. فإذن شمل علمه ما في الصدور، (فننبئهم بما عملوا) هذا أمر ظاهر (إن الله عليم بذات الصدور) بذات الصدور هذا أمر خفي إذن هذا الكلام للظاهر والخفي، إذن لما قال بذات الصدور شملت الظاهر والباطن ولو قال عليم به أفادت الظاهر فقط. إذن أولاً أفادت الآية عموم العموم وليس الخصوص هؤلاء وغيرهم من كفر ومن لم يكفر وأيضاً الظاهر والباطن، الأمور الظاهرة وخفايا الصدور ولو قال عليم به لا تشمل هذا فإذن هذا توسع كثير والآن وضح أنه شمل علمه ما ظهر وما بطن ولو قال عليم به لم تشمل هذا الشيء.ثم قال عليم ولم يقل عالم، عليم صيغة مبالغة. في أكثر من مناسبة قلنا أن كلمة عالم في القرآن لم ترد إلا في علم الغيب خصوصاً والمفرد (عالم الغيب) أو الغيب والشهادة (عالم الغيب والشهادة) وعلاّم للغيوب وعليم مطلقة لكل شيء. لهذا قال عليم بذات الصدور وما قال علام ولا عالم وهذا من خصوصية استعمال القرآن الكريم لأنه خصص كلمة عالِم بهذا المعنى لكن من حيث الاستخدام اللغوي يتعاور بعض هذه الكلمات مكان البعض الآخر عدا المبالغة وإسم الفاعل، المبالغة فيها تكثير وإسم الفاعل ليس فيه تكثير هذا من حيث اللغة. وكذلك أكّد هذه المسألة بـ (إنّ) في قوله (إن الله عليم بذات الصدور) واستخدم عليم دونما عالم أو علام وقال بذات الصدور وليس به. . الوقفة كاملة
١٨٥٤ .(لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (26)) فكرة عامة عن الآية: الآية الكريمة (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (26)) نلاحظ ابتداءً أنه قدّم الجار والمجرور قال (لله ما في السموات والأرض) الذي هو الخبر على المبتدأ (لله) خبر و(ما في السموات) مبتدأ أصلها ما في السموات والأرض لله، فقدّم الجار والمجرور للحصر هذا من باب تقديم العامل على المعمول في الغالب يفيد الحصر أو القصر يعني لله ما في السموات والأرض حصراً لله ليس لأحد غيره. نلاحظ هنا أنه ذكر أن له ما في السموات والأرض وقبل هذه الآية قال (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) ذكر هنالك خلق السموات وهنا قال لله ما في السموات وهذا يدل على أن له السموات والأرض وما فيهما هنا ذكر ما فيهما لم يذكر السموات والأرض وإنما ذكر ما فيهما وهناك خلقهما إذن هو الصانع لهما فدل على أن له السموات والأرض وما فيهما باعتبار خالقاً وصانعاً ومالكاً لما فيهما لأن الشخص قد يكون يملك الظرف لكن لا يملك ما فيه، (لله) اللام تفيد الملكية. قد يملك الإنسان الظرف ولا يملك ما فيه فقد يملك أحدهم بيتاً وآخر يملك الأثاث فالأثاث للساكن والبيت لصاحب البيت. إذن لا نفهم من خلق السموات والأرض أنه يملك ما فيهما فالخلق شيء والملك شيء. هو خلق السموات والأرض إذن هما ملكه وذكر أن ما فيهما أيضاً ملكه إذن صار السموات والأرض وما فيهما ملكه حتى لا يظن ظان أنه مجرد خالق للسموات والأرض أما المالك فشخص آخر كمن عنده مخزن يؤجره لشخص يضع فيه بضاعة البضاعة لشخص والمالك شخص آخر، السموات الظرف والمظروف كله لله سبحانه وتعالى. إذن دل بهذه الآية ما قبلها أن الله تعالى مالك السموات والأرض ومالك ما فيهما. وقال سابقاً (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) تسخير، نستفيد من قوله (سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) وقوله (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ) على أنه المتصرف فيهما وليس فقط أنه المالك. هناك خلق وهنالك مِلك وهنالك تصرف. الخلق لا يغني عن الملك والتصرف. إذن هو المالك للسموات والأرض وما فيهما والمتصرف فيهما. أنت تملك داراً بنيتها وأثثتها فصارت الدار وما فيها لك والحاكم يريد أن يقيم شارعاً فرأى أن يهدم البيت فالحاكم هو المتصرف وليس أنت لأنه يحدد المصلحة العليا. إذن هنا المالك للسموات والأرض وما فيهما والمتصرف فيهما هو الله سبحانه وتعالى. *قال تعالى هنا (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) وقال في الحج (وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64)) فما الفرق بين الآيتين؟ لما ذكر أن له ما في السموات والأرض معناه أنه غني هذا ابتداءً. وفي الآية السابقة لما قال (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ) معناه أنه حميد، الذي له الحمد هو الحميد فهو الغني الحميد أي الغني المحمود في غناه وعلى وجه الإطلاق. ذكرنا سابقاً في قوله (وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12)) وتعرضنا لهذه الآية سابقاً، هنالك في الآية (وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) لم يقل إن الله هو الغني الحميد من دون تعريف ومن دون ضمير فصل وهنا قال (إن الله هو الغني الحميد) بالتعريف (الغني الحميد) وضمير الفصل (هو). في آية الحج التي ذكرناها (وإن الله لهو الغني الحميد) زيادة على هذه الآية باللام (لهو). إذن صار عندنا ثلاث آيات: إن الله غني حميد، إن الله هو الغني الحميد، إن الله لهو الغني الحميد . في الآية الأولى الغني في عُرف الناس هو الذي يملك. في الآية الأولى عندما قال (وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) لم يذكر له ملك وإنما قال (وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) وضربنا مثلاً قول أحدهم أعطني حتى أكتب عنك وأذكرك في الصحف أو أثني عليك في قصيدة فيقول أنا غني عن مدحك، إذن إن يشكر أو يكفر فإن الله غني عن ذلك وذكرنا سليمان عندما أرسل إلى الخليل ابن أحمد بغال محمّلة وجاء إلى الخليل بن أحمد وهو في البصرة يأكل الخبز اليابس وقال له يقول الأمير تحوّل إلينا نكرمك وأتى له ببغال محمّلة قال الخليل: أبلِغ سليمان أني عنه في جِدَة وفي غنى غير أني لست ذا مال غني عن هذا يكتفي بما هو عنده وغني عما يدفعه سليمان أو غيره من نعمة العيش ويكفيه رغيف خبز يابس وقال هذا عندي ما يكفيني. غني يستغني عما في أيدي الناس يرى في نفسه أنه مكتف عن غيره، هذه مرحلة أولى لذلك في الآية الأولى التي لم يذكر له ملك. في هذه الآية ذكر ملك قال (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) أيها الأغنى أن تقول فلان غني أو فلان هو الغني؟ فلان هو الغني. لما ذكر له ما في السموات والأرض ليس مثل تلك التي لم يذكر له ملك، هنا قال (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) فلما زاد الملك زاد في الغنى تخصيصاً ومعرّفاً وحصراً لم يبق شيء لغيره الآخرون ما يسمون أغنياء هم يملكون أشياء مالكها الله تعالى إذن (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) أي لا غني غير الله سبحانه وتعالى. نأتي إلى آية الحج (وإن الله لهو الغني الحميد) قال في الحج (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64) الحج) أولاً كرر (ما) والتكرار يفيد التوكيد والسعة ولم يكتف بهذا وإنما قال وإنما جاء بالواو (وإن الله لهو الغني الحميد). آية لقمان التي نحن بصددها جعل ما في السموات والأرض دليلاً على غناه، استدل على غناه بأن له ما في السموات والأرض وفي آية الحج جعلها من غناه وليست الدليل على غناه، جعلها من جملة ما يملك وليست السموات والأرض دليل على غناه وإنما هو غني بأشياء أخرى. تقول فلان يملك مائة دار وألف بستان إنه غني وفلان يملك مائة دار وألف بستان وإنه غني يعني لو زالت هذه هو يبقى غنياً وهذه من جملة ما يملك، إذن الدور والبساتين هي من جملة ما يملك لو ذهبت هو يبقى غنياً وليست هي كل غناه أما تلك لما قلنا إنه غني جعلته بما ذكرت له مما يملك. في سورة لقمان جعل غنى الله مرتبطاً بملك السموات والأرض وفي آية الحج جعلها من جملة ما يملك، هذه الواو استئناف وليست عاطفة، (وإنه غني) يعني حتى لو ذهبت لا يؤثر على غناه. أيها الأولى بالتوكيد؟ الآية في سورة الحج لذا لا يمكن أن نضع تعبيراً مكان تعبير بلاغياً بيانياً لأن الموازين في التعبير دقيقة جداً (إن الله غني حميد) (إن الله هو الغني الحميد) (وإن الله لهو الغني الحميد) المشركون لم يكونوا يتكلمون بهذه البلاغة وهي متفاوتة عندهم لكنهم كانوا يفهمون هذا الكلام ويستشعرون الفروق الموجودة واللمسات أكثر مما يستشعر كل كلمة عاشقة مكانها، في أماكن متباعدة كأنها لمحة واحدة بينما كل كلمة نزلت في آية نزلت في زمن متباعد بينما هي كلها وضعت في وقت واحد، لا يمكن أن نتصدى لآية مبتورة عن السياق لا بد أن نضعها في السياق. *مرة يقول (لله ملك السموات والأرض) ومرة يقول (لله ما في السموات والأرض) فما الفرق؟ هناك فرق بين مُلك ومِلك، المُلك الحُكم فرعون قال (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ (51) الزخرف) يعني الحكم وليس مملوكة له. والمِلك من التملّك فصاحب المُلك مَلِك وصاحب المِلك مالك في الفاتحة نقول ملك يوم الدين ومالك يوم الدين لأنه تعالى الملك والمالك. لما يقول (ملك السموات والأرض) يعني هو الحاكم ولما يقول (له ما في السموات والأرض) هذا التملك مملوكة له. فإذن في مجموعة هذه الآيات أنه هو المالك وهو الملك، كل آية لا تدل على الأخرى (له ما في السموات) من التملك فهو ملكهما ومالكهما كما قال تعالى (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ (26) آل عمران) المُلك هو مِلكه (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء) بيده التصرف فهي ملكه. في الفاتحة هنالك قراءتان متواتران ملك يوم الدين ومالك يوم الدين، الآية نزلت مرتين مرة ملك يوم الدين ومرة مالك يوم الدين وهي قراءات نزل بها جبريل وأقرها رسول الله  بأمر من ربه. هناك عشر قراءات متواترة عن الرسول  أقرها الرسول  بأمر من ربه. الوقفة كاملة
١٨٥٥ .(وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27)) فكرة عامة عن الآية: لما ذكر قبل هذه الآية أن له ما في السموات والأرض لربما يظن ظان أن هذا جميع ملكه، لكن جاءت بعدها (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ) كلماته ما يريد أن يعمل ويخلق وكل شيء إذن لا حدود لملكه وخزائنه لعله يفهم أن ما سبق هو كل ما يملك فذكر لنا أن هذا ليس شيئاً إذا ربنا شاء أن يفعل فهذا شيء من كلماته سبحانه وتعالى. الآية (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ) معناها لو تتبعنا شجر الأرض شجرة شجرة ولذلك حتى الزمخشري قال لماذا لم يقل من شجر؟ لو تتبعناها شجرة شجرة وجعلنا من أغصانها كل واحدة أقلام والشجرة فيها عدد لا يحصى من الأقلام وكل ما في الأرض لا نترك شجرة نصنع منها أقلاماً، جميع أشجار الأرض تتبع وإحصاء وإنما شدرة شجرة بحيث لا تترك شجرة في الأرض ويضنع منها أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر بمداد (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109) الكهف) يكتب به كلمات، الأشياء التي عنده تعالى في خزائنه، الأقلام تفنى والبحر ينفد ويجف ولا تنفذ كلمات الرحمن. اختار كلمات مع أنها جمع قلة واستخدم القرآن كلِم بالجمع (مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ (46) النساء) أن كلماته لا تفي بها البحار فكيف بالكلِم؟! ما قل من كلمة لا تفي بها هذه البحار والأقلام فكيف بالكلِم؟! حتى نعلم أن ما ذكر قبلها من الآية هي شيء من كلماته سبحانه، ما في السموات والأرض مجرد شيء. *(إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) وفي نفس السورة قال (العزيز الحكيم) بتعريف العزيز الحكيم فما الفرق بين الآيتين؟ هو سبحانه عزيز بقدرته التي لا تحد وعلمه الذي لا ينتهي وبخزائنه التي لا تنفد وحكيم لا يصدر فعله إلا عن حكمة. لو قرأنا الآية (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) والآية السابقة قال تعالى (وهو العزيز الحكيم) من دون تأكيد. هذه الآية في الآخرة (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (8) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9)) في الآخرة معلوم واضح أنه لا يبقى عزيز إلا هو ولا حاكم إلا هو حصراً أما في الدنيا نرى أشخاصاً أعزة وحكام وملوك يتداولون هذا في الدنيا أما في الآخرة فهو العزيز الأوحد وهو الحكيم الأوحد وهذا معلوم للجميع هذا يوم لا ينطقون يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون، هناك يظهر للجميع وهو معلوم أنه العزيز الأوحد لا عزيز سواه ولا حكيم سواه لذلك عرّف (هو العزيز الحكيم) حصراً لا عزيز سواه حصراً فالتعريف هنا يفيد الحصر. لما نقول هو عزيز يحتمل أن يكون هنالك عزيز آخر أما لما نقول هو العزيز أي لا عزيز غيره وفي الآخرة قال (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ولم يؤكد لأن التوكيد يكون عند المخاطب عنده شك أو ظنّ فيحتاج للتوكيد لكن هذا أمر ظاهر للجميع في الآخرة الأمر ظاهر لا يحتاج فقال (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) حصراً بينما في الدنيا هناك من يخالف هناك من يشك هناك من يظن هناك من يقول لا هناك من ينكر قال (إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) وهنالك أعزة وهناك حكماء وهناك حكام وهنالك ملوك أما في الآخرة فالجميع يرون أنه ليس هنالك عزيز أصلاً لا أحد يتمكن أن يتكلم أو ينطق إلا إذا أراد الله فهو الحاكم والحكيم حصراً لا أحد يحكم سواه، في الآخرة قال (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) حصراً وقصراً بما لا شك فيه. إذن ربنا تعالى يؤكد ما له إذا اقتضى المقام التأكيد ولا يؤكد إذا لم يقتض لتأكيد وهذا من البلاغة. لغوياً يجوز لكن بلاغياً فيها كلام. يجب أن نضع الآية في مسرحها هذه الآية في الدنيا أو في الآخرة ولا نقول أن عزيز في اللغة تعني كذا وحكيم تعني كذا لأن هذا أمر معجمي نأخذ المعاني من المعجم لنفهمها أما أمر بياني فيوضع في النص أنت تأخذ المعاني من المعجم لتفهمها أما في التركيب فشيء آخر. على سبيل المثال فسق خرج عن الطاعة، عندنا في القرآن المصدر فِسْق وفسوق في اللغة تعني الخروج عن الطاعة لكن القرآن يستعمل الفسق في سياق الأطعمة مطلقاً (وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ (121) الأنعام) أما الفسوق فعام (بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ (11) الحجرات) الفسوق عامة والفسق فقط في الأطعمة وهذا من خصوصية الاستعمال في القرآن. أيها الأكثر في الحروف الفسق أو الفسوق؟ الفسوق فجعلها عامة في كل عموم الفسق، هناك مواءمة بين أحرف الكلمات والدلالة. الوقفة كاملة
١٨٥٦ .(مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (28)) * ما اللمسة البيانية في الآية وما هو ارتباط هذه الآية بما قبلها وما بعدها؟ هذه الآية أولاً من الناحية البيانية ارتبطت بما قبلها (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27)) (مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (28) لقمان) خلق الناس من كلمات الله وبعثة من كلمات الله، خلقكم كنفس واحدة من كلمات الله وبعثهم كنفس واحدة من كلمات الله. ختم الآية (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) وقبلها قال (إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ما قبلها قال (عزيز حكيم). لاحظ كيف ارتبطت هذه الآية بخاتمة الآية السابقة من الناحية البيانية الخالق عزيز حكيم، الخالق له العزة والمخلوقات كلها من صنعه وهي له طائعة إذن هذا مرتبط باسمه (عزيز). الخالق حكيم، حكيم في خلقه وصنعه وخلقهم لحكمة أرادها (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) الذاريات) إذن هو حكيم في الصنع وحكيم في الغرض، إذن (مَّا خَلْقُكُمْ) ارتبط بقوله العزيز من حيث الحكمة والعزة. الذي يبعث الخلق (وَلَا بَعْثُكُمْ) عزيز حكيم، عزيز لأنه يجازي ويعذِّب ولا رادّ لأمره، حكيم بمعنى الحكم هو الحاكم، هكذا هو الحاكم (أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ (46) الزمر) وهو الحكمة (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) المؤمنون) إذن هو حكيم بمعنى الحكم وبمعنى الحكمة. إذن ارتبطت هذه بالآية وأيضاً بخاتمة الآية (مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ) لأن الخالق والباعث عزيز حكيم من الحكم ومن الحكمة. وارتبطت هذه الآية بما بعدها (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى (29)) هذ الأجل مسمى هو البعث الذي يبعث الله فيه الخلائق الذي ذكره (مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (28) لقمان) وهم يجرون كجري الشمس والقمر إلى منتهاه. وارتبطت بجو السورة التي شاع فيها ذكر الخلق والبعث قال (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا (10)) (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ (11)) (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ (25)). والبعث شائع من أولها إلى آخرها أول السورة قال (وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)) وفي آخرها (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (23)) ارتبط بالبعث. قال (مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (28)) الخلق ألا يكون سميعاً بصيراً؟ لا بد أن يكون، والذي يبعث لا بد أن يكون سميعاً بصيراً وإلا كيف يحاسبهم على أقوالهم وعلى أفعالهم ويسمع أقوالهم؟ بصير بأعماهم والأعمال قسم ظاهرة وقسم مضمرة، بصير بأعمالهم الظاهرة والمضمرة لأن البصير قد يكون من البصيرة. فإذن هي مرتبطة بالآية التي قبلها والآية التي بعدها والجو العام للسورة وبخاتمة السورة. ثم نلاحظ أنه قال (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) ولم يقل (إن الله هو السميع البصير) لأنه أثبت السمع والبصر بخلقه في السورة فقال (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ (20)) هذا بصر، (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ (29)) هذا بصر، (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ (31)) هذا بصر، السمع (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا (7)) هذا سمع، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا (21)) (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ (25)) إذن أثبت لهم السمع والبصر. *حينما نتأمل في هذه الآية المتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى أنها تعبر عن القدرة الإلهة في الخلق والبعث والقريب للعقل أن تختتم الآية إن الله على كل شيء قدير ولكن الآية ختمت (سميع بصير) فكيف نفهم الخاتمة في سياقيات الآية؟ الآية قد تحتمل أكثر من خاتمة فيمكن أن تجعل "إن الله على كل شيء قدير" وهذه يمكن أن تصلح لخاتمة أكثر من آية في السورة مثلاً يمكن أن نختم الآيات التالية بـإن الله على كل شيء قدير (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ) (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ) تحتمل أن تكون هذه خاتمتها وكذلك في السور الأخرى قد تحتمل السورة أكثر من خاتمة لكن اختيار الخاتمة ينبغي أن يكون مناسباً للسياق الذي وردت فيه الآية والغرض الذي ذكرت من أجله الآية. هذه ليست مقتطعة وإنما الآية موضوعة في سياقها فلماذا ذُكِرت الآية؟ مثلاً في عموم الآيات أيّ آية ننظر هل هي واردة في سياق بيان القدرة الإلهية؟ أو بيان الحكمة؟ في عموم ما يرد في الآيات ننظر أي آية لأي غرض وردت؟ هل السياق لبيان القدرة أو بيان الحكمة أو بيان التفضل والنعمة، عموم الآيات، الآية عندما ننظر فيها لأي غرض وردت وفي أي سياق؟ بيان الغنى؟ بيان صفة الإلهية؟ بيان موقف الإنسان منها؟ مثلاً إنزال الماء من السماء وإخراج الزرع والفاكهة والحبوب هذا يمكن أن يساق في بيان قدرة الله ويمكن أن يساق في بيان نعمة الله على الإنسان والحيوان، زرع وحبوب وفاكهة هذا أمر آخر ويمكن أن يساق في أمر آخر للاستدلال على البعث والنشور ويمكن أن يساق في بيان جحود الإنسان لنعمة ربه وهذا كله ممكن في مسألة واحدة وهي إنزال الماء من السماء وإخراج النبات وكلها تحتمل، كيف تأتي الخاتمة؟ الخاتمة تختلف بحسب السياق والغرض. مثال: قال تعالى (رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ (193) آل عمران) قال (وتوفنا مع الأبرار)، (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) آل عمران) هنا ختم الآية بـ(انصرنا على القوم الكافرين)، لو أخذناها مقتطعة لسألنا لماذا اختلاف الخاتمة؟ لكن الآية (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) آل عمران) قبلها مباشرة (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146)) هل يمكن في القتال أن تقول توفّنا؟ تقول في القتال انصرنا، لذا لا يجوز أن نقتطعها ونضع لها خاتمة. ولا يمكن أن تضع خاتمة تلك الآية في هذه الآية لأن كل منها في سيقا واحدة في سياق حرب وقتال وطلب الثبات. والقدامى يضربون لنا مثالاً (ون تعدوا نعمت الله لا تحصوها) وردت مرتين كل مرة بخاتمة، الآية الواردة في سورة النحل (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (18)) هي في بيان صفات الله فختمها بقوله (إن الله لغفور رحيم) أما الثانية ففي بيان صفات الإنسان وجحوده، فلما كانت في بيان صفات الإنسان وجحوده ختمها (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) إبراهيم) النعم لا تحصى لكن الإنسان ظلوم كفار مع أن نِعَم الله إن الإنسان متتالية عليه ومتتابعة لكنه ظلوم كفار، السياق هكذا واحدة في صفات الله وواحدة في صفات الإنسان فلا يصح أن تؤخذ الآية مقتطعة من سياقها. حتى في حياتنا اليومية نذكر أمراً لكن الغرض من ذكره يختلف، مثلاً تذكر حادثة غريبة تدل على كسل شخص لكنك تذكر الحادثة لبيان صفة الشخص أو للتندر منها أو لبيان أن هذا الشخص لا يصلح في المكان الذي عُهِد به إليه أو سيفرِّط في المسألة، هي مسألة واحدة لكن ما الغرض من الذي ذكرته؟ التعقيب يكون بحسب الغرض من الذكر في حادثة واحدة يمكن أن نذكرها في أماكن متعدة وفي جلسات متعددة وهكذا ينبغي أن يكون النظر في خواتيم الآيات عموماً لا نقتطعها وإنما نضعها في سياقها وننظر الغرض في هذه الآية. ننظر في الآية (مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) كيف اتفقت خاتمة الآية بسياقها؟ ابتدأت بالخلق والبعث وختمت بالسمع والبصر، الخالق ألا بد أن يكون سميعاً بصيراً؟ لا بد أن يكون سميعاً بصيراً، الذي يبعث الخلق من مدافنها لا بد أن يكون سميعاً بصيراً، الخالق الذي يخلق عباده ليعبدوه وليبلوهم أيهم أحسن عملاً لا بد أن يكون سميعاً لأقوالهم بصيراً بأعمالهم، الذي يبعثهم ليحاسبهم على أعمالهم لا بد أن يكون سميعاً لما قالوه في الدنيا وما يحتجون به في الآخرة، وبصير بأعمالهم في الدنيا وبما كانوا يعملون وبما أعد لهم لا بد أن يكون بصيراً بهذا الشيء وأنه لا يبقى منهم أحد لا يحاسب. أعمال الإنسان منها ما يُسمَع ومنها ما يُبصَر ومنها ما يُضمَر ولما قال (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) استوفى ما يُسمع وما يُبصر وما يُضمر، السميع يسمع والبصير يحتمل رؤية العين ويحتمل أن يكون من البصيرة (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) القيامة) (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) غافر) البصير تحتمل من البصر ومن البصيرة إذن سميع يشمل ما يُسمع وبصير يشمل ما يُبصر وما يُضمر وقبلها قال (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (23)) فإذن ذكر ما يُضمر تنصيصاً إذن هذه الآية شملت ما يُسمع وما يُبصر وما يُضمر وهذا يتلاءم مع الخلق والبعث ولا بد للخالق أن يكون كذلك والباعث لا بد أن يكون كذلك سميع بصير. ونفهم القدرة الإلهية من الخلق والبعث السمع والبصر ولو قال إن الله على كل شيء قدير هذا مفهوم أصلاً لكنه أضاف معنى جديد آخر. *قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) ولم يقل إن الله هو السميع البصير فما دلالة عدم توكيد سميع بصير؟ لما يقول (هو السميع البصير) يعني المتفرد بالسمع والبصر لكنه أثبت لنا في السورة أنه سميع بصير في قوله (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ (20)) يعني الإنسان يُبصر، (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ (29)) (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ (31)) إذن أثبت البصر للإنسان. وقال (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا (7)) يعني يجعل نفسه كأنه لا يسمع هو يسمع (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ (20)) الذي يجادل يسمع الكلام، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا (21)) (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ (25)) أجابوا عن السؤال إذن أثبت لهم السمع وأثبت لهم الرؤية فكيف يكون متفرداً في السمع والبصر؟ السياق لا يتحمل هذا، في السورة أثبت لهم السمع والبصر. أحد معاني البصير من البصر وهي الأشهر فطالما أثبتها للعباد لا يتناسب أن يقول إن الله هو السميع البصير لأن السورة مليئة بالسمع والبصر. * ما دلالة تقديم السمع على البصر.؟ الأكثر في القرآن تقديم السمع على البصر (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (56) غافر) (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) الإنسان) (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73) الفرقان) القدامى يقولون أن السمع أفضل واستدلوا على أنه تعالى لم يبعث نبياً أصمّ (يعقوب  عميَ لكنه لم يفقد السمع)، الظاهر أن السمع بالنسبة لتلقي الرسالة أفضل من البصر لأن فاقد البصر يسمع الرسالة، القرآن يسمعه الأعمى ويفهم مقاصده أما الأصم فلا يفهم. إذن بالنسبة إلى تلقي الرسالة السمع أفضل وفاقد البصر يسمع. وقد يكون سبب آخر أن مدى السمع أقل من مدى الرؤية أنت ترى أشياء من بعيد لكن لا تسمعها تسمع الصوت أقرب فإذا اقتضى هذا الشيء قدم السمع (إنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) طه) يشير إلى معنى قريب منكم، مدى السمع أقرب فمعناها أنه قريب. وقد يقدّم البصر لكن في المواطن التي تقتضي، على سبيل المثال (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12) السجدة) قدّم البصر لأكثر من سبب أولاً قال (وَلَوْ تَرَى) والرؤية تحتاج إلى بصر، هم قالوا (أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا) كانوا في الدنيا يسمعون عن جهنم والآخرة ولكن لا يبصروها والآن أبصروها وسمعوا، قدّم البصر لأولويته في هذا المقام والإبصار هنا أهم من السمع لأن السمع يدخل في باب الظن الشك أما الابصار فهو يقين قال (رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ) يقين. إذن التقديم والتأخير هو السمع على البصر على العموم لكن إذا اقتضى الأمر تقديم البصر على السمع يقدِّم، وفي الخِلقة يخلق الله تعالى السمع قبل البصر. الوقفة كاملة
١٨٥٧ .(ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (30)) فكرة عامة عن الآية: ذكر أمور إيلاج الليل في النهار وصفات ربنا تعالى وما ذكر من إيلاج الليل في النهار وتسخير الشمس والقمر وما إلى ذلك هذا كله سبب أن الله هو الحق الموجد الأول الذي أوجد هذا الكون. (ذلك) تعود على ما ذكر سابقاً، كيف حصلت؟ لأن الله الموجد الأول هو الذي فعّل ذلك هو الحق، وما يدعون من دونه الباطل لأنه لا يمكن أن تصنع مثل ذلك وما أمر به ونهى عنه هو الحق لأن ربنا لما كان هو الحق المبين فما فعله هو الحق ليس الباطل وما أمر به هو الحق وكل أوامره ونواهيه لازمة بسبب أنه الحق، فهو الحق تعليل لكل أفعاله وصفاته وتعليل للزوم طاعته سبحانه لأنه الحق والإنسان ينبغي أن يطيع ما هو حق والله هو الحق أوامره هي الحق ينبغي أن يُطاع، صفاته هي الحق ينبغي أن يُعبَد، الله هو الحق ينبغي أن يُعبد. اختيار كلمة الحق تحديداً كل هذا التسخير معناه أن الله هو الحقيقة الوحيدة الموجودة في الكون المستحقة للعبادة وليس ما يدعون من دونه أصنام وتماثيل التي هي الباطل بعينه والله هو الحق وحده وليس هناك حق بمنزلة هذا الحق، الباقي حق بما خلقه ربنا الجنة حق والنار حق كون ربنا خلقها وأوجدها وهو الحق فهي حق. * كيف نفهم تعريف الحق والباطل في الآية؟ فرق بين أن تقول هو حق فيكون من جملة ما هو حق أنت قلت هذا تلفاز فهو حق وهذا وهذا قدح وهو حق، هو حق لكن ليس هو الحق، الحق الأول الموجب لجميع الأشياء والذي أفاض على كل الأشياء الموجودة بالوجود، هي حق لأن الحق الأول أوجدها والأرض حق والسموات حق والجنة حق والنار حق والنبيون حق وهذه مخلوقات لله تعالى وهي حق لأن الحق الأول هو الذي أوجدها لو لم يكن الحق الأول موجود لما وُجِد شيئ ولهذا تفرّد سبحانه وتعالى بالحق بالتعريف أنه هو الحق المطلق الواحد بهذا المعنى لا يتعداه. وأن ما يدعون من دونه من آلهة هو الباطل. الباطل بالتنكير على العموم والشمول لأنها بمقابل الحق سبحانه وتعالى ليست أن تقول هذه شجرة، هذا حيوان وهذا باطل، ليست بمنزلتها ولكن هذا جعل لله نداً وهو أعلى من منزلة الله (يدعون من دونه) هذا أكبر من الشرك فالشرك أن تجعل لله نداً كفار قريش مشركين لكن قالوا (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) أما هؤلاء يعبدون من دونه يعني جعلوا الله تعالى جانباً (من دونه لا تعني أقل منه، من دونه غير ممن هو دونه) هم لا يعبدون الله أصلاً يعبدون من دونه أي ينحّون الله جانباً جعلوه بإزاء الله سبحانه وتعالى هذا هو الباطل بعينه ولو قال باطل لكان من جملة ما هو باطن فأراد تعالى أن يفخم فعلتهم هذه فقال الباطل العبادة أعلى شيء لأنها الغاية من خلق المكلّفين (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) الذاريات). يدعون من دونه ويعبدون من دونه فهذه ليست مسألة جزئية، هذه مراعاة حالة محددة عند أناس كفروا بالله تعالى. (وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ) قال ما يدعون ولم يقل من يدعون إظهاراً لجهلهم وسوء معتقدهم لأن (ما) لغير العاقل لأنهم يدعون غير عاقل ويتخذونه إلهاً. *في هذه الآية قال تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ) في آية الحج قال تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62)) بضمير الفصل (هو) فلماذا هذا الفرق؟ لا شك أن هو الباطل أقوى لأن ضمير الفصل يفيد التوكيد الحصر والسياق يوضح سبب اختيار كل تعبير. في سورة الحج الصراع مع أهل الباطل، أهل الباطل متمكنون يشردون المؤمنين ويقتلونهم (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (51)) ثم قال (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58)) إذن أصحاب الباطل يقتلون المؤمنين ويجبرونهم على ترك ديارهم ويهاجرون في سبيل الله إذن هم متمكنون ولا تجد مثل هذا في لقمان، فلما كانوا كذلك بهذه القوة ووهذا التسلط فأكد الله تعالى بطلانهم (وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ) لا يغرنكم ما ترونه من تسلطهم وقوتهم فإذن هذا هو الباطل بعينه بإزاء قوة الله تعالى. في لقمان ليس فيها هذا الشيء، قال (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (21) وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (22) وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (23) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (24) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (25)) كلها فيها أخذ ورد وسؤال وجواب ليس فيها صورة الباطل المتمكن الذي يعاند المعاجز المعاند الذي يقتل المؤمنين ويضطرهم إلى الهجرة فاحتاج الأمر إلى زيادة تثبيت للمؤمنين وعدم افتتانهم بسلطة أصحاب الباطل ولا شك أن للسلطان فتنة ورهبة فاقتضى السياق أن هؤلاء عليه هو الباطل وتوكيد ذلك هذا أمر وهو الأمر الأول وهو أن أصحاب الباطل في آية الحج هم متمكنون متسلطون معاجزون معاندون يفتنون المؤمنين إذن احتاج إلى تثبيت المؤمنين في هذه الناحية فأكد أن ما عليه هؤلاء هو الباطل. هذا أمر وسبب آخر أنه تقدم في سورة الحج ذكر ما يدعون من دون الله من المعبودات الباطلة (يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (12) يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (13) حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31) (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ {71}) (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73)) الكلام على المعبودات الباطلة جاري في آية الحج فأكد أن هؤلاء هو الباطل وليس ذلك في لقمان. فهنالك أمران دعيا إلى التأكيد في سورة الحج أولاً قوة وتسلط أصحاب الباطل في سياق آية الحج وذكر معبوداتهم التي يعبدونها فذكر أنهم على باطل وأن معبوداتهم باطلة لا تنفع شيئاً فأكد هذا الأمر وليس في لقمان هذا السياق فلم يقتضي هذا الأمر. إذن آي القرآن الكريم تغطي كل حالة بقدرها وكل تعبير مناسب لما ورد فيه. مع أن الآيتان تبدوان متشابهتان إلا في ضمير الفصل الذي اقتضاه السياق من أكثر من جهة السياق اقتضى تأكيد أن أهل الباطل ما يدعون من دونه هو الباطل لأنه ذكر عدة مرات ما يدعون من دون الله ولم يذكر هذا الأمر في لقمان وذكر تمكن أصحاب الباطل وقوتهم. لو قال في الحج وأن ما يدعون الباطل الآية صحيحة لكن بلاغة التعبير تكون أقل والبلاغة توزن بالميزان الدقيق لأن البلاغة هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال ومقتضى الحال في كل آية مختلف. والأمر الآخر أن الضمير (هو) من الناحية اللفظية في سمة التعبير ورد في سورة الحج 13 مرة وفي لقمان ورد 7 مرات فقط لأن السمة التعبيرية في السياق لها أثرها أيضاً فكأنما ورد في سورة الحج ضعف ما ورد في سورة لقمان. وضمير الفصل أصلاً ذكر في الحج 8 مرات وفي لقمان 3 مرات. إذن فمن كل النواحي السمة التعبيرية أو البلاغية أو غيرها ذكر (هو) في آية سورة الحج أكثر مما يقتضيه في سورة لقمان. * ختمت الآية (وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (30)) ماذا عن هذه الفاصلة؟ جاء بضمير الفصل في الآيتين وعرف العلي الكبير، والعلي هو القاهر الذي ليس فوقه شيء (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18) الأنعام) والكبير السلطان العظيم الشأن. إذن بعد أن وصف ربنا تعالى نفسه بأنه هو الحق ووصف ما يدعون من دونه الباطل ذكر أن هذا الحق هو عالي على وجه الثبوت والدوام والحق هو العالي دائماً والباطل هو سافل مهين، الحق هو العالي فالحق هو العالي الذي يزهق الباطل وهو العالي على وجه الدوام والثبوت وظاهر وهو القاهر والباطل هو سافل مهين يزهقه الحق فالحق كبير والباطل صغير صغراً وصغاراً صغير في الحجم وصغار في الحقيقة (سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللّهِ (124) الأنعام) الصغار بمعنى الذلة مهما انتفش ومهما انتفخ فهو صغير وذليل. * ألا توحي كلمة (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ) أنه العلي الكبير؟ وكلمة العلي ألا توحي بأنه كبير؟ الحق أحياناً يأتي في موطن الموت مثلاً (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ (53) فصلت). الآية الكريمة أرادت أن تعلي الله تعالى وتضعه في مكانه اللائق بجلاله وعزيم سلطانه في مثل هذا السياق. (وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ (39) النار) هنا الله هو الحق لكن غير هذا الحق، غير سياق. إذن حتى تعدد صفات الله وأسمائه كل إسم يضيف دلالة جديدة حسب السياق الذي يرد فيه. الوقفة كاملة
١٨٥٨ *تناسب خواتيم التحريم مع فواتح الملك* في الملك قال (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2)) ذكر في آخر التحريم من بلاه فأحسن العمل ومن بلاه فأساء العمل قال في آخر التحريم ذكر من الذين أحسنوا العمل امرأة فرعون وبنت عمران ومن الذين أساءوا امرأة لوط وامرأة نوح إذن هو ذكر صنفين وضرب لنا مثلين لمن أحسن العمل ولمن أساء العمل (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) وضرب مثلين في خاتمة التحريم (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12)). البلاء من قِبل الله سبحانه وتعالى لنوعين من الناس بلاهم فقسم أحسن وضرب لنا مثلاً وقسم أساء وضرب لنا مثلاً، هذا تناسب طيب. ذكر في سورة الملك وأعدّ لمن بلاه فأساء فقال (وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7)) ولمن بلاه فأحسن (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12)) وكذلك ذكر في سورة التحريم فيمن أساء وأحسن، فيمن أساء قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (7)) وفيمن أحسن قال (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8)) ذكر أيضاً نموذجين في الملك وفي التحريم. **هدف سورة الملك ** تدور حول معنى واحد هو: (إعرف قدر الله) والآيات في السورة كلها تتحدث عن قدرة الله تعالى والملك بيد الله فإذا عرفت قدر ربك، ننتقل إلى سورة القلم. الوقفة كاملة
١٨٥٩ *ما دلالة استخدام كلمة الرحمن في الآية (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ (3) الملك) مع أن الكلام عن خلق السموات؟(د.فاضل السامرائى) سورة الملك تبدأ بالكلام عن الله سبحانه وتعالى (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ (3)) الذي خلق سبع سموات فالكلام عن الرحمن هذا أمر والأمر الآخر أن السموات من خلق الرحمن ولما قال ما ترى من خلق الرحمن دخل فيها السموات كلها وغير السموات ولو قال السموات لم يدخل غير السموات وقد يكون هناك تفاوت في غيرها. لو قال ما ترى في خلق السموات من تفاوت نفى التفاوت في خلق السموات ولم ينفه في غيرها. السموات من خلق الرحمن تدخل في خلق الرحمن ودخل فيها كل ما خلق الرحمن إذن ما ترى فيه من تفاوت ولو قال ما ترى في خلق السموات إذن نفى التفاوت عن السموات أما غيرها فلم ينفه عن غيرها من خلق الرحمن. الأولى والأكرم أن يقول خلق الرحمن لأن دخل فيها السموات وكل خلق الرحمن ومنه السموات ولو قال السموات كان يكون هناك احتمال أن هناك تفاوتاً في غير السموات. رب العالمين يوجه بصرنا إلى أمور كثيرة في خلق الأرض وفي خلق السموات وغير السموات (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ (3)) وكلها من خلق الله. ثم تكلم عن السموات وقال (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ (5)). الوقفة كاملة
١٨٦٠ *لم قال تعالى فى سورة يس (وما أنزل الرحمن من شيء) فأسند الفعل إلى الرحمن وقال في سورة الملك (وقلنا ما نزل الله من شيء (9) الملك) وفي سورة الأنعام (وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء (91) الأنعام) بإسناد الفعل إلى الله؟(د.فاضل السامرائى) كل تعبير هو الأنسب في مكانه. فأما في سورة الملك فإنه يشيع فيها ذكر العذاب ومعاقبة الكفار فقد ذكر فيها مشهداً من مشاهد الذين كفروا في النار وسؤالهم عن النذر التي جاءتهم وذلك قوله (وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (5) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11)) ثم حذر عباده من عقوبته وبطشه في الدنيا وألا يأمنوا عذابه من فوقهم أو من تحت أرجلهم وأن يعتبروا بما فعله ربنا مع الأقوام الهالكة (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (17) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (18)) ثم حذرهم مرة أخرى وهددهم بقوله (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (20) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (21)) وعاد مرة أخرى فذكر إنكار الكفار ليوم النشور واستبعادهم له وحذرهم من عقوبات رب العالمين في الدنيا والآخرة فقال (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (26) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (27) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (28) قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (29) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (30)) وإزاء كل هذا التحذير والتخويف وذكر مشاهد العذاب لم يذكر بخصوص المؤمنين وجزائهم إلا آية واحدة وهي قوله (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12)) فلا يناسب إزاء كل هذا التهديد والتحذير للكافرين وما أعده الله لعذابهم في جهنم أن يقرنه بإسم الرحمن. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أن القائلين لهذا القول إنما هم في أطباق النيران وأنهم ألقوا فيها فوجاً بعد فوج وقد اشتد غضب الله عليهم ولم تدركهم رحمته فلا يناسب ذكر الرحمن هنا أيضاً. ثم إن الله جعل العذاب بمقابل الرحمة فقال (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50) الحجر) ولما كان المشهد مشهد العذاب كان ذلك في مقابل الرحمة فلا يناسب هذا العذاب ذكر الرحمة وبخاصة أن هؤلاء كفروا بربهم فلا ترجى لهم رحمة ولا ينالهم من إسم الرحمن نصيب. ومن ناحية أخرى إن القائلين في سورة يس إنما هم في الدنيا وهم يتقلبون في نِعم الله ورحمته أما القائلون في سورة الملك فإنما هم في جهنم وقد يئسوا من رحمته سبحانه فناسب كل تعبير موطنه. وأما سورة الأنعام فإنها يشيع فيها التحذير والتهديد والتوعد وليس فيها مشهد من مشاهد الجنة وإنما فيها صور غير قليلة من مشاهد النار. كما أن السورة لم يرد فيها إسم (الرحمن) على طولها في حين ورد فيها إسم (الله) تعالى (87) سبعاً وثماني مرة فناسب كل تعبير مكانه. الوقفة كاملة


إظهار النتائج من 1851 إلى 1860 من إجمالي 26698 نتيجة.