التدبر

١٨٤١ إشراقات قرأنية أعظم قرة عين للآباء صلاح الأبناء سورة مريم أية 26 الوقفة كاملة
١٨٤٢ إشراقات قرأنية . من روائع بركة عيسى عليه السلام سورة مريم أية 31 الوقفة كاملة
١٨٤٣ إشراقات قرأنية من هو الصِّدِّيق؟ سورة مريم أية 41 الوقفة كاملة
١٨٤٤ قصص الأنبياء في أرض الإسراء وصحف إبراهيم في فلسطين سورة الأعلى أية 19 الوقفة كاملة
١٨٤٥ قصص الأنبياء في أرض الإسراء ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه سورة البقرة أية 130 الوقفة كاملة
١٨٤٦ قصص الأنبياء في أرض الإسراء فوائد من قوله تعالى قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف سورة يوسف أية 11 الوقفة كاملة
١٨٤٧ قصص الأنبياء في أرض الإسراء النصح والرعاية يقتضي الحفظ سورة يوسف أية 12 الوقفة كاملة
١٨٤٨ قصص الأنبياء في أرض الإسراء. من تمام بر الإبن أن لا يفعل ما يحزن أباه سورة يوسف أية 13 الوقفة كاملة
١٨٤٩ قصص الأنبياء في أرض الإسراء فوائد من قوله تعالى لئن أكله الذهب ونحن عصبة إنا إذن لخاسرون سورة يوسف أية 14 الوقفة كاملة
١٨٥٠ قصص الأنبياء في أرض الإسراء البكاء والتباكي لا يدل على الصدق سورة يوسف أية 16 الوقفة كاملة

تفسير و تدارس

١٨٤١ برنامج بينات 1435 ه الوقفة كاملة
١٨٤٢ برنامج بينات 1435 ه الوقفة كاملة
١٨٤٣ بينات 1435 هـ الوقفة كاملة
١٨٤٤ برنامج بينات 1435 ه الوقفة كاملة
١٨٤٥ برنامج بينات 1435 ه الوقفة كاملة
١٨٤٦ بينات 1435 هـ الوقفة كاملة
١٨٤٧ بينات 1435 هـ الوقفة كاملة
١٨٤٨ برنامج بينات 1435 ه الوقفة كاملة
١٨٤٩ برنامج بينات 1435 ه الوقفة كاملة
١٨٥٠ برنامج بينات 1435 ه الوقفة كاملة

أسرار بلاغية

١٨٤١ (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ (6)) اللهو كل باطل يلهي عن الخير. لهو الحديث هو السمر بالأساطير والأحاديث وما لا خير فيه من الحديث قول الخنا (الفحش) وما إلى ذلك. كل ما لا خير فيه من الكلام وساقط القول والكلام في الأساطير والخرافات هو من لهو الحديث. مما ذُكِر في سبب نزول الآية قيل أنها نزلت في النضر بن الحارث كان تاجراً يخرج إلى فارس فيشتري من قصص الأعاجم ويأتي ويحدِّث بها قريش ويقول محمد يحدثكم بأخبار عاد وثمود وأنا أحدثكم بأخبار رستم والأكاسرة فيقص عليهم قصصاً فيستمعون له. يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله وهي عامة يدخل فيها كل هؤلاء وكل من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله. ولهو الحديث هو كل ما لا خير فيه من ساقط القول يدخل في اللهو. (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ) هل يشتريه بغير علم؟ أو ليضل بغير علم؟ المفسرون قالوا قسم منهم قال يشتري بغير علم بالتجارة لا يعلم ماذا يشتري هل هو في صالحه أم لا؟ لأن الإنسان لما يشتري يشتري شيئاً لصالحه وهذا لم يشتري لصالحه شيء هو المفروض أن يشتري ما فيه نفع له لكن ما يشتريه ليس في صالحه وإنما سيورده موارد الهلكة والمفروض أن يشتري الحكمة وليس الأساطير والخرافات فإذا أراد أن يشتري المفروض أن يشتري ما فيه نفع له وللناس، فإذن قالوا هو يشتري من غير علم بالتجارة وماذا ستؤول إليه هذه البضاعة هل تؤول إلى صالحه؟ هل تؤول إلى ما فيه خير؟ إلى فلاحه في الدنيا والآخرة؟ أم هو كلام ليس فيه فائدة وفيه خسارة له في الآخرة؟. يشتري بغير علم بالتجارة وغير بصيرة بها. كان أفضل لو اشترى ما فيه حكمة وما فيه منفعة. وقسم قالوا ليضل الناس بغير علم وهو لا يعلم ماذا يتكلم؟ هو يضل الناس ولا يعلم ماذا يفعل؟ فهو يضلهم وهو لا يعلم ماذا يفعل وحتى لو علم فهذا ليس في صالحه لأنه أدى إلى إضلالهم وتكون عاقبة من أضل عليه ويحمل وزره ووزر من اضلهم (لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ (25) النحل). إذن هل المقصود يضل الناس بغير علم هو لا يعلم طريق الهدى فكيف يهديهم؟ إذن هو يضلهم عن سبيل الله. إذن قسم قالوا يشتري بغير علم لا يعلم ماذا يشتري غير بصير بالتجارة وقسم علقه يضل الناس بغير علم فأضلهم وهو لا يعلم ماذا يفعل وأنا أميل إلى أنه من التنازع أي الاثنين معاً أي يشتري بغير علم ويضل بغير علم وهذا باب في النحو التنازع يعني مثل يسبحون ويحمدون الله أي يسبحون الله ويحمدون الله، أكرمت وأعطيت زيداً فعلان يتنازعان على واحد المفروض أكرمت زيداً وأعطيت زيداً، هذا تنازع. إذن يشتري بغير علم ويضل بغير علم كلاهما وباب التنازع موجود في النحو كثيراً. كون أكثر من فعل أو أكثر من إسم يشتركان في متعلق واحد وفي معمول واحد يصير هناك تنازع "حضر وسافر محمد"، الكلام فيه كثير في اللغة. بغير علم مرتبطة بمن يشتري ومن يضل كليهما وتكون معمولة لكليهما ولهذا سموه تنازعاً لأن الفعلين يتنازعان مفعولاً واحداً، لما تقول أعطيت وأكرمت زيداً (زيداً) مفعول به للفعلين إذن بغير علم للإثنين يشتري بغير علم ويضل بغير علم فتكون الخسارة مضاعفة الذي يشتري بغير علم خاسر والذي يضل الناس يخسر فالخسارة مضاعفة وكونه بغير علم لا يعفيه من المسؤولية. ربنا قال (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) الكهف) كونه لا يعلم لا يعفيه من المسؤولية. قال إنهم (وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ (37) الزخرف) لا ينفعه حسبانه أنه مهتدي ينبغي أن يكون على هدى من ربه. (ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون) هذا لا يعفيه من المسؤولية ولذلك لما قال بغير علم فهذه خسارة أخرى هو يضل نفسه ولكن يضل الآخرين فيتحمل وزرين وزر نفسه ووزر الآخرين وسيكون أخسر الأخسرين. * بدأ الآية بالمفرد (من يشتري) وانتهى بالجمع (أولئك) فهل هنالك رابط؟ لما قال ليضل عن سبيل الله هذا سيكون تهديداً له ولمن يضلهم التهديد ليس له فقط هو فجمعهم في زمرته هو ومن يتبعه المُضِل والضال إذن ليسا واحداً وإنما أصبحت جماعة. إذن هذا تهديد له ولكل من يضله (أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ). في آية أخرى قال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) البقرة) قال (فحسبه جهنم) لأنه لم يذكر أحداً معه بدأ بالمفرد وانتهى بالمفرد لأنه لم يتعلق بالآخر فقال فحسبه ولما هنا تعلق بالآخرين فقال أولئك لهم عذاب مهين. *قال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا (6)) عطف بدون اللام مع أنه في موضع آخر في القرآن عطف باللام مثل في قوله تعالى (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً (12) الإسراء) فما اللمسة البيانية في هذه الآية؟ الآية التي كنا ذكرناها وبينا قسماً منها هي قوله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ (6)) لماذا لم يكرر اللام في (يتخذها)؟ المعلوم المقرر في قواعد النحو أن التكرار آكد من عدم التكرار مثلاً عندما تقول مررت بمحمد وبخالد أقوى من مررت بمحمد وخالد الذكر أقوى هذه قاعدة وآكد. إذن عندنا هنا أمران: هو لماذا يشتري لهو الحديث؟ ذكر أمران: ليضل عن سبيل الله ويتخذها هزواً هل هما بمرتبة واحدة؟ الغرض الأول هو ليضل عن سبيل الله أما إتخذت الهزو فليس بالضرورة أن يذهب فيشتري فالهزو يهزأ في مكانه السخرية لا يحتاج أن يذهب ويتاجر ويشتري لا يحتاج إذن هما ليسا بمرتبة واحدة، إذن ليضل عن سبيل الله وهو الشراء في الأصل ليضل عن سبيل الله ويتخذها هزوا تأتي بعدها وليسا بنفس القوة وهذا الترتيب له غرض. إذن عندنا أمران بعضهما أقوى من بعض وآكد من بعض، الأول (لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ) والثاني دونه في التوكيد (وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا) فحذف اللام. أما في الآية (لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) ذكر أمران كلاهما له مكانة في الأهمية (لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) هل يمكن أن نعيش بدون معرفة السنين والحساب؟ والابتغاء؟ كلاهما مهمان في الحياة علم السنين والحساب ضروري في الحياة وفي خارج القرآن لو قال في الآية لتبتغوا فضلاً من ربكم وتعلموا عدد السنين والحساب تصبح دونها في التوكيد والأهمية وهذه قاعدة. مررت بمحمد وبخالد آكد من مررت بمحمد وخالد وآكد منهما مررت بمحمد ومررت بخالد. مثال آخر: (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) آل عمران) ليعلم الله باللام ويتخذ بدون لام (وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) آل عمران) ليعلم الله الذين آمنوا منكم لا يتخلف منه أحد كل واحد ربنا تعالى يعلم علماً يتعلق به الجزاء. لكن هل يتخذ منهم كلهم شهداء؟ كلا إذن ليسا بنفس المنزلة، يتخذ شهاد من قسم قليل منهم. وليمحص الله الذين آمنوا لا يتخلف منه أحد لكن ويمحق الكافرين فقط. هذا يدرس في علم البلاغة في غرض التوكيد الذكر والحذف، يذكر لعِلّة ويحذف لعِلّة. عطف بدون تكرار للحرف الأول وعندنا قاعدة الذكر آكد من الحذف. من هنا نفهم لماذا قال تعالى في آية لقمان (لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا). *(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذُهَا هُزُوًا (6) لقمان) يتخذُها مرفوعة بقراءة ورش فلماذا جاءت يتخذها بالرفع؟ إذا كانت في المصحف فهي قراءة، يتخذُها بالرفع معطوفة على يشتري وإذا كانت بالنصب معطوفة على (ليضلَّ) وكلاهما صحيح فصيح. . الوقفة كاملة
١٨٤٢ *ما دلالة استعمال (إذا) دون (إن) في الآية (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (7))؟ إذا في اللغة أقوى من إن، (إن) تستعمل للأمور المحتملة الوقوع والمشكوك في حصولها ولافتراض الأمور التي قد لا تقع أو إذا وقعت فهي أقل أما (إذا) فلا تستعمل إلا فيما هو واجب وقوع أو الذي يقع كثيراً مع أن كلاهما شرط. لما سأل موسى ربه (قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي (143) الأعراف) أمر مشكوك فيه ليس بالضرورة أن يستقر. (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (71) القصص) هذا افتراض، (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (72) القصص) هو أمر افتراضي غير واقع في الحياة (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا (9) الحجرات) هذا ليس أمراً يومياً وإنما قلّ ما يقع وليس كأمر الصلاة (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ (10) الجمعة). (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33) الرحمن) (وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا (61) الأنفال). أما إذا تستعمل للمقطوع بحصوله أو كثير الحصول (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ (180) البقرة) (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ (17) الكهف) لا يمكن أن تقول إن طلعت الشمس إلا في اليوم الغائم، (وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) ولذلك كل أحداث يوم القيامة تأتي بـ (إذا) ولا يصح أن تأتي بـ (إن) لأنها واقعة لا محالة (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) التكوير) لا يمكن أن يؤتى بإن ولا يصح لأنها واقعة لا محالة وهذه قاعدة. (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ (5) التوبة) لا بد أن تنسلخ، (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ (10) الجمعة) لا بد أن تنقضي، (وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا (86) النساء) هل هناك يوم لا يحيي أحد أحد؟ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ (282) البقرة) (فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ (282) البقرة) هذه الحالة أقل من الأولى. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ (6) المائدة) هذه أقل. (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ (25) النساء) إذا أحصن أي البلوغ فإن أتين بفاحشة هذه قليلة الحدوث. (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ (180) البقرة) هذه قاعدة. (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا (28) الأحزاب) هذا افتراض. (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا (33) النور) هذا افتراض. إذا وإن تدلان على الشرط لكن (إذا) هي إما لما هو واقع لا محالة أو كثير الوقوع أما (إن) فهي افتراض وقد يكون استحالة أو أمور لا تقع ولكن ليس هنالك لها في واقع الحياة حصول (وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاء سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ (44) الطور) متى رأينا كسفاً من السماء ساقطاً؟ إذن (إذا) أقوى من (إن) من حيث الوقوع وقد وردت في القرآن 362 مرة ولم يرد في موطن واحد في افتراض أنها لم تقع بينما (إن) في افتراض، يمكن تقع أو لا تقع (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا (23) البقرة) لكنها ليست مثل (إذا). فإذن لما قال (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا) القراءة حاصلة. هناك فرق بين (إن) الشرطية وإن النافية (إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (20) الملك) هذه بمعنى (ما) ونميز الشرطية بفعل الشرط وجواب الشرط وإذا دخلت على المضارع تجزم وهي مختصة بالدخول على الأفعال بينما (إن) النافية تدخل على الأسماء والأفعال الفرق بين (إذا) و(إذ): إذ ظرف للماضي في الغالب ولا يعدونها من أدوات الشرط، إذما من أدوات الشرط (وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ (86) الأعراف) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ (9) الأحزاب) النحاة يقولون إذ للماضي وإذا للمستقبل ونحن نقول (إذ) في الغالب للماضي وإذ ليست شرطية. (إذا) ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب لجوابه مبني على السكون. (إذ) إسم، ظرف زمان للماضي في الغالب لأنه في القرآن (إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ (71) غافر) وهذه للمستقبل (سوف) في جهنم يسحبون في الحميم وإن كان له تأويل آخر أنه مستقبل منزَّل منزلة الماضي لكني أعتقد أنها في الغالب للماضي كما أن (إذا) في الغالب للمستقبل وقد تكون في الماضي كما في قوله تعالى (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ (90) يونس) هو أدركه الغرق بالفعل. (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ (86) الكهف) حتى في آية الجمعة (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا (11) الجمعة) هذه الآية نزلت بعد ما وقع الأمر. النحاة لا يقولون غالباً ولكنهم يقولون أن أدوات الشرط كلها في الاستقبال. *قال في الآية تتلى بصيغة المضارع (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا) ولم تأتي بالماضي مع أنه قال (وَلَّى مُسْتَكْبِرًا)؟ الله أعلم الفعل الماضي كما يبدو لي في الشرط يفيد حصول الحدث مرة واحدة والمضارع يفيد تكرر الحدث مثلاً نلاحظ في آيتين متتابعتين (وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا (92) (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا (93)) القتل الخطأ ليس من المفروض أن يتكرر فإذا كان يتقل مؤمناً متعمداً هذا يتكرر لذا في القتل الخطأ قال (قتل) وقال (يقتل) لما كان افتراض تكرر الحدث. (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا (19) الإسراء) (وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا (145) آل عمران) من أراد ماضي ومن يرد مضارع يتكرر، الثواب يتكرر، كل شيء متعلق بالثواب يتكرر أما الآخرة فواحدة. (وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ (19) الأنفال) (عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا (8) الإسراء) لو لاحظنا قال (وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ) قالها في كفار قريش بعد وقعة بدر هم عادوا بينما (وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا) هذه في بني إسرائيل وقد ذكر أنهم يفسدون في الأرض مرتين إحداهما ذهبت وتبقى الأخرى. (قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي (76) الكهف) بقي له سؤالاً واحداً، (إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (37) محمد) هذا متكرر بينما في الأولى سؤال واحد ثم تنقطع المصاحبة. الماضي والمضارع مع الشرط يدلان على الاستقبال لكن الماضي مرة واحدة أو أقل والمضارع فيه توقع حدوث مرات كثيرة. ولذلك هنا في آية لقمان قال (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا) دلالة على تكرار التلاوة الذي يفترض أن يؤدي إلى التأمل والتفكر والانتباه يدعوه للتأمل وهذا بخلاف لو قال تليت عليه إحتمال أن تكون تليت مرة واحدة. وقال (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا) قال آياتنا بإضافة الآيات إلى ضمير التعظيم لله تعالى لتعظيم فعلة هذا والتشنيع عليه أن آيات الله ويستهزئ بها وولى مستكبراً كأن لم يسمعها. *قال تعالى في آية سورة لقمان (كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا) وفي الجاثية تحدث عن هذا المعنى بصورة مختلفة (وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8)) لم يقل كأن في أذنيه وقراً فلم فذ آية لقمان بالتحديد وردت (كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا)؟ نقرأ الآيات في سورة لقمان (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (7)) وفي الجاثية (وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8)) كيف يكون في أذنيه وقر وهو يسمع كلام الله؟ في لقمان لم يقل يسمع آيات الله، قال تتلى عليه لكنه لم يقل يسمعها. أما في الجاثية قال يسمع آيات الله تتلى عليه فكيف يقول في أذنيه وقراً؟ لما لم يقل يسمع ناسب أن يقول (كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا) في لقمان. السماع يأتي من التلاوة هناك من يتلو حتى يسمع. الوقر المانع يمنعه من السماع هنالك شيء في أذنه لا يسمع جيداً. *الملاحظ بقوله تعالى (فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) فبشره بضمير الإفراد ولم يجمع الضمير مع أنه سبق الخطاب بالجمع (أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ) فلماذا؟ قال سبحانه (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) نلاحظ هنا ذكره وحده لم يذكر معه أحداً آخر ونلاحظ سياق الآية كلها تتكلم عن شخص واحد (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا) إفراد، بينما الآية قبلها التي جمع فيها يتكلم عليه وعلى من أضله (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ (6)) هناك أصبح جماعة تهديد له ولمن يضله فقال (أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ) بالجمع وليس له وحده، فإذن هناك كان التهديد للجمع (أولئك لهم عذاب مهين) له ولمن يضله وهنا لما كان الكلام هنا عليه وحده أفرد قال (فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) وقال بشره مع أن البشرى لا تكون إلا في الخير استهزاء به وسخرية منه فقال (فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ). *ختمت الآية بقوله تعالى (فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) وفي آية قبلها قال (أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ) فما الفرق بين العذاب المهين والعذاب الأليم؟ هذا ليس تعرضاً وإنما وصف آخر، الإهانة تكون إذا وقعت أمام الآخرين. يكون العذاب مهيناً إذا كان هناك من يشهد العذاب إذا لم يكن هنالك من يشهد فالإهانة ليست ظاهرة وكلما كان المشاهدين والحاضرين أكثر كانت الإهانة أكثر. هذا ذكر هنالك من يُضلهم (عذاب مهين) لأنه يشهد بعضهم هذا الذي أضلهم سيعذب أمامهم فهي إذن هذه إهانة له هذا الذي كان يفعل هكذا ويضل هو الآن يعذّب وله عذاب مهين يهينه أمام هؤلاء الذين أضلهم وهؤلاء أيضاً كلهم سيعذبون وكل منهم يشهد عذاب الآخر فهم في عذاب مهين. أما في الآية الثانية فهو وحده له عذاب أليم لا ينطبق عليه مهين. العذاب المهين قد يكون أليماً وهو أولاً كونه مستهزئ جمع أمرين لأن الذين يستهزئ بهم هو أهانهم وآلمهم. الإهانة بحد ذاتها قد يكون فيها إيلام للآخريم فجمع الله تعالى له بين الإهانة والألم. وقد يكون العذاب المهين ليس مؤلماً جسدياً ولكن مؤلم نفسياً أما هنا فجمع له بين العذابين الإهانة والإيلام في مجموعهم (أليم ومهين). أول مرة قال (أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ) هذه إهانة ثم قال (فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) هذا ألم إذن صار له عذابين إهانة وألم وليس مهيناً فقط من دون إيلام. قد يكون على سبيل المثال أن أحداً في سبيل المبدأ، في سبيل القرآن، في سبيل الإسلام يُعذّب لكن لا يرى فيه إهانة بل يرى فيه فلاحاً وثباتاً وعزة وصلاحاً وحسنة. بينما هنا جمع له عذاب مهين وأليم كما استهزأ بالآخرين وأهانهم وآلمهم هنا جمع له عذاب مهين وأليم. وقد يكون المهين غير مؤلم جسدياً لا يشترط في اللغة أن يكون مؤلماً جسدياً فجمعهم مهين وأليم. مهين يشهد بعضهم عذاب بعض والإهانة وما إلى ذلك وما كان يضلهم فأهانه أمام جماعته وشهد بعضهم عذاب بعض وإهانة العذاب لهم وآلمهم به فجمع بينهما. *تقدير العذاب في القرآن الكريم (عذاب أليم، مهين، شديد) هل يرتبط نوع العذاب بصدر الآية القرآنية؟ يرتبط ويرتبط بفعل المعذب ماذا يقدم له من فعل المعذب وكيف قدم له؟ فيذكر بسبب السياق وفيما اقتضى العذاب. . الوقفة كاملة
١٨٤٣ .(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (8) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9)) بعد أن ذكر الكافرين وأن لهم عذاب أليم مهين ذكر ما يقابلهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ذكر أن لهم جنات النعيم أضاف الجنات إلى النعيم بمقابل ما يلقاه المُِضل من عذاب مهين وأليم هو الذي يلقى عذاباً مهيناً لو وضعته في الجنة وأنت تعذبه لا ينعم فهنا ربنا قال (لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ) فهو إذن يتنعم في مقابل ما يلقاه ذاك من عذاب مهين هذا ينعم مقابل ذاك الذي يهان ويألم. ثم تقديم الجار والمجرور (لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ) وهذا من باب الاختصاص أي لهم لا لغيرهم، للذين آمنوا وعملوا الصالحات لا ينعم أحد في الجنة غير هؤلاء حصراً. كل الجنات هي نعيم وليس في الجنة بؤس ولا شقاء كلها نعيم بمقابل ما يلقاه ذاك في النار من الإهانة والعذاب. خالدين فيها أي ليس فقط لهم جنات النعيم كما تقول لك هذه الدار وإنما الخلود فيها. معنى الخلود البقاء والدوام يقولون الخلود الطويل لكن بالنسبة للآخرة لا ينقضي ولذلك يقول أحياناً أبداً أي ليس له نهاية عندما يقول خالدين فيها أبداً هذا تأكيد الأبدية. (وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا) ووعد الله حقاً لا يتخلف. (وعدَ) مفعول مطلق لفعل محذوف يعني يعدكم الله وعده حقاً. وحقاً مفعول آخر مؤكّد لفعل محذوف. أكد بالذين آمنوا وأكد بـ (حقاً) وأكد بالمفعول المطلق مع أن كلها أشياء طيبة في الجنات ولم يؤكد في العذاب؟ كلها أمر مؤكد. حسب ما يرد وورد قوله تعالى (إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا (12) المزمل) وأكّد في أماكن أخرى. *اختيار ختام الآية العزيز الحكيم: العزيز هو الغالب الممتنع والحكيم فيها احتمالين الحكيم قد يكون من الحكم ومن الحكمة. العزيز الحيكم هو يفعل ذلك لا يمنع من تنفيذ وعده مانع لأنه الغالب الممتنع الحاكم وأحياناً يكون العزيز غير حاكم والعزة درجات. حتى في حياتنا الدنيا أعلى درجات العزة أن يكون حاكماً لكن ليس كل عزيز حاكماً، أعلى الأعزاء أن يكون حاكماً هذا منتهى العزة وكل حاكم عزيز وليس كل عزيز حاكم. فهنا جمع تعالى منتهى العزة العزيز الحكيم. والحكيم لها هنا دلالتان: الحكيم من الحُكم منتهى العزة لا يمنعه مانع لأن بيده كل شيء ومن الحكمة عزيز حاكم حكيم في تصرفاته وإراداته لأن الحاكم إذا لم يكن حكيماُ كان ذلك تهوراً. الحكمة المفروض أنها من مستلزمات الحُكم فالنمرود كان حاكماً لكنه لم يكن حكيماً هنالك كثير ممن نرى ونقرأ يكونوا حاكمين ليس ليس حكماء فإذن هذا حكمه سيكون وبالاً على الآخرين. في الآية الحكيم لها الدلالتان للتوسع في المعنى. في اللغة قد يأتي بوصف له أكثر من دلالة هي كلها مرادة إذا لم يكن قرينة سياقية تحدد معنى محدداً. مثلاً قوله تعالى (بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (15) الفتح) قليلاً من ماذا؟ قليلاً من الفقه أو قليلاً من الأمور؟ هي كلها مرادة لأنه لو أراد لقال فقهاً قليلاً أو أمراً قليلاً، (فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا (82) التوبة) هل هو قليل من الوقت أو قليل من الضحك لذا لما نعرب قليلاً نعربها إما مفعول مطلق (ضحكاً قليلاً، صفة وناب عن المصدر صفته هذا مفعول مطلق) وإما ظرف زمان اي وقتاً طويلاً. لم يحدد وقتاً قليلاً أو ضحكاً قليلاً، (وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا) بكاء كثير وزمن كثير طويل فجمع الإثنين. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) الأحزاب)هنا حدد الذكر وليس الوقت وقال (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10) الجمعة) الذكر والوقت وكل آية تتماشى مع السياق العام هل يريد الإطلاق والجمع أو التحديد فإذا حدد جاء بما يحدد ويعيّن. في العزيز الحكيم أراد العزة والحكم والحكمة. العزيز الحكيم بالتعريف ووردت نكرة (إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27)). العزيز الحكيم لا يمنع مانع من تنفيذ وعده بالنسبة لأولئك وهؤلاء للمؤمنين وغيرهم لأنه هو العزيز الحكيم. لو قرأنا الآية الأخرى في السورة نفسها (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27)) ليس وعداً لأحد ومحاربة لأحد ولا جزاء لأحد وليس هناك شخص معاند لم يذكر محارب بينما ذكر محارباً ومعانداً في الآية الأولى فلم يقتضي هذا الشيء. هذا تعقيب بالعزة والحكم لأنه ذكر جزاء وعقاب (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا (7)) ذاك جزاء الذين آمنوا وعقاب الذين كفروا ولا يمنعه مانع هو العزيز الحكيم وكل من ترونه يتهاوون وليس هنالك أحد. أما في الآية الثانية فهي إخبار وليس فيها تهديد ولا وعيد ولامحارب ولا جزاء ولا شيء فلا يقتضي. لا نفهم أن النكرة تدل على العموم والشمول والتعريف يدل على التعيين والتحديد كما في بعض الجوانب البلاغية؟ التعريف أحياناً قد يكون جنس حسب السياق يحدده. التعريف إما يكون لعهد أو للجنس (إن الإنسان لفي خسر) (وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا (28) النساء) . الوقفة كاملة
١٨٤٤ .(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10)) *على من يعود الضمير في (ترونها)؟ هذا بحثه القدامى في الناحية اللغوية وبحثه الفراء في كتابه معاني القرآن هذه تسمى التعبيرات الاحتمالية يعني تحتمل أكثر من دلالة ولذلك هم قالوا يحتمل هذا التعبير أنه خلق السموات بغير عمد وهاأنتم ترونها بغير عمد فتكون ترونها جملة استئنافية فيكون السماء مرفوعة بغير عمد وهاأنتم ترونها بغير عمد فيكون المعنى خارج القرآن خلق السموات ترونها بغير عمد. الإحتمال الآخر ترونها صفة لعمد يعني بغير عمد مرئية يعني خلقها بعمد غير مرئية لها أعمدة لكن لا تُرى هذه الأعمدة غير مرئية. القدامى هكذا قالوا هذا التعبير يحتمل أمرين إما أن يكون خلقها بغير عمد وهاأنتم ترونها مرفوعة بغير عمد (ترونها استئنافية) وإما ترونها صفة لعمد، أراد أن يجعلنا نفكر فيها وفي المستقبل سينتهون إلى ما ينتهون إليه فقد تكون هي مرفوعة بغير عمد وقد تكون هنالك أعمدة غير مرئية كالجاذبية مثلاً. البعض في الإعجاز العلمي يقولون أن هنالك أعمدة ولكن لا نراها. أيهما أدل على القدرة؟ أن تكون بغير عمد أو تكون بعمد؟ كلها قدرة وهو سبحانه خلق الأسباب مثلاً تقول أيها أدل على القدرة أن يخلق الإنسان بأب وأم أو من غير أب وأم؟ كلها قدرة. هو خلق الأسباب الأخرى من المطر الذي ينبت الزرع، يخلق الأسباب أو يضع أسباب أو لا يضع أسباب خلقها بغير عمد أو بعمد كما خلق آدم من غير أب ولا أم وخلق حواء من ذكر بلا أنثى وخلق عيسى من أم بلا أب وخلق من عقيم وخلق من غير زوج وهو سبحانه يفعل ما يشاء والله أعلم قد يأتي زمان نفهم هذه الآية. الآية تحتمل المعنيين وأهل اللغة القدامى قالوا تحتمل وتحتمل أنها استئنافية. الذي يحدد الأمر هو الأمر العلمي والذي يقطع فيها ما يكتشف ويحدد من حقيقة علمية. هذا التعبير بهذا الشكل يسير على نهج العرب وأصل الجمل في العربية على قسمين تعبيرات ذات دلالة احتمالية وتعبيرات ذات دلالة قطعية. (وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا (275) البقرة) هذه قطعية، لا رجلٌ حاضراً احتمالية، لا رجلَ حاضرٌ قطعية، ما رجلٌ حاضراً احتمالية، ما من رجل حاضر قطعية. يقولون إشتريت قدح ماءٍ احتمالية، اشتريت قدحاً ماءً قطعية لأنك إشتريت ماء بمقدار قدح ولم تشتر القدح، اشتريت قدح ماءٍ احتمالية قد تكون اشتريت القدح وقد تكون اشتريت الماء. إذن (ترونها) الضمير يعود على السماء أو على العمد تعبير احتمالي والناس في المستقبل يستنبطون (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ (53) فصلت). *قال تعالى في سورة لقمان (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) وفي سورة الرعد قال (اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) فما الفرق بين رفع وخلق؟ كل تعبير مناسب لمكانه لو نظرنا في الرعد قال (المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ (1) اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2)) لما قال (وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ) الإنزال إنما يكون من فوق أي من مكان مرتفع فناسبها رفع السموات. ثم استوى على العرش (اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) العرش فوق السموات إذن رفع السموات حتى تكون مرتفعة. ثم قال (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) وهي من الأجرام السمواية وهي مرتفعة إذن يناسب رفع السموات. أما في لقمان فليس فيها شيء من ذلك بعد هذه الآية في لقمان قال (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ (11)) خلق الله مناسب لخلق السموات (خلق السموات) (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ). إذن السياق في الرعد يناسبه رفع السموات والسياق في لقمان يناسبه خلق السموات وبعدها (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ) فكل تعبير في مكانه. (بغير عمد) (غير) معناها اللغوي المغايرة ولها معاني كثيرة وأحياناً تكون نافية. وقد يكون هذا المعنى محتملاً في الآية تنفي الأعمدة. يقول بغير علم ينفي العلم. إذا نفت العمد في الآية المسألة في (ترونها) هو نفى بعمد غير مرئية. لما تقول ما جاءني رجل كريم تنفي الكريم من الرجال وليس عموم الرجال، ما جاءني رجل يحمل حقيبة يحتمل أنه جاء رجل لا يحمل حقيبة. هذا تقييد والقيد لا ينفي العموم، خلق السموات بغير عمد مرئية أو بغير عمد أصلاً. تقول جاء بغير كتاب أجنبي، جاء فلان بغير كتاب مقرر، هل جاء بغير كتاب؟ محتمل، جاء بكتاب غير مقرر، إذن جاء بكتاب إذن جاء بغير كتاب مقرر ما أطلق النفي لأنه طالما جاء بصفة اصر قيداً. هي تحتمل أيضاً، الآن تحتمل نفي القيد. يقول تعالى (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا (1) الإنسان) هو لم يكن شيئاً أصلاً أو كان شيئاً ولم يكن مذكوراً؟ يحتمل أنه كان شيئاً لكنه كان شيئاً غير مذكور أو لم يكن شيئاً أصلاً فيحتمل المعنيين، ذكرت القيد فيصير احتمالين حتى المفسرين يقولون لم يكن شيئاً أصلاً مذكوراً أو غير مذكوراً، وقسم قالوا كان شيئاً لكن غير مذكور، كيف كان شيئاً غير مذكور؟ النفي يحتمل ولذلك قالوا لم يكن شيئاً مذكوراً لما لم ينفخ فيه الروح، كان طيناً قبل أن ينفخ فيها الروح كان شيئاً لكنه لم يكن مذكوراً أنت إذا ذكرت القيد يصير الإحتمال لذكر القيد. * ما دلالة الآية (ألقينا فيها رواسي) ألم تكن الجبال مخلوقة من قبل؟ قال تعالى في سورة لقمان (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10)). هذا سؤال يجب أن يُوجّه إلى المعنيين بالاعجاز العلمي. لكن أقول والله أعلم أن الملاحظ أنه تعالى يقول أحياناً ألقينا وأحياناً يقول جعلنا في الكلام عن الجبال بمعنى أن التكوين ليس واحداً وقد درسنا أن بعض الجبال تُلقى إلقاء بالبراكين (جبال بركانية) والزلازل أو قد تأتي بها الأجرام المساوية على شكل كُتل. وهناك شكل آخر من التكوين كما قال تعالى في سورة النمل (أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61)) وسورة الرعد (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3))، وهذا يدل والله أعلم على أن هناك أكثر من وسيلة لتكوين الجبال. وكينونة الجبال تختلف عن كينونة الأرض فالجبال ليست نوعاً واحداً ولا تتكون بطريقة واحدة هذا والله أعلم. *(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا (10) لقمان)؟ هل يمكن أن تعني الآية وجود العمد لكنها غير محسوسة؟ القدامى قالوا فيها احتمالان جعلوها من الجمل الإحتمالية حتى الفرّاء قال يمكن أن تكون خلقها بغير عمد أو خلقها بعمد غير مرئية. فيها احتمالان من حيث التعبير: بغير عمد وهاأنتم ترونها تصير (ترونها) جملة ابتدائية أو خلقها بعمد غير مرئية. الهاء في ترونها تعود على السماء أو على العمد. إذا عاد الضمير على السماء تكون السماء بغير عمد، ها أنتم ترونها بغير عمد (ترونها تكون جملة ابتدائية) والاحتمال الثاني بغير عمد ترونها (ترونها) جملة صفة لعمد، بغير عمد مرئية (الجُمَل بعد النكرات صفات) هناك أعمدة لكن لا ترونها. القدامى قالوا هذه الآية فيها احتمالان والله أعلم. *مرة يقول تعالى أن تميد بكم ومرة لا يقولها فما اللمسة البيانية فيها؟ الآية سبق أن ذكرناها وقال (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ) أن تميد بكم أي كراهة أن تميد بكم أو لئلا تميد بكم كما يقول النحاة، المعنى لماذا ألقى الرواسي؟ لئلا تميد بكم يقولون كراهة أن تميد بكم أو لئلا تميد بكم (إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) هود) يعني لئلا تكون من الجاهلين، (فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى (282) البقرة) كراهة أن تضل إحداهما أو لئلا تضل. إذن أن تميد بكم يعني لئلا تميد بكم. يبقى السؤال أحياناً يقول أن تميد بكم وأحياناً لا يقول أن تميد بكم (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ (3) الرعد) من دون أن تميد بكم. في مواضع قال أن تميد بكم أو تميد بهم وفي مواضع أخرى لم يقل هذا الشيء والسبب أنه إذا أراد بيان نعمة الله على الإنسان يقول أن تميد بكم وإذا أراد فقط أن يبين قدرة الله فيما صنع وليس له علاقة بالإنسان يعني إذا اراد بيان النعمة على الإنسان لهذا الأمر قال أن تميد بكم لماذا خلقها؟ فيها نعمة لئلا تميد بهم وإذا أراد مجرد بيان القدرة في الصنع وليس له علاقة بالإنسان لا يقول هذا لأن الكلام لا يتعلق بالإنسان وإنما يتعلق بصنع الجبال والرواسي. أن تميد بكم هنا لبيان نعمة الله على الإنسان هنا قال (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ) هنا الغرض بيان نعمة الله على الإنسان في هذه الرواسي. أولاً هذه مرتبطة بقوله تعالى بدأ السورة (هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ (3)) عدم ميد الأرض بهم أليست من الرحمة؟ بلى إذن هي مرتبطة بالرحمة التي ذكرها في أول السورة لما قال (هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ) وهذه من الرحمة. وهي مرتبطة بالآية السابقة (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9)) إذن بيّن حكمة إلقاء الرواسي في الأرض، الحكمة منها عدم ميد الأرض، إذن هي مرتبطة بالرحمة وبالحكمة. إذن هذه مناسبة للإسم الحكيم، مناسبة في الأولى للرحمة (هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ) ومناسبة لاسمه الحكيم في الآية التي قبلها ففيها ارتباط مناسب من الجهتين. الرواسي رسى بمعنى ثبت، رواسي يعني ثابتة جبال تثبتها. لم يقل جبال مع أنه استخدمها في القرآن. هو قال (وألقى في الأرض رواسي) وأحياناً يقول (جعل في الأرض رواسي) ألقى في الأرض رواسي وقبلها قال (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فإلقاء الرواسي مناسب للعِزّة لأنه عزيز حكيم. ألقى دلالتها متقاربة من جعل، الجبال قسم منها ملقاة تأتي من فوق صخور تسقط من فوق وقسم يخرج من البراكين ثم تسقط، اختيار هنا الإلقاء مناسب للعزيز الحكيم لما ذكر عزته وحكمه قال وألقى حاكم يلقي الأوامر كما يشاء ويلقي الجبال فهي مناسبة إذن للعزيز الحكيم وفيها قوة. إذن ألقى في الأرض مناسبة للعزيز وأن تميد بكم مناسب للحكيم. فإذن هي أيضاً مناسبة للعزيز الحكيم. يجب دراسة الكلمات في القرآن من سياقها وارتباطها ببعض والمقاصد العامة للسورة ولا ينبغي أن نسلخ آية من السياق العام. قال رواسي هنا وفي آيات أخرى يذكر الجبال. المقصود بالرواسي الثوابت حتى تثبت لما يذكر مجراها ومرساها (حين تقف)، (بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا (41) هود) مسيرها وإرساؤها. الرواسي أن تميد بكم أي تثبتها. لما كان اختيار الرواسي بمعنى الثوابت لا يستخدمها يوم القيامة عند زوالها، كيف رواسي وكيف سُيِّرت؟ (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (20) النبأ) (وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14) الحاقة) ولذلك في يوم القيامة لا يستعمل الرواسي مطلقاً لأن يوم القيامة الجبال فيها حركة ورفع ودك ونسف (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ (5) القارعة) لا يستعمل في يوم القيامة الرواسي وإنما يستعمل الجبال. هنا (أن تميد بكم) مناسب للرواسي. *يقول تعالى (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10)) قال في آيات أخرى (وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) ق)؟ أول مرة قال أنزلنا بإسناد الإنزال إلى نفسه سبحانه تعالى وهذا يسمونه إلتفات لأهمية الماء للإنسان. أنزلنا فيها ضمير التعظيم مع أنه قال (وألقى) أول مرة فالتفت تحول الضمير لبيان النعمة في إنزال الماء وإنبات ما ذكر من الأزواج فهذا الإللتفات حتى يبين سبحانه وتعالى نعمته على الإنسان فقال (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ). من كل زوج أي من كل صنف فالزوج تأتي بمعنى الصنف (وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) الواقعة) (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) الصافات). لكن لماذا اختار هنا زوج كريم وفي مكان آخر زوج بهيج؟. الكريم هو بالغ الجودة والنفاسة كثير الخير والمنفعة، والبهيج الذي يدخل البهجة على النفوس، إختيار كل كلمة لماذا اختار هنا بهيج وهنا كريم؟. يذكر هنا أن لقمان آتاه الله الحكمة (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ (12)) والحكمة هي بالغة الخير والنفاسة (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا (269) البقرة) فإذن هذا الكرم مناسب لذلك الخير الكثير الذي في الحكمة. هذا زوج كريم بالغ الخير والنفاسة والجودة هكذا قال تعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ) والحكمة بالغة الخير والنفاسة والخير الكثير لأنها مناسبة لما سيذكر بعدها من الحكمة. قد يسأل سائل لم تعددت الأوصاف والزوج واحد؟ ننظر ماذا قال تعالى في سورة ق (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7)) إلى أن يقول (وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ (10)) لما قال وزينها أليست الزينة لإدخال البهجة على النفوس؟ بلى، إذن كلمة بهيج مناسبة للزينة التي ذكرها في السماء (مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) هذه تدخل البهجة والزينة تدخل البهدة والزينة أصلاً تدخل البهجة على النفوس ثم يقول (وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ) كلها يدخل البهجة. كما في سورة الحج (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5)) ناسب بين الهمود وبين البهجة، هذه هامدة لا بهجة فيها مطلقاً فالوصف بحسب السياق الذي ورد، هناك كل زوج كريم لما تكلم عن نفاسة الحكمة وما سيأتي من الخير الذي ذكره في الحكمة قال من كل زوج كريم مناسب لما سيذكر ولما ذكر الزينة والنخل باسقات قال بهيج مناسب للبهجة. الموصوف قد يكون واحداً لكن الصفات تختلف وتتعدد بحسب ما تريد أن تذكره أنت في السيقا فإذا أردت أن تصف شخصاً بالعلم تقول هو عالم، الكلام على أي شيء من الصفات الكلام على الخلق تقول هذا صاحب خلق وإذا كان الكلام على الدين تقول هو تقي فالصفات تتعدد بحسب المقام والسياق. الوقفة كاملة
١٨٤٥ .(هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (11)) كلمة خلق في الأصل مصدر لكن هذا المصدر أحياناً يراد به إسم المفعول، الخلق بمعنى المخلوق لماذا ذكر مخلوقات قال هذا خلق الله، فهي تحتمل أن هذا ما خلقه الله لأن المصدر في اللغة أحياناً يراد به إسم الفاعل أو يراد به إسم المفعول. الزرع يراد به المزروع وقد يراد به المصدر، زرعت الشجرة زرعاً هذه مصدر. (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ) هنا تحتمل أن يراد بالمصدر إسم المفعول أي هذه مخلوقاته ويحتمل أن يراد بها هذا صنعه يراد به المصدر كما ذكر وهذا من باب الإتساع في المعنى هذا صنعه العجيب وفعله العظيم وخلقه المتقن وهذه مخلوقاته كما ترى. لو قال مخلوقاته لكان معنى واحد لكن خلق الله تتسع لكل الخلق والمخلوق. (هذا) إشارة للقريب. *هنا قال (فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ)؟ ما قال (ما) مع أن كلاهما للإستفهام؟ (ما) قد تكون للإستفهام وقد تكون إسماً موصولاً (آكل ما تأكل وأشرب ما تشرب) (وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (23) ق) بمعنى الذي، (فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ (3) النساء). (ما) محتمل أن تكون إسم موصول وتحتمل أن تكون استفهام. هنا لو قال فأروني ما خلق الذين من دونه تحتمل دلالتين: الموصولية بمعنى الذي لو قال أروني الذي خلق قد يقال هو خلق فأرني الذي خلقه، هذه تحتمل تقول أرني ما صنع فلان أي أرني الذي صنعه، هذا إسم الموصول واستفهام أرني ما فعل هذا استفهام. (ما) تحتمل الإستفهامية وتحتمل إسم الموصول. (ماذا) إسم إستفهام قطعاً لا تحتمل الموصولية. هو أراد هنا الإستفهام إذن هم قطعاً لم يفعلوا شيئاً أرني ماذا فعل فلان؟ هذا فيه دلالة على أنه لم يفعل شيئاً. (ما صنع) يحتمل أنه صنع (أرني ما صنعت، أرني ما كتبت) هناك شيء موجود يسأل عنه. التعبير هنا قال (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ) هذا خلقه الله تعالى أروني ماذا خلق الآخرون؟ هذا صنعه الله تعالى وخلقه أروني ماذا خلق الآخرون؟ لماذ أنتم تشركون؟ ترقى من هذا السؤال إلى أمر آخر وقال (بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) انتهى إلى مسألة أن الظالمون في ضلال. *لماذا قال الظالمين؟ لما قال (فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ) هؤلاء الذين يعبدون من دون الله هؤلاء مشركون فهنا أراد أن يبين لهم أن الشرك ظلم عظيم. إختار الظالم لأن المشرك ظالم لنفسه أولاً وظالم لغيره. الشرك مؤدّاه إلى الظلم أولاً لأنه عبد ما لا يستحق أصلاً والعبادة هي أعلى شيء فأنت أهنت نفسك وعبدت ما لا يستحق وما هو دونك كالحجارة ثم أنت ظلمت نفسك لأنك توردها مورد الهلكة إذا ظلمت نفسك ستدخلها النار، ظلمت نفسك بأنك عبدت ما لا يستحق وأهنت نفسك هذا ظلم لها ثم أعطى ما لا يستحق شيئاً أعظم الأشياء، هذا لا يستحق العبادة ولا يستحق أن يقدّر فأنت تعطيه العبادة لذا قال بعد آيات (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) لقمان) لماذا؟ قلنا أنه ظلمٌ لنفسه لكن أنت تسوي بين القادر والعاجز، بين المنعِم المتفضل وبين المنعم عليه، هل هذا عدل؟! لو تقدم أشخاص للإمتحان للتعيين في دائرة من الدوائر فكان أحدهم أجاب عن كل الأسئلة بأبلغ كلام وأوفى تعبير وأحسن خط وآخر لم يحسن لا الكلام ولا التعبير ولا العلم ولك يحسن أن يكتب وساويت بينهما تكون ظالماً بدون شك. والفرق بين الخالق والمخلوق أكبر من هذا. إذن هو ظالم لأن الشرك لظلم عظيم (بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) ضلال بيّن لا يحتاج أصلاً إلى إبانة. الضلال في القرآن يأتي بمعان عدة كما وصف سيدنا يعقوب (قَالُواْ تَاللّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ (95) يوسف). ضل الطريق أي تنكّب الصراط عكس الهداية. المحاضرة التي ألقاها فضيلة العالم الأستاذ الدكتور فاضل صالح السامرائي في جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم عام 1423 هـ الموافق 2002 م لمحات قرآنية تربوية (نظرات بيانية في وصية لقمان لابنه) تبدأ الوصية من قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم(13) وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ(14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(15) يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ(16) يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ(17) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ(18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ(19)) تلك هي الوصية وقد بدأت بذكر إتيان لقمان الحكمة "وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ" 12 الحكمة والحكمة هي وضع الشيء في محله قولا وعملا، أو هي توفيق العلم بالعمل، فلا بد من الأمرين معا: القول والعمل، فمن أحسن القول ولم يحسن العمل فليس بحكيم، ومن أحسن العمل ولم يحسن القول فليس بحكيم.فالحكمة لها جانبان: جانب يتعلق بالقول، وجانب يتعلق بالعمل. والحكمة خير كثير كما قال الله تعالى: "ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا" البقرة 269. الله تعالى مؤتي الحكمة ولذلك نلاحظ أنه تعالى قال: " وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ". قال (آتينا) بإسناد الفعل إلى نفسه، ولم يقل: لقد أوتي لقمان الحكمة، بل نسب الإتيان لنفسه. والله تعالى في القرآن الكريم يسند الأمور إلى ذاته العلية في الأمور المهمة وأمور الخير، ولا ينسب الشر والسوء إلى نفسه ألبتة. قال تعالى: "وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً10" الجـن . فعندما ذكر الشر بناه للمجهول، وعندما ذكر الخير ذكر الله تعالى نفسه.وهذا مطرد في القرآن الكريم، ونجده في نحو: "آتيناهم الكتاب" و "أوتوا الكتاب" فيقول الأولى في مقام الخير، وإن قال الثانية فهو في مقام السوء والذم. وقال تعالى: " وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوساً 83" الاسراء فعندما ذكر النعمة قال: (أنعمنا) بإسناد النعمة إلى نفسه تعالى. وعندما ذكر الشر قال: "وإذا مسه الشر" ولم يقل: إذا مسسناه بالشر.ولم ترد في القرآن مطلقا: زينا لهم سوء أعمالهم، وقد نجد: زينا لهم أعمالهم، بدون السوء، لأن الله تعالى لا ينسب السوء إلى نفسه، ولما كانت الحكمة خيرا محضا نسبها إلى نفسه. ـ إن قيل: فقد قال في موضع: "ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا" البقرة 269. فالرد أنه عز وجل قد قال قبلها: "يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ" فنسب إتيان الحكمة إلى نفسه، ثم أعادها عامة بالفعل المبني للمجهول. مقام الشكر ـ( أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ) لها دلالتان: الأولى ـ أن الحكمة لما كانت تفضلا ونعمة فعليه أن يشكر النعم، كما تقول: لقد آتاك الله نعمة فاشكره عليها. والله آتاه الحكمة فعليه أن يشكره لأن النعم ينبغي أن تقابل بالشكر لموليها. (آتاك نعمة الحكمة فاشكره عليها) الثانية ـ أن من الحكمة أن تشكر ربك، فإذا شكرت ربك زادك من نعمه "وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ 7)" ابراهيم ولو قال غير هذا ، مثلا (فاشكر لله) لكان فيه ضعف، ولم يؤد هذين المعنيين. وضعف المعنى يكون لأن الله تعالى آتاه النعمة "وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ" فإن قال بعدها: (فاشكرلله ) فهذا أمر موجه لشخص آخر وهو الرسول، فيصير المعنى : آتى الله لقمان الحكمة فاشكر أنت!! كيف يكون؟ المفروض أن من أوتي الحكمة يشكر ولذلك قال: "أن اشكر لله" فجاء بأن التفسيرية ولو قال أي تعبير آخر لم يؤد هذا المعنى. الشكر والكفر (وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ(12)) "يشكر" قال الشكر بلفظ المضارع ، والكفران قاله بالفعل الماضي "ومن كفر" من الناحية النحوية الشرط يجعل الماضي استقبالا ، مثال (إذا جاء نصر الله)، فكلاهما استقبال. ويبقى السؤال : لماذا اختلف زمن الفعلين فكان الشكر بالمضارع والكفر بالمشي على أن الدلالة هي للاستقبال؟ من تتبعنا للتعبير القرآني وجدنا أنه إذا جاء بعد أداة الشرط بالفعل الماضي فذلك الفعل يُفعل مرة واحدة أو قليلا، وما جاء بالفعل المضارع يتكرر فعله مثال: " وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا92" النساء وبعدها قال: "وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا 93" النساء فعندما ذكر القتل الخطأ جاء بالفعل الماضي لأن هذا خطأ غير متعمد، إذن هو لا يتكرر وعندما جاء بالقتل العمد جاء بالفعل المضارع (ومن يقتل) لأنه ما دام يتعمد قتل المؤمن فكلما سنحت له الفرصة فعل. فجاء بالفعل المضارع الذي يدل على التكرار. مثال آخر: "وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً 19" الاسراء . فذكر الآخرة وجاء بالفعل الماضي لأن الآخرة واحدة وهي تراد. لكن عندما تحدث عن الدنيا قال: "وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ 145" آل عمران. لأن إرادة الثواب تتكرر دائما. كل عمل تفعله تريد الثواب، فهو إذن يتكرر والشيء المتكرر جاء به بالمضارع يشكر، فالشكر يتكرر لأن النعم لا تنتهي " وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ 34" إبراهيم. فالشكر يتكرر، كلما أحدث لك نعمة وجب عليك أن تحدث له شكرا أما الكفر فهو أمر واحد حتى إن لم يتكرر، فإن كفر الإنسان بأمر ما فقد كفر، إن كفر بما يعتقد من الدين بالضرورة فقد كفر، لا ينبغي أن يكرر هذا الأمر لأنه إن أنكر شيئا من الدين بالضرورة واعتقد ذلك فقد كفر وانتهى ولا يحتاج إلى تكرار، أما الشكر فيحتاج إلى تكرار لأن النعم لا تنتهي. وفيه إشارة إلى أن الشكر ينبغي أن يتكرر وأن الكفر ينبغي أن يقطع، فخالف بينهما في التعبير فجاء بأحدهما في الزمن الحاضر الدال على التجدد والاستمرار وجاء بالآخر في الزمن الماضي الذي ينبغي أن ينتهي. الله غني حميد (فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ(12)) جاء بإنما التي تفيد الحصر، أي الشكر لا يفيد إلا صاحبه ولا ينفع الله ولا يفيد إلا صاحبه حصرا أما الله فلا ينفعه شكر ولا تضره معصية ( يا عبادي ، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر ) لذلك قال (فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) جمع بين هاتين الصفتين الجليلتين الحميد أي المحمود على وجه الدوام والثبوت وهو تعالى غني محمود في غناه ـ قد يكون الشخص غنيا غير محمود ـ أو محمودا غير غني ـ أو محمودا وهو ليس غنيا بعد، فإن اغتنى انقلب لأن المال قد يغير الأشخاص وقد يغير النفوس كما أن الفقر قد يغير النفوس ـ وقد يكون الشخص غنيا وغير محمود لأنه لا ينفع في غناه، ولا يؤدي حق الله عليه ولا يفيد الآخرين، بل قد يجر المصالح لنفسه على غناه ـ وقد يكون محمودا غير غني، ولو كان غنيا لما كان محمودا، فإن اجتمع الأمران فكان غنيا محمودا فذلك منتهى الكمال وفي آية أخرى في السورة نفسها قال: " لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (26) نقول: فلان غني أي هو من جملة الأغنياء، وقد يكون ملكا معه أغنياء فإذا قلت هو الغني فكأن الآخرين ليسوا شيئا بالنسبة إلى غناه وهو صاحب الغنى وحده. فلماذا قال ها هنا فإن الله غني حميد وهناك في السورة نفسها هو الغني الحميد؟ نلاحظ أن في هذه الآية لم يذكر له ملكا ولا شيئا وهذا حتى في حياتنا اليومية نستعمله نقول أنا غني عنك كما قال الخليل: أبلغ سليمان أني عنه في جو وفي غنى غير أني لست ذا مال فقد تقول: أنا غني عنك، ولكن ليس بالضرورة أن تكون ذا ثروة ومال فهنا لم يذكر الله سبحانه لنفسه ملكا المعنى أن الله غني عن الشكر وعن الكفر لا ينفعه شكر ولا يضره كفر. أما في الآية الأخرى فقد ذكر له ملكا " لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (26) فعندما ذكر له ملك السموات والأرض المتسع ، فمن أغنى منه؟ فقال (هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) أهمية الحكمة في الوعظ (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ(13)) من هنا بدأت الوصية، فلماذا صدر بقوله: "ولقد آتينا.." وكان يمكن مثلا أن يحذفها؟ الحكمة لها جانبان : جانب قولي وجانب عملي، وحكمة لقمان ليست فيما ذكره من أحاديث وأقوال وما قاله لابنه من الوصية، وإنما أيضا في العمل الذي فعله وهو تعهده لابنه وعدم تركه بلا وعظ أو إرشاد، وفي هذا توجيه للآباء أن يتعهدوا أبناءهم ولا يتركوهم لمعلمي سوء ولا للطرقات. وصدّر بالحكمة وهي ذات جانبين قولي وعملي لأمر آخر مهم، فعندما وصى ابنه فهل من الحكمة أن يوصي ابنه بشيء ويخالفه؟ هذا ليس من الحكمة ولو فعله فلن تنفع وصيته، لو خالف الوعظ عمل الواعظ والموجه لم تنفع الوصية بل لا بد أن يطبق ذلك على نفسه، فعندما قال آتينا لقمان الحكمة علمنا من هذا أن كل ما قاله لقمان لابنه فقد طبقه على نفسه أولا حتى يكون كلامه مؤثرا لذلك كان لهذا التصدير دور مهم في التربية والتوجيه. ففي هذا القول ولقد آتينا لقمان الحكمة عدة دروس مهمة:  الأول فيما قاله من الحكمة،  الثاني في تعهده لابنه وتربيته وتعليمه وعدم تركه لأهل السوء والجهالة يفعلون في نفسه وعقله ما يشاء،  الثالث قبل أن يعظ ابنه طبق ذلك على نفسه فرأى الابن في أبيه كل ما يقوله وينصحه به من خير ، لذلك كان لهذا التصدير ملمح تربوي مهم وهو توجيه الوعاظ والمرشدين والناصحين والآباء أن يبدؤوا بأنفسهم فإن ذلك من الحكمة وإلا سقطت جميع أقوالهم. التعهد بالنصح مع حسن اختيار الوقت (وَهُوَ يَعِظُهُ) نحن نعرف أنه يعظه ويتضح أنه وعظ من خلال الآيات والأوامر وسياق الكلام، فلماذا قال (وَهُوَ يَعِظُهُ) فيها دلالتان: 1. من حيث اللغة: الحال والاستئناس للدلالة على الاستمرار. وهو يعظه اختار الوقت المناسب للوعظ ، ليس كلاما طارئا يفعله هكذا، أو في وقت لا يكون الابن فيه مهيأ للتلقي، ولا يلقيه بغير اهتمام فلا تبلغ الوصية عند ذلك مبلغا لكنه جاء به في وقت مناسب للوعظ فيلقي ونفسه مهيأة لقبول الكلام فهو إذن اختار الوقت المناسب للوعظ والتوجيه 2. والأمر الثاني (وَهُوَ يَعِظُهُ). فهذا من شأن لقمان أن يعظ ابنه، هو لا يتركه، وليست هذه هي المرة الأولى، هو من شأنه ألا يترك ابنه بل يتعاهده دائما، وهكذا ينبغي أن يكون المربي. فكل كلمة فيها توجيه تربوي للمربين والواعظين والناصحين والآباء. الرفق في الموعظة (يا بني) كلمة تصغير للتحبيب، أي ابدأ بالكلام اللين اللطيف الهين للابن وليس بالتعنيف والزجر. بل بحنان ورِقّة لأن الكلمة الطيبة الهينة اللينة تفتح القلوب المقفلة وتلين النفوس العصية، عكس الكلمة الشديدة المنفرة التي تقفل النفوس . لذلك قال ربنا لموسى عن فرعون: "فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى 44" طـه . وأنت أيها الأب إن أجلست ولدك إلى جانبك ووضعت يدك على رأسه وكتفه، وقلت له يا بني ، فتأكد أن هذه الكلمة بل هذه الحركة من المسح تؤثر أضعاف الكلام الذي تقوله ، وتؤثر في نفسه أكثر بكثير من كل كلام تقوله وتزيل أي شيء بينك وبينه من حجاب وتفتح قلبه للقبول. وعندها فهو إن أراد أن يخالفك فهو يخجل أن يخالفك، بهذه الكلمة اللطيفة الشفيقة تزيل ما بينك وبينه من حجاب، ويكون لك كتابا مفتوحا أمامك، وعندها سيقبل كلامك والكلمة الطيبة صدقة . لذلك بدأ بهذه الكلمة مع أنه من الممكن أن يبدأ الأب بالأمر مباشرة ولكن لها أثُرها الذي لا ينكر ولايترك، فأراد ربنا أن يوجهنا إلى الطريقة اللطيفة الصحيحة المنتجة في تربية الأبناء وتوجيههم وإزالة الحجاب بيننا بينهم من دون تعنيف أو قسوة أو شدة، وبذلك تريح نفسه وتزيل كل حجاب بينك وبينه ونحن في حياتنا اليومية نعلم أن كلمة واحدة قد تؤدي إلى أضعاف ما فيها من السوء، وكلمة أخرى تهون الأمور العظيمة وتجعلها يسيرة. ولقد تعلمت درسا في هذه الحياة قلته لابني مرة وقد اشتد في أمر من الأمور في موقف ما، وأنا أتجاوز الستين بكثير، وكان الموقف شديدا جدا، وقد فعل فعلته في جهة ما وخُبّرت بذلك فجئت به ووضعته إلى جنبي وقلت له: يا فلان تعلمت من الحياة درسا أحب أن تتعلمه وهو أنه بالكلمة الشديدة الناهرة ربما لا أستطيع أن أحصل على حقي ولكن تعلمت أنه بالكلمة الهينة اللينة آخذ أكثر من حقي. أس الوصية (يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم((13)) لم يبدأ بالعبادة ولم يقل له اعبد الله وإنما بدأ بالنهي عن الشرك، وذلك لما يلي:  أولا: التوحيد أس الأمور، ولا تقبل عبادة مع الشرك، فالتوحيد أهم شيء.  ثانيا: العبادة تلي التوحيد وعدم الشرك فهي أخص منه. التوحيد تعلمه الصغير والكبير، فالمعتقدات تُتعلم في الصغر وما تعلم في الصغر فمن الصعب فيما بعد أن تجتثه من نفسه ، ولن يترك ما تعلمه حتى لو كان أستاذا جامعيا في أرقى الجامعات، هذا ما شهدناه وعايناه بأنفسنا فهذا الأمر يكون للصغير والكبير ، تعلمه لابنك وهو صغير، ويحتاجه وهو كيبر، أما العبادة فتكون بعد التكليف.  ثالثا : أمر آخر أنه أيسر، فالأمر بعدم الشرك (أي بالتوحيد) هو أيسر من التكليف بالعبادة، العبادة ثقيلة ولذلك نرى كثيرا من الناس موحدين ولكنهم يقصرون بالعبادة، فبدأ بما هو أعم وأيسر؛ أعم لأنه يشمل الصغير والكبير، وأيسر في الأداء والتكليف. ثم قال (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) لماذا اختار الظلم؟ لماذا لم يختر : إثم عظيم، ولماذا لم يقل كبير؟ لو تقدم شخصان إلى وظيفة أحدهما يعلم أمر الوظيفة ودقائقها وأمورها وحدودها، ويعبر عن ذلك بأسلوب واضح سهل بين، والثاني تقدم معه ولكنه لا يعلم شيئا ولا يحسنها وهو فيه عبء، وعنده قصور فهم وإدراك، فإن سوينا بينهما أفليس ذلك ظلما؟ ولو تقدم اثنان للدراسات العليا وأحدهما يعرف الأمور بدقة ويجيب على كل شيء، وله أسلوب فصيح بليغ لطيف، وآخر لا يعلم شيئا ولا يفقه شيئا ولم يجب عن سؤال ولا يحسن أن يبين عن نفسه، فإن سويت بينهما أفليس ذلك ظلما؟ والفرق بين الله وبين المعبود الآخر أكبر بكثير، ليست هناك نسبة بين الخالق والمخلوق، بين مولي النعمة ومن ليس له نعمة، فإن كان ذاك الظلم لا نرضى به في حياتنا اليومية فكيف نرضى فيما هو أعظم منه فهذا إذن ظلم، وهو ظلم عظيم. والإنسان المشرك يحط من قدر نفسه لأن الآلهة التي يعبدها تكون أحط منه، وقصارى الأمر أن تكون مثله، فهو يعبد من هو أدنى منه، أو بمنزلته، فهذا حط وظلم للنفس بالحط من قدرها، إنه ظلم لأنه يورد نفسه موارد التهلكة ويخلدها في النار وهذا ظلم عظيم. وأمر آخر أن الإنسان بطبيعته يكره الظلم، قد يرتضيه لنفسه لكن لا يرضى أن يقع عليه ظلم ، فاختار الأمر الذي تكرهه نفوس البشر (الظلم) وإن كان المرء بنفسه ظالما. وفي هذا القول تعليل، فهو لم يقل له: (لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ) وسكت، وإنما علل له، وهذا توجيه للآباء أن يعللوا لا أن يقتصروا على الأوامر والنواهي بلا تعليل، لا بد من ذكر السبب حتى يفهم لماذا، لا بد أن يعرف حتى يقتنع فهو بهذه النهاية (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) أفادنا أمورا كثيرة في التوجيه والنصح والتعليم والتربية. عظم حق الوالدين (وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ(14)) (ووصينا) من قائلها؟ هذه ليست وصية لقمان، هذا كلام الله ، لقمان لم ينه وصيته، هذه مداخلة، وستتواصل الوصية فيما بعد .قبل أن يتم الوصية قال الله (وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْه)ِ ، ولم يدع لقمان يتم الوصية، بل تدخل سبحانه بهذا الكلام ، وذلك لأسباب:  أولا: أمر الوالدين أمر عظيم، والوصية بهما كذلك، فالله تعالى هو الذي تولى هذا الأمر، ولم يترك لقمان يوصي ابنه به، فلما كان شأن الوالدين عظيما تولى ربنا تعالى أمرهما، لعظم منزلتهما عند الله تعالى.  ثانيا: لو ترك لقمان يوصي ابنه يا بني أطع والديك لكان الأمر مختلفا. لأننا عادة في النصح والتوجيه ننظر للشخص الناصح هل له في هذا النصح نفع؟ فإن نصحك شخص ما فأنت تنظر هل في هذا النصح نفع يعود على الناصح؟ فإن كان فيه نفع يعود على الناصح فأنت تتريث وتفكر وتقول: قد يكون نصحني لأمر في نفسه، قد ينفعه، لو لم ينفعه لم ينصحني هذه النصيحة. لو ترك الله تعالى لقمان يوصي ابنه لكان ممكنا أن يظن الولد أن الوالد ينصحه بهذا لينتفع به، ولكن انتفت المنفعة هنا فالموصي هو الله وليست له فيه مصلحة. وقال: (ووصينا) ، ولم يقل: وأوصينا. والله تعالى يقول (وصّى) بالتشديد إذا كان أمر الوصية شديدا ومهماً، لذلك يستعمل وصى في أمور الدين، وفي الأمور المعنوية: ("وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ 132" البقرة ) ("وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ 131" النساء). أما (أوصى) فيستعملها الله تعالى في الأمور المادية : "يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ" النساء. لم ترد في القرآن أوصى في أمور الدين إلا في مكان واحد اقترنت بالأمور المادية وهو قول السيد المسيح : "وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً 31" مريم. في غير هذه الآية لم ترد أوصى في أمور الدين، أما في هذا الموضع الوحيد فقد اقترنت الصلاة بالأمور المادية وقد قالها السيد المسيح في المهد وهو غير مكلف أصلا. قال وصّى وأسند الوصية إلى ضمير التعظيم (ووصينا) والله تعالى ينسب الأمور إلى نفسه في الأمور المهمة وأمور الخير. ولم يقل بأبويه بل اختار بوالديه: الوالدان مثنى الوالد والوالدة، وهو تغليب للمذكر كعادة العرب في التغليب إذ يغلبون المذكر كالشمس والقمر يقولون عنهما (القمران). والأبوان هما الأب والأم ولكنه أيضا بتغليب المذكر ولو غلب الوالدة لقال الوالدتين، فسواء قال بأبويه أو بوالديه فهو تغليب للمذكر، ولكن لماذا اختار الوالدين ولم يقل الأبوين؟ لو نظرنا إلى الآية لوجدناه يذكر الأم لا الأب: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ) فذكر أولا ا لحمل والفطام من الرضاع (وفصاله) ولم يذكر الأب أصلا ذكر ما يتعلق بالأم (الحمل والفصال) وبينهما الولادة والوالدان من الولادة، والولادة تقوم بها الأم.إذن:  أولا (المناسبة) فعندما ذكر الحمل والفصال ناسب ذكر الولادة.  ثانيا: ذكره بالولادة وهو عاجز ضعيف، ولولا والداه لهلك فذكره به.  ثالثا إشارة إلى انه ينبغي الإحسان إلى الأم أكثر من الأب، ومصاحبة الأم أكثر من الأب، لأن الولادة من شأن الأم وليست من شأن الأب. لذلك فعندما قال (بوالديه) ذكر ما يتعلق في الأصل بالأم، ولذلك فهذه الناحية تقول : ينبغي الإحسان إلى الوالدة قبل الأب وأكثر من الأب. ولذلك لا تجد في القرآن الكريم البر أو الدعاء أو التوصية إلا بذكر الوالدين لا الأبوين أمثلة : "وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً 23" الاسراء. " وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً 36" النساء. " قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً 151" الأنعام . وكذلك البر والدعاء والإحسان. "رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ 41" ابراهيم. " رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً28" نوح. "وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً 8" العنكبوت. " وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً 15" الاحقاف. لم يرد استعمال (الأبوين) إلا مرة في المواريث، حيث نصيب الأب أكثر من نصيب الأم، أو التساوي في الأنصبة. لكن في البر والتوصية والدعاء لم يأت إلا بلفظ الوالدين إلماحا إلى أن نصيب الأم ينبغي أن يكون أكثر من نصيب الأب. كما ان لفظ (الأبوان) قد يأتي للجدين : "وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ 6" يوسف ويأتي لآدم وحواء: "يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ 27" الأعراف فاختيار الوالدين له دلالات مهمة. ثم هو هنا لم يأت بالأب أصلا بل قال ( حملته أمه وهنا ..) ولم يرد ذكر للأب أبدا، لذلك كان اختيار الوالدين انسب من كل ناحية. قد تقول إن هذا الأمر تخلف في قصة سيدنا يوسف عندما قال: "وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً100" يوسف فاختار الأبوين. الجواب: لم يتخلف هذا الأمر، فعندما قال رفع أبويه لم يتخلف وإنما هو على الخط نفسه، وذلك لما يلي:  أولا: في قصة يوسف لم يرد ذكر لأم مطلقا ورد ذكر الأب فهو الحزين وهو الذي ذهب بصره .. الخ ولم يرد ذكر للام أصلا في قصة يوسف.  ثانيا في هذا الاختيار أيضا تكريم للأم لأنه قال: "وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً100" فالعادة أن يكرم الابن أبويه، ليس أن يكرم الأبوان الابن ولكن هنا هم خروا له سجدا فالتكريم هنا حصل بالعكس من الأبوين للابن ولذلك جاء بلفظ الأبوين لا الوالدين إكراما للام فلم يقل: ورفع والديه.  وفيها إلماح آخر أن العرش ينبغي أن يكون للرجال. فلما قال أبويه هنا ففيه تكريم للأم، ويلمح أن لعرش ينبغي أن يكون للرجال ، ويناسب ما ذكر عن الأب إذ القصة كلها مع الأب، فهو الأنسب من كل ناحية. وهنا قد يرد سؤال: إن الأم هي التي تتأثر وتتألم أكثر وتحزن فلماذا لم يرد ذكرها هنا؟ ألم تكن بمنزلة أبيه في اللوعة والحسرة؟ لا .. المسألة أمر آخر، أم يوسف ليست أم بقية الإخوة، هي أم يوسف وأخيه فقط، ولذلك فيكون كلامها حساسا مع إخوته، أما يعقوب عليه السلام فهو أبوهم جميعا، فإذا عاتبهم أو كلمهم فهو أبوهم، أما الأم فليست أمهم، فإذا تكلمت ففي الأمر حساسية، وهذا من حسن تقديرها للأمور فكتمت ما في نفسها وأخفت لوعتها حتى لا تثير هذه الحساسية في نفوسهم وهذا من حسن التقدير والأدب، فلننظر كيف يختار القرآن التعبيرات في مكانها ويعلمنا كيف نربي ونتكلم مع أبنائنا. {نظرا لانتهاء الوقت المخصص للمحاضرة فقد اضطر العالم الفاضل الأستاذ فاضل السامرائي للوقوف عند هذا الحد}. الوقفة كاملة
١٨٤٦ .(وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12)) *لماذا قال نشكر لله؟ *ما هي الحكمة أولاً؟ الحكمة هي وضع الشيء في محله في القول والعمل، إحسان القول والعمل وتوفيق القول بالعمل إذن الحكمة لها جانبين قولي وعملي فمن أحسن القول ولم يحسن العمل فليس بحكيم. نلاحظ ربنا سبحانه وتعالى أسند إيتاء الحكمة إلى نفسه (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ) وذلك لأن الله تعالى يسند أفعال الخير لنفسه والحكمة لا يسندها قطعاً إلى غير الله سبحانه وتعالى. حتى لما قال ومن يؤتى الحكمة قال قبلها (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا (269) البقرة) أسند إيتاء الحكمة لنفسه كما هو المعتاد في أفعال الخير. يبقى السؤال لماذا قال أن اشكر لله ولم يقل فاشكر؟ ما معنى أن اشكر لله؟ هناك فرق بين أن اشكر لله وفاشكر لله؟ ينبغي أن نعرف الفرق بين التعبيرين حتى نفهم لماذا قال أن اشكر ولم يقل فاشكر. قسم يقول (أن) تفسيرية، أن التفسيرية يسبقها ما فيه معنى القول دون حروفه أي دون حروف القول (ق، و، ل) مثل أوصى وأوحى يسبقها معنى القول أوصيناه أن افعل، لما تقول قال تصير مقول القول. (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ (131) النساء) هذه تفسيرية تفسر ما سبق، ما هي الوصية التي فسرها؟ (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ (7) القصص) ما هو الوحي؟ فهي تفسر الوحي الذي أوحاه. الأكثرون يذهبون إلى أنها تفسيرية (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ) ماذا آتاه؟ أن اشكر لله؟ لذلك قالوا هل هي الحكمة أو هي من الحكمة ولذلك قسم ذهب إلى أنها ليست تفسيرية وإنما هي وأوصيناه أن اشكر لله يعني هناك معطوف محذوف، أن اشكر لله في تقديره لمحذوف أتيناه وأوصيناه. هذا التعبير (أن اشكر) يفيد ثلاث معاني أنه آتاه الحكمة وأوصاه بالشكر وآتينا لقمان الحكمة يعني طلب منه الشكر يعني آتاك الله الحكمة فاشكر على ما آتاك، آتاك الحكمة فاشكره لأن الحكمة من النِعَم فاشكره وإن من الحكمة أن تشكر ربك ليزيد الخير (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ (7) إبراهيم). هو يشكر الله على أن آتاه الحكمة والشكر حكمة في حد ذاتها. لما قال (أن اشكر لله) تجمع ثلاث معاني أولاً أن أوصاه بالشكر والآخر لقد آتاك الحكمة فاشكر لله على ما آتاك من نعمة لأن الحكمة نعمة تستحق الشكر ومن الحكمة أن تشكر ربك. لو قال فاشكر ليس لها إلا معنى واحد يشكر على إيتائه الحكمة بينما هذه إن من الحكمة أن تشكر ربك، هذا معنى آخر جديد إن من الحكمة أن تشكر ربك لأنه لئن شكرتم لأزيدنكم إذن إن من الحكمة أن تشكر ربك حتى تستزيد من الخير في الدنيا والآخرة، إذن إن من الحكمة أن تشكر ربك وقال آتاك الله الحكمة فاشكره على هذه النعمة وهذا معنى آخر، والأمر الآخر آتيناه الحكمة وأوصيناه بالشكر هذا كله في قوله تعالى (أن اشكر لله) لو قال فاشكر لله لا تعطي هذه المعاني وفيها ضعف، لو قال (ولقد آتينا لقمان الحكمة فاشكر لله) من الذي يشكر؟ المخاكب، هو لا يخاطب لقمان وإنما يتكلم عن لقمان بضمير الغائب ليس بضمير المخاطب فيصبح الفعل فاشكر فعل أمر للمخاطب، لم يؤتك شيئاً فتشكره على أمر لم يؤتيك إياه وإنما أعطاه شخصاً آخر؟. إذن من كل النواحي التعبيرية (أن اشكر) وليس فاشكر. ثم يأتي (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ) شكر لفلان أو شكر فلاناً هل هو متعدي أو لازم؟ للشخص في القرآن يكون متعدياً (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) لقمان)، العمل تعدية شكرت لفلان صنيعه للعمل يكون مفعول به، وللشخص يتعدى باللام شكرت لفلان صنيعه، شكرت لله نعمته أو شكرت لفلان، لو شكرته على الفعل تقول شكرت عطاءك متعدياً بذاته أصل الفعل الذي تشكره بسببه يكون متعدياً بذاته وإذا كان الشكر للمنعم يتعدى باللام. لم يقل أن اشكر لنا لأنه أراد أن يبين من المتكلم. (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ) يريد أن يبين من هو الذي آتاه الحكمة فذكره باسمه الصريح فقال (أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ) هذا أمر والأمر الآخر أنه تعالى لم يذكر ضمير الجمع في موطن من المواطن في القرآن الكريم إلا إذا كان قبله أو بعده ما يدل على الإفراد لئلا يتوهم الشرك أصلاً ويزيل أي شائبة من شوائب الشرك حتى لا يتصور أنه إذا قال آتينا يكون أكثر من إله لم يرد في القرآن موطن واحد في ضمير الجمع لله إلا سبقه أو كان بعده ما يذكر على أنه واحد (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) لقمان) (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4) القدر) . *الشكر جاء في الآية بصيغة المضارع بينما الكفر جاء بصيغة الماضي فهل لذلك من لمسة بيانية؟ قال تعالى (وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) السؤال هو لماذا قال ومن يشكر بالمضارع ثم ومن كفر بالماضي؟ هو الشكر يتكرر وينبغي أن يتكرر لأن كل نعمة تمر بك لا بد أن تشكرها ينبغي أن تشكرها. إذن الشكر يتكرر بينما الكفر ليس كذلك يمكن للإنسان أن يكفر ويبقى على كفره ولا يضطر لأن يكفر ويكفر، يكفي أن يكفر في المعتقد أو في شيء أما الشكر فيتكرر. في حلقة سابقة ذكرنا أنه إذا ورد فعل الشرط مضارعاً فهو مظنّة التكرار وإذا ورد ماضياً فهو ليس مظنة التكرار وضربنا أمثلة من جملتها (وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا (92) وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا (93)) فرقنا بين المتعمد والخطأ (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا (19) الإسراء) (وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا (145) آل عمران) الفرق بين الثواب وإرادة الآخرة (وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ (19) الأنفال) (عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا (8) الإسراء)، (قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي (76) الكهف)، (إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (37) محمد) وذكرنا في حينها دلالة أن ورود الفعل المضارع بعد أداة الشرط مظنة التكرار ووروده ماضياً ليس مظنة التكرار. وهنا ورد مضارعاً بعد أداة الشرط (من) إسم شرط وجوابه فإنما يشكر لنفسه، فهو مظنة التكرار وينبغي أن يتكرر لأن الشكر ينبغي أن يتكرر لأن النِعم متكررة لا تنقطع بينما الكفر ينبغي أن يُقطع أصلاً ولذلك جاء به بالفعل الماضي فخالف بين الفعلين، المضارع فيه تجدد واستمرار في الغالب أما الماضي فانقطع في الأصل وإن كان النحاة يرون أن الماضي إذا وقع في فعل الشرط يدل على الاستقبال. *في سورة الروم قال (مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44)) فإذا قارنا بين هذه الآية وآية سورة لقمان فما اللمسة البيانية بين الآيتين؟ هناك أكثر من اختلاف بين الآيتين. نلاحظ أنه في آية الروم قدّم الكفر وأخّر العمل (مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44)) ثم نلاحظ أنه ليس هذا فقط وإنما ذكر عاقبة كلٍ من الفريقين في آية الروم بينما في لقمان ذكر فقط عاقبة الشكر ولم يذكر عاقبة الكفر (وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) بينما في آية الروم ذكر عاقبة الإثنين (مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44)) ذكر عاقبة الكفر (فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ) وعاقبة الإيمان والعمل الصالح (فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ). أما في لقمان فذكر عاقبة الشكر (وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ) يستفيد هو لأن عاقبة الشكر يعود عليه نفعها أما في الكفر لم يذكر شيئاً وما قال يعود عليه كفره. بينما في الروم فقال (فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ) ذكر العاقبة، هناك لم يذكر. إذن صار الخلاف أيضاً من ناحية الجزاء ذكر في لقمان ذكر جزاء الشاكر ولم يذكر جزاء الكافر وفي الروم ذكر جزاء الإثنين الكافر والعمل الصالح. وفي الروم ذكر الفعلين بالماضي (مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44)). حتى المقابلة في لقمان قال (وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) الكفران بمقابل الشكر بينما في الروم قال (مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ) اختلفت. فهي إذن ليست مسألة واحدة بين الآيتين وإنما أكثر من وجه للإختلاف بينهم والسياق هو الذي يحدد الأمر. *لماذا قدّم الكفر على العمل الصالح في آية سورة الروم؟ ذكرنا أن التقديم والتأخير هو بحسب السياق وهو الذي يحدد هذا الأمر. السياق في الروم هو في ذِكر الكافرين ومآلهم (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (42) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44)) إذن السياق في ذِكر الكافرين فقدّمهم وقال (مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ). في لقمان قال (أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ) بدأ بالشكر فلما تقدم الشكر (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِِ) بدأ بالشكر قال (وَمَن يَشْكُرْ) التقديم والتأخير كله بحسب المناسبة لذلك نلاحظ يقدّم الكلمة في موطن ويؤخّرها في موطن آخر بحسب السياق الذي ترد فيه. *في الأفعال في سورة لقمان (وَمَن يَشْكُرْ) بين مضارع وماضي بينما في الروم بصيغة الماضي (مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44)) فلِمَ التنوع في الصيغة الزمنية في الفعل؟ آية لقمان فيمن هو في الدنيا (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12)) هذه كلها في الدنيا، آية الروم في الآخرة (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44)) يومئذ يصدعون ومن كفر بعد هذا اليوم أي يوم القيامة ليس هنالك عمل انتهى، ذهب وسيأتي ما قدّم عاقبة من كفر ومن عمل. أما في آية لقمان في الدنيا قال (وَمَن يَشْكُرْ) هو يمكن أن يشكر طالما هو في الدنيا. لكن آية الروم وقعت بعد قوله (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44)) انتهى هذا ليس هنالك عمل، انقطع العمل. في الروم يتحدث باعتبار ما كان وما مضى أما في لقمان فيتحدث في الدنيا ولهذا جاءت (يشكر) في لقمان بالمضارع. الكفر ينبغي أن يُقطع وليس مظنّة التكرار والكفر ليس كالشكر لأن الشكر يتكرر. ذكر عاقبة الكفر في الروم (مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ) ولم يذكر عاقبة الكفر في لقمان. السبب أنه ذكر عاقبة الكفر في الدنيا وعاقبة ذلك في الآخرة وقبلها قال (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (42)) هذا من عقوبات الكفر وذكر العاقبة فناسب ذكر العاقبة أيضاً في الكفر فلما ذكر عاقبتهم في الدنيا ناسب أن يذكر عاقبتهم في الآخرة. في لقمان لم يذكر ولم يرد هذا الشيء وذكر فقط الشكر ولذلك ذكر عاقبة الكفر والعمل في آية سورة الروم لأن هذا وقت حساب. *ذكر في لقمان بمقابل الكفر الشكر (وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) بينما في الروم ذكر الكفر والعمل فاختلف.لماذا؟ الكفر لغةً له دلالتان: الكفر بما يقابل الشكر (وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ (152) البقرة) (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) الإنسان) (فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ (94) الأنبياء) إذن شكر يقابلها كفر وكفر النعمة أي جحدها. الكفر هو الستر في الدلالة العامة لما تأتي إلى التفصيل شكر يقابلها كفر، شكر النعمة يقابلها كفر النعمة، كفر بالنعمة أي جحد بها وعندنا الإيمان أيضاً يقابله الكفر وهذه دلالة أخرى. إذن كلمة كفر إما تكون مقابل الشكر وإما تكون مقابل الإيمان. إذا كان الأمر متصلاً بالنعمة فهي مقابلة للشكر وإذا كانت متصلة بالعقيدة أو عدم الإيمان فمقابلها الإيمان. العمل يأتي من متممات الإيمان آمن بالقلب وصدّقه العمل "الإيمان ما وقر في القلب وصدّقه العمل"، لذلك هو السؤال المقابلة تختلف في لقمان مقابل الكفر الشكر (وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) في الروم مقابل الكفر الإيمان والعمل لأنه لما ذكر الشكر (أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ) مقابل الشكر الكفر (وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ). الآن في الروم ذكر الكافرين والمشركين قبلها قال (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (42)) مقابل هؤلاء مؤمنين (مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (45)) فإذن قابل في لقمان الشكر بالكفر وهو يتحدث عن النِعم. أما في الروم يتحدث عن العقيدة (كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ) حتى مقصود الآية يؤدي إلى تغيّر الألفاظ وتغيّر دلالتها. في الروم (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (42) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (45)) كل واحدة بمقابلها. لما ذكر الكفر مقابل الشكر ذكر الكفر بما يقابل ذلك. لما ذكر الشكر في لقمان ذكر الكفر بما يقابل ذلك فقابل الكفر في الروم بالإيمان والعمل الصالح وقابله في لقمان بالشكر. لا نستطيع أن نفهم آية من آي القرآن الكريم إلا من خلال السياق العام الذي تتحدث عنه الآية لذلك يقولون السياق هو أعظم القرائن. قال (فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ) جاء بـ (إنما) للدلالة على الحصر لأنها تفيد الحصر، سيشكر لنفسه حصراً لأنه هو الذي سيستفيد ألأن الله تعالى لا يستفيد من شكر الشاكرين ولا يضره كفر الكافرين (فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ) لأن الشكر ينفع صاحبه في الدنيا والآخرة (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ (7) إبراهيم) وهذه الزيادة تكون في الدنيا والآخرة إذن هي مآلها إليه الشاكر يعود شكره عليه (فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ) (إنما) أداة حصر، حصراً ويسميها النُحاة كافّة مكفوفة. *في لقمان قال (فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) ما دلالة الجمع بين غني وحميد؟ وما دلالة حميد في اللغة؟ الحميد هو ابتداءً الذي يستحق الحمد على الدوام. (غني حميد) من ألطف الجمع في الدنيا لأن الشخص عموماً حتى في حياتنا الدنيا قد يكون غنياً غير محمود، غنياً لا يُحمد في غناه قد يكون بخيلاً ومحمود غير غني. فإذا اجتمع أنه غني وحميد في آن واحد فهذا من الكمال أن يكون غنياً وحميداً لأنه لاحظنا أناساً نعرفهم لم يكونوا أغنياء لكنهم كانوا محمودي السيرة وكانوا يُمدحون فلما اغتنوا تغيّرت طباعهم فربنا جمع بين الغنى وأنه محمود على الدوام. هو محمود وحميد لكن هناك فرق بين الصيغتين: حميد فعيل بمعنى مفعول على الأرجح مثل جريح وقتيل وكسير وأسير. لكن ما الفرق بين هاتين الصيغتين محمود وحميد؟ عندنا قاعدة أن فعيل أبلغ من مفعول. حميد ومحمود هذه إسم مفعول وليست صيغة مبالغة، حميد إسم مفعول أي الذي يُحمد كثيراً على الدوام وإن يقول البعض أنه قد تكون بمعنى حامد والأرجح في كتب اللغة أن حميد أي محمود الذي يُحمد على نِعَمه. إذن كلاهما إسم مفعول، قتيل ومقتول كلاهما إسم مفعول، جريح ومجروح كلاهما إسم مفعول. بين فعيل ومفعول فعيل أبلغ من مفعول عموماً يعني كأنما الوصف أصبح في صاحبه ملازماً له خِلقة. هناك فرق بين كفّ مخضوب (بالحنّاء) قد يكون مرة وقد يكون ليس من عادته أن يخضب كفّه بينما كفّ خضيب مستمر، فيه إستمرار. طرف كحيل وطرف مكحول يقال أين الطرف الكحيل من المكحول؟ الطرف المكحول قد يكون كُحل مرة في الأسبوع أو الشهر أما كحيل فهو يستمر صاحبه على كحله كأنه خِلقة، وطرف أكحل هذا خِلقة. إذن كحيل كأنه خِلقة من الكثرة والدوام. ثم (مفعول) تحتمل الحال والاستقبال لما تقول أراك مقتولاً هذا اليوم وبعده لم يُقتل، وكما قال تعالى (وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا (102) الإسراء) لم يقع بعد هذا ولما قال عبد الله بن الزبير: إعلمي يا أماه أني مقتول من يومي هذا. صيغة مفعول تقال لما حصل أو لما لم يحصل في المستقبل عندما تقول هو مقتول قد يكون هو فعلاً مقتول وقد يكون ليس مقتولاً لكن سيقتل لكن فعيل لا يمكن إلا أن يكون قد قتل بالفعل، لا يمكن أن تقول لمن سيقتل قتيل ولا تقال إلا لمن وقع عليه الفعل حقاً. أما (مفعول) فليس بالضرورة وتقال لما وقع أو لما سيقع. ثم فعيل أبلغ في كيفية الحدث، يقولون لا تقولوا لمن جُرِح في أُنملته جريح وإنما مجروح. فعيل يقال على وجه الإتساع والشمول ولما هو أبلغ. جريح يعني جرح بالغ، مجروح يقال للجرح البسيط أو البليغ وهو عام أما جريح (فعيل) فلا تقال إلا للوصف البليغ، جريح لا تقال إلا للمثخن بالجراح على وجه المبالغة والشمول والإتساع ولمن وقع عليه، مجروح لا تقال، إذن ربنا غني حميد. *ورد في سورة إبراهيم (وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (8)) وفي لقمان في مكان آخر قال (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (26)) وهنا قال (فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) فكيف نفهم الفروق البيانية الدلالية الموجودة بين الثلاث الآيات ونظهر اللمسات البيانية فيها؟ ربنا سبحانه وتعالى قال في سورة إبراهيم على لسان موسى (وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ)، في لقمان قال (وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) فأكد في سورة إبراهيم فقال (فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ) أكد بإنّ واللام في (إن الله لغني)، في لقمان أكد بإنّ وحدها وقال (فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) في إبراهيم زاد اللام وفي لقمان التوكيد فقط بإنّ. وقلنا أن السياق هو الذي يوضح هذا الأمر. لو نقرأ الآية في لقمان (وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) إذن قسّم العباد إلى قسمين قسم شاكر وقسم كافر، من يشكر ومن كفر إذن قسم العباد إلى قمسين. في إبراهيم إفترض كفر أهل الأرض جميعاً ولم يقسمهم إلى قسمين (إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا) إذن في لقمان افترض العباد قسمين وفي إبراهيم افترض كفر أهل الأرض جميعاً فنلاحظ الإختلاف بين التعبيرين في ثلاثة أمور: أولاً في لقمان جرى على التبعيض (بعضهم مؤمن وبعضهم كافر باعتبار من يشكر ومن كفر) بينما في إبراهيم على الشمول شملهم كلهم ولم يستثني أحداً. ونلاحظ في لقمان قال (ومن كفر) بالماضي، في إبراهيم قال (إن تكفروا) بالمضارع، في لقمان فعل الشرط ماضي (ومن كفر) وفي إبراهيم فعل الشرط مضارع (إن تكفروا) والفرق واضح لأنه ذكرنا في حلقة ماضية أنه إذا كان فعل الشرط ماضياً إفتراض وقوع الحدث مرة وإن كان مضارعاً افتراض تكرر الحدث فهنا قال (إن تكفروا) يعني إذا داومتم واستمررتم على الكفر دلالة على تكرر الكفر وتجدده (إن تكفروا) يعني تستمرون على الكفر وتداوموا عليه وفي لقمان قال ومن كفر. ثم قال (جميعاً) جاء بالحال المؤكدة. إذن إفتراض كفر أهل الأرض بلا استثناء لم يجعلهم قمسمين ثم افتراض الكفر مستمر ثم أكد ذلك بـ (جميعاً) فاقتضى ذلك زيادة التأكيد في إبراهيم (فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ) الله تعالى لا يحتاج إلى غني لما ذكر هذه الأمور افتراض ليكفر أهل الأرض جميعاً وليداموا على الكفر جميعاً هذه كلها مؤكدات. ربنا تعالى لم يؤكد غني في لقمان لأن الناس فئتان ولما كان الناس على ملة واحدة أكّد لأنه تعالى لا يحتاج إليهم حتى لو كانوا كلهم كفار ويداومون ويستمرون على ذلك. فائدة التأكيد هنا فائدة بلاغية أن الله تعالى غني عن العباد كلهم لو كفروا كلهم جميعاً واستمروا ربنا غني عنهم، تأكيد الغنى. *هل نفهم أنه – والعياذ بالله - في لقمان ليس غنياً بدرجة غناه في سورة إبراهيم؟ هو التأكيد ليس معنى ذلك لكن الموقف يحتاج لهذا الشيء فالله تعالى يقول عن نفسه عالم ومرة يقول عليم ومرة يقول والله غفور رحيم، إن ربك لغفور رحيم، حسب ما يقتضي السياق وهو سبحانه وتعالى غني عن العباد في جميع الأحوال. في لقمان أيضاً قال تعالى (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (26)) جاء بضمير الفصل (هو) وعرّف الغني. ضمير الفصل يقع بين المبتدأ والخبر وأصله مبتدأ وخبر بين إسم إنّ وخبرها، بين إسم كان وخبرها، بين مفعولين، ظنّ وأخواتها يفيد التوكيد ويفيد الحصر أحياناً فقوله إن الله هو الغني الحميد يعني ليس في الحقيقة غنيّ سواه. لمّا قال (وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) لم يذكر له مُلك بينما في تلك الآية ذكر له ملك (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) والمعروف أن الغني في كل العالم هو الذي يملك. في الآية الأولى لم يذكر الملك قال (وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ) كأنه يقول أنا غنيّ عنك وعن شكرك كما إذا قلت لأحد أعطني لأمدحك يقول لك أنا غني عن ذلك، ليس بالضرورة أن تكون مالكاً وحتى في حينها استشهدنا بقول الخليل لما أرسل له أمير الأهواز بِغالاً محمّلة وطلب منه أن يأتي إليه فقال الخليل: أبلغ سليمان أني عنه في جِدَةٍ وفي غنى غير أني لست ذا مال ربنا لم يذكر في آية لقمان الأولى أن له ملك والآية الأخرى ذكر له ملك ولا شك أن الذي يملك هو الغني لأنه (فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) يعني ذكر أنه غني والغنى درجات والناس يتفاوتون في الغنى وعندما تقول فلان غني يعني هو أحد الأإنياء وقد يكون هناك أغنياء آخرون وقد يكون هناك من هو أغنى منه، هو أحد الأغنياء. لكن هو الغني أي لا أحد سواه. فلما ذكر (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) لم يبق شيء للآخرين، فهو في الحقيقة هو الغني وحده فكل تعبير في مكانه أنسب وأيّ واحد عنده شيء من البلاغة يضع كل تعبير في مكانه كما هو في القرآن ولا يصح أن يضع هو الغني الحميد في مكان ليس فيه ملك وإنما كل كلمة في مكانها المناسب. الوقفة كاملة
١٨٤٧ (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (15)) فكرة عامة عن الآية: جاهداك أي بذلا جهدهما على أن تشرك بالله، إذا بذلا جهدهما وحاولا على أن تشرك بالله فلا تطعهما. ثم قال (بي) مقام توحيد هذا لأن هذا موطن التوحيد نفي الشك والقرآن لا يستعمل في مثل هذا إلا مقام الإفراد. في مقام التوحيد ونفي الشرك لا يستعمل إلا ضمير المفرد (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا (15) طه) في القرآن كله في كل مواطن التوحيد يذكر ضمير الإفراد، قال (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي) (مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) أبطل الشك من جميع نواحيه وأقسامه. المعلومات على قسمين إما أن يعلم الإنسان أن هذا لا يصلح أن يكون شريكاً لله إما أن يعلم أو لا يعلم. كل ما في الوجود الإنسان أحد أمرين إما أن يعلم أن هذا يكون شريكاً أو لا يكون فإن علِم أنه لا يصح أن يكون شريكاً يكون علِم بقي النفي عما لا يعلم.. كل ما في الوجود بالنسبة للإنسان أحد أمرين إما يعلم أو لا يعلم، إما أن يعلم أن هذا لا يصلح أن يكون شريكاً لله أو لا يعلم بذلك. الذي لا يعلم يعلمه وبقي الذي لا يعلم فقال (مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) تعود على الذي يريد أن يشركه بالله وهو لا يعلم. إذا كنت تعلم أن هذا ليس لا يصلح فأنت تعلم بقي الذي لا يعلم (فلا تطعهما) الذي حصل أنه نهاه عن كل الشرك وكل أقسامه ما علِم وما لم يعلم. إذا نفى ما ليس له به علم فالمنطق أن يكون نفى الذي له به علم لأنه يعرفه. (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (ما) هنا مفعول به للفعل تشرك، الذي تعرفه إشراك، الذي تعرفه أنه لا يصلح فأنت تعرفه. إن جاهداك على الشرك فلا تطعهما. (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) الدنيا يحملها المفسرون على أمرين إما في الحياة الدنيا لأن هذه المصاحبة ستنتهي ستكون في الدنيا ثم ستنتهس ويفترقان في الآخرة وإنما المصاحبة في أمور الدنيا لا في أمور الدين يعني أمور الدين لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. في أمور الدين لا تطعهما بينما في أمور الدنيا قد تطيعهما، صاحبهما في أمور الدنيا لا في أمور الدين. إما في الحياة الدنيا أي ما داما على قيد الحياة فصاحبهما معروفا إلى أن يقضي الله بينهما وتفترقا المقصود تصاحبهما في أمور الدنيا ولا يعارض ذلك الدين أما إذا الأمر تعلق بالدين فلا تطعهما. إذن هي صاحبهما في الدنيا معروفاً لها حالتين: في الدنيا كلها أو في أمور الدنيا. *حينما يتحدث الله تعالى عن العلاقة بين الأفراد والمعاشرات يقول (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ (2) الطلاق) وهنا قال (معروفاً) لم يقل بمعروف فلماذا؟ هذا التعبير تدل على عظيم منزلة الأبوين عند الله يعني تصاحبهما في الدنيا مصاحبة هي المعروف بعينه. صحاباً معروفاً يعني ليست مصاحبة للمعروف. لو قال صاحبهما بمعروف يعني أن تكون المصاحبة مع المعروف والباء للإلصاق أو قد تكون للمعية أي مصاحبة للمعروف وليست هي المعروف كله وإنما مصاحبة للمعروف لما قال تعالى (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ (231) البقرة) مصاحبة الزوج للزوجة تختلف فأنت تستطيع أن تنهر زوجتك أو ترفع صوتك عليها أو تعضلها أو تضربها أما مع الأبوين فلا يمكن أن يحصل شيء من هذا. قد تصاحب المرأة بمعروف لكن مع هذه المصاحبة بالمعروف قد تنهرها وتزجرها وتؤدبها لكن لا يمكن أن يكون هذا مع الوالدين. إذن هذه معروف وليست بمعروف، صاحبهما مصاحبة هي المعروف بعينه. (معروفاً) تُعرَب مفعولاً مطلق، هو في الأصل وصف للمصدر صِحاباً معروفاً، صاحب فاعل مصدر فاعل فعال ومفاعلة مثل قاتل القتال والمقاتلة، جاهد الجهاد والمجاهدة. *في سورة العنكبوت قال تعالى (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (8)) وفي الأحقاف (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا (15)) ولكن هنا قال (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) فما اللمسة البيانية في اختيار حُسناً وإحساناً؟ ذكر ربنا سبحانه وتعالى في سورة لقمان قال (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) لم يرد مثل هذا التعبير في آيتي العنكبوت أو في الأحقاف لم يقل وصاحبهما في الدنيا معروفا وإنما ورد التعبير بأسلوب وتعبير آخر. في العنكبوت قال (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) وفي الأحقاف قال (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا) في لقمان قال (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ) ما قال لا حُسناً ولا إحساناً ولكن ذكر المصاحبة بدل الحسن والإحسان ذكر المصاحبة (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) لم يذكر المصاحبة في آيتي العنكبوت والأحقاف وكل تعبير هو في مكانه أنسب ومناسب للسياق. هو قوله (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) لا شك هو أنسب مع السياق لأن السياق في المصاحبات مصاحبة الأبن لابنه وكيف وجهه وكيف ينبغي أن يصاحب الإبن لأبويه وعلّمه مصاحبة الآخرين في المجتمع أن لا يصعِّر خدّه وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر هذه كلها في المصاحبات، فالسياق في لقمان في آداب المصاحبات الأب مع ابنه ينبغي أن يوجهه ويعلمه وأن لا يتركه والإبن مع والديه كيف ينبغي أن يتعامل ثم الشخص مع عموم المجتمع كيف ينبغي أن يتعامل في المجتمع مع الآخرين لم يرد مثل هذا السياق لا في الأحقاف ولا في العنكبوت. إذن (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) هو أنسب مع سياق المصاحبة. لماذا قال حسنا وإحساناً؟ في لقمان ذكر أن افتراض أبويه يجاهدانه على أن يشرك بالله (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا) إذن إفتراض أن أبويه يجاهدانه على الشرك بالله فطلب المصاحبة بالمعروف. في العنكبوت أيضاً قال (وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فلا تطعهما) فلماذا قال حسناً في آية العنكبوت؟ مثلما قال في لقمان (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا) في العنكبوت قال أيضاً (وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فلا تطعهما) فما الفرق؟ المجاهدة في لقمان أشد على الشرك (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي) وفي العنكبوت قال (وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي) وجاهداك على أن تشرك بي أشد حملاً على المجاهدة وأقوى من جاهداك لتشرك (اللام للتعليل) و(على) فيها معنى الحمل والشدة. مثال: لما تقول أنفقتُ عليه لينجح وأنفقتُ عليه على أن ينجح (هذا شرط الإنفاق) وأما الأولى (لينجح هذه لام التعليل)، زوّجتك ابنتي لتعينني (هذه لام التعليل) وزوّجتك ابنتي على أن تعينني (هذا شرط) فيه إشتراط، (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ (27) القصص) هذا شرط وفيها إشتراط. فإذن (على أن تشرك بي) المجاهدة فيها أشد من (لتشرك بي). مع الشدة الأقل قال (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) ومع الشدة الأكثر قال (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) وفي العنكبوت لم يقل صاحبهما في الدنيا معروفا، إذن قال (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) هذا مع الجهاد الشديد ولم يقل حسناً. السياق في المصاحبات قال (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) وفي العنكبوت ليس السياق في المصاحبات فقط الوصية والمجاهدة أقل ولهذا حدد الوصية بـ(حسنا). في لقمان قال (بوالديه) هذا معناه العموم والإطلاق. فلما كان في العنكبوت الجهاد أقل قال حُسناً لكن لم يذكر المصاحبة بالمعروف وفي الجهاد الأشد قال (بوالديه) لم يذكر حُسناً وإنما ذكر المصاحبة بالمعروف في سورة لقمان. في لقمان ما ذكر حُسناً ولا إحساناً ولكن ذكر المصاحبة بالمعروف مع الجهاج بشدة ومع الجهاد الأقل في العنكبوت قال (حُسناً) ولم يذكر المصاحبة لأن السياق في العنكبوت في الحسن من الأعمال. في العنكبوت قال (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) وفي الأحقاف قال (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا) حتى التعبير (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) كيف قال وصاحبهما في الدنيا معروفا ولم يقل بمعروف لأنه أراد أن المصاحبة هي المعروف بعينه وهنا لما قال (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) يعني الوصية هي الحُسن بعينه لم يقل بالحُسن ولم يقل وصيناه بشيء حسن وإنما جاء بالمصدر (حُسناً). الإتيان بالمصدر له دلالة بيانية أن الوصف أو الإتيان أو الإخبار أو الحال بالمصدر يدل على المبالغة لذلك ليست عندهم قياس (وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ (18) يوسف) كذب مصدر أي هو الكذب بعينه. ومحتمل في غير القرآن أن يقال بدم كاذب أو بالكذب كما يقال هذا رجل زور وهذا رجل صوم وهذا رجل عدل، تقول هذا رجل صائم أي قد يكون صام يوماً أما لو قلنا هذا رجل صوم لا تقال إلا إذا كان الصوم عادة طاغية ظاهرة عنده وهذا يستعمل للمفرد والمثنى والجمع والمذكر والجمع لفظاً واحداً لأنه مصدر يقال رجال صوم ونساء صوم ورجل صوم وامرأة صوم. المصدر (ووصفوا بمصدرٍ كثيراً فالتزموا الإفراد والتذكيرا). هذا من المبالغة يعني المعاملة في الوصية هي الحُسن بعينه (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) ليس فيها حُسن وليست حسنة جيدة وإنما هي الحُسن بعينه. يبقى السؤال لماذا قال حسناً وإحساناً وكلاهما مصدر؟ يجوز للكلمة أن يكون لها أكثر من مصدر (حُسناً مصدر حَسُن من الفعل الثلاثي وإحساناً مصدر أحسن، أفعل إفعال هذا قياس مثل أكرم إكرام، أعظم إعظام، أجبر إجبار، أكره إكراه) هذان مصدران مختلفان لفعلين مختلفين. حسُن فعل لازم حسُن الشيء في نفسه حًسناً، إحسان أن يتعدى خيره للآخرين أحسنت إليه إحساناً (وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ (77) القصص) فرق بين أحسنت إليه وبين عاملته حُسناً، عاملته حُسناً أي المعاملة أو اللقاء كان حسناً لكن لم تفعل له شيئاً أما الإحسان فيتعدى خيره للآخرين أحسنت إليه أي قدمت له معروفاً قدمت له خيراً. ووصينا الإنسان بوالديه حسناً أي عاملهما حسناً أما إحساناً أن تقدم لهما الخير إذن إحساناً أقوى من حُسناً. يبقى لماذا استعمل كل واحدة في مكانها؟ آية العنكبوت (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) هذه الآية (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) الأحقاف) نلاحظ في هذه الآية حملته كُرهاً ووضعته كُرهاً ولم يقل هذا في العنكبوت ولم يقل هذا في لقمان (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ) وإنما ذكر الحمل دون الوضع أما هنا فذكر الحمل والوضع وكلاهما كُره فأيهما أشدّ على المرأة؟ قد تحمل شيئاً كرهاً وتضعه بيُسر إذن ذكر في الأحقاف أمرين الحمل والوضع وكلاهما كره ومشقة. هذا فيه مشقة في الحمل والوضع ولم يذكر الحمل أصلاً في العنكبوت وفي لقمان ذكر الحمل ولم يذكر الوضع وقال (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ) لم يذكر آلام الوضع ولا مشقة الوضع لكن ذكر جزءاً من آلام الحمل. في لقمان ذكر الحمل وحده وقال (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ)، في الأحقاف ذكر الحمل والوضع وكلاهما كُره وفي العنكبوت لم يذكر الحمل والوضع، إذن أيهما يستحق الإحسان؟ الأحقاف. هذا أمر والأمر الآخر أنه في الأحقاف الوالدان مؤمنان (قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ) هذان الأبوان مؤمنان وبعدها قال (وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (17) الأحقاف) في الأحقاف الوالدن مؤمنان وفي العنكبوت ولقمان الوالدان كافران في لقمان (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا) وفي العنكبوت (وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا) بينما في الأحقاف لم يذكر هذا وإنما ذكر آلآم الحمل وآلآم الوضع وأن الأبوين مؤمنان فمن الذين يستحق الإحسان؟ المؤمن يستحق الإحسان. هل يصح في البلاغة أن نضع الإحسان في آية العنكبوت والحُسن في آية الأحقاف؟ لا يمكن. هذا إضافة إلى أن ذكر الحُسن في سياق آية العنكبوت أنسب من الإحسان. في العنكبوت قال (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (7) ووصينا الإنسان ) حتى يتناسب مع الجزاء، هذا في سياق الحسن من الأعمال. في الأحقاف قال (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (16)) هذا في سياق الحسن من الأعمال. فإذن العنكبوت والأحقاف السياق في الحُسن من الأعمال فذكر حسنا وإحساناً وفي لقمان السياق في المصاحبة بين الناس والمعاشرة بين الناس فذكر المصاحبة بالمعروف. إذن سواء كان من ناحية السياق أو من ناحية واقع الوالدين كل تعبير هو أنسب في مكانه: الحُسن في العنكبوت والإحسان في الأحقاف والمصاحبة بالمعروف في لقمان. *هل يجوز للرجل العادي الذي ليس له علم بالعربية والبيان والبلاغة كيف له أن يفهم بهذا الشكل؟ هو ليس مكلفاً بأن يفهم بهذا الشكل لكن المهم أن يقرأ لكن إذا كان الشخص يتعالم فينبغي أن يُبين له ما يجهله. هناك أناس يتكلمون بما لا يعلمون فيُبين لهم حتى تقوم الحجة عليه. (وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ (15) لقمان) لا سبيلهما، صاحبهما في أمور الدنيا وليس في أمور الآخرة ولا تتبع سبيلهما وإنما اتبع سبيل المنيبين إلى الله في الطاعة والعبادة والمعاملة في إقامة شرع الله فيما أنت مكلف به واتّبع سبيل المنيبين إلى الله لا سبيلهما لأنهما مشركان لكن ينبغي المصاحبة بالمعروف. برغم أنه ذكر المصاحبة بالمعروف والوصية بالوالدين إلا أنه يقول واتبع سبيل من أناب إليّ لأن الله سبحانه وتعالى خلق الجن والإنس للعبادة والطاعة ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فكيف تتبع سبيلهما وهما قد عصيا؟ تصاحبهما في الدنيا معروفاً في أمور الدنيا وهم قالوا المصاحبة إما في أمور الدنيا أو في الدنيا ثم تنقطع المصاحبة وكل واحد يذهب في حال سبيله. (ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ (15) لقمان) إليّ حصراً لا ترجعون إلى جهة أخرى ولا إلى ذات أخرى وفي هذا إبطال للشرك لا يرجعون إلا إليه حصراً فلماذا الشرك وما يفعل الشركاء؟ إليّ مرجعكم مثل إلي المصير تقديم الجار والمجرور والمبتدأ معرفة وهنا ابتدأ بالخبر ويجوز التقديم. (فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (15) لقمان) أي أخبركم ولم يقل فأجزيكم مثلاً لأن ربنا قد ينبئ الإنسان بما عمل ثم يغفر له في الآخرة، يستر عليه قد ينبئ الإنسان بما عمل ثم يجزيه خيراً منه. لم يذكر الجزاء هنا وإنما ذكر الإخبار، قد يكون أحصاها وقد يكون نسيها (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ (6) المجادلة) ربنا ينبئه بما كان يعمل من خير أو شر المؤمن قد يفعل معصية ولمم فينبئه بما عمل ثم يغفر له والحسنة يجزيه بخير منها (مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا (89) النمل) أو بعشر أمثالها (مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا (160) الأنعام) (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) الزلزلة) إذن هو ينبئ ما ذكر الجزاء ما قال يجزى به وإنما قال يره. هذا حكم عام أن يرى الرجل عمله ليس هذا الجزاء فإن كان مؤمناً يجزيه الله تعالى خيراً مما رأى أو يغفر له يدنيه فيغفر له (سترتها عليك في الدنيا وأنا أسترها عليك اليوم) ويسترها عليه في الآخرة كما سترها عليه في الدنيا. في نفس السورة في مكان آخر لم يكتف بالتنبيه وإنما ذكر الجزاء مع الكافرين (وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (23) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (24)) لم يكتف بالتنبيء لأن هؤلاء كفروا، ينبئهم ثم يجزيهم بما عملوا. هناك لم يذكر كفر وإنما كان حكماً عاماً. الوقفة كاملة
١٨٤٨ (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16)) *قال (إن تك) ثم قال (فتكن) ما الفرق في حذف النون وإثباتها في الفعل المضارع؟ انتهت وصية ربنا (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ) التي جاءت بين كلام لقمان لابنه وعاد لوصية لقمان لابنه (يَا بُنَيَّ) للتحبيب حتى تكون مظنّة الإستماع والقبول بلطف وحنان بالتصغير وإضافته إلى نفسه (يَا بُنَيَّ) حتى يزيل أي حجاب بينهما. مقام الحب بين الإب وابنه وفي قصة نوح مع ابته العاصي قال (يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ (42) هود) هذه عاطفة الأب أراد أن ينقذه وكان ابنه مع الكافرين لعله عندما يأتي انبه للجماعة المسلمة ويتركه الذين أضلوه قد يستفيد وبرغم تعارض الموقفين إلا أن عاطفة الأبوة واحدة لا تختلف. إذن (يَا بُنَيَّ) للتحبيب والتقريب. (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ) (إنها) قسم قال هو ضمير القصة أي الأمر أو المسألة أو الفعلة أو الخصلة. (فتكن في صخرة) بإثبات النون. لما قال (إن تك) لم يذكر مكاناً لها (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ) ولما قال (تكن) ذكر مكاناً لها (فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ)، لم يذكر المكان فلم يذكر النون وذكر المكان فذكر النون. حذف النون له ضوابط ولكن في الجواز ولا يجب الحذف. هذا الفعل (يكون) إذا كان مضارعاً مجزوماً علامة جزمه السكون (هذا شرط) وبعده حرف متحرك (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ) على أن لا يكون ضميراً متصلاً مثل (تكُنْهُ) في هذه الحالة يجوز الحذف (وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) مريم) مضارع مجزوم بالسكون بعده متحرك، (وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) مريم) يجوز ومواطن الجواز تلمس لها القدامى أسباباً بيانية. لما حذف الأماكن حذف النون، (إنها إن تك) لا مكان لها (فتكن في صخرة) استقرت فصار لها مكان. هناك أمر آخر هي فيها قراءة أخرى (فتكِن) من وَكَن يكِن أي دخل الطائر عُشّه والوَكْن هو العُشّ يعني تستر في صخرة وفي قراءة (فتكِنّ في صخرة) من كنّ يكِنّ، كلها مما يقوي ذكر النون، إذا كانت تكِن من وكن وإذا كانت تكِنّ تذكر النون وتكن النون مذكورة فكل القراءات النون مذكورة. لماذا الصخرة؟ الصخرة لا بد أن تكون في السموات والأرض هناك صخور في السموات في المشتري وزحل. (في صخرة) يعني استخلاص الشيء من باطن الصخرة أمر عسير. إذا أردت أن تحفظ شيئاً لا ترميه في ساحة الدار وإنما تضعه في صندوق وإذا أردت المبالغة في حفظه تضعه في حقيبة ثم في خزانة وإذا أردت المبالغة أكثر تضعه في حقيبة داخل حقيبة في خزانة وإذا أردت أن لا يصل إليه أحد قد تأتي بقفل يصعب فتحه وقد تضعها في مكان ليس له مفتاح أصلاً. الصخرة عبارة عن محفظة ليس فيها مفتاح، ما قال على صخرة وإنما قال (في صخرة) مثلها مثل محفظة ليس لها مفتاح وبداخلها مثقال حبة من خردل، كيف يخرجها ربنا تعالى من دون تحطيم للصخرة؟! بلطفه وخبرته يأتي بها الله لم يقل يعلمها لأنك قد تعلم المكان لكن لا تقدر أن تأتي بها. إذن يأتي بها الله أدل على العلم والقدرة، وإن كانت صغيرة في مكان صغير عميق شديد وصلب وليس فيها مفتاح يأتي بها الله تعالى من دون تكسير للصخرة يستخرجها بلطفه وقدرته. *تك وتكن: ذكرنا في الحلقة الماضية قال (إنها إن تك) ثم قال (فتكن) وذكرنا في حينها أنه لما قال (تك) لم تكن في مكان معين وإنما ذكرها هباء تائهة في الوجود (إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ) ثم ذكر مكانها فلما ذكر مكانها أنها استقرت ذكر النون (فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ). وقلنا أنه قال في صخرة ولم يقل على صخرة وقلنا أنها مثل المحفظة التي يكون في باطنها شيء ثم يستخرجها ربنا تعالى بدون أن يفتحها بلطفه وخبرته من غير مفتاح. ثم قال في الأرض ولم يقل على الأرض (أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ) يعني هي في باطن الأرض (في ظرفية هنا). يقولون الخفاء يكون بطرق، طرق الخفاء استوفاها هنا إما أنها تكون في غاية الصغر (مثقال حبة) أو يكون بعيداً في السموات مثلاً أو في مكان مظلم (في الأرض) لأنه لا يوجد نور أو من وراء حجاب (في صخرة) هذه طرق الخفاء استوفاها كلها، تكون بعيدة صغيرة في ظلمة من وراء حجاب كلها استوفاها: صغيرة (مثقال حبة من خردل)، البعد (في السموات) ، الظلمة (في الأرض) ، الحجاب (في صخرة) استوفاها كلها. ثم قال (يأتي بها الله) ولم يقل يعلمها لأن العلم لا يدل على القدرة، الفعل يأتي يدل على طلاقة القدرة لله تعالى لأنه يعلمها ويأتي بها فأنت قد تعلم شيئاً في مكان لكن لا تستطيع أن تأتي به، الإتيان علم وقدرة علم مكانها وجاء بها صار علماً وقدرة ولو قال يعلمها الله لدل على العلم لكن لا يدل على القدرة هناك أكمور كثيرة نعلم مكانها لكن لا نستطيع أن نأتي بها، يأتي بها الله إن الله لطيف خبير. لذلك قال تعالى تحديداً الصخرة. ثم ترتيب الآيات وذكر هذه الأشياء فيها، هذا الترتيب له دلالة محددة فالصخرة مشتركة قد تكون في السماء وقد تكون في الأرض، السماء يعني الأجرام السماوية كثير منها فيها صخور وقد تكون هناك صخور سابحة في الفضاء. هو ما قال في السموات ولكن قال في صخرة أو في السموات ولم يقل الصخرة في السموات، نكّر كلمة صخرة ولم يذكر لها مكان جعلها جزءاً من الأمكنة، صخرة سموات، أرض، ذكر ثلاثة أمكان صخرة، السموات، الأرض ولم يقل في الأرض لأنها عامة والصخرة قد تكون في السماء وقد تكون في الأرض قد تكون في الأجرام السماوية وقد تكون صخور سابحة في الفضاء إذن الصخرة وجودها مشترك لهذا لم يقيدها تعالى بمكان قد تكون في السموات وقد تكون في الأرض. لم يقيدها بمكان ولم يقل الصخرة في الأرض، لِمَ لم تقيد؟ لو قيدها وقال صخرة في الأرض تصير في الأرض لكنه قال صخرة وقد تكون في الأرض وقد تكون في غير الأرض وقد تكون سابحة في الفضاء زقد تكون في أحد الأجرام السماوية، في المشتري صخور أو المريخ صخور. إذن تنكير كلمة صخرة له دلالة وعدم تقييدها له دلالة، قال في صخرة وليس على صخرة وهو بدأ بالمشترك (صخرة) ثم قال في السموات، في السموات هو الخط الجاري في السورة أنه في كل السورة إذا ذكر السموات والأرض قدّم السموات في كل السورة (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ) (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ) (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) حيث جرى ذكر السموات والأرض قدّم السموات وأخّر الأرض وهذا التأخير أيضاً له غرض وهو أنه عندما يؤخرها يذكر بجانب الأرض أمور تتعلق بالأرض أو بأهل الأرض مثل: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ) (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ) (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ) هذا ترتيب متناسق مع كل السورة حيث اجتمعت السموات والأرض قدّم السموات وأخر الأرض وذكر بجانب الأرض ما يتعلق بالأرض وسكان الأرض إذن الترتيب مقصود ويتناسب مع سياق السورة عموماً وجو السورة عموماً. كلمة صخرة جاءت نكرة والسموات والأرض معرفة لأن الصخرة غير معروفة والسموات والأرض معروفة. *هل للتكرار (في) دلالة محددة؟ هل يجوز أن أقول في السموات أو الأرض؟ هذا آكد وهو موطن توكيد وهذا من إحاطة علم الله بالأشياء. *في سورة الأنبياء قال تعالى (وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)) مقارنة بين الآيتين؟ فعل الشرط وجوابه في لقمان مضارعان وفي الأنبياء ماضيان فلماذا؟ لو قرأنا آية الأنبياء (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)) يتضح الجواب. آية لقمان في الدنيا يخاطب ابنه (يا بني إنها) (إنها) إما ضمير القصة أو ضمير الشأن إذا كان للمؤنث يسمى ضمير القصة وللمذكر ضمير الشأن (إنه). ضمير الشأن العائد فيه يكون بعده لا يكون قبله وهذه قاعدة (قل هو الله أحد) (هو) ضمير الشأن، الله أحد هو المقصود، ضمير الشأن هناك ضمائر تعود على ما بعدها وليس على ما قبلها وهي سبعة مواطن منها ضمير الشأن (هي الدنيا تغرر تابعيها) (هي) تعود على الدنيا والدنيا بعد هي لما كانت الدنيا مؤنث قال هي (هي مبتدأ والدنيا خبر) ضمير الشأن يكون ما بعده جملة ولا يكون مفرداً ويُخبر عنه بجملة. (يا بني إنها إن تك) (إنها) ضمير الشأن، (فإنها لا تعمى الأبصار) إنها أي الشأن أو المسألة أو الأمر أو القصة أنها لا تعمى الأبصار. في لقمان المسألة يا بني أنها إن تك مثقال حبة من خردل. ضمير الشأن يعود على ما بعده لا على ما قبله ويُخبر عنه بجملة هذه قاعدة. قسم قالوا يقصد بـ (إنها) أي الفعلة أو الخصلة. فلما أنّث فعل الشرط وجوابه مضارعان ولما كان الأمر في الدنيا وهذه أمور مستمرة قال (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ) تلك في يوم القيامة الأعمال انتهت والوقت وقت حساب وإن كان العمل مثقال حبة جئنا به وكفى بنا حاسبين (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)) هذه قطعاً ماضية وليست مضارعة لذلك قال (وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) بالماضي لأن الآن الموقف موقف حساب بينما تلك لقمان يخبر ابنه ويعلمه بقدرة الله (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ) متى ما شاءت، متى ما وقعت، متى ما تكون فهذه يأتي بها مضارع وهذه يأتي بها ماضي. *فعل الكينونة في لقمان مؤنث (إن تك) وفي الأنبياء مذكر (كان) لماذا؟ أولاً للعلم أصلاً في مثل هذا التعبير يجوز فيه التأنيث والتذكير (مثقال حبة من خردل). كقاعدة نحوية في مثل هذا التعبير يجوز فيه الوجهان وربما أكسب ثانٍ أولاً تأنيثاً إن كان لحذف موهلا المضاف إليه يكسب المضاف التأنيث وطبعاً يكسبه التذكير وإنما ذكر التأنيث لأن الشعر قال تأنيثاً وتذكيراً، إن كان لحذف موهلا إذا كان المضاف يمكن تحذفه بأن كان جزءاً أو كالجزء أيضاً واستشهدوا بقوله تعالى (إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) قال قريب ولم يقل قريبة. (إنارة العقل مكسوفٌ بطوع هوى) ما قال مكسوفة. مثقال حبة من خردل مثقال مذكر وحبة مؤنث يجوز أن يكتسب هذه كقاعدة نحوية (وما حب الديار شغفن قلبي) حب مذكر وشغفن مؤنثة جاءت من الديار من المضاف إليه. في التركيب الإضافي يجوز التذكير والتأنيث لكن بشرط في مواطن، بشرط أن يكون المضاف جزء أو كالجزء في الاستغناء عنه (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا (111) النحل) كلّ مذكر ونفس مؤنث فقال تأتي. بشرط أن يكون المضاف جزء أو كالجزء في الإستغناء عنه يعني ممكن تستغني عنه ويُفهم مثل (قُطعت بعض أصابعي) يمكن أن يقال قُطعت أصابعي، مثقال حبة يعني حبة. (لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخُشّع) سور مذكر وتواضعت مؤنثة. إذن من حيث الحكم النحوي ليس فيه إشكال يبقى طبيعة الاستخدام هنا: أصلاً قال في الأنبياء (فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا) شيئاً مذكر (وإن كان مثقال حبة ) وإن كان الشيء مثقال حبة فذكّر أي إن كان الشيء مع أنه يجوز التأنيث أما في لقمان (مثقال حبة) قد يكون الحبة أو الفِعلة أو قد يكون العمل. إذن (فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) وإن كان هذا الشيء مثقال حبة إذن ذكّر مع أنه يجوز التأنيث. في الأنبياء قال بصيغة فعل الكيونة بالماضي لأنه يدل على حالة محددة وهي حالة الحساب يوم القيامة للدلالة على عمل كان في الدنيا وانتهى وأتى به مذكراً لمناسبته مع ما قبله وهو مذكر. *في لقمان ذكر تعالى أماكن وجود المتحدث عنه (فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ) في الأنبياء لم يذكر مكان وجودها فلماذا؟ في لقمان هو يبين لابنه قدرة الله سبحانه وتعالى، يريد أن يعلم ابنه أما في الأنبياء فليس الغرض في هذا الأمر فالسياق سياق وزن الأعمال وليس في أماكن ذكر هذا المثقال الحبة أين يكون وإنما في سياق وزن الأعمال فلا يحتاج لذكر هذا الشيء أما في لقمان فهو يعلم ابنه ويعرفه بقدرة الله (إنها إن تك) يذكر الأماكن، أما في الأنبياء أتينا بها أينما كانت لأن السياق ليس في ذلك ولا هو في بيان للخلق أن قدرتي كذا والخلق يعرفون قدرته وقد جيء بهم الآن أعلم حالاتهم بالله تعالى الحساب موجود والجامع هو الله ولا يشك أحد في قدرته أما في لقمان فيعلم لقمان ابنه أمراً من أمور الدنيا، يوم القيامة ليس الأمر مجهولاً لأي أحد وإنما الأمر معلوم لكل أحد. *ختام الآية في لقمان (إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) وفي الأنبياء (وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) فما الفرق؟ في الأنبياء مكان حساب ووقت حساب (ونضع الموازين القسط) فقال (وكفى بنا حاسبين) لأنه مقام حساب وليس في مقام اسخلاص المثقال من مكانه أما في لقمان ففي مكان استخلاص الحبة ومكان الحبة فقال (لطيف خبير). *في سورة لقمان عندما يوصي ابنه قال (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) لم يقل مثلاً عليم لأنه يعلم أماكن وجود ضمير الشأن فما دلالة اللطف؟ استخلاص هذا المثقال من هذا المكان يحتاج إلى لطف وإلى خبرة والخبرة هي العلم ببواطن الأمور والخبير هو العليم ببواطن الأمور. واللطيف هو الذي يتوصل إلى أشياء بالخفاء. وقسم قال اللطيف أي الذي لا يُرى وقالوا (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ (19) الشورى) بمعنى آخر أنه يلطف بهم ويرأف بهم. اللطيف هو الذي يأتي بأمور بخفاء يستخلصها بخبرته وبطريق الخفاء ويأتي بها من دون أن يحطم الصخرة بلطف وخفاء تمتد قدرته إليها فيستخلصها. ذكر هذا الأمر من لقمان لابنه أولاً يعلمه أنه إذا كان رب العالمين سحانه وتعالى يأتي بمثقال حبة من خردل من هذه الأماكن فلماذا الشرك؟ ماذا يفعل الشريك؟ لا شيء إذن لماذا الشرك؟ الشريك لا يستطيع أن يمنع هذه الحبة الصعيرة من أن يأتي بها الله فلماذا الشرك. ثم هناك أمر آخر أن لقمان يبين المسألة ويوضح قدرة الله لابنه وفي هذا يعلمنا لقمان بحكمته أن ليست المسألة فقط في الأوامر والنواهي لا تفعل كذا لا تفعل كذا وإنما يضرب له الأمثال ويبين له بالحجج حتى يقتنع ويستوعب المسألة وهذا فيه توجيه للآباء والوعاظ والمرشدين بأن لا يكثروا فقط من الأوامر والنواهي هكذا وإنما ينبغي أن يعلّلوا ويبينوا حتى يقتنع السامع بعقله ويقبل هذ الشيء أما أن تذكر فقط أوامر ونواهي هكذا فلا. هذا التعليم من حسن التربية أولاً الرفق دائماً يردد قول (يا بني) وعندما يذكر الأمر يعلل له العلة حتى يقتنع بما يقول وحتى يستوعب المسألة وحتى تتضح له المسألة وليس مجرد أوامر وهذا توجيه للآباء والمرشدين عموماً أولاً أن يحسنوا في القول ويلطفوا في القول لا يكونوا أشداء، اللطف واللين في القول والأمر الآخر أن الأمر ليس مجرد أمور ونواهي وإنما عليهم أن يوضحوا ويبينوا ويأتوا بالحجج المبينة حتى يقبل العقل ما يقولون. الوقفة كاملة
١٨٤٩ (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17)) هذه الآية فيها أوامر (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17)). بعد أن نهاه عن الشرك وأمره بالتوحيد بعد ذلك بدأ بأهم العبادات. أول مرة أقام العقيدة السليمة وهو التوحيد لأنه لا تصح عبادة مع الشرك فبعد أن جاءه بأهم الأمور وأعمها وأيسرها نفي الشرك بالله وترسيخ عقيدة التوحيد الآن أمره بالعبادات فقال له وبدأ بأهم العبادات وأوجبها هي الصلاة وهي التي لا تسقط بحال من الأحوال وهي أول ما يُسأل عنه المرء يوم القيامة. الصلاة اسماعيل  كان يأمر أهله بالصلاه وموسى  (وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ (87) يونس) الصلاة هي عبادة أوجبها الله تعالى منذ البدء وهي آخر ما يُرفع من الأعمال قبل يوم القيامة هي الصلاة، فبدأ بأهم العبادات وأوجبها وهي العبادة التي لا تسقط في حال من الأحوال في المرض أو غيره وأول ما يسأل عنه المرء يوم القيامة. ولم يقل له صلي وإنما قال أقم الصلاة أي الإتيان بها على أتم حالاتها بكل سكناتها وحركاتها وخشوعها. نلاحظ أنه بعد الأمر بإقامة الصلاة ما قال أموراً أخرى وإنما قال (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ) إذن هو أمره بنوعين من العبادات عبادة فردية شخصية (الصلاة) وعبادة عامة اجتماعية (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) هذه علاقته بالمجتمع، بالآخرين، عبادة اجتماعية. الصلاة عبادة فردية والثانية عبادة اجتماعية كما قال القدامى إحداهما تكميل للنفس (الصلاة) والثانية تكميل للمجتمع (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) إذن عبادتين إحداهما للنفس وتكميلها والثانية للمجتمع لأن من حق المجتمع على الفرد أن يحفظه ويرسي قواعد الخير فيه ويجتث أمور الشر فيه، الأمر بالمعروف يرسي قواعد الخير والنهي عن المنكر يجتث قواعد التخريب وقواعد الهدم. (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ) الذي يتصدى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يدركه الأذى من الآخرين وهكذا قال القدامى لأنك تتعرض للآخرين تأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر فقد تسمع منهم كلاماً يؤذيك وقد يكونوا أذوك بأشد الأذى ولقمان أدرك بحكمته أن ابنه إذا فعل هذا سيتعرض للأذى لأنه من أمر بالمعروف عليه أن يتوقع أن يصيبه أذى. والغريب أنه من حكمة لقمان أنه أمر ابنه بذلك - مع أنه يدرك أن ابنه سيصيبه أذى - أن الآباء عادة يقولون لأبنائهم اتركوا الناس بشأنهم لا عليكم منهم، يخشون على أبنائهم من الأذى فيقولون لهم اتركوا الناس أما لقمان بحكمته الثاقبة مع أنه يعلم أن ابنه سيصيبه الأذى لكن علم أن هذا الأمر أولى من راحة ابنه أن إرساء قواعد الخير في المجتمع واجتثاث عوامل الشر منه أولى من راحة ابنه لأنه المجتمع إذا انهار ينهار عليه وعلى ابنه وأسرته الإنهيار لا يختص بواحد وإنما يعم الجميع إذن هو أولى من راحة الإبن فليتعب ابنه لأنه قد يؤذى فرداً فلا بأس لكن هو يرسي قواعد الخير فلو كان كل الآباء يوجهون أبناءهم هذا التوجيه لصاروا كلهم مثل ابن لقمان فالمجتمع يصير يثبت فيه قواعد الخير وينجو من عوامل التفكك والتخريب وفي ذلك سلامته وسلامة المجتمع وراحته وراحة المجتمع بخلاف لو تُرِك المجتمع على عواهنه فإنه هو أيضاً سيدمر الإبن والعائلة ستدمر. ولذلك هو مع معرفته بذلك أوصاه بفعل ذلك وهذا من حكمة لقمان الثاقبة فهم كم يحب ابنه ويتمنى له الخير وهو يعلم أنه سيصيبه أذى لكن هذا الأذى أهون من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. (إن ذلك) أي الصبر على إقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كلها من الأمور الواجبة المقطوعة التي لا ينبغي التخلي عنها لا الصلاة (تكميل للنفس) ولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذه كلها تحتاج عزم وعزيمة وقوة وإن كانت الثانية أكثر لأنها مواجهة (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) ذلك تعود على البعيد. إن ذلك من عزم الأمور أي الأمور التي لا ينبغي التخلي عنها مهما أوذي في ذلك. *ختمت الآية في سورة لقمان (إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) وفي سورة الشورى (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)) فما اللمسة البيانية في الاختلاف بينها؟ في لقمان قال (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) في الشورى قال (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)) أيّ الأشد أن تصبر وتغفر أو أن تصبر فقط؟ أن تصبر وتغفر لأنها أشق على النفس. يطالبنا ربنا بالصبر والمغفرة لأن هذا أسدى إلى الخير وأكمل للمعروف ويؤلف قلوب الآخرين ولا يثير فيهم الضغائن وإذا فعلت لهم الحسنة فقد جمعت قلوبهم (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) فصلت) حميم أي قريب فأنت تعامل بالصبر والمغفرة مع أنها شاقة على النفس الصبر وحده شاق فكيف الصبر والمغفرة وما هو أعلى وهو الإحسان. لذلك فيما فيه مشقة قال (لمن عزم الأمور) فيه صبر ومغفرة فأكد باللام وإنّ. زيادة حرف في اللغة للتوكيد له وقع خاص من الناحية البيانية. إجابة د.حسام النعيمى عن نفس السؤال: في قوله تعالى (يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) لقمان) هذه وصية من أبٍ لولده. أبٌ يوصي ولده فلا يحتاج لتوكيدات، نصيحة أب لابنه ما يقتضي التأكيد. (يا بُنيَّ) بفتح الياء (رواية حفص عن عاصم)، شُعبة قرأ (يا بُنيِّ). نافع وسائر القراء (يا بنيِّ) إذن إنفرد عاصم بها من القراء السبعة. هي لغتان للعرب، معناه بعض العرب كان إذا نادى ولده يقول يا بنيَّ وبعض العرب يقول يا بُنيِّ والأكثرون كانوا يقولون (يا بُنيِّ) بدليل أن القراء الستة والسابع بروايتين، رواية وافقت الستة يعني بإثني عشر راوياً يعني ثلاثة عشر راوياً يروون يا بنيِّ، يعني جمهور العرب يقولون بنيِّ، هذه لهجة وهذه لهجة، هذه لهجة أقرها الرسول  بأمر من ربه أو قرأ بها وهذه لهجة أقرها الرسول  بأمر من ربه وقرأ بها وقرأت بها القبائل. لكن علماء الصرف يوجهون أنه كيف هذا قال هكذا وكيف هذا قال هكذا؟: (إبن) أصلها بنو لما تُصغّر تصير (بنيو) اجتمعت الياء والواو والأول منهما أصلي ذاتاً وسكوناً فانقلبت إلى ياء وأدغمت الياء في الياء فصارت بنيّ مثل كلمة نَهَر لما تُصغّر تصير نُهير لكن بدل الراء هناك ياء أخرى فصار بياءين أضيفت إليها ياء المتكلم. في الشورى (وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)) نلاحظ هنا في البداية توجد لام التوكيد، لام مؤكدة وبعض العلماء يرى أنها في جواب قَسَم محذوف يعني كأنه "والله لمن انتصر"، (إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ). (من عزم الأمور) و (لمن عزم الأمور). اللام هنا في جواب (إنّ) في (إن ذلك لمن عزم الأمور) التي هي اللام المزحلقة. لكننا وقفنا عند قراءة (يا بُنيَّ) بالفتح وقلنا الفتح هنا هو من القراء السبعة لراوٍ واحد وهو حفص عن عاصم هذه التي نقرأ بها. ونحن حريصون على ذكر قراءة نافع من أجل إخواننا في المغرب العربي لأنهم يتابعون البرنامج من خلال كثرة أسئلتهم. نافع وسائر القراء بل شعبة عن عاصم يقرأون (يا بُنيِّ) بالكسر وليس بالفتح، الفتح عند عاصم. وذكرنا أن كلمة (بُني) هي تصغير كلمة (إبن) مثل كلمة نهر تُصغّر فتصير نُهير فتأتي ياء. (بنو) لما تصغر تصير (بنيو) – لأن إبن أصلها بنو والهمزة زائدة في الأول، همزة وصل – لما تصير بنيو تجتمع الياء والواو والأول منهما أصلي ذاتاً وسكوناً يُدغمان في ياء واحدة، مثل كلمة سيد من ساد يسود فصارت سيود تصير سيد، لوى يلوي لوياً صارت ليّاً، طوى يطوي طيّاً، وهكذا إذا اجتمعت الياء والواو والأول منهما أصلي ذاتاً وسكوناً أي غير منقلب عن غيره وساكن وليس سكوناً عارضاً أيضاً تصير ياء وتدغم الياء في الياء. فلما صارت بنيو صارت بنيّ أي عندنا ياءان مثل نهير تخيل أن الراء ياء تصير نهيي لما ينسبه إلى نفسه: هذا نهير زيدٍ تصير ياء أخرى نهيري إجعل الراء ياء فتصير نهييي ثلاث ياءات. فبعض قبائل العرب حذفت ياء المتكلم وهم الأغلبية واكتفوا بالكسرة فقالوا (بنيِّ) فإذن هنا ياء ومحذوفة اكتفاء بالكسرة التي تشير إلى الياء وعليها جمهور القراء كما قلنا. بعض قبائل العرب لم تحذف ياء المتكلم أو حذفت الياء التي قبلها أو حذفت ياء المتكلم وأجرت على الياء الباقية ما يُجرى على ياء المتكلم من الفتح في التخفيف فتقول: هذا لي أو هذا ليَ، كتابي أو كتابيَ بفتح ياء المتكلم. فيا بُنيَّ هذه فتحة التخفيف على ما قرأ الرسول  على قبائل من العرب بلهجتها بإذن من ربه. و(يا بُنيِّ) هذا بالنسبة لاختلاف القراء والنتيجة واحدة هي تصغير الإبن للتحبيب للمتكلم هو نسبه إلى نفسه ثم بدأ يعظه ويوصيه: أقم الصلاة، أُمر بالمعروف، إنه عن المنكر. إقامة الصلاة تكوين أن تُكوّن نفسك ثم تنتقل مرحلة ثانية تدعو الناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر هذا سيؤدي إلى الإضرار بك فاصبر على ما أصابك فهي نصيحة ومتدرجة وليس الموضع موضع تأكيد زائد فقال له (إن ذلك من عزم الأمور) فأكّد بـ (إنّ) وحدها، أن الصبر على ما يصيبك هو من عزم الأمور، من الإرادة القوية. لما نأتي إلى الآية الأخرى نجد أنها من البداية (وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ (41)) من أولها فيها توكيد كما قلنا جوّ الآية جو توكيد. (وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ) إنسان اعتُدي عليه والدولة أخذت له حقه بأنه أصر على أخذ حقه ما أراد أن يتنازل فظُلِم ولم يتنازل عن حقه، قد يكون في نفس الذي أُخِذ منه الحق أو من أهله أو من أقاربه نوع من الغضب والحقد على الإنسان الذي أخذ حقه فبدأت الآية بالتأكيد أوالقسم المحذوف الذي هو لام القسم على قولين (وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ) ما يحاول أحد أن يعتدي على هؤلاء الذين أخذوا حقهم أو أخذت الدولة حقهم إنما حصراً (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ)، هذه توصية سواء للذي أخذ حقه أو الذي اُخِذ الحق منهم (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور) لأنه فيه صبر وفيه عفو عن الإساءة بالنسبة لمن ظلم أنه إذا عفا الأفضل حتى لا يثير حفيظة الآخرين لا يثير حقدهم والعفو أحياناً لا يكون سهلاً، ألم يقل الشاعر: قومي هم قتلوا أميم أخي فإذا رميت أصابني سهمي ولئن عفوت لأعفون جللاً ولئن رميت لأوهنن عظمي هو متردد بين حالين لأن الذي قتل أخاه قومه يأخذ الثأر منهم، يعني يجعل الدولة تقتص منهم؟ سيُضعف قومه فهم متحير. لذا لما كان الصبر على هذا الأذى والمغفرة يحتاج إلى توكيد والجو كله جو تأكيد من البداية (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ). وفيها (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ) بمعنى الحصر والحصر فيه معنى التوكيد فجاءت (إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) معناه أكّد بمؤكدين هنا لمناسبة الحالة لأن الكلام على صبر على عدوان يحتاج إلى تأكيد (إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) بينما النصيحة الطبيعية لا تحتاج لهذا التأكيد (إن ذلك من عزم الأمور). . الوقفة كاملة
١٨٥٠ (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18)) نلاحظ أن لقمان انتقل بابنه إلى الآداب في معاملة الناس وكيف ينبغي أن يعامل الناس فنهاه عن التكبر وتصعير الخد (ولا تصعر) والتصعير هو إمالة الخد كِبراً يشيح بوجهه تكبراً وإعراضاً، صعّر خده أي أماله كِبراً والمرح هو النشاط مع الخيلاء والزهو، يعني هو معجب بنفسه. المختال هو المتكبر وقالوا المختال هو الصلِف المتباهي الجهول المُعجَب بنفسه. *قال تعالى (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا) لم يقل على الأرض؟ مختال أولاً هو إسم فاعل يصلح أن يكون إسم فاعل وإسم مفعول. مختال فعله الثلاثي خالَ (خالَ بناتك الضرر) إختال زيادة في الاختيال في التكبر فيها مبالغة، إذن المختال هو المبالغ الأصل هو خال خائل، إختال أبلغ في هذا الوصف ومختال أبلغ في هذا الوصف. فخور صفة مبالغة (فعول) إذن مختال مبالغة وفخور مبالغة. قال لا تمش في الأرض ولم يقل على الأرض مع أنه قال في موطن آخر قال (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا (63) الفرقان). (في) تفيد الظرفية و(على) للإستعلاء كأن هذا المختال يريد أن يخرق الأرض وهو يمشي كما قال تعالى (وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ (37) الإسراء) فالمختال يمشي في الأرض هكذا. أما عباد الرحمن يمشون على الأرض هوناً بوقار وسكينة وليس في الأرض كما يفعل أولئك. (على) تفيد الإستعلاء و(في) تفيد الظرفية قال تعالى (أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ (5) لقمان) (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (24) سبأ) فالهدى استعلاء، إستعلاء على السوء وعلى الشر وعلى السفاسف. لذها قال تعالى (في الأرض) لأنه فيها تكبر وخيلاء وفخر و(على) فيها استعلاء وهذه صفة عباد الرحمن. نلاحظ أن الأبنية في الآية كلها تفيد المبالغة (ولا تمش في الأرض، مرحاً) مرحاً حال جاء بها على وزن المصدر (مرح) هذا يفيد المبالغة إذا أتيت بالحال مصدراً فهو المبالغة قطعاً عندما تقول جاء ركضاً أبلغ من جاءك راكضاً وكما قال تعالى (ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا (260) البقرة) أبلغ من ساعيات لأن أخبرت عن الذات بالحدث المجرد كأنه ليس شيء يثقله من الذات أصبح حدثاً مجرداً. في الأرض مبالغة في المشي، ومرحاً مبالغة، ثم إنّ توكيد، ومختال فيه المبالغة من افتعل، وفخور مبالغة يعني كل أبنتيها وكل ترتيبها للمبالغة. *ختمت الآية فى الحديد (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) وفي لقمان قال (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18)) ما دلالة التأكيد في لقمان؟ المختال هو المتباهي على الخلق المتكبر والفخور يفخر عليهم لكن إحداهما في السلوك والأخرى في القول. المختال في السلوك والفخور في القول فنهى عن ذلك يذكرون آباءهم بالشعر كما فعل العرب في الشعر. فربنا سبحانه وتعالى لا يحب التكبر لا في القول ولا في السلوك فجمعهما. مختال من فعل إختال وكلاهما للمبالغة مختال وفخور كلتاهما صيغتا مبالغة. إختال أصل الفعل خال أي تكبّر واختال هو الزيادة في التكبّر (افتعل) مثل جهد واجتهد وصبر واصطبر وفخور من فعول وهي من أشد صيغ المبالغة. مختال صيغة من غير الثلاثي من إختال فعل خماسي وفخور من الثلاثي، صيغ المبالغة لا تأتي من غير الثلاثي إلا الأسماء. قدم التكبر في الفعل على القول لأن الإنسان يتباهى بما عنده إذا جاءه مال ثم يتكلم وأحياناً قد لا يكلم الناس. في لقمان ختمت الآية بالتأكيد بـ (إن). آية لقمان في آداب المعاملات والتصرف بين الناس (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)) وذكر ما هو أسوأ مما ذكر في الحديد (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) وإنما قال (لا تفرحوا بما آتاكم). صعّر خده أي أمال خدّه تكبراً. فذكر ما هو أسوأ في لقمان (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا) ولم يذكر هذا في الحديد لذا احتاج التأكيد في آية سورة لقمان لأنه ذكر فيها الأكثر اختيالاً سوءاً والآيات في حسن التصرف مع الناس. كل ما ذكره في آية لقمان في المعاملات مع الناس وذكر من الصفات ما هو أسوأ فاحتاج للتأكيد ولا يمكن أن يكونا بمرتبة واحدة وخاصة في أمور الكِبر وهذه مقاييس للتعبير دقيقة . الوقفة كاملة


إظهار النتائج من 1841 إلى 1850 من إجمالي 26698 نتيجة.