| ١٧١ |
{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1)}
أعوذ: ألوذ وألتجئ وأعتصم.
أمر ربنا سيدنا محمدًا أن يقول ذلك فقال له: قل أعوذ.
وقد تقول: ولماذا أمره بقول ذلك ولم يقل: (أعوذ) من دون (قل)؟
إن الله يريد من الإنسان أن يعلن صراحة عن ضعفه وحاجته إلى ربه ليعينه ويخلصه مما يحذر، وألًا يكتفي بشعوره بالحاجة إلى ذلك، مطلوب منه أن يعلن التجاءه إلى ربه واعتصامه به، وأنه يلوذ به لأنه أضعف من أن يرد ما يحذره ويخشاه؛ لأن ما يخشاه كثير وقوي، ظاهر وخفي، وقد ينال منه متى يشاء إن لم يلتجئ إلى ربه الذي يعينه ويأخذ بيده ويدفع عنه الشر.
وهذا الإعلان عن حاجته إلى ربه ضروري من نواح عدة، منها:
أن فيه قتلًا للكبر والعجب والغرور الكاذب والشعور بالاستغناء، وهذا سبب الطغيان، قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6 - 7] فإن قسمًا من الناس يمنعهم الكبر والغرور من طلب الإعانة وهو أحوج شيء إليها.
ثم إن هذا الإعلان من أسباب الطاعة وعدم المعصية، فإن الذي يلتجئ إلى شخص ما يطيعه في العادة ولا يعصيه، فإن الإنسان مطيع لمن يستنجد به ويستنصر به ولا يخرج عليه.
ثم إن هذه الاستعاذة مما يلين القلوب ويجعلها خاشعة لله رب العالمين، خصوصًا إذا صحب هذه الاستعاذة شعور بشدة الحاجة إلى غياث المستغيثين يأوي إلى ركنه الشديد.
وقد علمنا ربنا أن نستعيذ به من عموم الشرور وخفيها وظاهرها فقال: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون: 97 - 98]. وقال: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [الأعراف: 200- فصلت: 36].
وعلمنا نبينا أن نستعيذ بربنا من عموم ما نخاف ونحذر، ومن شر ما نعلم ما لا نعلم، فقد كان يقول: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)، ويعلمنا أن نقول إذا خشينا أمرًا: (أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر) وكان سيتعيذ بالله منه، وبرضاه من غضبه، وبمعافاته من عقوبته، وكان يعوذ الأطفال بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة وكل عين لامّة.
فالاستعاذة بالله مسنونة تفصح عن الالتجاء إلى الله والاعتصام به.
والإفصاح عن الاستعاذة بالقول في اللسان نظير الإفصاح بالذكر والتسبيح والتحميد، كلاهما مطلوب مأمور به لا نكتفي من ذلك بما نشعر به في القلوب ونحس به في الوجدان، بل لا بد من مواطأة اللسان للقلب، وذلك أعلى الذكر، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 41 - 42]، وقال: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ} [الأعراف: 205].
وقال مخبرًا عن ربه أنه قال: (أنا مع عبدي حيثما ذكرني وتحركت بي شفتاه) فذكر ربنا والالتجاء إليه والاعتصام به مطلوب على كل حال.
وقد تقول: ولم قال ههنا: (أعوذ) ولم يقل: (إني أعوذ) كما قال في مواطن أخرى؟
فقد قال في سورة (غافر) غلى لسان سيدنا موسى: {إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} [غافر: 27]، وقال في سورة الدخان على لسنا سيدنا موسى أيضًا: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ} [الدخان: 20]، وقال على لسان سيدنا نوح: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} [هود: 47]، وقال على لسان مريم: {قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} [مريم: 18] وقال على لسان امرأة عمران: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران: 36].
كل ذلك على التأكيد بـ (إن).
في حين قال: {أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67]، وقال: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون: 97 - 98]. وكذلك ما ورد في المعوذتين فإنه لم يؤكد ذلك بـ (إن).
وعلة ذلك - والله أعلم – أن الاستعاذة تكون على قدر ما يحذره المستعيذ ويخافه، فإذا كان المحذور شديدًا والمخوف متمكنًا متسلطاً، وكان يتهدده هو على الخصوص، أكد الاستعاذة فقال: (إني أعوذ) وإلا قال: (أعوذ).
ففي آية غافر مثلًا أكد الاستعاذة بـ (إن)؛ لأن فرعون هدد سيدنا موسى بالقتل، قال تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر: 26].
وكذلك في سورة الدخان، فإنه هددوه بالرجم فاستعاذ من ذلك قائلًا: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ} [الدخان: 20 - 21]، أي إن لم تصدقوا بي فاتركوني، فكان الأمر يتهدده هو على الخصوص، وكان المخوف متمكنًا متسلطاً عاتيًا، فلجأ إلى ربه لجوء المستضعفين فقال: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ} مؤكدًا ذلك بـ (إن).
وكذلك ما ورد على لسان مريم عليها السلام، فقد احتجت عن قومها لتغتسل وإذا ببشر سوي أمامها، وقد ظنت ما يظن النساء في مثل هذا الموقف، وخشيت على نفسها من أن يعتدي عليها، فلاذت بربها، وعاذت أشد ما تكون الاستعاذة فقالت: {إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} فأكدت ذلك بـ (إن).
ثم انظر كيف أنها استعاذت بالرحمن دون غيره من أسماء الله الحسنى، ذلك أنها طلبت من الرحمن أن يرحمها ويحميها من مثل هذا الاعتداء عليها الذي يحمل الفضيحة. وفيها أيضًا استثارة لعاطفة الرحمة في قلب هذا الشخص الواقف أمامها ليرحمها ويتركها وشأنها، فكان أنسب شيء أن تستعيذ بالرحمن. هذا إضافة إلى أن جو السورة تشيع فيه الرحمة من أولها إلى آخرها (1)، فقد بدأت بقوله: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} [مريم: 2]، وكان في أواخرها قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [مريم: 96].
وأما قوله على لسان سيدنا نوح: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} فإنه قاله تعقيبًا على قوله تعالى له: {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [هود: 46] فلما وعظه بـ {إِنِّي أَعِظُكَ} استعاذ به قوله: {إِنِّي أَعُوذُ بِكَ} فهي استعاذة مؤكدة بمقابل الوعظ المؤكد.
هذا علاوة على أن الأمر كان يعني سيدنا نوحًا على وجه الخصوص، فإن الابن الذي غرق ابنه وهو أبوه.
وأما ما ورد على لسان امرأة عمران وهو قوله: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} فالأمر يحتاج إلى توكيد الاستعاذة، فإنها نذرت أن يكون ما في بطنها خالصًا لله خادمًا للكنيسة (2). راجية أن يكون ما في بطنها ذكرًا فوضعتها أنثى، وليس الذكر كالأنثى، فإنه من الصعوبة ومن غير المألوف أن تقوم أنثى بما يقوم به الرجال من الخدمة في دور العبادة والقيام بأمرها، فقد تكون فيها وحيدة والرجال يغشونها، فخشيت عليها أمها ما تخشاه الأمهات على بناتهن من وساوس الشيطان، وبقائها وحدها في مكان يغشاه الرجال، وقد يكوم خاليًا أحيانًا، فاستعاذت لها استعاذة مؤكدة فقالت: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} ثم انظر إلى إلحاقها الذرية بالاستعاذة في هذا المقام، فإنها إلماح إلى ما يخشى عليها منه، وهذا من أخطر مواطن الخشية على النساء، وقد قال : (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما).
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن التوكيد بـ (إن) يشيع في هذا السياق، قال تعالى على لسانها: {إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي ... إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى ... وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}
أما ما لكم يكن على هذا النحو من مواطن الخوف والحذر وليس بهذه الدرجة من التهديد فلا يؤكد بإن، وذلك نحو قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67]، فليس ذلك موطن تهديد ولا تخويف فلم يؤكد بإن. وأنت تحس الفرق بين هذا الموطن وقوله: {ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} أو المواطن الأخرى.
ومثل ذلك قوله: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} .
وكذلك ما ورد في المعوذتين فلا يحتاج ذلك إلى توكيد. ثم إن ذلك لا يتهدده هو على وجه الخصوص.
ونظير هذا في التوكيد وعدمه قوله تعالى: {إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} بالتوكيد بـ (إن)، وقوله: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} من دون توكيد.
فقد ورد على لسان آدم قوله: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} [الأعراف: 23] من دون توكيد بـ (إن)، وورد على لسان موسى عليه السلام: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} [القصص: 16]، وورد مثل ذلك على لسان ملكة سبأ: {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل: 44] بالتأكيد بـ (إن) وذلك على مقدار ظلم النفس.
فإن موسى قال ذلك بعد قتل القبطي حين وكزة فقضى عليه، والقتل معصية كبيرة، وهي أكبر من معصية آدم، وهي متعلقة بحق العباد فأكد الظلم بإن فقال: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي}
وأما ظلم ملكة سبأ لنفسها فهو أكبر من ذلك كله، فإنها كانت تعبد الشمس، قال تعالى: {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [النمل: 24]
فأكدت الظلم بإن وتابت عن ذلك بالدخول في الإسلام قائلة: {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}؛ ولم تقل (فاغفر لي) كما قال موسى؛ لأنه ليس مع الشرك مغفرة، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48]، ولا سبيل لها إلا الدخول في الإسلام، والإسلام يجب ما قبله.
أما موسى فإنه طلب المغفرة؛ لأن هذه معصية تمحى بالتوبة والاستغفار، لأنه ليس من القتل العمد، فإنه لم يكن قاصدًا لقتله، وهذا ما يتدارك بالتوبة والاستغفار.
فاتضح أت التأكيد بإن على قدر المعصية، كما كان التأكد بها على قدر ما تقتضيه الاستعاذة.
(الفلق):
هو الفجر، وقيل: هو الصبح، وقيل: هو الخلق كله.
وحقيقة الفلق: الشق. وهو أصل معاني هذه اللفظة، وكل معانيها الأخرى تعود إلية. جاء في (لسان العرب): "الفلق: الشق ...
والفلق: الخلق. وفي التنزيل: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى}، وقال بعضهم: وفالق في معنى (خالق). وكذلك فلق الأرض بالنبات والسحاب بالمطر، وإذا تأملت الخلق تبين لك أن أكثره عن انفلاق، فالفلق جميع المخلوقات، وفلق الصبح من ذلك. وانفلق المكان به: انشق ... وفلق الله الفجر: أبداه وأوضحه، وقوله تعالى: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} قال الزجاج: جائز أن يكون معناه: خالق الإصباح، وجائز أن يكون معناه: شاق الإصباح، وهو راجع إلى معنى خالق. والفلق، بالتحريك: ما انفلق من عمود الصبح، وقيل: هو الصبح بعينه، وقيل: هو الفجر، وكل راجع إلى معنى الشق ...
ويقال: الفلق: الخلق كله، والفلق: بيان الحق بعد إشكال ...
وفي الحديث: أنه كان يرى الرؤيا فتأتي مثل فلق الصبح، هو بالتحريك: ضوؤه وإنارته" (3).
وجاء في (الكشاف) :"الفلق والفرق: الصبح؛ لأن الليل يفلق عنه ويفرق، فعل بمعنى مفعول، يقال في المثل: (هو أبين من فلق الصبح) ... وقيل هو كل ما يفلقه الله، كالأرض عن النبات، والجبال عن العيون، والسحاب عن المطر، والأرحام عن الأولاد، والحب والنوى وغير ذلك" (4).
وجاء في (التفسير القيم): "واعلم أن الخلق كله فلق ... والله عز وجل فالق الإصباح، وفالق الحب والنوى، وفالق الأرض عن النبات ... ويسمى الصبح المنصدع عن الظلمة: فلقًا وفرقًا ... ومنه فلقه البحر لموسى، وسماه فلقًا" (5).
ومن ذلك يتبين أن أشهر معاني الفلق:
1- الصبح، وهو أشهر معنى له، وخص به عرفًا (6).
2- جميع المخلوقات، وفلق الصبح من ذلك.
3- بيان الحق بعد إشكال.
4- الفلق: هو كل ما فُلِق، أي شق، فهو اسم مفعول كالقصص والهمل، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} [الأنعام:95]، و{فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} [الأنعام: 96]، وهو أصل المعاني الأخرى.
وتخصيص الفلق بالذكر له أسباب ودواع منها:
إن الفلق - وهو الصبح - مشعر بتبدد ظلمة الليل وزوال همومه ومخاوفه، ومشعر بمجيء الفرج. ولذا نسمع الشكوى من الليل وترقب المهموم للصبح، فإن المريض والمهموم والخائف يستطيل الليل ويتمنى ذهابه ومجيء الصبح، قال الشاعر:
وصدر أرح الليل عازب همه
تداعى عليه الهم من كل جانب
وقال الآخر:
وليل كموج البحر أرخى سدوله
على بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبه
دف أعجازًا وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجل
بصبح وما الإصباح منك بأمثل
وقال الآخر:
أزيد في الليل ليل
أم سال بالصبح سيل
فذكر الفلق ههنا أنسب شيء، خصوصًا وأنه ذكر الغاسق إذا وقب بعده.
وقيل: إنه خص الصبح بالذكر لأنه أنموذج من يوم القيامة؛ لأن الخلق كالأموات، والدور كالقبور، والنوم أخو الموت، والصبح كالبعث والنشور، وقيل غير ذلك.
جاء في (تفسير البيضاوي): "وتحصيصه (يعني الفلق) لما فيه من تغير الحال، وتبدل وحشة الليل بسرور النور، ومحاكاة فاتحة يوم القيامة، والإشعار بأن من قدر أن يزيل ظلمة الليل عن هذا العالم قدر أن يزيل عن العائذ به ما يخافه" (7).
وجاء في (التفسير القيم): "الفلق: هو الصبح الذي هو مبدأ ظهور النور، وهو الذي يطرد جيش الظلام وعسكر المفسدين في الليل، فيأوي كل خبيث وكل مفسد وكل لص وكل قاطع طريق إلى سرب أو كن أو غار، وتأوي الهوام إلى أجحرتها، والشياطين التي انتشرت بالليل إلى أمكنتها ومحالها" (8).
وجاء في (التفسير الكبير) للرازي أن تخصيص الفلق في التعوذ لوجوه منها: "الأول أن القادر على إزالة هذه الظلمات الشديدة عن كل هذا العالم يقدر أيضًا أن يدفع عن العائذ كل ما يخافه ويخشاه.
الثاني: أن طلوع الصبح كالمثال لمجيء الفرج. فكما أن الإنسان في الليل يكون منظر لطلوع الصبح، كذلك الخائف يكون مترقبًا لطلوع صباح النجاة.
الثالث: أن الصبح كالبشرى، فإن الإنسان في الظلام يكون كلحم على وضم، فإذا ظهر الصبح فكأنه صاح بالأمان وبشر بالفرج، فلهذا السبب يجد كل مريض ومهموم خفة في وقت السحر ...
السادس: يحتمل أنه تعالى خص الصبح بالذكر لأنه أنموذج من يوم القيامة؛ لأن الخلق كالأموات، والدور كالقبور" (9).
واختار لفظ (الفلق) على الصبح لأكثر من سبب، ذلك أن لفظ الفلق مشعر بالتغير والحركة؛ لأن معناه انشقاق ضوء الصبح عن ظلمة الليل، وأن الانفلاق والفلق يدل على التغير والحركة، ومنه {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} بخلاف كلمة (الصبح) فإنها لا تفيد ذاك، وإنما تفيد تعيين الوقت، فتشعر كلمة الفلق بتغير الأحوال، وتبدل نور الصبح بظلمة الليل، وزوال الهموم، والسعة بعد الضيق، ولا تفيد كلمة الصبح هذا التغير والتبدل.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن لفظة (الفلق) أعم من لفظ الصبح، وأن لها أكثر من معنى، ويمكن أن تكون معانيه مرادة كلها، فلفظ (الفلق) يفيد توسعًا في المعنى، بخلاف كلمة الصبح، فاختيار لفظ (الفلق) أولى.
واختيار لفظ (رب) وإضافته إلى الفلق أنسب شيء ههنا، فالرب معناه المالك والمربي والسيد والقيم والمعلم والمرشد، فالاستعاذة برب المخلوقات ومالكها والقائم على أمرها من شرور ما يصدر عنها أنسب شيء في إعاذة المستعيذ به، فهو وحده القادر على كفها وكف شرورها، فإنه يأمرها فتطيع أمره.
ثم إن المربي يحفظ من هو في رعايته ويرعاه ويدفع عنه السوء ويحميه من الشرور، والمربي من معاني (الرب).
فاختيار لفظ (الرب) مناسب من جهتين:
من جهة المستعاذ به، فإنه مربيه والقائم على حفظه ورعايته، ولذا كثر لفظ (الرب) مع الاستعاذة لما فيه من معنى التربية والحفظ والقيام بالأمر. قال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنين: 97 - 98]، وقال: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ} [الدخان: 20] وقال: {وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} [غافر: 27].
جاء في (تفسير البيضاوي) "ولفظ (الرب) ههنا أوقع من سائر أسمائه؛ لأن الإعادة من المضار تربية" (10).
وذكر غير لفظ (الرب) مع الاستعاذة له أسبابه ودواعيه، فإن ذلك بحسب ما يقتضيه المقام والسياق، كما ذكرنا في استعاذة مريم عليها السلام، فالاستعاذة برب المخلوقات من شرورها أنسب من اختيار أي لفظ أو اسم آخر.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 29 إلى ص 40.
(1) انظر التعبير القرآني 294 – 296.
(2) انظر فتح القدير 1/303.
(3) لسان العرب (فلق) 12/184.
(4) الكشاف 3/368.
(5) التفسير القيم 562.
(6) انظر روح المعاني 30/279.
(7) تفسير البيضاوي 814.
(8) التفسير القيم 561.
(9) التفسير الكبير 32/191 – 192، وانظر روح المعاني 30/279 – 280.
(10) أنوار التنزيل 814.
الوقفة كاملة
|
| ١٧٢ |
ذكر أن سبب نزول هذه السورة أنه لما مات القاسم بن رسول الله، ثم مات عبد الله، قال أعداؤه: قد انقطع نسله فهو أبتر، ذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا مات الذكور من أولاد الرجل قالوا: قد بير فلان، فأنزل الله {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} (1).
ولا يعنينا القائل من هو، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو معلوم. ومن لطائف هذه السورة أنها كالمقابلة للسورة المتقدمة، أعني سورة (الماعون) "وذلك لأن السورة المتقدمة وصف الله تعالى المنافق بأربعة أمور:(أولها) البخل، وهو المراد من قوله: {يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ}
(الثاني) ترك الصلاة، وهو المراد من قوله: {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} .
(الثالث) المراءاة في الصلاة، وهو المراد من قوله: {الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ}
(والرابع) المنع من الزكاة، وهو المراد من قوله: {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ}
فذكر في هذه السورة في مقابلة تلك الصفات الأربع صفات أربعًا:
فذكر في مقابلة البخل قوله {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} أي إنا أعطيناك الكثير، فأعط أنت الكثير ولا تبخل.
وذكر في مقابلة {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} قوله: (فصل) أي دم على الصلاة.
وذكر في مقابلة {الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ} قوله: (لربك)، أي ائت بالصلاة لرضا ربك لا لمراءاة الناس.
وذكر في مقابلة {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} قوله: (وانحر) وأراد به التصدق بلحم الأضاحي، فاعتبر هذه المناسبة العجيبة" (2).
وفي مقابل التكذيب بالدين الوارد في السورة المتقدمة وهو قوله: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ} ذكر قوله: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} ذلك أن من أشهر معاني الكوثر أو أشهر معنى له أنه نهر في الجنة كما ورد في الحديث الصحيح، وهذا يقتضي الإيمان بيوم الدين. جاء في (روح المعاني): "ولم يذكروا مقابل التكذيب بالدين، وقال الشهاب الخفاجي: إن الكوثر بمعنى الخير الكثير الشامل للأخروي، يقابل ذلك لما فيه من إثباته ضمنًا، وكذا إذا كان بمعنى النهر والحوض، والأمر على تفسيره بالإسلام وتفسير الدين به أيضًا في غاية الظهور" (3).
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 97 إلى ص 99.
(1) انظر فتح القدير 5/489 – 491، روح المعاني 30/248.
(2) التفسير الكبير 32/117، وانظر البحر المحيط 8/519، الإتقان 2/112.
(3) روح المعاني 30/246.
{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) }
إن هذه الآية كأنها إنجاز ما وعد الله به رسوله في سورة الضحى، وهو قوله: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}، فقد وعده في سورة الضحى أن يعيطه ربه في المستقبل، فكأنه أنجز في هذه السورة ما وعده به، قال هناك: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى: 5]، وقال هنا: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} والتوكيد بـ(إن) في مقابل التوكيد باللام في قوله: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ}.
لقد أسند الفعل إلى ضمير المتكلم المعظم نفسه فقال: (أعطيناك) وجعله مسندًا إلى الضمير المتقدم المؤكد بإن (إنا). وبناء الفعل على الاسم المتقدم كثيرًا ما يفيد الاختصاص. وقد يفيد الاهتمام دون الاختصاص وذلك كقوله تعالى: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ} [آل عمران: 193] فهو لم يقصر السماع عليهم، كقولك: (إن محمدًا نجح) فهو لا يفيد اختصاص النجاح به.
والاختصاص نحو قوله تعالى: {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} [النجم: 45] وهذا يفيد الأمرين معًا، فهو يفيد الاختصاص والاهتمام معًا، وقد أكد ذلك بإن فقال: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ} ولم يقل: نحن أعطيناك.
إن إسناد الفعل إلى ضمير المتكلم المفيد للتعظيم وتوكيده يفيد أنه لا يستطيع أحد أن ينزع هذا العطاء منه و هو الله الذي اختصه بهذا العطاء الكثير ؟!
ثم إن العطاء الكثير جدًا يقتضي التوكيد دون العطاء القليل، جاء في (روح المعاني): "وبنى الفعل على المبتدأ للتأكيد والتقوى، وجوز أن يكون للتخصيص ... وفي تأكيد الجملة بـ (إن) ما لا يخفى من الاعتناء بشأن الخبر" (1).
{أَعْطَيْنَاكَ}
قال: (أعطيناك)، ولم يقل: (آتيناك)، وهناك فرق بين الإعطاء والإيتاء. إن كلمتين (أعطى) و(آتى) متقاربتان لفظًا ومعنى، فإن أصل (آتى): (أأتى) بهمزتين، ثم أبدلت الهمزة الساكنة ألفًا لسبب صرفي معلوم.
فالهمزة الساكنة تقابل العين، والتاء تقابل الطاء، فالفرق بين (أأتى) و(أعطى) من الناحية الصوتية ليس كبيرًا، فإن الهمزة تقابل العين، وكلاهما من حروف الحلق، غير أن الهمزة أقوى من العين (2) كما يقول النحاة.
والتاء والطاء وأختهما الدال من مخرج واحد وهو طرف اللسان وأصول الثنايا (3). غير أن التاء حرف مهموس والطاء حرف مجهور، والطاء أعلى الثلاثة صوتًا (4).
إن من صفات الحرف المهموس أنه يتهيأ لك أن تنطق به ويسع منك خفيًا وظاهرًا، أما الحرف المجهور فإنه لا بد أن تجهر به، ولا يتهيأ النطق به إلا كذلك (5).
إن استعمال الفعلين في العربية موافق لبنائهما الصوتي. فأنه لما كانت الهمزة أقوى من العين استعمل الفعل (آتى) لما هو أقوى وأوسع، كإيتاء المال والملك والحكمة والآيات الدالة على صدق الأنبياء وغير ذلك، وذلك نحو قوله تعالى: {وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا} [النساء: 54]، وقوله: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} [الإسراء: 101].
ولما كانت التاء حرفًا مهموسًا وهو يسمع مجهورًا وخفيًا استعمل لما هو ظاهر ولما هو خفي، فمن الظاء إيتاء المال كقوله تعالى: {وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى} [البقرة: 177]، ومن الخفي إيتاء الحكمة والرشد والرحمة، قال تعالى: {آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} [الكهف: 65].
في حين أنه لما كانت الطاء حرفًا مجهورًا أعلى وأظهر من التاء استعمل الفعل لما هو ظاهر، ويكاد أن يكون مختصًا بالأموال.
ويمكن أن نقول أيضًا: إن الفعل (أعطى) أظهر من النطق من (آتى)، فكان استعماله في الأمور الظاهرة أكثر و أظهر، فكان بناء الكلمة الصوتي موافقًا للمعنى الذي استعملت له إلى حد كبير.
والآن بعد أن بينا الفرق بينهما من الناحية الصوتية وأثر ذلك في المعنى بصورة موجزة نبيين الفرق بينهما في الاستعمال.
إن (الإيتاء) – كما بينا – أوسع استعمالًا من (الإعطاء)، فهو يستعمل في الأشياء المادية والمعنوية، ويستعمل غالبًا في الأمور العظيمة ولما لا يحسن فيه استعمال الإعطاء.
أما الإعطاء فهو يستعمل غالبًا لما يفيد التمليك، قال تعالى: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ} [الأنبياء: 51]، وقال: {وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا} طه: 99]، وقال: {رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ} [الأحزاب: 68]، وقال: {فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ} [الأعراف: 38] وأنت ترى أنه لا يقال في نحو ذلك: (أعطى) وما تصرف منه.
ونحو ذلك قوله تعالى: {آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ} [الكهف: 96]، وقوله: {آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} [الكهف: 96] فإنه لا يحسن أن يقال: (أعطوني زبر الحديد) فإن الإعطاء هنا يفيد التمليك دون (آتوني).
ونحوه قوله تعالى: {وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 59]، فإنه لا يحسن أن يقال: (أعطينا ثمود الناقة).
ونحوه قوله تعالى: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: 7] فإنه ليس بمعنى (ما أعطاكم).
والإيتاء قد يكون للأمور المادية أيضًا كما ذكرنا، وذلك كقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43]، وقوله: {وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 2] وقوله: {وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ} [النور: 33].
ويكون الإيتاء غالبًا للأمور العظيمة، كقوله تعالى: {وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} [البقرة: 251]، وقوله: {وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا} [طه:99]، وقوله: {وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا} [النساء: 54]، وربما استعمل للقليل أيضًا كقوله تعالى: {فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا} [النساء: 53].
أما الإعطاء فيكون للأمور المادية غالبًا، وهو ما غلب في الاستعمال القرآني، قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} [الليل: 5 - 6]، وقال: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ} [التوبة: 29]، وقال: {فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} [التوبة: 58]، وقال: {وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى} [النجم: 34] فاتضح أن الإيتاء يكون بمعنى الإعطاء، وقد يكون لما لا يحسن فيه الإعطاء.
والفرق الآخر بين الإيتاء والإعطاء: أن الإعطاء يوجب التمليك دون الإيتاء (6)، فإنك إذا أعطيت أحدًا شيئًا فقد ملكته إياه دون الإيتاء، فإنه قد لا يكون تمليكًا وذلك كقوله تعالى: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: 7]، وقوله: {وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 59].
وقد يشمل الإيتاء النزع دون العطاء، قال تعالى: {تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ } [آل عمران: 26].
ولما كان العطاء تمليكًا فهو يجب الاختصاص، أي أن لصاحبه أن يتصرف فيه كما يشاء، فله أن يعطي منه ما يشاء أو يمسكه، ولذا لما دعا سليمان قائلًا: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} [ص: 35] قال له تعالى: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [ص: 39]، ولم يقل: (هذا إيتاؤنا) فأطلق له التصرف فيه، في حين لا يصح فيما آتاه الله من الكتاب والعلم أن يمسكه وإنما عليه أت يعلمه ويبينه، وقد سمى الله ذلك إيتاء لا إعطاء، قال تعالى: {وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ} [الحجر: 87]، وقال: {وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا} [طه: 99] وقد حذر الله من كتم شيئًا من ذلك بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة: 159].
جاء في (تفسير الرازي): "الإعطاء يستعمل في القليل والكثير، قال الله تعالى: {وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى} [النجم: 34]، أما الإيتاء فلا يستعمل إلا في الشيء العظيم، قال الله تعالى: {وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} [البقرة: 251] {وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا} [سبأ: 10]" (7).
وجاء فيه أيضًا: "فإن قيل: أليس قال: {وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي}؟ قلنا: الجواب من وجهين:
الأول: أن الإعطاء يوجب التمليك، والملك سبب الاختصاص، والدليل عليه أنه لما قال سليمان: {وَهَبْ لِي مُلْكًا} فقال: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ} ... أما الإيتاء فإنه لا يفيد الملك، فلهذا قال في القرآن: {أَتَيْنَاكَ} فإنه لا يجوز للنبي أن يكتم شيئًا منه.
الثاني: أن الشركة في القرآن شركة علوم ولا عيب فيها، أما الشركة في النهر فهي شركة في الأعيان وهي عيب" (8).
وجاء في (روح المعاني): "وفي إسناد الإعطاء إليه دون الإيتاء إشارة إلى أن ذلك إيتاء على جهة التمليك، فإن الإعطاء دونه كثيرًا ما يستعمل في ذلك، ومنه قوله تعالى لسليمان عليه السلام: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ} بعد قوله: {وَهَبْ لِي مُلْكًا} ...
الإيتاء لا يستعمل إلا في الشيء العظيم كقوله تعالى: {وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} {وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا} {وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ}، والإعطاء يستعمل في القليل والكثير كما قال الله تعالى: {وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى} (9).
يتبين مما مر:
1- أن الإيتاء أوسع استعمالًا من الإعطاء، وهو يستعمل في الشيء العظيم، أما الإعطاء فإنه يستعمل في القليل والكثير.
2- أنه قد يستعمل فيما لا يحسن فيه الإعطاء.
3- أن الإعطاء يوجب التمليك دون الإيتاء.
4- أن الإيتاء قد يشمله النزع بخلاف الإعطاء فإنه تمليك.
5- لما كان الإعطاء تمليكًا كان سببًا للاختصاص، أي لصاحبه أن يتصرف فيه كما يشاء من إعطاء أو إمساك.
لقد قال: {أَعْطَيْنَاكَ} دون (آتيناك)، ذلك أن ربنا أراد أن يلمك نبيه الكوثر فقال: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}. ولو قال: (آتيناك) لاحتمل أن يفهم أن ذلك إيتاء آية لا إيتاء تمليك، كما قال تعالى: {وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 59]، وقال: {وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} [الحجر: 87]، وقال: {آَتَانِيَ الْكِتَابَ} [مريم: 30].
والتمليك – كما هو معلوم – يفيد التخصيص، أي أنه ملك مختص بصاحبه ويتصرف فيه كما يشاء، بخلاف الإيتاء فإنه في الغالب لا يفيد الاختصاص.
ويفيد أنه لا يشمله النزع، بخلاف الإيتاء فإنه قد يشمله النزع كما قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا} [الأعراف: 175]، وكما قال في قارون {وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ} [القصص: 76] ثم نزعها منه وخسف به وبداره الأرض، فالإعطاء ههنا أدل على التكريم من الإيتاء.
وقال: {أَعْطَيْنَاكَ} ولم يقل: (سنعطيك)، إشارة إلى تحقق الوقوع وأن ذلك لا محالة. وقيل :إنه يدل على أن هذا الإعطاء كان حاصلًا في الماضي، وقيل: هو إشارة إلى تعظيم الإعطاء (10).
ويجوز أن ذلك إشارة إلى ما بدأ به من الإعطاء، وأنه مستمر لا ينقطع إلى الآخرة.
وقال: {أَعْطَيْنَاكَ} ولم يقل: أعطينا الرسول أو النبي أو العالم أو المطيع؛ لأنه لو قال ذلك لأشعر أن تلك العطية غير معللة بذلك الوصف، فلما قال: {أَعْطَيْنَاكَ} علم أن تلك العطية غير معللة بعلة أصلًا، بل هي محض الاختيار والمشيئة، كما قال: {نَحْنُ قَسَمْنَا} {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} " (11).
{الْكَوْثَرَ}
فَوْعَل: من الكثرة، وهو وصف يفيد المبالغة والإفراط فيها، "والعرب تسمي كل شيء كثير في العدد أو القدر أو الخطر كوثرًا" (12).
وقد فسر الكوثر تفسيرات كثيرة أهمها:
1- أنه نهر في الجنة، وقد صح ذلك عن رسول الله
2- أنه حوض في الجنة.
3- أولاده.
4- علماء أمته.
5- النبوة
6- القرآن وفضائله لا تحصى.
7- الإسلام.
8- كثرة الإتباع والأشياع.
9- الفضائل الكثيرة الني فيه.
10- رفعة الذكر.
11- العلم.
12- الخلق الحسن.
13- المقام المحمود الذي هو الشفاعة.
14- هذه السورة.
15- "إن المراد بالكوثر جمع نعم الله على محمد عليه السلام، وهو المنقول عن ابن عباس؛ لأن لفظ الكوثر يتناول الكثرة الكثيرة، فليس حمل الآية على بعض هذه النعم أولى من حملها على الباقي، فوجب حملها على الكل. وروي أن سعيد بن حبير لما روى هذا القول عن ابن عباس قال له بعضهم: إن أناسًا يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الكثير الذي لأعطاه الله إياه" (13).
جاء في (لسان العرب): "رجل كوثر: كثير العطاء والخير، والكوثر: السيد الكثير الخير ... وفي حديث مجاهد: أعطيت الكوثر وهو نهر في الجنة. وهو فوعل من الكثيرة، والواو زائدة، ومعناه: الخير الكثير" (14).
يتضح مما مر:
أن الكوثر يكون صفة للمبالغة نحو قولهم: (رجل كوثر) أي كثير العطاء والخير، ويكون ذاتًا موصوفة بكثرة الخير، كما ورد في اللسان (الكوثر: السيد الكثير الخير)، وعلى هذا يكون الكوثر صفة وموصوفًا.
إن الذي يترجح عندنا أن الكوثر يعني جميع نعم الله على رسوله في الدنيا و الآخرة، وأن كل ما ذكر في تفسيره هو من الكوثر الذي أعطاه ربه إياه كما قال ابن عباس، ونهر الجنة الموعود به هو الكوثر، وهو من الكوثر الذي وعده به.
وقال: (الكوثر) ولم يقل: (الكثير) ذلك أن (الكوثر) يكون صفة تدل على الخير الكثير، ويكون ذاتًا موصوفة بالخير الكثير، بخلاف (الكثير) فإنها تفيد الكثرة فقط غير محددة بشيء فكلمة (الكوثر) تعني شيئين:
1- الكثرة.
2- الخير.
فهي تعني الخير الكثير وليس الكثير فقط، وذلك يقال: (هو رجل كوثر) وتسكت، ولا يقال: (رجل كثير) وتسكت حتى تتم ذلك بقولك: هو كثير الخير أو كثير العطاء ونحو ذلك، وتقول: (أقبل الكوثر) أي السيد الكثير الحير، ولا تقول: (أقبل الكثير).
ومن معانيه: النهر الموعود به، فيقال: (هو الكوثر) ولا يقال: (هو الكثير)، فالكوثر على هذا وصف اسم، وكلاهما يدل على الخير والكثرة، فالوصف معناه كثير العطاء والخير، والموصوف معناه: السيد الكثير الخير، وعلى هذا فالكوثر أولى من الكثير.
ويقال: (الكثير) لهذا المعنى أيضًا على وزن (فَيْعَل) كصيرف وصيقل، غير أنه قال: (الكوثر) ولم يقل: (الكَثْيَر) لأن الواو أقوى من الياء فأعطى الأقوى لقوة الوصف والله أعلم.
وقد حذف موصوفه ليفيد إطلاق الخير وعمومه فلا يفيد بشيء، فلم بقل: (مالًا كوثرًا)، ولا (ماء كوثرًا)، ولا (ذرية كوثرًا)، ولا غير ذلك. وفيه من المبالغة ما لا يخفى. حاء في (روح المعاني) "وفي حذف موصوفه ما لا يخفي من المبالغة" (15).
ومن هذا يتضح أن الكوثر هو الخير المطلق والكثير الممتد من الدنيا إلى الآخرة، وهذا العطاء الواسع به حاجة إلى التوكيد فأكدة بـ (إن).
وبه حاجة أيضًا إلى تعظيم معطيه، فجاء بضمير التعظيم وهو (نا) فقال: (إنا)، فأنت ترى أن المناسب هو ما ذكره من التوكيد ومن ضمير التعظم، جاء في (الكشاف): "الكوثر: فَوْعَل من الكثيرة وهو المفرط الكثرة، قيل لأعرابية رجع ابنها من السفر: بم آب ابنك؟ قالت: آب بكوثر ...
وقيل: (الكوثر) نهر في الجنة ...
وعن ابن عباس أنه فسر الكوثر بالخير الكثير ...
والمعنى: أعطيتَ ما لا غاية لكثرته من خير الدارين الذي لم يعطه أحد غيرك، ومعطي ذلك كله أنا إله العالمين، فاجتمعت لك الغبطتان السنيتان: إصابة أشرف بإعطائه وشرفك وصانك من منن الخلق، مراغمًا لقومك الذين يعبدون غير الله، وانحر لوجهه وباسمه إذا نحرت مخالفًا لهم في النحر للأوثان" (16).
فانظر إلى ما في هذا التعبير من وجوه فنية:
1- توكيده بإن.
2- إسناد الفعل إلى ضمير العظمة (أعطينا).
3- جعله خبرًا للضمير المتقدم لغرض التوكيد والاختصاص.
4- استعمال (أعطينا) دون (آتينا).
5- تعديه الإعطاء إلى ضمير الخطاب دون وصف آخر كالرسول والمطيع ونحوه.
6- استعمال الكوثر دون الكثير. وقد جمع في هذه اللفظة وصف الخير وكل شيء موصوف بالخير.
7- حذف الموصوف للإطلاق.
8- اجتماع أعظم مكرمتين: المعطي العظيم وهو رب العالمين والعطاء العظيم وهو الكوثر، وكل منهما تكريم ما بعده تكريم، فكيف إذا اجتمعا؟
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 99 إلى ص 110.
(1) روح المعاني 30/246.
(2) الخصائص 2/146.
(3) شرح الرضي على الشافية 3/250.
(4) انظر الخصائص 2/158.
(5) شرح الرضي على الشافية 3/258.
(6) التفسير الكبير 32/123، روح المعاني 30/246.
(7) التفسير الكبير 32/123.
(8) التفسير الكبير 32/123.
(9) روح المعاني 30/246.
(10) انظر روح المعاني 30/246، التفسير الكبير 32/122.
(11) التفسير الكبير 32/122.
(12) فتح القدير 5/489.
(13) التفسير الكبير 32/124 – 128.
(14) لسان العرب (كثر) 6/148.
(15) روح المعاني 30/246.
(16) الكشاف 3/362.
الوقفة كاملة
|
| ١٧٣ |
فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) }
جعل شكر نعمة الإعطاء قسمين:
قسمًا خاصًا بالله تعالى وهو الصلاة، وقسمًا للعباد وهو النحر، ومن هذا يتضح أن الإحسان إلى عباد الله من شكر النعم.
{فَصَلِّ}
الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها (1). " أي فدم على الصلاة لربك الذي أفاض عليك ما أفاض من الخير خالصًا لوجهه عز وجل، خلاف الساهين عنها المرائين فيها أداء لحق شكره تعالى على ذلك. فإن الصلاة جامعة لجميع أقسام الشكر، ولذا قيل: (فصل) دون (فاشكر)" (2).
وقد اختلف في المراد بالصلاة، فقال قوم: إن المراد بالصلاة صلاة العيد، وإن المراد بالنحر نحر الأضحية فيه، وقد كانوا يقدمون الأضحية على الصلاة، فنزلت هذه الآية آمرة بالصلاة والنحر (3).
وقيل: إن المراد بالصلاة الصلاة المكتوبة (4).
وقيل: إن المراد هو جنس الصلاة المكتوبة والناقلة (5).
وهو الراجح فيما يبدو، إذ المطلوب أن تكون الصلاة عمومًا لله وحده لا لغيره.
{لِرَبِّكَ}
أي اجعل صلاتك خالصة لربك، فإن المشركين كانوا يصلون لغير الله، فأمره أن يصلي لله وحده، جاء في (تفسير الرازي): "أراد بالصلاة جنس الصلاة؛ لأنهم كانوا يصلون لغير الله وينحرون لغير الله، فأمره أن لا يصلي ولا ينحر إلا لله تعالى" (6).
وجاء في (تفسير ابن كثير): "أي كلما أعطيناك الخير الكثير في الدنيا والآخرة، ومن ذلك النهر الذي تقدم صفته، فأخلص لربك صلاتك المكتوبة والنافلة ونحرك، فاعبده وحده لا شريك له، وانحر على اسمه وحده لا شريك له، كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162 – 163] ...
وهذا بخلاف ما كان عليه المشركون من السجود لغير الله والذبح على غير اسمه، كما قال تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام: 121] (7).
فاتضح من هذا أن قوله: {لِرَبِّكَ} يعني الإخلاص ودفع الرياء، وهو في مقابل ما ذكره في سورة الماعون من قوله: {الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ} [الماعون: 6] جاء في (تفسير الرازي): "كأنه تعالى يقول: ذكر في السورة المتقدمة أنهم كانوا يصلون للمراءاة فصل أنت لا للرياء لكن على سبيل الإخلاص" (8).
وكان الأصل أن يقول بعد قوله: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}: (فصل لنا) ولكن التفت فقال: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ} وفي هذا الالتفات عدة فوائد منها:
أنه أفاد أن الصلاة تكون للرب وحده لا للمعطي على سبيل الإطلاق، فإن المتصف بالعطاء يستحق الصلاة إلا الله. لو قال (فصل لنا) لربما أوهم أنه استحق الصلاة لكونه معطيًا، فأزال الالتفات هذا الوهم.
ومنها: أن ضمير العظمة (نا) يشترك مع ضمير المتكلمين وليس في السورة ما يدفع هذا الاشتراك، فعدل عن هذا التعبير إلى قوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ }لينص على أن هذا ضمير العظمة وليس ضمير الاشتراك.
والملاحظ في القرآن الكريم أنه لم يأت بضمير العظمة في موطن إلا ذكر قبله أو بعده ما يدفع وهم الاشتراك، فيذكر اسم الله أو الرحمن أو غيرهما مما يدل على أنه الله ولا يدع ذلك للعقل وحده.
وهذا على سبيل الاستغراق ولك يشذ عن ذلك أي موطن، ومن ذلك على سبيل المثال:
{مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [البقرة: 106 – 107].
وقوله: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 155 - 156].
وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172].
وقوله: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) … وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [الشرح: 1 - 8]
وقوله: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ..... أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} [التين: 4 - 8]
وقوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) ...... تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ} [القدر: 1 - 4]
وقوله: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}
وغير ذلك وغيره.
واختار لفظ (الرب) وإضافته إلى ضمير الخطاب فيه من التكريم ما لا يخفي، فإن اختيار كلمة (الرب) مناسب للعطاء الذي أعطاه إياه، وإضافته إلى ضمير الخطاب فيه من التخصيص ما هو ظاهر، إن هذه السورة مختصة بالرسول ولذا كانت كلها مبنية على خطابه: {إِنَّا أَعْطَيْنَاك .... فَصَلِّ لِرَبِّكَ .... إِنَّ شَانِئَكَ}.
جاء في (تفسير الرازي): "كان الأليق في الظاهر أن يقول: (إنا أعطيناك الكوثر، فصل لنا وانحر) لكنه ترك ذلك إلى قوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ} لفوائد:
(إحداها) أن وروده على طريق الالتفات من أمهات أبواب الفصاحة.
(وثانيها) أن صرف الكلام من المضمر إلى المظهر يوجب نوع عظمة ومهابة، ومنه قول الخلفاء لمن يخاطبونهم: يأمرك أمير المؤمنين، وينهاك أمير المؤمنين.
(وثالثها) أن قوله: {إِنَّا أَعْطَيْنَاك} ليس في صريح لفظه أن هذا القائل هو الله أو غيره. وأيضًا كلمة (إنا) تحتمل الجمع كما تحتمل الواحد المعظم نفسه، فلو قال: صل لنا [لبقي] ذلك الاحتمال، وهو أنه ما كان يعرف أن هذه الصلاة لله وحده أم له ولغيره على سبيل التشريك، فلهذا ترك اللفظ وقال: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ} ليكون ذلك إزالة لذلك الاحتمال وتصريحًا بالتوحيد في الطاعة والعمل لله تعالى.
(المسألة السابعة) قوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ} أبلغ من قوله (فصل لله) لأن لفظ الرب يفيد التربية المتقدمة المشار إليها بقوله: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ } ويفيد الوعد الجميل في المستقبل أنه يربيه ولا يتركه" (9).
{وَانْحَرْ}
والنحر: هو نحر الهدي والنسك والضحايا من الإبل. وقال: {وَانْحَرْ} ولم يقل: (اذبح) لأن النحر خاص بالإبل، أما الذبح فهو عام يشمل كل ما يذبح من الإبل والبقر والغنم وعموم ما يذبح، فطلب منه أن ينحر البُدْن (10). وهي خيار أموال العرب، ويتصدق بها على المحتاجين. جاء في (روح المعاني): "وانحر البدن التي هي خيار أموال العرب باسمه تعالى وتصدق على المحاويج. خلافًا لمن يدعهم ويمنع منهم الماعون" (11).
والنحر هو المناسب للعطاء الكثير، فلما أعطاه الكوثر ناسب أن يتصدق بالكثير شكرًا لله تعالى.
وقيل: النحر: هو وضع اليد اليمنى على اليسرى تحت النحر في الصلاة (12).
والأول أرجع لأسباب منها:
1- أن استعمال كلمة النحر في نحر الإبل أشهر استعمالها في وضع اليمنى على النحر أو غير ذلك مما فسرت به.
2- أن تفسير النحر بوضع اليد اليمنى على اليسرى يروى عن على، وهو لا يصح عنه (13).
3- أن تفسير (انحر) بوضع اليمنى على اليسرى هو من هيئات الصلاة، وهي داخلة في قوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ} فلم يعط العطف معنى جديدًا، فوجب أن يكون المراد من النحر غير هذا المعنى.
4- أن القوم كانوا يصلون لغير الله وينحرون لغير الله، فأمر الله نبيه أن تكون صلاته ونحره له.
5- أن الله تعالى كلما ذكرنا الصلاة ذكر الزكاة بعدها، فيكون النحر بمعنى نحر البدن أولى.
6- أن قوله: (فصل) إشارة إلى التعظيم لأمر الله، وقوله: (انحر) إشارة إلى الشفقة على خلق الله، وجملة العبودية لا تخرج عن هذين الأصلين (14).
وقد تقول: ولم اختار النحر هنا فقال: {وَانْحَرْ} دون أن يقول: (فصل لربك وتصدق) أو (آت الزكاة) أو نحو ذلك؟
والجواب: أن اختيار النحر ههنا أولى من وجوه:
منها أن الصدقة تشمل القليل والكثير، في حين أن المناسب للعطاء الكثير أت يتصدق بأعز الأموال وأكرمها عندهم شكرًا لله.
أما إيتاء الزكاة فإنه لم يملك نصاب الزكاة فلم تجب عليه – كما قيل – " (15).
ثم إنه لو قال: (وآت الزكاة) لم كان هذا مختلفًا عن أمر عامة المسلمين بها، قال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] فلا يكون ذلك شكرًا خاصًا على ما أعطاه ربه من الكوثر.
ومن ناحية أخرى أن الزكاة تجب مرة في العام، في حين أنه هنا أطلق النحر ولم يخصصه بوقت دون وقت.
ثم إن قوله: {وَانْحَرْ} معناه التصديق بلحم ما يذبح منها، وهو مقابل قوله تعالى في السورة المتقدمة: {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} [الماعون: 7]؛ فإن من معاني {الْمَاعُونَ} الإناء الذي يوضع فيه الطعام. إن المذكور في السورة السابقة يمنع الماعون، والرسول يتصدق بما يوضع في الماعون، فكان ما ذكره أولى.
وقد تقول: ولم لم يقل: (فصل لربك وضح) من الضحية؟
والجواب: أن ما ذكره أنسب من وجوه، منها:
إن قوله: (ضح) يعم كل ما يصح أن يضحى به من الإبل والبقر والغنم، فلو ضحى بشاة كان مطيعًا وكانت مجزئة في هذا الأمر. في حين أنه طلب منه أن يتصدق بأكرم الأموال وأعزها عندهم وهي الإبل، وهو المناسب لما أعطاه، فكان هذا أولى.
ثم إن الضحية مختصة بوقت دون وقت، فإن الضحايا تكون في أيام عيد الأضحى، وهي أربعة أيام في العام. في حين أن قوله: (انحر) مطلق غير مقيد بوقت دون وقت، فهو أوسع في الصدقة وأنفع لعباد الله.
ثم إن قوله: (انحر) يشمل عموم ما ينحر لله تعالى من هدى أو ضحية أو صدقة أو غيرها من النسك، فكان أولى.
جاء في (تفسير الرازي): "في الآية سؤلان:
أحدهما: أن المذكور عقب الصلاة هو الزكاة، فلم كان المذكور ههنا هو النحر؟ والثاني: لِمَ لمْ يقل: ضح حتى يشمل جميع أنواع الضحايا؟الجواب عن الأول: أما على قوله من قال: المراد بالصلاة صلاة العيد فالأمر فيه ظاهر. وأما على قول من حمله على مطلق الصلاة فلوجوه:
أحدها: أن المشركين كانت صلواتهم وقرابينهم للأوثان، فقيل له، اجعلهما لله.
وثانيها: أن من الناس من قال: إنه عليه السلام ما كان يدخل في ملكه شيء من الدنيا بل كان يملك بقدر الحاجة، فلا جرام لم تجب الزكاة عليه، أما النحر فقد كان واجبًا عليه ...
وثالثها: أن أعز الأموال عند العرب هو الإبل، فأمر بنحرها وصرفها إلى طاعة الله تعالى ...
والجواب عن الثاني: أن الصلاة أعظم العبادات البدنية فقرن بها أعظم أنواع الضحايا" (16).
وقد تقول: ولم قدم الصلاة على النحر؟
والجواب: أن ذلك لأوجه:منها: أن الصلاة أهم من النحر وأكبر عند الله، فهي ركن من أركان الإسلام، وهي أكبر العادات عند الله تعالى.
ومنها: أن الصلاة أعم من النحر، والقيام بها أكثر من النحر، فإن المفروض منها فقط خمس مرات في اليوم والليلة عدا النوافل، فأين النحر من ذلك؟
ثم إن الصلاة حق الله، وإن النحر حق العباد. وحق الله مقدم على حقوق العباد.
ثم إن هذه الآية نظيرة ما اجتمعت فيه الصلاة والصدقة من آيات القرآن الكريم فإنه يقدم الصلاة عليها، نحو قوله تعالى: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [المائدة: 55]، وقوله: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 3].
ثم إنه قيل: إن المقصود بالصلاة صلاة العيد، والنحر: هو الهدي والنسك والضحايا، وقدمت الصلاة على النحر لأنه كان ينحر قبل الصلاة فأمره أن يصلي وينحر (17).
جاء في (تفسير ابن كثير): "إن المراد بالنحر ذبح المناسك، ولهذا كان رسول الله يصلي العيد ثم ينحر نسكه ويقول: (من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له)" (18).
وقيل: إن هذا قول ضعيف؛ لأن العطف بالواو لا يوجب الترتيب (19).
وقيل: بل "دلت الأدلة على وجوب تقديم الصلاة على النحر لا لأن الواو توجب الترتيب، بل لقوله عليه السلام: ابدؤوا بما بدأ الله به" (20).
والظاهر – والله أعلم – أن المراد مطلق الصلاة ومطلق النحر، سواء كان في العيد أم في غيره، وهو أدل على الشكر؛ لأن ذلك غير مقيد بأيام مخصوصة في السنة، وإذا وافق ذلك في العيد كانت الصلاة قبل النحر والله اعلم.
وقد تقول: ولم قال: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} ولم يقل: (فصل لربك وانحر له) فاكتفى بمتعلق واحد؟
والجواب: من وجوه منها:
1- أن المتعلق الأول يغني عن الثاني، فإنه مفهوم من المعنى.
2- أن الصلاة أهم من النحر لأنها لا تسقط، بخلاف النحر فإنه يكون مع الوجد، فجعل المتعلق بما هو أهم.
3- أن الصلاة لا تكون إلا عبادة، ولا تكون إلا لله، ولا تكون لغير ذلك بحال من الأحوال.
أما النحر فإنه قسمان:
قسم للعبادة، ولا يكون لغير الله البتة، فإنه حرام وأكله حرام ينص القرآن، وهو مما أهل لغير الله به الذي حرم بنص القرآن، وقد جاء الحديث الصحيح عن الإمام على بن أبي طالب أنه سمع النبي يقول: (لعن الله من ذبح لغير الله)، قالوا: "المراد به أن يذبح لغير الله تعالى، كمن ذبح للصنم أو الصليب أو لموسى أو لعيسى عليهما السلام أو للكعبة ونحو ذلك، فكل هذا حرام، ولا تحل هذه الذبيحة سواء كان الذابح مسلمًا أو كافرًا" (21).
وقسم يذبح للأكل لا للعبادة، كما هو شأن الجزارين، ومن يذبح لغرض الأكل فهذا تكفي في التسمية، بل أبيح الأكل مما لا نعلم أنه ذكر اسم الله عليه، ويكفي أن نسمي نحن عليه، كما في الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنا "إن قومًا قالوا: يا رسول الله إن قومًا يأتوننا باللحم لا ندري اسم الله عليه أم لا؟ فقال: سموا عليه أنتم وكلوا"
وبهذا استدل بعضهم على أن التسمية على الذبيحة ليست شرطًا. ومما يدل على عدم الاشتراط قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} فأبح الأكل من ذبائحهم مع وجود الشك في أنهم سموا أم لا (22).
وقد ذهب قسم غير قليل من الفقهاء منهم ابن عباس وأبو هريرة وطاووس والشافعي ومالك وأحمد إلى أن التسمية سنة، فمن تركها عندهم عمدًا أو سهوًا لم يفدح في حل الأكل (23).
ولذا اختلف النحر عن الصلاة ولم يجعلهما بمرتبة واحدة، فإنه قد لا يكون عبادة بخلافها، فذكر (لربك) مع الصلاة دون النحر، فألزمه أن تكون الصلاة لربه، ولم يلزمه بألا ينحر إلًا للشعيرة، فقد ينحر لغير الشعيرة والله أعلم.
فانظر إلى طرف من أسرار التعبير في الآية:
1- أنه بدأ بالفاء فقال: {فَصَلِّ } لترتيب ما بعدها على ما قبلها؛ لأن ما قبلها جدير بالشكر.
2- اختار الصلاة دون غيرها منا الطاعات لأنها أهمها.
3- قال: {لِرَبِّكَ} طلبًا للإخلاص له لا لغيره سبحانه ولا رياء.
4- قال: {لِرَبِّكَ} ولم يقل: (لنا) للدلالة على أن الله هو الذي يصلى له لا للمعطي على العموم.
5- اختار كلمة (الرب) دون غيرها من أسماء الله الحسنى لما فيها من معنى التربية والتعهد والعناية.
6- أضاف الرب إلى ضمير الخطاب للدلالة على التكريم ولما في ذلك من العناية بشأنه.
7- جاء بكلمة (الرب) بعد ضمير التعظيم لرفع توهم الاشتراك.
8- ذكر النحر دون الذبح للدلالة على عظيم الشكر، فإن النحر مختص بالإبل.
9- ذكر النحر دون الزكاة أو الضحية للدلالة على العموم والاتساع في الأوقات، ولعدم تخصيصه بالنصاب أو بوقت من أوقات السنة.
10- جمع بين الصلاة والنحر للدلالة على أن الشكر قسمان: قسم لله وقسم لعباده.
11- قدم الصلاة على النحر لأهمية الصلاة، ولأنها تكون في سائر الأوقات، وهي عبادة يومية تكون في اليوم والليلة على الدوام ولا تسقط بحال.
12- اكتفى بالمتعلق {لِرَبِّكَ} مع الصلاة دون النحر؛ لأن ذلك مفهوم، ولأن الصلاة عبادة على وجه الدوام. أما النحر فقد يكون للعبادة والنسك، وقد يكون لغيره.
إلى غير ذلك من الأسرار التعبيرية.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 110 إلى ص 122.
(1) فتح القدير 5/489.
(2) روح المعاني 30/246، وانظر أنوار التنزيل 812.
(3) البحر المحيط 8/52، التفسير الكبير 32/130.
(4) فتح القدير 5/489.
(5) تفسير ابن كثير 4/558، الكشاف 3/362، التفسير الكبير 32/130، فتح القدير 5/489.
(6) تفسير الرازي 32/130.
(7) تفسير ابن كثير 4/558.
(8) التفسير الكبير 32/131.
(9) التفسير الكبير 32/131.
(10) البُدْن: جمع بَدَنة، وهو ما يضحى به وينسك من الإبل.
(11) روح المعاني 30/246، وانظر أنوار التنزيل 812، فتح القدير 5/489.
(12) تفسير ابن كثير 4/558، الكشاف 3/362، التفسير الكبير 32/129.
(13) تفسير ابن كثير 4/558.
(14) انظر التفسير الكبير 32/129 – 130.
(15) انظر التفسير الكبير 32/132.
(16) التفسير الكبير 32/131 – 132.
(17) البحر المحيط 8/520.
(18) تفسير ابن كثير 4/559.
(19) التفسير الكبير 32/130.
(20) التفسير الكبير 32/130.
(21) نيل الأوطار 8/145.
(22) نيل الأوطار 8/145 – 146.
(23) نيل الأوطار 8/240.
الوقفة كاملة
|
| ١٧٤ |
{مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}
ودع من التوديع كما يودع المفارق صاحبه، وهو يكون عادة بين المتحابين والأصحاب، ولذا كثر استعمال التوديع والوداع بين المحبين في الشعر العربي، قال الشاعر:
ودع هريرة إن الـركـب مـرتـحـل
وهـل تطيق وداعـا أيـهـا الـرجـل
جاء في (روح المعاني): "ودع من التوديع، وهو في الأصل من الدعة، وهو أن تدعو للمسافر بأن يدفع الله عنه كآبة السفر، وأن يبلغه الدعة وخفض العيش، كما أن التسليم دعاء له بالسلامة، ثم صار متعارفًا في تشييع المسافر وتركه، ثم استعمل في الترك مطلقًا ... على أن التوديع مستعار استعارة تبعية للترك، وفيه من اللطف والتعظيم ما لا يخفى، فإن الوداع إنما يكون بين الأحباب ومن تعز مفارقته" (7).
وأما القلى فهو البغض.
فقد أقسم ربنا أنه لم يودع سيدنا محمدًا ولم يبغضه، وقد ذكر مفعول التوديع وحذف مفعول البغض، فقال: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} ولم يقل: (وما قلاك) لأكثر من سبب. فقد قيل: إن حذف الكاف الثانية اكتفاء بالكاف الأولى في (ودّعك) فقد علم أنه ضمير المخاطب وهو الرسول ، ولأن رؤوس الآيات تقتضي ذاك، فأوجب اتفاق الفواصل حذف الكاف (8).
وقيل: إن الحذف يفيد الإطلاق، بمعنى أنه ما قلاك ولا قلى أحدًا من أصحابك ومن أحبك إلى يوم القيامة (9).
ثم إن هذا الحذف من باب التكريم له فإنه لم يرد أن يواجهه بنسبة البغض إليه، فقد جاء في (روح المعاني): "وحذف المفعول لئلا يواجهه عليه الصلاة والسلام بنسبة القلى وإن كانت في كلام منفي لطفا به وشفقة عليه الصلاة والسلام" (10).
وجاء في (معاني النحو): "ويذكر النحاة أن المفعول قد يحذف لتناسب الفواصل كقوله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} أي وما قلاك، غير أنني أرى لهذا الحذف غرضًا بديعًا وسرًا لطيفًا علاوة على ما ذكروه، وهو أن الحذف ههنا للإكرام والتعظيم، وذلك أنه تعالى لم يرد أن يواجهه بالقلى فيقول: (وما قلاك) وإنما اكتفى بالمفعول السابق إكرامًا لرسوله من أن يناله الفعل.
ونحو هذا يجري في كلامنا، فإنا قد نكرم شخصًا فلا نواجهه بما يشين وإن كان هو المقصود بالكلام، وذلك كأن يقول أحد لآخر: بلغني عنك أنك شتمت وقلت وقلت، فيقول: لا والله ما شتمت ولا قلت، فحذف المفعول في الفعلين تعظيمًا له من أن يناله الفعل" (11).
فأنت ترى أن ذكر المفعول مع التوديع إكرام له وحذفه من القلى إكرام له، فهو إكرام في الذكر وإكرام في الحذف، وهذا من مواطن الذكر والحذف.
وفي ذلك أيضًا توجيه وإرشاد إلى أدب الكلام والخطاب، فإنه لا يحسن مواجهة الشخص الذي نجله ونكرمه بفعل مرغوب عنه ولو نفيًا، فلا تقول: أنا لم أشتمك ولم أسبك، وأنا لا أهينك ولا أضربك، بل تخرجه مخرج الإطلاق والعموم وعدم المواجهة، فتقول: أنا لم أشتم ولم أسب، بخلاف المرغوب فيه من الأفعال، فإن المواجهة لا عيب فيها بل قد تحسن، فتقول: أنا لم أكرمك كما تستحق، وسبحان ربي ما عبدتك حق عبادتك.
واختيار كلمة (الرب) وإضافتها إلى المخاطب أنسب شيء ههنا وأدل على الرعاية والعناية، فإن الرب هو المربي والمرشد والمالك والسيد فكيف يودعك ويلقيك وأنت عبده ورسوله وهو سيدك ومولاك أخرجك من الظلمة إلى نور الوحي والرسالة؟
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 145 إلى ص 150.
(1) انظر الكشاف 3/344 – 345، البحر المحيط 8/485، التفسير الكبير 31/209، تفسير ابن كثير 4/522، روح المعاني 30/158.
(2) انظر روح المعاني 30/153 – 154.
(3) الكشاف 3/344، وانظر البحر المحيط 8/458.
(4) التفسير الكبير 31/207.
(5) التفسير الكبير 31/209.
(6) التبيان في أقسام القرآن 47.
(7) روح المعاني 30/154.
(8) انظر الكشاف 3/345، البحر المحيط 8/485، التفسير الكبير 31/209.
(9) انظر التفسير الكبير 31/209، روح المعاني 30/156.
(10) روح المعاني 30/156.
(11) معاني النحو 2/115 – 116.
الوقفة كاملة
|
| ١٧٥ |
{وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6)}
الحسنى صفة، وهي تأنيث (الأحسن) كالعليا تأنيث الأعلى. وهي وصف مطلق لم يذكر له موصوف معين، ولذا هي تشمل كل ما هو الأحسن مما ينبغي التصديق به ولا تختص بشيء معين.
وقد اختلفت أقوال المفسرين في المقصود بهذا الوصف، فقال ابن عباس وجماعة: إنه الخلف في الدنيا الوارد به وعد الله تعالى لقوله تعالى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} [سبأ: 39] وقال مجاهد والحسن وجماعة: الجنة، وقال جماعة: الثواب. وقال السلمي وغيره: لا إله إلا الله (1).
وجاء في (فتح القدير) أن التصديق بالحسنى هو التصديق "بموعود الله الذي وعده أن يثيبه" (2). وقال القفال: "وبالجملة إن الحسنى تسع كل خصلة حسنة" (3).
والإطلاق ظاهر في الآية، فلا ينبغي تخصيصها بأمر واحد مما ذكروه، بل هي: تشمله وتشمل كل ما هو أحسن مما ينبغي التصديق به كما ذكرت.
جاء في (روح المعاني): "ويترجح عندي أن الإعطاء إشارة إلى العبادة المالية، والاتقاء إشارة إلى ما يشمل سائر العبادات من فعل الحسنات وترك السيئات مطلقًا.
والتصديق بالحسنى إشارة إلى الإيمان بالتوحيد أو بما يعمه وغيره مما يجب الإيمان به" (4).
وقد قدم العطاء على الاتقاء، وقدم الاتقاء على التصديق بالحسنى لأكثر من سبب ؛ فأما تقديم العطاء فقال فيه المفسرون إنه لكونه سبب النزول، ذلك أن سبب النزول كان في شخص أعطى ماله في سبيل الله، وأجمعوا على أنه أبو بكر الصديق رضي الله عنه. وذهب الشيعة إلى أنه علي بن أبي طالب كرم الله وجهه (5). ونحن لا يعنينا هنا تعيين الشخص من هو، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فإن اللفظ يشمل كل من اتصف بالصفات التي ذكرها ربنا سبحانه، وأبو بكر وأبو الحسن كلاهما مشمولان بهذا الوعد الحسن. وعلى أية حال فإن سبب النزول كان في شخص أعطى ماله في سبيل الله، فكان تقديم العطاء أنسب لكونه سبب النزول.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن جو السورة شائع فيه المال وإعطاؤه أو البخل به، فقد جاء فيها قوله: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى} وهو أظهر في المال. ومقابله {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى}، وقوله: {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى}، وقوله: {الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى} فالمال وإنفاقه أو البخل فيه هو الشائع في السورة، فناسب تقديم العطاء.
والعطاء هو المفضول فيما ذكر من الصفات، ثم ذكر بعده ما هو أفضل منه وهو قوله: {وَاتَّقَى} وهو أفضل من العطاء، والعطاء في سبيل الله إنما هو من الاتقاء. قال : "اتقوا النار ولو بشق تمرة". ثم ذكر بعده ما هو أفضل منه، وهو التصديق بالحسنى، وهو أفضل من كل ما ذكر؛ لأنه رأس الإسلام، ومن كذب بالحسنى فلا ينفعه شيء مهما عمل، والإعطاء والاتقاء إنما هما من التصديق بالحسنى، فترقى من المفضول إلى الأفضل.
وهو أيضًا متدرج من الأخص إلى الأعم، فإن العطاء أخص من الاتقاء، والاتقاء أخص من التصديق بالحسنى، فكل معطٍ في سبيل الله متقٍ، وكل متقٍ مصدق بالحسنى، فالمصدق بالحسنى يشمل المتقي وغيره، والمتقي يشمل المعطي وغيره، فهو تدرج من الخصوص إلى العموم.
وهناك أمر آخر حسن هذا الترتيب، وهو أنه تقدم قبله قوله: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} والعطاء من السعي، وهو أظهر الخصال المذكورة فيه. ويليه الاتقاء، فإن فيه جانب سعي وجانب ترك وقعود.
وأما التصديق بالحسنى فإنه ليس بسعي، وإنما هو اعتقاد قلبي وتصديق، والمصدق بالحسنى قد يكون قاعدًا، فقدم ما هو ألصق بالسعي، ورتب المذكورات بحسب قربها وبعدها منه، فكان هذا الترتيب أنسب شيء.
وهناك أمر آخر في أولوية هذا الترتيب، ذلك أنه قال قبله: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} ومن الذكر والأنثى يكون المجتمع، فقدم ما هو أهم بالنسبة إلى المجتمع وهو العطاء، فإنه أولى ما يقدمه الفرد، إذ على الفرد أن يكون معطيًا لا آخذًا على الدوام، فأول دعامة في بناء المجتمع وتطوره وتقدمه وازدهاره هو العطاء له، وهو يعني التكافل والتآزر والتعاون وما إلى ذلك من خلال الخير.
والـدعـامـة الأخـرى وهي الاتقاء، وهو أن يحذر الإساءة إلى الآخرين، وأن يحذر ما يدعو إلى الإساءة إليه فيكون لبنة صالحة تحفظ المجتمع الذي يعيش فيه. والاتقاء له جانبان: أن يقي نفسه ويحفظها من الغوائل التي قد تقع عليه، وأن يقي المجتمع مما قد يقع عليه منه أو من غيره، ولذا أطلق الاتقاء والله أعلم.
والدعامة الأخرى وهي التصديق بالحسنى، وذلك من صفات المجتمع المؤمن، وهي من ألزم الأمور لتماسك المجتمع وقوته. فالمصدق بالحسنى يكون مؤثرًا لغيره على نفسه، غير مفرط في حقوق الآخرين، ويكون معطيًا متقيًا.
إن الصفة الأولى - وهي العطاء - صفة اجتماعية محضة، ثم تليها الثانية وهي الاتقاء، ثم الثالثة وهي الإيمان، وهذه أقرب إلى الفردية، لأنها اعتقاد شخصي وإن كانت آثارها تعود على المجتمع، فكان هذا التقديم أنسب شيء ههنا.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 173 إلى ص 176.
(1) البحر المحيط 8/483.
(2) فتح القدير 5/440.
(3) التفسير الكبير 31/199.
(4) روح المعاني 30/148.
(5) انظر التفسير الكبير 31/204.
الوقفة كاملة
|
| ١٧٦ |
{إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى}
ذكر لهذه الآية أكثر من معنى؛ فقد قيل إن المعنى أن علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال وبيان الحلال والحرام والطاعة والمعصية، ونحن نتكفل ببيان ذلك والتعريف به (1).
وقيل: المعنى إن الهدى يوصل صاحبه إلى الله وإلى ثوابه وجنته، فالسالك في طريق الهدى يصل إلى الله سبحانه، أي إلى مرضاته، وهو نحو قوله تعالى: {إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [هود: 56]، وقوله: {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا} [الإنسان: ۲۹].
جاء في (التبيان في أقسام القرآن): "قال الواحدي: (علينا للهدى) أي إن الهدى يوصل صاحبه إلى الله وإلى ثوابه وجنته، وهذا المعنى في القرآن في ثلاثة مواضع: ههنا، وفي (النحل) في قوله: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} [النحل: 9]، وفي (الحجر) قوله: {هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ}. وهو معنى شريف جليل يدل على أن سالك طريق الهدى يوصله طريقه إلى الله ولابد. والهدى هو الصراط المستقيم، فمن سلكه أوصله إلى الله، فذكر الطريق والغاية، فالطريق: الهدى، والغاية: الوصول إلى الله" (2).
وجاء في (فتح القدير): "أي إن علينا البيان. قال الزجاج: علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال. قال قتادة: على الله البيان، بيان حرامه وطاعته ومعصيته.
قال الفراء: من سلك الهدى فعلى الله سبيله، لقوله: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} يقول من أراد الله فهو على السبيل القاصد" (3).
وجاء في (تفسير ابن كثير): "{إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى} تبيين الحلال والحرام، وقال غيره: من سلك طريق الهدى وصل إلى الله. وجعله كقوله: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ}" (4).
وهذا المعنيان مرادان، فإن بيان الهدى وبيان سبيل طاعته إنما يكون على الله سبحانه تبيينه وتوضيحه.
وإن طريق الهدى يوصل إلى الله سبحانه، أي إلى مرضاته وثوابه وجنته، وأما طريق الضلال فلا يوصل إليه وإنما يوصل إلى النار، وقد جمعت الآية هذين المعنيين الجليلين معًا.
ونظير ذلك قوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} [النحل: 9] فإنه يجمع هذين المعنيين، فإنه يعني أن على الله تبيين الطريق المستقيم والدعاء إليه بالحجج والبراهين.
ومعنى (القصد): الاستقامة والعدل، ومعنى (القصد) أيضًا: استقامة الطريق. جاء في (لسان العرب) "القصد: استقامة الطريق، قصَد يقصِد قصدًا فهو قاصد، وقوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} أي على الله تبيين الطريق المستقيم والدعاء إليه بالحجج والبراهين الواضحة.
ومنها جائر، أي ومنها طريق غير قاصد.
وطريق قاصد: سهل مستقيم، وسفر قاصد: سهل قريب، وفي التنزيل {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ} [التوبة: 42] قال ابن عرفة: سفرًا قاصدًا، أي غير شاق، والقصد: العدل" (5).
ويعني أيضًا أن الطريق القاصد يصل إلى الله، والطريق القاصد هو الطريق المستقيم، وأما ما عداه فهو طريق جائر حائد عن الحق، كما قال الله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ}.
ويحتمل معنى آخر، وهو أن مقصدك واعتزامك ينبغي أن يكون على ربك، وأن يكون توجهك إليه. قال الفراء: "من سلك الهدى فعلى الله سبيله لقوله: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ}، يقول: من أراد الله فهو على السبيل القاصد" (6).
أي من أراد الله فهو على السبيل المستقيم، أي فليسلك السبيل المستقيم، فإن ربنا عليه.
ونحو هذا ما قيل في قوله تعالى: {هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ} [الحجر: 41]، فقد قيل: إن المعنى "عليّ أن أدل على الصراط المستقيم بالبيان والحجة، وقيل: بالتوفيق والهداية" (7).
وقيل: هو "على معنى أنه طريق يؤدي إلى الوصول إلي من غير اعوجاج وضلال، وهو على نحو (طريقك عليّ) إذا انتهى المرور عليه.
وإيثار حرف الاستعلاء على حرف الانتهاء لتأكيد الاستقامة والشهادة باستعلاء من ثبت عليه، فهو أدل على التمكن من الوصول، وهو تمثيل فلا استعلاء لشيء عليه سبحانه، تعالى الله عن ذ ذلك علوًا كبيرًا ...
والعرب تقول: طريقك في هذا الأمر على فلان، على معنى: إليه يصير النظر في أمرك، وعن مجاهد وقتادة أن هذا تهديد للعين، كما تقول لغيرك: افعل ما شئت فطريقك علي، أي لا تفوتني" (8).
وذهب بعضهم إلى أن (علي) بمعنى (إليّ) (9)، وهذا المعنيان مرادان معًا في هذه الآيات الثلاث، والله أعلم.
ثم لنلاحظ من جهة أخرى تأليف هذه الآية:
لقد قدم الخبر (وهو الجار والمجرور) على الاسم، وأكد الآية بإن واللام. أما التقديم في مثل هذا التعبير فإنه يفيد القصر غالبًا، ومعنى ذلك أن الهداية مختصة به سبحانه، إذ هو وحده الذي يهدي الناس إلى ما يصلحهم في الدنيا والآخرة، ولا يقبل هدى غيره. وكل هدى سوى هداه باطل وضلال، وهو مردود مرفوض، وصاحبه شقي في الدنيا والآخرة، ولا يمكن لأحد أن يهدي خلقه غيره ولا يستطيع ذلك، وإن الناس لو اتبعوا هدى غيره لضلوا وشقوا.
وقد أكد التعبير بإن واللام ليثبت هذا المعنى في نفوسنا، وليبين لنا أهمية هذا الأمر.
إن أكثر الناس ينازعون في هذا الأمر ويبتغون الهدى في غير ما أنزل الله، ولا يقرون بهذه الحقيقة، ولذا أكده بمؤكدين.
وإذا كانت الآية بالمعنى الآخر، وهو أن طريق الهدى يوصل إلى الله ولا يذهب إلى غيره، وما سواه طريق منقطع عنه يوصل سالكه إلى النار فهذا المعنى به حاجة إلى القصر والتوكيد أيضًا، وهو نظير قوله تعالى: {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} [النجم: ٤٢]، ونظيره في القصر {وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران: 28]، وقوله: {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} [القيامة: 30] فهو على كل معنى مؤكد مقصور.
إن هذه الآية مرتبطة بما قبلها وما بعدها أحسن ارتباط وأجله، فهي مرتبطة بقوله: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} فإن هذا السعي المختلف المتناقض أصحابه محتاجون إلى الهدى ليسلكوا الطريق الصحيح، وإن الخلق إذا أوكل أمر السعي إليهم ذهبوا في متاهات وابتعد بعضهم عن بعض وسلكوا طرقًا متنائية متباعدة، ألا ترى أن سعي الناس شتى لأنهم لم يتبعوا هدى ربهم وإنما اتبعوا أهواءهم وعقولهم فضلوا، ولذلك ينبغي أن يكون الهدى الله حصرًا لئلا يكون سعي الناس شتى.
وهي مرتبطة بقوله: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ....} فهذا من الهدى الذي بينه ربنا وقد عرفنا كل طريق وإلى ماذا يوصل، وهي مرتبطة بما بعدها من الآيات كما سنوضح ذلك.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 182 إلى ص 186.
(1) انظر فتح القدير 5/440، تفسير ابن كثير 4/520، البحر المحيط 8/484.
(2) التبيان 45.
(3) فتح القدير 5/440.
(4) تفسير ابن كثير 4/52.
(5) لسان العرب (قصد) 4/354 – 355.
(6) فتح القدير 5/440.
(7) فتح القدير 3/136.
(8) روح المعاني 14/51.
(9) انظر روح المعاني 14/51.
الوقفة كاملة
|
| ١٧٧ |
{إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18) وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (19)}
{إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ}
لقد قال: {الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ} بالإبدال، ولم يقل: (المتصدقين والمتصدقات) للدلالة على المبالغة في الصدقات. وقد بينا ذلك في كتابنا ( بلاغة الكلمة في التعبير القرآني) وذكرنا الفرق بين الإبدال وعدمه في نحو قوله: {وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ} (1) فلا نعيد القول فيه.
وقد عطف المصدقات على المصدقين ولم يكتف بجماعة الذكور، ليدل على استقلال النساء في أموالهن ويرغمهن على شيء لا يردنه، وأنه ليس لأحد أن يمنعهن من التصدق لا أزواجهن ولا آباؤهن ولا غيرهم، وليبين أنه إذا كان لهن مال فلا تغني صدقة أزواجهن عنهن أو أحد من أقربائهن، وأنه يضاعف لهن الأجر كما يضاعف للرجال.
ثم إنه ذكر المصدقين والمصدقات كما ذكر المؤمنين والمؤمنات والمنافقين والمنافقات في السورة كما سبق أن ذكرنا.
وقد ذكر الذين أقرضوا الله قرضًا حسنًا بعد ذكر المصدقين والمصدقات، وعطفهم عليهم، إشارة إلى أن الصدقة غير القرض الحسن.
وقد ذكر في القرض الحسن أقوال منها: أنه أحسن أنواع الصدقة، أو أن المراد بالتصدق التصدق الواجب "وبالإقراض التطوع، لأن تسميته بالقرض كالدلالة على ذلك" (2).
والذي يظهر – والله أعلم – صحة القول الأخير لأوجه منها:
1- أن القرآن قد يذكر القرض الحسن بعد الزكاة وقد يأمر به بعد الأمر بالزكاة، قال تعالى: {لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [المائدة: 12]، وقال: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [المزمل: 20]، والزكاة فرض، مما يشير إلى أن القرض الحسن إنما هو من باب التطوع بعد الفريضة.
2- تسميته قرضًا، والمقرض ليس ملزمًا بالإقراض وإنما هو مخير، بخلاف المزكي فإنه ملزم بإخراجها، وبخلاف المتصدق فإن من الصدقة ما يلزم.3- قال في أكثر من موطن: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} [البقرة: 245، الحديد: 11] وهو كأنه من باب الترغيب في الإقراض والتخيير فيه وليس من قبيل الإلزام.
أو أن القرض الحسن أعم من الصدقة، فهو في الصدقات وغير من وجوه الإنفاق في أبواب الخير، ولذا عطف المقرضين على المتصدقين.
وقد عطف بالفعل على الاسم فقال: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} ليدل على أن الصدقة لازمة ثابتة، وأن التصدق وصفهم العام الثابت، فهي متكررة على جهة الثبوت، بخلاف الإقراض فإنه ليس ثابتًا ثبوت الصدقة، ولذا لم ترد صفة الإقراض بالصيغة الاسمية في القرآن الكريم، فلم يقل: (المقرضين) كما قال: (المتصدقين).
وقد وصف القرض بأنه حسن، وقد مر ذكر المقصود بالحسن في آية سابقة.
ومن الطريف أن نذكر أن الله لم يذكر القرض إلا وصفه بالحسن، فلم يرد مرة ذكر القرض دون وصفه بذاك، بخلاف الصدقة.
وأنه حيث ذكر القرض فإنه ذكر أنه إقراض لله، ولم يطلقة مرة من دون تقييد، ولعله للتفريق بين الإقراض المالي في المعاملات وما يعطيه الفرد لوجه الله، بخلاف الصدقات فإنها لا تكون إلا في العبادات.
ثم ذكر المضاعفة والأجر الكريم كما ذكرنا في آية سابقة، أعني قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ}.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 379 إلى ص 381.
(1) بلاغة الكلمة في التعبير القرآني 45 وما بعدها.
(2) تفسير الرازي 29/232.
الوقفة كاملة
|
| ١٧٨ |
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ}
خطاب للمؤمنين عامة من أهل الكتاب وللمؤمنين بمحمد . فالمؤمنون بموسى وعيسى من أهل الكتاب يطلب منهم أن يتقوا الله ويؤمنوا بمحمد، فإن أمارات صدقة ظاهرة وإن نعته موجود في كتبهم وهم يعرفونه كما يعرف أبناءهم، فلا يمنعهم الكبر وحظ الدنيا أو الحسد أو غير ذلك من الإيمان به.
والمؤمنون به من المسلمين عليهم أن يتقوا الله ويثبتوا على الإيمان برسوله، وهذا نظير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ} [النساء: 136] أي اثبتوا على ذلك.
أي نصيبين، وذلك عام يشمل مؤمني أهل الكتاب والمسلمين. أما مؤمنو أهل الكتاب فقد ذكر ذلك لهم في قوله: {الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آَمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [القصص: 52 - 54].
وأما المسلمون فقد ذكر ذلك ربنا فيهم في الآية التالية وهي قوله: {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} فدل بذلك على أن ذلك من فضل الله عليهم.
بل ذهب قسم من المفسرين إلى أن هذه الآية إنما هي في المسلمين، يبين ذلك الحديث الذي أورده البخاري في صحيحه" مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر أجراء يعملون له. فعملت اليهود إلى نصف النهار، وعملت النصارى من الظهر إلى العصر على قيراط ثم عمل المسلمون من العصر إلى المغرب على قيراطين. قال فيه: واستكملوا أجر الفريقين كليهما" أي استكملوا مثل أجر الفريقين، أي أخذوا ضعف كل فريق" (1).
وجوز صاحب الكشاف أن يكون الخطاب لهما جميعًا وهو الذي نرجحه، جاء في (الكشاف): "{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا} يجوز أن يكون خطابًا للذين آمنوا من أهل الكتاب والذين آمنوا من غيرهم.
فإن كان خطابًا لمؤمني أهل الكتاب فالمعنى: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى آمنوا بمحمد {يُؤْتِكُمْ} الله {كِفْلَيْنِ} أي نصيبين {مِنْ رَحْمَتِهِ} لإيمانكم بمحمد وإيمانكم بمن قبله {وَيَجْعَلْ لَكُمْ} يوم القيامة {نُورًا تَمْشُونَ بِهِ} وهو النور المذكور في قوله: {يَسْعَى نُورُهُمْ}، {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} ما أسلفتم من الكفر والمعاصي، {لِئَلَّا يَعْلَمَ} ليعلم {أَهْلُ الْكِتَابِ} الذين لم يسموا، و(لا) مزيدة.
{أَلَّا يَقْدِرُونَ} (أن) مخففة من الثقيلة، أصله: أنه لا يقدرون ... {عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} أي لا ينالون شيئًا مما ذكر من فضله من الكفلين والنور والمغفرة؛ لأنهم لم يؤمنوا برسول الله فلم ينفعهم إيمانهم بمن قبله ولم يكسبهم فضلًا قط.
وإن كان خطابًا لغيرهم فالمعنى: اتقوا الله واثبتوا على إيمانكم برسول الله يؤتكم ما وعد من آمن من أهل الكتاب من الكفلين في قوله: {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ} ولا ينقصكم من مثل أجرهم لأنكم مثلهم في الإيمانين لا تفرقون بين أحد من رسله" (2).
وقال ههنا: {كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} ولم يقل: (كفلين من الأجر) أو (يؤتكم أجركم مرتين) كما قال في آية القصص التي ذكرناها، وكما قال في نساء النبي: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ} [الأحزاب: 31] فذكر في آية الحديد الرحمة وذكر هناك الأجر، ذلك لأن الأصل في معنى الأجر أن يكون الجزاء على العمل (3). وفي هذه الآية – أعني آية الحديد – لم يذكر عملًا، وإنما قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ} فكان ذكر الكفلين من الرحمة أنسب، بخلاف آية القصص فإنه ذكر عملًا، فقد قال: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}، وقال بعدها: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} [القصص: 55].
وكذلك في آية الأحزاب فإنه ذكر الأجر بمقابل العمل: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ}.
فناسب ذكر الرحمة في آية الحديد كما ناسب ذكر الأجر في آيتي القصص والأحزاب والله أعلم.
{وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ}
ذكر صاحب الكشاف، أن ذلك يوم القيامة، الذي يظهر أن ذلك عام في الدنيا ويوم القيامة، كما قال تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 122]، وكما قال: {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [الحديد: 9].
وقد تقول: ولم يقل ههنا: (ويجعل لكم نورًا تمشون به في الناس) كما قال في آية الأنعام؟
والجواب: أن السياق مختلف فيهما، فإن آية الحديد كما ذكرنا عامة في الدنيا ويوم القيامة، بل استظهر بعض المفسرين أن ذلك في يوم القيامة، ويوم القيامة لا يكون المشي بالنور في الناس بل هو نور خاص بكل مؤمن لا يتعدى غيره.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى أنه اكتنف آية الأنعام ذكر الناس ومعاملاتهم وافتراءاتهم وضلالهم وإضلالهم وما إلى ذلك. فهي في سياق الناس و أحوالهم فناسب ذكرهم في الآية.
بخلاف آية الحديد فإنها ليست في مثل هذا السياق وإنما تقدمها ذكر الرهبانية والرأفة والرحمة فأطلق المشي سواء كان في معاملات الناس وأحوالهم أن في الاعتقاد.
{وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}
سبق ذكر المغفرة والرحمة في الآية في قوله: {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} وقوله: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} فناسب قوله: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .
قد تقول: ولم قدم المغفرة على الرحمة فقال: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} مع أنه سبق ذكر الرحمة ذكر المغفرة في الآية فقال: {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} ثم قال: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ}؟
فنقول: حيث اجتمع الاسمان الكريمان الغفور الرحيم في القرآن الكريم قدم اسمه الغفور إلا في موطن واحد وهو قوله في سورة سبأ: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} [سبأ: 2].
ومما قيل في سبب ذلك أن آية سبأ لا تختص بالإنسان وإنما هي عامة، فقدم الرحمة لأنها عامة لا تختص بالإنسان، فإن الرحمة قد تكون بالحيوان أيضًا. أما المغفرة فهي خاصة بالإنسان فقدم الحريم على الغفور.
ومن الملاحظ أيضًا أنه في جميع المواطن التي ورد فيها الاسمان الكريمان تقدم قبلهما ذكر للإنسان في صورة الصورة، إلا آية سبأ فإنه لم يتقدمها ذكر للإنسان، قال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (1) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} [سبأ:1 - 2].
فلم يذكر بعد الآية أصناف الناس فقال: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ...} فلما أخر ذكر الناس أخر ما يتعلق بهم وهو المغفرة، فقدم ما يتعلق بالمتقدم وأخر ما يتعلق بالمتأخر، والله أعلم.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 423 إلى ص 428.
(1) التحرير والتنوير 27/427 – 428، وينظر البحر المحيط 10/116، روح المعاني 27/193.
(2) الكشاف 4/68.
(3) انظر لسان العرب (أجر)، القاموس المحيط (أجر).
الوقفة كاملة
|
| ١٧٩ |
{لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)}
أي إن إيتاء الكلفين من الرحمة والمغفرة وجعل النور إنما يكون بالإيمان بالرسول الخاتم محمد ولا يكون بغير ذلك، وإن من لم يؤمن بمحمد فهو محروم ليس له شيء من ذلك ولا ينفعه إيمانه بمن قبله من الرسل حتى يؤمن بمحمد.
وقد أخبرهم بذلك ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يستطيعون على شيء من فضل الله فيمنعونه من غيرهم أو يظنون أن فضل الله منحصر فيهم، وإنما الفضل بيد الله سبحانه يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
وقال: {عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} ولم يقل: (على فضل الله) ليدل على أنهم لا يقدون على أن شيء مهما قل.
و(لا) في قوله: {لِئَلَّا يَعْلَمَ} مزيدة تفيد التوكيد، أي ليعلم أهل الكتاب ذلك علمًا مؤكدًا ولا تستبد بهم ظنونهم وأهواؤهم.
و(لا) تزاد بعد (أن) للتوكيد إذا كان اللبس مأمونًا والمعنى متضحًا، جاء في (تفسير الرازي): "إن أهل الكتاب وهو بنو إسرائيل كانوا يقولن: الوحي والرسالة فينا، والكتاب والشرع ليس إلا لنا، والله تعالى حصنا بهذه الفضيلة العظيمة من بين جميع العاملين.
إذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى لما أمر أهل الكتاب بالإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام وعدهم بالأجر العظيم ذلك الإيمان أتبعه بهذه الآية، والغرض منها أن يزيل عن قلوبهم اعتقادهم بأن النبوة مختصة بهم وغير حاصلة إلا في قومهم، فقال: إنما بالغنا في هذا البيان وأطنبنا في الوعد والوعيد ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على تخصيص فضل الله بقوم معينين، ولا يمكنهم حصر الرسالة والنبوة في قوم مخصوصين، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ولا اعتراض عليه في ذلك أصلًا" (1).
وجاء في (روح المعاني): "أي ليعلم أهل الكتاب القائلون: [من آمن] بكتابكم منا فله أجران، ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجوركم أنهم لا ينالون شيئًا من فضل الله من الأجرين وغيرهما ولا يتمكنون من نيله ما يم يؤمنوا بمحمد وحاصله الإعلام بأن إيمانهم بنبيهم لا ينفعهم شيئًا ما لم يؤمنوا بالنبي عليه الصلاة والسلام، فقولهم: (من لم يؤمن بكتابكم فله أجر) باطل.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: لما نزلت {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا} [القصص: 54] فخر مؤمنو أهل الكتاب على أصحاب النبي فقالوا: لما أجران ولكم أجر، فاشتد ذلك على أصحابه عليه الصلاة والسلام فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ...} إلخ، فجعل لهم سبحانه أجرين مثل ما لمؤمني أهل الكتاب. وقال الثعلبي: ... فجعل لهم أجرين وزادهم النور، ثم قال سبحانه: {لِئَلَّا يَعْلَمَ ....} إلخ.
وحاصله على هذا ليعلموا أنهم ليسوا ملاك فضله عز وجل فيزووه عن المؤمنين ويستبدوا به دونهم" (2).
قد تقول: لقد قال في مكان آخر: {وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران: 174] بالتنكير، وقال ههنا {وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} بالتعريف، فما السبب؟
فنقول: إن السياق مختلف في كل منهما، فقد قال في آل عمران: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران: 173 - 174] فهي في نجاة المؤمنين في معركة أحد وأنهم لم يمسسهم سوء بعدها.
أما سياق آية الحديد فهي في المغفرة والرحمة والنور فكان الفضل أعظم. فناسب كل تعبير السياق الذي ورد فيه.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 428 إلى ص 430.
(1) تفسير الرازي 29/193 – 194.
(2) روح المعاني 27/296 – 297.
الوقفة كاملة
|
| ١٨٠ |
{وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} [هود: 3]
قدم الاستغفار على التوبة لأن الاستغفار إنما يكون من الذنوب التي فعلها العبد، وأما التوبة فتالية له، ومن شروطها عدم العودة على ما أسلف من المعصية.
جاء في (البحر المحيط): "أمر بالاستغفار طلب المغفرة وهي الستر، والمعنى أنه لا يبقى لها تبعة.
والتوبة الانسلاخ من المعاصي والندم على ما سلف منه والعزم على عدم العودة إليها" (1).
وجاء في التفسير (تفسير الرازي): "في فائدة هذا الترتيب أن المراد: استغفروا من سالف الذنوب، ثم توبو إليه في المستأنف ...
(الوجه الرابع): الاستغفار طلب من الله لإزالة ما لا ينبغي.
والتوبة سعي من الإنسان في إزالة ما لا ينبغي، فقدم الاستغفار ليدل على أن المرء يجب أن لا يطلب الشيء إلا من مولاه فإنه هو الذي يقدر على تحصيله.
ثم بعد الاستغفار ذكر التوبة عمل يأتي به الانسان ويتوسل به إلى دفع المكروه. والاستعانة بفضل الله مقدمة على الاستعانة بسعي النفس" (2).
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 12 إلى ص 13.
(1) البحر المحيط 5/201.
(2) تفسير الرازي 18/315.
{يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}
المتاع الحسن هو الأمن النفسي واطمئنان القلب إلى ما قدر الله والرضا به والقناعة بما قسم الله له ورجاؤه في ثوابه وإفاضة النعم على المجتمع المؤمن والتكافل فيما بينهم ومعاونة أحدهم الأخر وسلامة النفس وسلامة المجتمع، وهذا كله من المتاع الحسن، بخلاف الكافر فإنه في قلق نفسي والخوف من زوال النعم والجزع عند المصيبة.
وهذا كله من المتاع الحسن وليس كل المتاع الحسن.
جاء في (البحر المحيط): "المتاع الحسن: الرضا بالميسور والصبر علي المقدور، أو حسن العمل وقطع الأمل، أو النعمة الكافية مع الصحة والعافية ... أو لزوم القناعة وتوفيق الطاعة ...
وقال [يعني ابن عطية]: ووصف المتاع بالحسن إنما هو لطيب عيش المؤمن برجائه في الله عز وجل وفي ثوابه وفي فرحه بالتقرب إليه بمرفوضاته والسرور بمواعيده.
والكافر ليس في شيء من هذا" (1).
وسمي منافع الدنيا بالمتاع "لأجل التنبيه على حقارتها وقلتها.
ونبه على كونها منقضية بقوله تعالى: {إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} فصارت هذه الآية دالة على كونها حقيرة خسيسة منقضية" (2).
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 13 إلى ص 14.
(1) تفسير الرازي 18/315.
(2) البحر المحيط 5/201.
{وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ}
"الضمير في (فضله) يحتمل أن يعود على الله تعالى، أي يعطي في الأخرة كل من كان له فضل في علم الخير وزيادة ما تفضل الذي عمله في الدنيا لا يبخس منه شيء" (1).
فهذا التعبير يحتمل معنيين:
الأول: إن الضمير في (فضله) يعود على صاحب الفضل، فالله يؤتيه فضله لا يبخس منه شيئًا بل يزيده.
والأخر: أن يعود الضمير على الله، أي إن الله يؤتي فضله من كان ذا فضل.
والمعنيان صحيحان وهما مرادان وهو من التوسع في المعنى.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 14 إلى ص 15.
(1) تفسير الرازي 18/316.
(2) البحر المحيط 5/201.
{وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ}
(تولوا) أي تتولوا حذف إحدى التاءين تخفيفًا. ومن الملاحظ في التعبير القرآني أنه حيث ذكر التاءين في هذا الفعل كان الموقف أشد، وإذا كان أخف خفف بحذف إحدى التاءين.
فقد ذكرها ههنا أنه إن تولوا خاف عليهم عذاب يوم عظيم، ولم يقل إنه يعذبهم وإنما خاف عليهم العذاب، والخوف عليهم لا يقتضي وقوع المخوف.
في حين قال: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح: 16].
فقد ذكر أنهم إن تولوا يعذبهم عذابًا أليمًا ولم يقل إنه يخاف عليهم العذاب.
ثم إنه وصف العذاب بأنه أليم، وههنا وصف اليوم ولم يصف العذاب وقال على لسان هود لقومه: {وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} [هود: 52] بتاءين. وقال على لسانه أيضًا: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ} [هود: 57] بتاء واحدة.
وسياق الآية الأولي أشد، ذلك أنهم قالوا له بعد أن قال لهم ذلك: {قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آَلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ} [هود: 53 - 54].
في حين لم يقولوا شيئًا بعد قوله: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ}
وقال: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 32].
فقد ذكر أنهم تولوا عن طاعة الله والرسول فإن الله لا يحب الكافرين ولم يذكر عذابهم أو عقابهم.
وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} [الأنفال: 20].
والخطاب للمؤمنين، ولم يطلق التولي بل خصه بالتولي عن الرسول.
ولما كان المخاطبون مؤمنين فإنه نهاهم عن شيء من التولي من باب التحذير وقال: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور: 54].
فلم يذكر عاقبة التولي إلا أن عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا.
في حين قال: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38].
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 15 إلى ص 16.
{أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ}
اليوم الكبير هو يوم القيامة.
ولم يرد في القرًان (إنني أخاف) بنون الوقاية مع (إن).
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 16 إلى ص 16.
الوقفة كاملة
|