| ١٤١ |
برنامج لمسات بيانية
يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ
الحسرة أشد الندم والغم يركب الإنسان حتى يكون حسيراً منقطعاً لا يستطيع فعل شيء لتدارك ما فاته. جاء في (لسان العرب) "الحسرة أشد الندم حتى يبقى النادم كالحسير من الدواب الذي لا منفعة فيه"(1).
وقال الزجاج: "الحسرة أمر يركب الإنسان من كثرة الندم على ما لا نهاية له حتى يبقى حسيراً"(2).
و "الحسرة على ما قال الراغب الغم على ما فات والندم عليه كأن المتحسر انحسر عنه قواه من فرط ذلك أو أدركه إعياء عن تدارك ما فرط منه"(3).
ومعنى (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ) على أشهر الأقوال أنه نداء للحسرة مجازاً أي أقبلي يا حسرة فهذا وقت حضورك. جاء في (الكشاف) في قوله (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ) "نداء للحسرة عليهم كأنما قيل لها تعالي يا حسرة فهذه من أحوالك التي حقك أن تحضري فيها وهي حال استهزائهم بالرسل. والمعنى أنهم أحقاء بأن يتحسر عليهم المتحسرون ويتلهف على حالهم المتلهفون أو هم متحسر عليهم من جهة الملائكة والمؤمنين من الثقلين"(4).
ويقوي الدلالة على النداء قوله تعالى وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًالَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا) – الفرقان (13، 14) وقوله وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا - الانشقاق (10، 11).
ومعنى دعاء الثبور مناداته للحضور بأن يقولوا: واثبوراه أو يا ثبوراه، أي احضر يا ثبور فهذا وقتك وحينك.
والثبور الهلاك(5).
ولا يقصد حقيقة النداء ولكن المقصود بيان أن العباد أوقعوا أنفسهم في أمر عظيم لا يستطيعون منه مخرجاً تركبهم منه الحسرة مركباً عظيماً لا تفارقهم، وينالهم من الغم والندم ما يملأ نفوسهم فليس في نفوسهم مكان لغير الكرب والندم وليس فيها موضع استرواح رائحة أمل ولا تنسم نسمة فرج. فهم متحسرون نادمون منقطعون لا تفارقهم الحسرة والندم والغم أبد الآبدين.
وعبر بذلك تفظيعاً لما يصيبهم وهو نظير قولنا عن شخص وقد عمل عملاً نعلم أنه سيلحقه منه خسران كبير: يا خسارته، يا ويله مما سيحصل. نقول ذلك استفظاعاً لما يصيبه واستعظاماً له. والعباد هم المكذبون بالرسل المستهزئون بهم.
جاء في (التفسير الكبير): "من المتحسر؟
نقول فيه وجوه:
(الأول) لا متحسر أصلاً في الحقيقة إذ المقصود بيان أن ذلك وقت طلب الحسرة حيث تحققت الندامة عند تحقق العذاب.
وههنا بحث لغوي، وهو أن المفعول قد يرفض رأساً إذا كان الغرض غير متعلق به، يقال (إن فلاناً يعطي ويمنع) ولا يكون هناك شيء معطى إذ المقصود أن له المنع والإعطاء. ورفض المفعول كثير. وما نحن فيه رفض الفاعل وهو قليل. والوجه فيه ما ذكرنا، أن ذكر المتحسر غير مقصود وإنما المقصود أن الحسرة متحققة في ذلك الوقت.
(الثاني) أن قائل (يا حسرة) هو الله على الاستعارة تعظيماً للأمر وتهويلاً له حيث يكون كالألفاظ التي وردت في حق الله كالضحك والنسيان والسخر والتعجب والتمني.
أو نقول: ليس معنى قولنا يا حسرة ويا ندامة أن القائل متحسر أو نادم بل المعنى أنه مخبر عن وقوع الندامة ولا يحتاج إلى تجوز في بيان كونه تعالى (قال يَا حَسْرَةً) بل يخبر به على حقيقته إلا في النداء فإن النداء مجاز والمراد الإخبار"(6).
وجاء في (تفسير ابن كثير): "(يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ) أي يا ويل العباد. وقال قتادة (يا حسرة على العباد) أي يا حسرة العباد على أنفسهم على ما ضيعت من أمر الله وفرطت في جنب الله"(7).
وجاء في (روح المعاني): "ولعل الأوفق للمقام المتبادر إلى الإفهام نداء حسرة كل من يتأتى منه التحسر ففيه من المبالغة ما فيه"(8).
مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
وهذا بيان سبب الحسرة والندم.
قوله (مِنْ رَسُولٍ) يفيد الاستغراق والمعنى أنه لم يسلم رسول من الاستهزاء.
وقد تقول: ولم قال ههنا (مِنْ رَسُولٍ) وقال في الزخرف (من نبي)؟
فنقول: إن كل لفظة ناسبت الموطن الذي وردت فيه.
فقد قال في الزخرف وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ - (6، 7).
فقوله (وَكَمْ أَرْسَلْنَا) يفيد التكثير فإن (َكَمْ) هذه خبرية وهي تفيد التكثير. والأنبياء أكثر من الرسل فإن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً فناسب كلمة (نبي) كم الخبرية. جاء في (ملاك التأويل): "لما تقدم في آية الزخرف لفظ (كَمْ) الخبرية وهي للتكثير ناسب ذلك كله من يوحى إليه من نبي مرسل أو نبي غير مرسل. فورد هنا ما يعم الصنفين عليهم السلام"(9).
وتقديم (بِهِ) على الفعل للاهتمام إذ المفروض أن يستقبل العباد رسولهم بالطاعة والاستجابة والإكرام لأنه مرسل إليهم من ربهم ولكنهم استقبلوه بالاستهزاء والسخرية.
وذهب صاحب (روح المعاني) إلى أن هذا التقديم للحصر الادعائي أو لمراعاة الفاصلة. قال و (بِهِ) متعلق بيستهزئون. وقدم عليه للحصر الادعائي وجوز أن يكون لمراعاة الفواصل"(10).
ومعلوم أن تقديم المعمول على عامله لا يقتصر على معنى الحصر.
نعم إن إرادة الحصر فيه مثيرة ولكن قد يكون التقديم لغير ذلك من مواطن الاهتمام وذلك كقوله تعالى وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ - النحل (16) فإن التقديم هنا لا يفيد الحصر إذ الاهتداء لا يقتصر على النجوم بل إن وسائل الاهتداء كثيرة قال تعالى وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ - النحل (15) فذكر من وسائل الاهتداء الجبال والأنهار والسبل"(11). والأظهر فيما نرى أن التقديم ههنا إنما هو للعناية والاهتمام ويجوز أيضاً أن يكون لما ذكره صاحب (روح المعاني) والله أعلم.
الوقفة كاملة
|
| ١٤٢ |
(إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ )
لقد قال المصدّقين والمصَدّقات بالإبدال ولم يقل (المتصدقين والمتصدقات) للدلالة على المبالغة في الصدقات. وقد بينا ذلك في كتابنا (بلاغة الكلمة في التعبير القرآني) وذكرنا الفرق بين الإبدال وعدمه في نحو قوله (المتصدقين والمتصدقات) (1) فلا نعيد القول فيه.
وقد عطف المصدّقات على المصدّقين ولم يكتف بجماعة الذكور ليدل على استقلال النساء في أموالهن فيتصرفن فيها ويتصدقن منها من دون أن يقسرهن أحد في أموالهن ويرغمهن على شيء لا يردنه وأنه ليس لأحد أن يمنعهن من التصدق لا أزواجهن ولا آباؤهن ولا غيرهم. وليبين أنه إذا كان لهن مال فلا تغني صدقة أزواجهن عنهن أو أحد من أقربائهن. وأنه يضاعف لهن الأجر كما يضاعف للرجال.
ثم إنه ذكر المصدّقين والمصدّقات كما ذكر المؤمنين والمؤمنات والمنافقين والمنافقات في السورة كما سبق أن ذكرنا.
وقد ذكر الذين أقرضوا الله قرضاً حسناً بعد ذكر المصدّقين والمصدّقات وعطفهم عليهم إشارة إلى أن الصدقة غير القرض الحسن.
وقد ذكر في القرض الحسن أقوال منها أنه أحسن أنواع الصدقة أو أن المراد بالتصدق التصدق الواجب وبالإقراض التطوع لأن تسميته بالقرض كالدلالة على ذلك (2).
والذي يظهر والله أعلم صحة القول الأخير لأوجه منها:
1- أن القرآن قد يذكر القرض الحسن بعد الزكاة وقد يأمر به بعد الأمر بالزكاة، قال تعالى (لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) - المائدة (12) وقال( وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ۚ) - المزمل (20) والزكاة فرض مما يشير إلى أن القرض الحسن إنما هو من باب التطوع بعد الفريضة.
۲- تسميته قرضاً والمقرض ليس ملزماً بالإقراض وإنما هو مخير بخلاف المزكي فإنه ملزم بإخراجها وبخلاف المتصدق فإن من الصدقة ما يلزم.
٣- قال في أكثر من موطن (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ) - البقرة (245)، الحديد (11) وهو كأنه من باب الترغيب في الإقراض والتخيير فيه وليس من قبيل الإلزام.
أو أن القرض الحسن أعم من الصدقة فهو في الصدقات وغيرها من وجوه الإنفاق في أبواب الخير. ولذا عطف المقرضين على المتصدقين.
وقد عطف بالفعل على الاسم فقال( إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) ليدل على أن الصدقة لازمة ثابتة وأن التصدق وصفهم العام الثابت فهي متكررة على جهة الثبوت بخلاف الإقراض فإنه ليس ثابتاً ثبوت الصدقة ولذا لم ترد صفة الإقراض بالصيغة الاسمية في القرآن الكريم فلم يقل (المقرضين) كما قال (المتصدقين).
وقد وصف القرض بأنه حسن وقد مر ذكر المقصود بالحسن في آية سابقة.
ومن الطريف أن نذكر أن الله لم يذكر القرض إلا وصفه بالحسن فلم يرد مرة ذكر القرض دون وصفه بذاك بخلاف الصدقة.
وأنه حيث ذكر القرض فإنه ذكر أنه إقراض لله ولم يطلقه مرة من دون تقييد.
ولعله للتفريق بين الإقراض المالي في المعاملات وما يعطيه القرد لوجه الله. بخلاف الصدقات فإنها لا تكون إلا في العبادات.
ثم ذكر المضاعفة والأجر الكريم كما ذكر في آية سابقة أعني قوله تعالى (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) .
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 270 إلى ص 273.
(1) بلاغة الكلمة في التعبير القرآني 44 وما بعدها.
(2) تفسير الرازي 29/232.
الوقفة كاملة
|
| ١٤٣ |
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ)
خطاب للمؤمنين عامة من أهل الكتاب، وللمؤمنين بمحمد. فالمؤمنون بموسى وعيسى من أهل الكتاب يطلب منهم أن يتقوا الله ويؤمنوا بمحمد فإن أمارات صدقه ظاهرة وإن نعته موجود في كتبهم وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم فلا يمنعهم الكبر وحظ الدنيا أو الحسد أو غير ذلك من الإيمان به.
والمؤمنون به من المسلمين عليهم أن يتقوا الله ويثبتوا على الإيمان برسوله. وهذا نظير قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) - النساء (136) أي اثبتوا على ذلك.
(يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ)
أي نصيبين، وذلك عام يشمل مؤمني أهل الكتاب والمسلمين. أما مؤمنو أهل الكتاب فقد ذكر ذلك لهم في قوله: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُولَٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) - القصص (52 – 54).
وأما المسلمون فقد ذكر ذلك ربنا فيهم في الآية التالية وهي قوله (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) فدل ذلك على أن ذلك من فضل الله عليهم.
بل ذهب قسم من المفسرين إلى أن هذه الآية إنما هي في المسلمين يبين ذلك الحديث الذي أورده البخاري في صحيحه مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر أجراء يعملون له فعملت اليهود إلى نصف النهار. وعملت النصارى من الظهر إلى العصر على قيراط ثم عمل المسلمون من العصر إلى الغروب على قيراطين. قال فيه: واستكملوا أجر الفريقين كليهما أي استكملوا مثل أجر الفريقين أي أخذوا ضعف كل فريق (1).
وجوز صاحب الكشاف أن يكون الخطاب لهما جميعاً وهو الذي نرجحه. جاء في (الكشاف): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) يجوز أن يكون خطاباً للذين آمنوا من أهل الكتاب والذين آمنوا من غيرهم.
فإن كان خطاباً لمؤمني أهل الكتاب فالمعنى: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى آمنوا بمحمد (يُؤْتِكُمْ) الله كفلين أي نصيبين (مِنْ رَحْمَتِهِ) لإيمانكم بمحمد وإيمانكم بمن قبله (وَيَجْعَلْ لَكُمْ) يوم القيامة (نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) وهو النور المذكور في قوله (يسعى نورهم)، (وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ) ما أسلفتم من الكفر والمعاصي، (لِئَلَّا يَعْلَمَ) ليعلم (أَهْلُ الْكِتَابِ) الذين لم يسلموا، و(لا (مزيدة.
(أَلَّا يَقْدِرُونَ) (أن) مخففة من الثقيلة أصله: أنه لا يقدرون (عَلَىٰ شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ۙ) أي لا ينالون شيئاً مما ذكر من فضله من الكفلين والنور والمغفرة لأنهم لم يؤمنوا برسول الله فلم ينفعهم إيمانهم بمن قبله ولم يكسبهم فضلاً قط.
وإن كان خطاباً لغيرهم فالمعنى اتقوا الله واثبتوا على إيمانكم برسول الله يؤتكم ما وعد من آمن من أهل الكتاب من الكفلين في قوله (أُولَٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ) ولا ينقصكم من مثل أجرهم لأنكم مثلهم في الإيمانين لا تفرقون بين أحد من رسله (2).
وقال ههنا (كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) ولم يقل (كفلين من الأجر) أو (يؤتكم أجركم مرتين) كما قال في آية القصص التي ذكرناها وكما قال في نساء النبي (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ) - الأحزاب (۳۱) فذكر في آية الحديد الرحمة وذكر هنالك الأجر ذلك لأن الأصل في معنى الأجر أن يكون الجزاء على العمل (3). وفي هذه الآية أعني آية الحديد لم يذكر عملاً وإنما قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ) ، فكان ذكر الكفلين من الرحمة أنسب بخلاف آية القصص فإنه ذكر عملاً فقد قال (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) وقال بعدها (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ) - القصص (55).
وكذلك في آية الأحزاب فإنه ذكر الأجر بمقابل العمل (مَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ) فناسب ذكر الرحمة في آية الحديد كما ناسب ذكر الأجر في آيتي القصص والأحزاب والله اعلم.
(وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ)
ذكر صاحب الكشاف أن ذلك يوم القيامة والذي يظهر أن ذلك عام في الدنيا ويوم القيامة كما قال تعالى (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) - الأنعام (۱۲۲) وكما قال (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ) - الحديد (9).
وقد تقول: ولم لم يقل ههنا (ويجعل لكم نوراً تمشون به في الناس) كما قال في آية الأنعام؟
والجواب أن السياق مختلف فيهما فإن آية الحديد كما ذكرنا عامة في الدنيا ويوم القيامة بل استظهر بعض المفسرين أن ذلك في يوم القيامة، ويوم القيامة لا يكون المشي بالنور في الناس بل هو نور خاص بكل مؤمن لا يتعدى غيره.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى أنه اكتنف آية الأنعام ذكر الناس ومعاملاتهم وافتراءاتهم وضلالهم وإضلالهم وما إلى ذلك. فهي في سياق الناس وأحوالهم فناسب ذكرهم في الآية بخلاف آية الحديد فإنها ليست في مثل هذا السياق وإنما نقدمها ذكر الرهبانية.
والرأفة والرحمة فأطلق المشي سواء كان في معاملات الناس وأحوالهم أم في الاعتقاد.
(وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
سبق ذكر المغفرة والرحمة في الآية وذلك في قوله (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) وقوله (وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ) فناسب قوله: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .
قد تقول: ولم قدم المغفرة على الرحمة فقال: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) مع أنه سبق ذكر الرحمة ذكر المغفرة في الآية فقال (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) ثم قال (وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ) ؟
فنقول: حيث اجتمع الاسمان الكريمان الغفور الرحيم في القرآن الكريم قدم اسمه الغفور إلا في موطن واحد وهو قوله في سورة سبأ (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۚ وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ) - سبأ (۲).
ومما قيل في سبب ذلك أن آية سبأ لا تختص بالإنسان وإنما هي عامة فقدم الرحمة لأنها عامة لا تختص بالإنسان فإن الرحمة قد تكون بالحيوان أيضاً أما المغفرة فهي خاصة بالإنسان فقدم الرحيم على الغفور.
ومن الملاحظ أيضاً أنه في جميع المواطن التي ورد فيها هذان الاسمان الكريمان تقدم قبلهما ذكر للإنسان في صورة من الصور إلا آية سبأ فإنه لم يتقدمها ذكر للإنسان . قال تعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۚ وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ) فلم يذكر أمراً يتعلق بالإنسان.
وقد ذكر بعد الآية أصناف الناس فقال (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ...) فلما أخر ذكر الناس أخر ما يتعلق بهم وهو المغفرة. فقدم ما يتعلق بالمتقدم وأخر ما يتعلق بالمتأخر، والله أعلم.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 302 إلى ص 305.
(1) ينظر التحرير والتنوير 27/427 – 428. البحر المحيط 10/116. روح المعاني 27/295 – 296.
(2) الكشاف 4/68.
(3) أنظر لسان العرب (أجر). القاموس المحيط (أجر)
الوقفة كاملة
|
| ١٤٤ |
(لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)
أي إن إيتاء الكفلين من الرحمة والمغفرة وجعل النور إنما يكون بالإيمان بالرسول الخاتم محمد ولا يكون بغير ذلك وإن من لم يؤمن بمحمد فهو محروم ليس له شيء من ذلك ولا ينفعه إيمانه بمن قبله من الرسل حتى يؤمن بمحمد.
وقد أخبرهم بذلك ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يستطيعون على شيء من فضل الله فيمنعونه من غيرهم أو يظنون أن فضل الله منحصر فيهم وإنما الفضل بيد الله سبحانه يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
وقال (عَلَىٰ شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) ولم يقل (علی فضل الله) ليدل على أنهم لا يقدرون على أي شي: مهما قل.
و(لا) في قوله (لِئَلَّا يَعْلَمَ) مزيدة تفيد التوكيد أي ليعلم أهل الكتاب ذلك علماً مؤكداً ولا تستبد بهم ظنونهم وأهواؤهم.
و(لا) تزاد بعد (أن) للتوكيد إذا كان اللبس مأموناً والمعنى متضحاً. جاء في (تفسير الرازي): إن أهل الكتاب وهم بنو إسرائيل كانوا يقولون: الوحي والرسالة فينا. والكتاب والشرع ليس إلا لنا. والله تعالى خصنا بهذه الفضيلة العظيمة من بين جميع العالمين.
إذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى لما أمر أهل الكتاب بالإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام وعدهم بالأجر العظيم على ذلك الإيمان أتبعه بهذه الآية. والغرض منها أن يزيل عن قلوبهم اعتقادهم بأن النبوة مختصة بهم وغير حاصلة إلا في قومهم. فقال إنما بالغنا في هذا البيان وأطنبنا في الوعد والوعيد ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على تخصيص فضل الله بقوم معينين ولا يمكنهم حصر الرسالة والنبوة في قوم مخصوصين وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ولا اعتراض عليه في ذلك أصلاً (1).
وجاء في (روح المعاني): أي ليعلم أهل الكتاب القائلون : [المؤمنون] بكتابكم منا فله أجران ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجوركم أنهم لا ينالون شيئاً من فضل الله من الأجرين وغيرهما ولا يتمكنون من نيله ما لم يؤمنوا بمحمد (صلى الله عليه وسلم) وحاصله الإعلام بأن إيمانهم بنبيهم لا ينفعهم شيئاً ما لم يؤمنوا بالنبي عليه الصلاة والسلام،
فقولهم: (من لم يؤمن بكتابكم فله أجر) باطل.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: لما نزلت (أُولَٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا) - القصص (54). فخر مؤمنو أهل الكتاب على أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) فقالوا: لنا أجران ولكم أجر. فاشتد ذلك على أصحابه عليه الصلاة والسلام فأنزل الله تعالى
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) ...... إلخ. فجعل لهم سبحانه أجرين مثل ما لمؤمني أهل الكتاب.
وقال الثعلبي: فجعل لهم أجرين وزادهم النور ثم قال سبحانه (لِئَلَّا يَعْلَمَ) ........ إلخ.
وحاصله على هذا ليعلموا أنهم ليسوا ملاك فضله عز وجل فيزووه عن المؤمنين ويستبدوا به دونهم (2).
قد تقول: لقد قال في مكان آخر (وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) - آل عمران (174). بالتنكير وقال ههنا (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) بالتعريف. فما السبب؟
فنقول: إن السياق مختلف في كل منهما. فقد قال في آل عمران (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) - آل عمران (173-174). فهي في نجاة المؤمنين في معركة أحد وأنهم لم يمسسهم سوء بعدها . أما سياق آية الحديد فهي في المغفرة والرحمة والنور فكان الفضل أعظم. فناسب كل تعبير السياق الذي ورد فيه.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 305 إلى ص 307.
(1) تفسير الرازي 29/248 – 249.
(2) روح المعاني 27/296 – 297.
الوقفة كاملة
|
| ١٤٥ |
(فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ)
قال إنهم لا يستطيعون التوصية ولم يقل (فلا يوصون) لأن نفي الاستطاعة أبلغ، فأنت تقول (هو لا يوصي) أي لا يفعل ذلك مع استطاعته عليها، فنفي التوصية لا ينفي الاستطاعة، ونفي الاستطاعة ينفي التوصية، فقولك (هو لا يستطيع التوصية) أي لا يقدر عليها مع إرادته ذلك.
وذكر التوصية لأنه أراد العموم فهم لا يستطيعون أن يوصوا آية توصية مهما كانت ولو قال (لا يستطيعون التوصية) لاحتمل أنهم لا يستطيعون التوصية المطلوبة أو الكاملة أو المعهودة فتنكيرها أفاد العموم.
(وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ) إن الإنسان يتمنى أن يموت بين أهله وهؤلاء لا يستطيعون أن يبلغوا أهلهم بشيء ولا أن يعودوا إليهم فحرموا من الأمنيتين العزيزتين كلتيهما.
ثم إنه قدم الفعل (يستطيعون) على المفعول به (التوصية) وأخر الفعل (يرجعون)عن الجار والمجرور ولم يجعلهما على نسق واحد، فلم يقل (فلا يستطيعون توصية ولا يرجعون إلى أهلهم).
ولم يقل (فلا توصية يستطيعون ولا إلى أهلهم يرجعون) ذلك أن ما قاله ربنا أعدل الكلام في هذا المقام.
فإنه لو قال (فلا توصية يستطيعون) فقدم المفعول على الفعل لكان نفي الاستطاعة خاصاً بالتوصية وقد يستطيعون غيرها كما تقول (ما شعراً قلت) أي قلت غيره فإنك نفيت الشعر وأثبت غيره، ونحوه أن تقول (ما زيداً أكرمت) أي أكرمت غيره.
أما هنا فنفي التوصية ولم يثبت غيرها فكان النفي أعم وأشمل.
وقوله (وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ) نفي الرجوع إلى الأهل وأثبت الرجوع إلى غيرهم وهو الله أي لا يرجعون إليهم بل إلينا، ولو قال (ولا يرجعون إلى أهلهم) لنفي الرجوع إلى أهلهم ولم يثبت الرجوع إليه وهو غير مراد، ولكنه أراد إثبات الرجوع إليه سبحانه.
وهذا التقديم نظير التقديم في قوله تعالى في السورة (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ) ونظير التقديم في آخر السورة (فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) .
هذا إضافة إلى ما تقتضيه خواتم الآي من هذا التقديم والتأخير.
جاء في (التفسير الكبير) في هذه الآية "فيه أمور مبينة للشدة، (أحدها) عدم الاستطاعة فإن قول القائل: فلان في هذه الحال لا يوصي دون قوله: لا يستطيع التوصية، لأن من لا يوصي قد يستطيعها.
(الثاني) التوصية وهي بالقول والقول يوجد أسرع مما يوجد الفعل، فقال لا يستطيعون كلمة، فكيف فعلا يحتاج إلى زمان طويل من أداء الواجبات ورد المظالم؟
(الثالث) اختيار التوصية من بين سائر الكلمات يدل على إنه لا قدرة له على أهم الكلمات فإن وقت الموت الحاجة إلى التوصية أمس.
(الرابع) التنكير في التوصية للتعميم أي لا يقدر على توصية ما ولو كانت بكلمة يسيرة، ولأن التوصية قد تحصل بالإشارة فالعاجز عنها عاجز عن غيرها.
(الخامس) قوله (ولا إلى أهلهم يرجعون) بيان لشدة الحاجة إلى التوصية لأن من يرجو الوصول إلى أهله قد يمسك عن الوصية لعدم الحاجة إليها.
وأما من يقطع بأنه لا وصول له إلى أهله فلابد له من التوصية، فإذا لم يستطع مع الحاجة دل على غاية الشدة.
وفي قوله (وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ) وجهان:
أحدهما: ما ذكرنا أنهم يقطعون بأنهم لا يمهلون إلى أن يجتمعوا بأهاليهم وذلك يوجب الحاجة إلى التوصية.
وثانيهما: أنهم إلى أهله لا يرجعون، يعنى أنهم يموتون ولا رجوع إلى الدنيا، ومن يسافر سفراُ ويعلم أنه لا رجوع له من ذلك السفر ولا اجتماع له بأهله مرة أخرى يأتي بالوصية" (1)
وجاء في (روح المعاني): "(وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ) إذا كانوا خارج أبوابهم بل تبغتهم الصيحة فيموتون حيثما كانوا ويرجعون إلى الله عز وجل لا إلى غيره سبحانه " (2).
إن هذه الصيحة تأخذ الجميع من كان في بيته وبين أهله ومن كان خارج بيته وليس بين أهله فذكر الحالة الأشد وهي من كان بعيداً عن أهله وبيته، وناسب ذلك قوله (وهم يخصمون) أي يختصمون في معاملاتهم وأموالهم.
وهذا يشير إلى أنهم ليسوا مع أهلهم ولا في بيوتهم بل هم منشغلون بأمور الدنيا وصخبها فناسب ذلك ما ذكر.
ثم إنه بدأ بالأقرب وهو التوصية فهذا أقرب إلى الشخص وذلك أن يوصى من حوله ثم الأبعد وهو الرجوع إلى الأهل.
الوقفة كاملة
|
| ١٤٦ |
برنامج لمسات بيانية
وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ)
الطمس إذهاب الشيء وأثره جملة حتى كأنه لم يوجد(1).
وطمس العين تعفية شق العين حتى تعود ممسوحة(2) فلا يبين لها شق ولا جفن(3).
جاء في (لسان العرب): "طمس الله عليه يطمس وطمسه وطُمس النجم والقمر والبصر ذهب ضوءه. وقال الزجاج: المطموس الأعمى الذي لا يبين حرف جفن عينيه فلا يرى شفر عينيه... ويكون الطموس بمنزلة المسخ للشيء وكذلك قوله عز وجل (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا).
...ربنا أطمس على أموالهم أي غيرها"(4).
ومعنى الآية أن الله لو يشاء لأذهب أعينهم وأزالها حتى لا يبقى لها شق ولا جفن.
وهذا عمى ومسخ. فإن الأعمى من لا يبصر وقد تبدو عينه كأنها سليمة حتى لا يظن الناظر إليه أنه أعمى. أما المطموس فإنه عمى البصر وذهاب العين فلا يبين لها أثر.
ولم يقل (ولو نشاء لأعميناهم) وذلك ليشمل العمى وزيادة وهو ذهاب العين وإزالتها. وهذا هو المناسب لقوله بعد (وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ) فهذا مسخ عام وذاك مسخ جزئي.
إن الفعل (طمس) يتعدى بنفسه وبعلى فيقال طمسه وطمس عليه وقد ورد التعبيران في القرآن الكريم فعداه ههنا بعلى فقال (لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ وعداه في سورة القمر بنفسه فقال في قوم لوط (وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ ) (37) وهما عند أهل اللغة بمعنى واحد.
والذي يبدو لي أنهما ليسا بمعنى واحد فطمسه يختلف عن طمس عليه وإن كانا جميعاً يفيدان ذهاب العين. فإن (على) تفيد الاستعلاء.
فمعنى (طمسه) أزاله ومحا أثره. ومعنى (طمس عليه) غطاه بما يطمسه فلا يبقى له أثر ولا يبين منه شيء ولا يخرج منه شيء ونظيره في العربية (ختمه) و (ختم عليه).
جاء في (لسان العرب): "ختمه يختمه خَتْماً وختاماً... طبعه فهو مختوم...
قال أبو إسحاق ختم وطبع في اللغة واحد... وهو التغطية على الشيء والاستيثاق من أن لا يدخله شيء"(5).
وجاء في (القاموس المحيط): "ختمه يختمه ختماً وختاماً طبعه.
وعلى قلبه جعله لا يفهم شيئاً ولا يخرج منه شيء(6).
فالختم على الشيء أشد من ختمه وذلك لتغطيته بما يمنع الدخول إليه والخروج منه وكذلك طمسه وطمس عليه.
وقال ههنا (لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ) للدلالة على شدة المسخ والطمس هو المناسب للمسخ العام الذي ورد بعده.
وقد تقول: ولم قال في القمر (فطمسنا أعينهم) من دون (على)؟
والجواب أن ما ذكره في يس أشد ذلك أنه قال (فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ) في حين لم يزد على قوله (فطمسنا أعينهم) في سورة القمر – كما ذكرت -.
ثم إنه مناسب لورود (على) في الختم قبل هذه الآية وهو قوله (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ.)
هذا علاوة على أن السياق في يس فيما يفعله ربنا من العقوبات الشديدة الخارجة عن المألوف فقد قال قبلها (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
وقال ههنا (وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ).
وقال بعدها (وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ).
فناسب ذكر (على) من كل وجه والله أعلم.
وقوله (اسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ) يحتمل ثلاثة معان:
أحدها: استبقوا إلى الصراط أي تسابقوا للوصول إليه.
والمعنى الثاني: بادروا إليه مثل قوله تعالى (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) - البقرة (148) أي بادروا إليها.
والمعنى الآخر أي جاوزوه وتركوه فلم يهتدوا إليه.
جاء في (لسان العرب): "واستبقا الباب يعني تسابقا إليه... فاستبقوا الخيرات أي بادروا إليها. وقوله (فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ) أي جاوزوه وتركوا حتى ضلوا...
واستبقا الباب معناه ابتدرا الباب يجتهد كل واحد منها أن يسبق صاحبه"(7).
وهذه المعاني كلها مرادة مطلوبة فإنه لو طمس على أعينهم لتسابقوا وابتدروا للوصول إلى الصراط ولكنهم لن يهتدوا إليه.
جاء في (الكشاف): "(فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ) لا يخلو أن يكون على حذف الجار وإيصال الفعل والأصل فاستبقوا إلى الصراط أو يضمن معنى ابتدروا أو يجعل الصراط مسبوقاً لا مسبوقاً إليه أو ينتصب على الظرف. والمعنى أنه لو شاء لمسح أعينهم فلو راموا أن يستبقوا إلى الطريق المهيع الذي اعتادوا سلوكه إلى مساكنهم وإلى مقاصدهم المألوفة التي ترددوا إليها كثيراً كما كانوا يستبقون إليه ساعين في تصرفاتهم موضعين في أمور دنياهم لم يقدروا وتعايا عليهم أن يبصروا أو يعلموا جهة السلوك فضلاَ عن غيره... أو لو شاء لأعمارهم فلو طلبوا أن يخلفوا الصراط الذي اعتادوا المشي فيه لعجزوا ولم يعرفوا طريقاً" (8).
فجاء بالفعل (استبق) ليشمل هذه المعاني كلها ولو جاء بالفعل (تسابق) أو (بادر) أو (ضل) لتعين معنى واحد ولم يحتمل هذه المعاني.
ثم إن هذا هو المناسب لقوله (لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ) فإن شدة الطمس جعلتهم لا يهتدون إلى الطريق الذي اعتادوا سلوكه.
ثم قال (فَأَنَّى يُبْصِرُونَ) قيل: ومعنى أنّى يبصرون كيف يبصرون.
و (أنى) تحتمل معنى آخر وهو: من أين.
لقد قال (وَلَوْ نَشَاءُ) ولم يقل (ولو شئنا) للدلالة على أن عدم الطمس لاستمرار عدم المشيئة ذلك أن (نَشَاءُ) فعل مضارع يفيد الحال والاستقبال وقد يفيد الاستمرار أما (شئنا) ففعل ماض وهو يفيد المضي. جاء في (روح المعاني): (وَلَوْ نَشَاءُ) وإيثار صيغة الاستقبال وإن كان على المضي لإفادة أن عدم الطمس على أعينهم لاستمرار عدم المشيئة فإن المضارع المنفي الواقع موقع المضي ليس بنص في إفادة انتفاء استمرار الفعل بل قد يفيد استمرار انتفائه"(9).
فأنظر كيف قال (طَمَسْنَا) بدل (أعمينا) وهو يشمل العمى وزيادة.
وقال (عَلَى أَعْيُنِهِمْ) وهو يشمل الطمس وزيادة وهي التغطية والاستيثاق.
وقال (فَاسْتَبَقُوا) وهو يشمل المسابقة وزيادة، والمبادرة وزيادة، والضلال وزيادة إنه هو يجمع هذه المعاني كلها.
وقال (الصِّرَاطَ) ولم يقل (إلى الصراط) ليشمل معنى (إلى) والتعدية مباشرة ولو قال (فاستبقوا إلى الصراط) لم يحتمل معنى الضلال.
وقال (فأني) وهو يشمل معنى (كيف) وزيادة.
والحمد لله رب العالمين
الوقفة كاملة
|
| ١٤٧ |
برنامج لمسات بيانية
(لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ)
لم يقل (لا ينصرونهم) لأن ذلك قد يدل على أنهم قادرون على النصر ولكن لا يفعلون ذلك وإنما قال (لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ) ليدل على عجزهم وضعفهم.
(وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ)
قيل: المعنى أن الآلهة لا يستطيعون نصرهم وإنما هم أي عابدوهم جند لهم يدافعون عنهم وينصرونهم فهم بدل أن ينتصروا بهم صاروا جنوداً لهم يدافعون عنهم لأنهم عاجزون عن الدفاع عن أنفسهم وهذا أسوأ ما يكون من خيبة الأمل وانقطاع الرجاء.
جاء في (روح المعاني): "(وَهُمْ) أي أولئك المتخذون المشركون (لَهُمْ) أي لآلهتهم ( جُنْدٌ مُحْضَرُونَ) أي معدون لحفظهم والذب عنهم في الدنيا"(1).
وجاء في (فتح القدير): "أي والكفار جند للأصنام محضرون أي يحضرونهم في الدنيا. قال الحسن: يمنعون منهم ويدفعون عنهم. وقال قتادة: أي يغضبون لهم في الدنيا. قال الزجاج: ينتصرون للأصنام وهي لا تستطيع نصرهم.
وقيل: المعنى يعبدون الآلهة ويقومون بها فهم لها بمنزلة الجند.
هذه الأقوال على جعل ضمير (هُمْ) للمشركين وضمير (لَهُمْ) للآلهة"(2).
وقيل: بل المعنى أنهم جند لهم أي جند للآلهة محضرون للعذاب في الآخرة وذلك أن هذه الآلهة توقد بها النار يوم القيامة فتتقدمهم إلى النار وهم يتبعونهم إليها كما يتبع الجند قائدهم. أو أن الآلهة تكون جنداً لهم محضرة للعذاب. جاء في (الكشاف): "اتخذوا الآلهة طمعاً في أن يتقووا بهم ويعتضدوا بمكانهم والأمر على عكس ما قدروا حيث هم جند لآلهتهم معدّون (مُحْضَرُونَ) يخدمونهم ويذبون عنهم ويغضبون لهم والآلهة لا استطاعة بهم ولا قدرة على النصر. أو اتخذوهم لينصرونهم عند الله ويشفعوا لهم والأمر على خلاف ما توهموا حيث هم يوم القيامة جند معدون لهم محضرون لعذابهم لأنهم يجعلون وقوداً للنار"(3).
وفيه معنى لطيف آخر وهو أن هذه الآلهة لا تستطيع نصرهم في حال أن لهم جنداً محضرين أي هي لا تستطيع النصر ولو كان لهم أي للآلهة جند محضرون معدون فكيف
إذا لم يكن لهم ذلك؟ فلاشك أنهم سيكونون أعجز وأذل وأضعف. وعلى هذا تكون الواو واو الحال.
وذكر الفخر الرازي معنى آخر: وهو أن الآلهة لا تستطيع نصرهم ولو كانت هي جنداً محضرين لنصرتهم أي حتى لو اجتمعت الآلهة وكانت جنداً معدة لنصرهم لم تستطيع أن تنصرهم فكيف إذا لم تكن كذلك؟
جاء في (التفسير الكبير) في قوله (لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ).
"وهو يحتمل معنيين:
(أحدهما) أن يكون العابدون جنداً لما اتخذوه آلهة كما ذكرنا.
(الثاني) أن يكون الأصنام جنداً للعابدين. وعلى هذا ففيه معنى لطيف وهو أنه تعالى لما قال (لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ) أكدها بأهم لا يستطيعون نصرهم حال ما يكونون جنداً لهم ومحضرون(4) لنصرتهم فإن ذلك دال على عدم الاستطاعة. فإن من حضر واجتمع ثم عجز عن النصرة يكون في غاية الضعف بخلاف من لم يكن متأهباً ولم يجمع أنصاره"(5).
وهذه المعاني كلها محتملة صحيحة:
1- فإن الآلهة عاجزة وإن عابديهم ينصرونهم ويدفعون عنهم وهم لهم جند محضرون.
2- وأنهم وآلهتهم سيكونون محضرين للعذاب في النار.
3- وأن الآلهة لا تستطيع أن تنصرهم ولو كان لها جند محضرون معدون للنصر
فكيف وهي ليست كذلك؟
4- وهي لا تستطيع أن تنصرهم ولو اجتمعت وكانت جنداً معدين لنصرة عابديهم.
فجمع هذا التعبير كل هذه المعاني.
ولو غير أي لفظ عن مكانه بتقديم أو تأخير لم يؤد هذه المعاني مجتمعة. فلو قال:
وهم جند محضرون لهم.
أو: وهم جند لهم محضرون.
أو: ولهم هم جند محضرون.
وكذلك لو قيل أي تعبير آخر لم يفد هذه المعاني مجتمعة. بل ربما اختل المعنى.
فكان هذا التعبير أعدل التعبيرات وأحسنها وأجمعها للمعاني المطلوبة.
الوقفة كاملة
|
| ١٤٨ |
برنامج لمسات بيانية
(فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ)
نهاه عن أن يحزن لما يقولونه فيه وفي دعوته. فهم يقولون فيه أنه كاذب وأنه شاعر وأنه ساحر وأنه مجنون، ويقولون في دعوته أنها ضلال وإفك وكذب وافتراء إلى غير ذلك مما يتناجون به من العداوة له وحربه، فنهاه عن أن يحزن لأقوالهم. وقد أطلق القول ليشمل ما يقولونه فيه وفيما يدعو إليه.
ثم أستأنف معللاً ذلك بقوله (إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) فلمّ الحزن والله يعلم سرهم وجهرهم وهو قادر على إبطال ما يظهرون أو يضمرون؟
إن (مَا) في قوله( مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) تحتمل أن تكون اسماً موصولاً أي نعلم الذي يسرونه والذي يعلنونه. وتحتمل أن تكون مصدرية أي نعلم إسرارهم وإعلانهم وهو يعلم ذلك كله إسرارهم وما يسرونه وإعلانهم وما يعلنونه. ولو قال (مَا يُسِرُّونه وَمَا يُعْلِنُونَه) لتعنيت الموصولية الاسمية ولم تحتمل المصدرية فلم يذكر العائد ليشمل المعنيين جميعاً. وأطلق الإسرار والإعلان ليشمل كل ما يسرون وكل ما يعلنون في كل أمر من الأمور. فعلمه يعم الجميع ولا يخص شيئاً دون شيء.
جاء في (روح المعاني):"و (مَا) موصولة والعائد محذوف أي نعلم الذي يسرونه من العقائد الزائغة والعداوة لك ونحو ذلك والذي يعلنونه من كلمات الإشراك والتكذيب ونحوها.
وجوز أن تكون مصدرية أي نعلم إسرارهم وإعلانهم والمفعول محذوف. أو الفعلان منزلان منزلة اللازم.
والمتبادر الأول وهو الأولى"(1).
وقد قدم السر على الإعلان، قيل لأن مرتبة السر مقدمة على مرتبة العلن لأن السر يسبق الإعلان فهو علة لما يفعله الإنسان والعلة مقدمة على المعلول. وقيل إن العلم بالسر يدل على الإحاطة بالمعلومات كلها فمن كان يعلم السر فهو يعلم العلن من باب أولى. وقيل غير ذلك. جاء في (روح المعاني): "وتقديم السر على العلن لبيان إحاطة علمه سبحانه بحيث أن علم السر عنده كأنه أقدم من علم المعلن. وقيل لأن مرتبة السر متقدمة على مرتبة العلن إذ ما من شيء معلن إلا هو أو مباديه مضمر في القلب قبل ذلك. فتعلق علمه بحالته الأولى متقدم على تعلقه بحالته الثانية حقيقة.
وقيل للإشارة إلى الاهتمام بإصلاح الباطن فإنه ملاك الأمر ولأنه محل الاشتباه المحتاج للبيان"(2).
والملاحظ في القرآن الكريم أنه لا يقتصر على تقديم السر فهو كما يقدم السر على الإعلان قد يقدم الجهر على الإخفاء وذلك نحو قوله تعالى (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى-) الأعلى (7) وقوله (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ ) الأنبياء (110) وقوله (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) البقرة (284).
وهو أحياناً يكتفي بذكر أحدهما دون الآخر فقد يكتفي بذكر الإسرار مثلاً كما قال تعالى (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) محمد (26). وقد يكتفي بذكر الأمور الظاهرة كذكر العمل والصنع ونحوهما وذلك كقوله تعالى (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) محمد (26). وقد يكتفي بذكر الأمور الظاهرة كذكر العمل والصنع ونحوهما وذلك كقوله تعالى (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ)) البقرة (96) وقوله (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)النور (30) وكل ذلك بحسب ما يقتضيه المقام.
وقد قيل في تقديم الإخفاء على الإعلان أو الإعلان على الإخفاء أنه إذا تقدم الكلام على المنافقين أو الكفار قدم الإخفاء وإذا تقدم ذكر المؤمنين قدم الإبداء وهذا مطرد في جميع ما ورد من القرآن الكريم.
جاء في (ملاك التأويل) في قوله تعالى (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ)
- البقرة (284) "أما آية البقرة فلم يجر فيها ذكر النفاق ولا صفة أهله وإنما الخطاب فيها وفي آية الدين قبلها وفيما أعقبت به بعد للمؤمنين فيما يخصهم من الأحكام فورد فيها قوله تعالى (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ )فقدم فيها بادي أعمالهم بناء على سلامة بواطنهم وتنزهم عن صفة المنافقين. ومنه قوله تعالى ( مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ )المائدة (99) فتقدم ذكر ما يبدونه لأنه خطاب للمؤمنين.
وهذا جار مطرد فيما يلحق بها الضرب كما أن المراد بالبدء بالإخفاء على الإعلان حيث يتقدم ذكره أهل الكفر وينتظم الكلام بذكرهم كقوله تعالى (يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ) بعد قوله تعالى (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) وكقوله تعالى (مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ) بعد قوله (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) التغابن (2) وكقوله تعالى ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ) وقد تقدمها قوله تعالى (أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآَبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ) النمل (67). فاطرد ما ذكرناه من الطرفين على رعي الإيمان والنفاق.
وجاء كل على ما يجب ويناسب"(2).
وهذه ملاحظة صحيحة تتبعتها في مواطن قوله تعالى (مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ )وقد وردت في أربعة مواضع من القرآن الكريم وهي(البقرة (77)، هود (5)،النحل (23)، يس (76). وهذه المواطن خاصة بذكر الكافرين.
وقد ورد قوله تعالى (مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ) بالخطاب في موطنين وهما قوله تعالى (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ)النحل (19). وقوله (يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) التغابن (4) وهما ليسا مختصين بالكافرين وإنما هما من المواطن التي تشمل عموم بني آدم وإن كان قد جرى فيها ذكر الكافرين.
أما آية النحل فقد وقعت في سياق تعداد النعم على الإنسان وهي قوله (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ...) وتستمر إلى قوله (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا... وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ)… إلى أن يقول: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (17) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (19).
فأنت ترى أنها ذكرت في سياق تعداد النعم.
إلا أن الملاحظ أن السياق بدأ في الكلام على المشركين والشرك فقد بدأت السورة بقوله ( أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) وبدأت الآيات بقوله (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا.. الآيات.
فهي إذن ذكرت بعد ذكر الإنسان الخصيم لربه المشرك به.
ثم يأتي في عقب ذلك مباشرة قوله تعالى (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) ويستمر في الكلام على الكفار.
وعلى هذا بكون الآية وقعت في سياق الكلام على المشركين والكافرين ولم يرد فيها ذكر للمؤمنين.
وأما آية التغابن فقد وقعت في السياق الآتي:
(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (2 – 4).
فالسياق لم يختص بالكلام على الكافرين إلا أنه جرى بعدها مباشرة ذكر الكافرين فقال:
(أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (5 – 7).
فتكون قد وقعت في سياق الكافرين سواء تقدمها ذكر الكافرين أم وقع في عقبها.
وعلى أية حال تكون الملاحظة صحيحة فكل ما تقدم فيه السر على العلن كان في سياق الكلام على الكافرين سواء تقدم الآية أم كان في عقبها.
غير أنه مع هذا الخط العام للتقديم والتأخير يكون التقديم والتأخير مناسباً للسياق الذي ترد فيه الآية.
فقوله تعالى مثلاً (إِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ ) إنما قدم الإبداء فيه على الإخفاء لقوله تعالى ( يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ) فإن الحساب يكون على ما يبديه الإنسان ويفعله لا على ما يدور في نفسه من خواطر فإن ذلك ليس بوسع الإنسان أن يمنعه. "ولهذا لما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على الصحابة رضي الله عنهم وخافوا منها ومن محاسبة الله لهم على جليل الأعمال وحقيرها"(3).
وورد في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم وغيره أنه لما نزلت هذه الآية على رسول الله ( اشتد ذلك على أصحاب رسول الله فأتوا رسول الله ثم جثوا على الركب وقالوا يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها. فقال رسول الله (: "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين قبلكم سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير".
فلما أقرّبها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها (آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) فلم فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ... إلى أخره(4).
وكذلك قوله تعالى (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ ) الأنبياء (110) فإنه قدم الجهر على الكتمان وذلك لما تقدم قبلها قوله تعالى (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آَذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ ) والإيذان هو الإعلام والإشهار وذلك لا يكون إلا جهراً. وقوله (عَلَى سَوَاءٍ) يعني "مستوين في الإعلام به لم يطوه عن أحد منهم وكاشف كلهم وقشر العصا عن لحائه"(5) وذلك كله جهر فناسب تقديمه.
ونحوه قوله تعالى (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ) الأعلى (7) فقد قدم الجهر وذلك لتقدم قوله تعالى (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى) والإقراء لا يكون إلا جهراً بخلاف القراءة فقد تكون سراً وجهراً.
فناسب تقديم الجهر.
والمقصود أنه إضافة إلى الخط العام الذي ذكرناه في تقديم السر على العلن فإن السياق الذي ترد فيه الآية يقتضي ذلك أيضاً.
أما الاكتفاء بأحدهما دون الآخر فذلك ما يقتضيه المقام أيضاً وذلك نحو قوله تعالى (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) - محمد (26).
وذلك لأن السياق والمقام يقتضان ذلك، فقد قال تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) ولم يقل (وجهرهم) ذلك لأنه ذكر ما جهروا به وهو قولهم (سنطيعكم في بعض الأمر) غير أنهم لم يذكروا الأمر الذي يطيعونهم فيه ولم يبينوه وإنما أسروه فقال (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) أي لا يخفي عليه ما أسروه. فذكر ما يحتاج إليه المقام والله أعلم.
الوقفة كاملة
|
| ١٤٩ |
برنامج لمسات بيانية
آية (24):
* (فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) مريم) لمن يرجع الضمير في (فناداها) وما المقصود بـ (من تحتها) و (تحتك) وهل وجود السريّ تحتها سبب ليمنع عنها الحزن؟(د.فاضل السامرائى)
فيها أمران، قسم قال المنادي هو جبريل. كان هناك أكمه تحتها، أسفل منها (أكمه يعني مجموعة شجر) فناداها من هناك أسفل ما هي عليه، وقسم قال هو عيسى عليه السلام هو الذي ناداها باعتبار أنها ولدته فهو تحتها. قسم قال المنادي جبريل وقسم قال هو عيسى عليه السلام (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا).
*وأيضاً سيدنا عيسى هو الذي قال (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25)) أيضاً؟
السري أيضاً من حيث اللغة يحتمل أمرين إما أن يكون النهر لأنه يسري فيه الماء لأنه قال (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا (26)) ويحتمل السري أن يكون هو الرجل السيد رفيع الشأن والقدر. المقصود إما أن يكون النهر أو يكون الشخص. والقائل يحتمل جبريل وعيسى. والآية تحتمل.
* هل تميل إلى أنه سيدنا جبريل أو سيدنا عيسى؟
أميل إلى أنه سيدنا عيسى.
*الآية تحتمل لكن ليس معنى تحتك هكذا؟ يعني أسفل منها. مرة يقول (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24)) مرة يقول (فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا (24)) ؟
تحت تحتمل القريب والبعيد. الولد أقرب من الماء هي ليست على الماء، الولد أقرب والنهر بعيد إلى حد معين.
*اللغة تحتمل. هل وجود السري تحتها يجعلها لا تحزن؟ أياً كان هذا السري النهر أو سيدنا عيسى كرجل سيد في قومه؟
فرق بين واحد سري رفيع الشأن وبين واحد همل.
* إذا كان الوليد عيسى هو الذي ناداها فيقولون هو الذي دلها أن تأكل من الرطب وقد أثبت العلم أن الرطب هو الذي سهل عملية الوضع فإذا كان هو الذي ناداها من تحتها فما علاقة الرطب بالوضع؟ وهل هو الذي قال لها هزي إليك بجذع النخلة؟
لماذا لا، طالما تكلّم، هو كلّم قومه وقال لها (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا (26) مريم) وأشارت إليه فقال (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31)) الذي يقول هذا ألا يقول هذا؟! الذي يقول ذاك يقول هذا. الذي يتكلم هذا الكلام ألا يقول غيره؟ ويقال أن التمر تحتاجه النفساء.
*وقوله تعالى (قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا (18))؟
هذه قبل، هذه عندما ذهبت تغتسل، هذه غير.
*إذن (من تحتها) يعني من تحت الأكمه وأنت تميل إلى أنه سيدنا عيسى.
قسم ذهب إلى أنه سيدنا جبريل وقسم ذهب إلى أنه سيدنا عيسى. (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) قسم يقول السري هو النهر بدليل (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا (26))
*فكلي من التمر واشربي من النهر؟
وقسم يقول السري هو الشخص السيّد، سراة القوم.
*لكن قد يكون معنى النهر أقوى؟
الوقفة كاملة
|
| ١٥٠ |
برنامج لمسات بيانية
ية (3) :
* (وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3)) نظرة عامة على الآية ولماذا قدم الاستغفار على التوبة؟
يقولون الاستغفار من الذنوب التي فعلها العبد. والتوبة عامة من شروطها عدم العودة. غفر في اللغة بمعنى ستر. استغفر طلب المغفرة وطلب الستر. الاستغفار سيكون مما سلف. وتاب يعني رجع. التوبة والاستغفار كل واحدة لها دلالة.
* لماذا هنا طلب الاستغفار ثم توبوا؟ ثم تدل على التراخي فلماذا جاءت (ثم) هنا؟ وما هي الفترة الزمنية بين الاستغفار والتوبة؟
هذا سؤال نحوي. (ثم) ليست دائماً للتراخي ولكن للبعد بين المنزليتن قد يكون ما بعد (ثم) أعلى ما قبلها. نلاحظ في سورة البلد (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17)) هذه أعلى من تلك لأنه ما تقبل هذه إلا بالإيمان. "آمنت بالله ثم استقم" أحياناً قد تكون (ثم) للتراخي للبعد بين المنزلتين، ليس التراخي بالوقت. هو بعد معنوي وليس بعد زمني.
* ما المتاع الحسن؟
المتاع الحسن هو الأمن النفسي والاطمئنان واطمئنان القلب هذا المتاع الحسن. الرضى بالمقدور والقناعة ورجاؤه في الله. الرجاء في الله، إفاضة النعم على المجتمع المؤمن. التكافل فيما بين المجتمع المسلم هذا كله متاع حسن. معاونة أحدهم الآخر، حفظ الواحد للآخر، الأُسرة للأُسر الأخرى ومعاونتها والتعاون فيما بينهم والتواصي فيما بينهم والإلفة فيما بينهم، الرضى بالمقدور والرضى باليسير والقناعة بما عند الله والرجاء هذا كله من المتاع الحسن لأن الكافر في قلق نفسي وجزع عند المصيبة ويخاف من زوال النعم بينما المؤمن يقول هذا قدر الله ربما يقدر لي ما هو أحسن ويأتيني بما هو أحسن. حتى إذا أصابته مصيبة يرضى وقسم يقول هذه فيها أجور كبيرة وهي مكفرات للذنوب، هذا متاع حسن والكافر في عذاب نفسي وهذا أشد أنواع العذاب. إذن هذا من المتاع الحسن إضافة إلى أن ربنا سبحانه وتعالى قال (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (12) نوح) هذا كثير، هذا المتاع الحسن. (إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى)
* (مُّسَمًّى) مبني للمجهول؟
هو إسم مفعول.
* مسمى يعني الله سبحانه وتعالى هو الذي يعلمه، مسمى له ليس مسمى لنا. الأجل المسمى يقصد به يوم القيامة؟
لا شك. بالنسبة للفرد هو أجله وبالنسبة للدنيا هو يوم القيامة.
* (وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) على من يعود الضمير؟
الفعل هنا يؤتي الله سبحانه وتعالى، و(كل) مفعول به من البشر و(فضله) هذه الهاء في فضله فيها احتمالين احتمال يعود على صاحب الفضل الذي يفعل الخير يؤتيه ربنا لا يبخس منه شيئاً يؤتيه حقه بل ويزيد عليه، واحتمال آخر أن يعود على الله إن الله يؤتي صاحب الفضل فضل الله.
* أيهما ترجح؟
كلاهما. ذو الفضل ربنا يؤتيه فضله ويزيد عليه والله يؤتيه فضله.
* أليس هناك عائد واحد للضمير؟
الآية تحتمل لأن فيها أمرين، الله سبحانه وتعالى يؤتيه إذن يحتمل وذي فضل يحتمل، إذن يحتمل أمرين والمعنيان صحيحان ومرادان.
* (وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ) في قوله تبارك وتعالى (وَإِن تَوَلَّوْاْ) وأحياناً يقول (وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ (16) الفتح) بزيادة التاء، تولى، تتولى فلماذا قال هنا (تَوَلَّوْاْ) بتاء واحدة؟
النحاة يقولون هذا الحذف في اللغة جائز للتخفيف. أصل الفعل تتولوا. الحذف في مثل هذا في اللغة موجود للتخفيف.
* هل له قياس أم على غير قياس؟
وجود تائين في المضارع يجوز التخفيف مثل تنابزوا وتتنابزوان هذا موجود، تفرقوا وتتفرقوا. ها موجود في اللغة كمبدأ عام وإن كان في القرآن أمر آخر.
* لماذا هذا الاختيار هنا؟
الحقيقة في التعبير القرآني في هذا الفعل عموماً في فعل (تولوا) حيث ذكر التائين قال (تتولوا) يذكرها في الموقف الأشد. وإذا كان أخف خفف بحذف أحد التائين. تتولوا في الموقف الأشد وتولوا في الموقف الأخف. مثال:
هنا قال (وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3) هود) وقال (وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (16) الفتح). هو قال (فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ) ما قال أعذبكم، المخوف ليس بالضرورة أن يقع، قد يُدرأ. بينما في الاية الأخرى قال (يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) هذا قطع. أيّ الموقفين أشد؟ الآية الثانية.هذا أمر.
قال (فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ) ما قال عذاباً كبيراً وإنما قال عذاب يوم كبير، وصف اليوم بالكبر وليس العذاب. هناك قال (يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) وصف العذاب، أيُّ الأشد؟ عذاباً أليماً. إذن لاحظ (تولوا) و(تتولوا).
هناك مثال آخر: قال (وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ (52) هود) بتائين وقال (فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ (57) هود) بتاء واحدة. نضعها في سياقها: قال (وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ) ماذا قالوا له؟ (قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ (54)) الآية الثانية ما قالوا شيئاً (فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57)).
مثال آخر (قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32) آل عمران) ما ذكر عذابهم وعقابهم. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ (20) الأنفال) خطاب للمؤمنين ما ذكر عقوبة. (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (54) النور)، (وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38) محمد) عذاب شديد، يستبدل. في القرآن حيث ورد هذا الفعل هكذا، تتولوا أشد.
الوقفة كاملة
|