| ١٢١ |
* في سورة الأعراف في قصة موسى (قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (110) قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ (111)) وفي سورة الشعراء في قصة موسى (قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37)) ما الفرق بين الصيغتين في سورتي الأعراف والشعراء؟(د. فاضل السامرائي)
يختلفون في مشاهد تذكر في الأعراف ولا تذكر في الشعراء لكن هناك بعض المواقف قريبة من بعضها. هذا الموقف بين فرعون وموسى الموجود في القصتين في الشعراء يتميز بأمرين التفصيل في ذكر الأحداث وقوة المواجهة والتحدي بين سيدنا موسى وفرعون. مثلاً:
تبدأ القصة في الأعراف بأقصر كلام (وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٠٤﴾ حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿١٠٥﴾) انتهت، ثم قال (قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآَيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴿١٠٦﴾). هذا في الأعراف.
في الشعراء يذكر حوار ومحاجة بينهما في أمر الألوهية والربوبية فرعون يسأل موسى (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) الشعراء) وموسى يرد (قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ (24)) فرعون لم يرد عليه بحُجّة وإنما حاول أن يؤلب عليه من حوله (قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25)) يمضي موسى لا ينتبه لهذا الشيء فيقول (قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) الشعراء) فرعون يضيق به ويصفه بالجنون (قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27)) هذا في الأعراف لم يذكر. ثم موسى يُعرض عن هذا، يرميه بالجنون حتى يستثيره، موسى يمضي في المحاورة (قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (28) الشعراء) (إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ) حتى يستفز فيهم العقل والتفكير أنت ترميني بالجنون، فاقد العقل، لا، أنتم إعقلوا هذه المسألة. ثم يتوعده ويهدده بالسجن (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29))، هذه كلها لم تذكر في الأعراف.
لاحظ، نأخذ بعض الملامح التي ذكرتها :
سورة الأعراف سورة الشعراء
(قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109)) (قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34))
يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (110) (يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35)
قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ (111))
(يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112)) (يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37))
(وَجَاء السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113)) (فَلَمَّا جَاء السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41))
(قَالَ نَعَمْ وَإَنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114)) (قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42))
(قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ (123))
(فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123)) (قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ (49))
(فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (49))
(لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124)) (لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49))
(قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ (125)) (قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ (50))
أولاً (قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ﴿١٠٩﴾ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴿١١٠﴾) هذا قول الملأ، في الشعراء (قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34)) هنا فرعون هو الذي قال.
* خارج القصة ما الذي حدث ملأ فرعون هم قالوا أو فرعون الذي قال؟
كلاهما قال، قال فرعون وقال الملأ، هذا ليس فيه تعارض وإنما كل مرة يذكر واحداً منهما، لما كان الكلام بين موسى وفرعون اشتد فرعون هو الذي قال ولما كانت المسألة هكذا قال (قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ) فكلاهما قال، ليس هناك مانع أن يقول هذا ويقول ذاك نفس القول.
زاد (بسحره) (يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35) الشعراء) لاحظ التفصيل، في الأعراف ما قال هذا.
الآن نأتي للفرق بين وأرسل وابعث:
* هو ماذا قال بالضبط أرسل أو ابعث؟ وهل هناك فرق بين أرسل وابعث؟
--- عندنا أمرين من الناحية اللغوية ومن ناحية وضعها الفني:
أصلاً تردد فعل الإرسال في الأعراف أكثر مما تردد في الشعراء، تردد ثلاثين مرة في الأعراف وفي الشعراء 17 مرة.
--- نأتي للمسألة لغوياً:
البعث هو إرسال وزيادة، إذن هو أعمّ. وفي اللغة أيضاً فيه معنى الإثارة والإنهاض والتهييج (بعثه). الإرسال مثل (ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى (103) الأعراف) أرسلنا، أما بعث قد يكون من القوم أنفسهم تقيم تُنهض من القوم أنفسهم ليس بالضرورة إرسال.
* الإرسال يحتمل أن يكون من خارج القوم؟
يحتمل. (ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى) قد يكون فيه إرسال. أما البعث في اللغة قد يكون إثارة بارِك تُقعده وتُنهضه، حتى يقولون البعير بعثه فهاج. إذن صار البعث هو إرسال وزيادة لأنه يحتمل أن ترسل، أهل اللغة ذكروا هذا، هذا المعنى غير متوفر في إرسال، البعث فيه أمرين، الإرسال إرسال، البعث فيه إرسال وزيادة إنهاض وتهييج أحياناً. (إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا (246) البقرة) (وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) الشعراء) هم لا يكتفون بالإرسال وإنما أراد أن يقيموا في المدائن الناس ينهضون الناس ويؤلبونهم على موسى ويهيجونهم ضد موسى . فهو مناسب للجو الذي فيه السورة والتحدي والقوة.
في الأعراف قال (يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112)) في الشعراء قال (يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37)) (سحّار) تضعيف فيها مبالغة (على وزن فعّال) مثل كاذب وكذّاب فيها مبالغة فأراد الناس المتمرسين بالسحر، المبالغين في السحر السحار البليغ في السحر يأتي وليس بأي ساحر وإنما ينتقي انتقاء وهذا مناسب للجو العام.
في الأعراف قال (وَجَاء السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113)) لم يذكر لمن قالوا؟ لكن في الشعراء (فَلَمَّا جَاء السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41)) في الأعراف لم يظهر لمن قالوا، في الشعراء قالوا لفرعون (أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا) هذا توكيد، حذف في الأعراف همزة الاستفهام (إِنَّ لَنَا لأَجْرًا). (أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا) تأكيد.
في الأعراف (وَإَنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ)، في الشعراء (وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ):
(إذن) حرف جواب وجزاء، إن فعلتم إن غلبتم. (وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ (91) المؤمنون) إذن يعني لو كان ذلك لذهب كل إله بما خلق. سأزورك إذن أكرمك يعني إن زرتني. هذه فيها معنى الجواب والجزاء. (إذن) يعني إن فعلت، إن غلبت، كلها فيها توكيدات
وفي الشعراء ولأن التحدي كبير ألقي السحرة ساجدين فوراً ولم يرد ذلك في الأعراف.
مرة يقول (قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ (123) الأعراف) ومرة يقول (قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ (49) الشعراء) غيّر حرف الجر، أمنتم به وآمنتم له، آمنتم به بالله وآمنتم له الفرعون.
الحوار بين السحرة وفرعون. (آمَنتُمْ لَهُ) يعني لموسى (إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ (49) الشعراء) هذا لا يصح أن يقال في الأعراف، ما قاله في الأعراف (قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ (123) الأعراف).
* هي آمنتم به أو آمنتم له؟
كل واحدة لها معنى، آمن به يعني بالفكرة أو آمن بالله. لغة انقاد له وصدق له (وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17) يوسف) بمؤمن لنا اي مصدّق لنا .
وفي الشعراء قال (فألقوا حبالهم وعصيهم) ولم يرد ذلك في الأعراف.
حتى في الشعراء (فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44)) لأن موسى نال العزة بالكلام فقال السحرة (وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ) هذه ما ذكرها في الأعراف. في الشعراء ملامح عجيبة في الاختيارات حسب الموقف.
قال (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) الأعراف) ومرة قال (فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (49) الشعراء) :
نفس المسألة، التوكيد. (فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (49) الشعراء) هذه فيها زيادة اللام للتوكيد، في الأعراف قال (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123)) لما كان الموقف شديداً ونال من عزة فرعون قال في الشعراء (فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (49) الشعراء).
وليس فقط هذه قال في الأعراف (لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124)) بينما قال في الشعراء (لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49) الشعراء) (ثم) فيها تراخي بينما في الشعراء ليس فيها تراخي. وهذا يدل على أنه أعطاهم مهلة في الأعراف ولم يعطهم مهلة في الشعراء.
(قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ (125) الأعراف) (قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ (50) الشعراء) في التهديد الشديد، في الشعراء قالوا (لَا ضَيْرَ) لا ضير يعني لا ضرر، لا بأس، قالوها في الشعراء في التهديد الكبير ما قالها في الأعراف لئلا يقال أنهم خافوا وخشوا من التهديد الكبير في الشعراء. دلالة عدم الإكتراث بتهديد فرعون مع شدة التوعد والوعيد ثم مناسبة لمقام التفصيل.
*هم قالوا الاثنين، قالوا هذه وهذه؟
قالوها كلها لكن ذكر قسماً منها هنا وقسماً آخر هناك. لكن أحياناً تأخذ قسماً من الكلام وأحياناً تأخذه كله وقد يكونوا قالوا أشياء أخرى.
* هل كانوا يتكلمون العربية؟
لا، هذه أدق ترجمة بيانية لما قالوا. أنت الآن تكتب قصة باللغة الفرنسية إذا أردت أن تترجمها ترجمات مختلفة تختلف بحسب قدرتك البيانية، المعاني كلها صحيحة واحدة لكن أنت تصوغها بصياغة، تأتي قصة في غاية الجمال والدقة وأحياناً واحد ضعيف في الترجمة يصوغها بطريقة مختلفة لكن المعاني واحدة. هذه أدق ترجمة بيانية صيغت بأسلوب مُعجِز.
الوقفة كاملة
|
| ١٢٢ |
*(وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ (52) الشعراء) وفي الدخان (فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ (23)) المعروف أن السرى يكون ليلاً فلماذا قال ليلاً ولماذا لم يقل ليلاً في آية سورة الشعراء؟(د.فاضل السامرائى)
هذا الظرف المؤكِّد.
قسم يقول أن هذا من باب التوكيد، الإسراء بالليل والسؤال عن آيتين في إحداهما لم يقل ليلاً (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) الشعراء) وفي الدخان قال ليلاً (فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (22) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (23) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (24) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آَخَرِينَ (28) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (29)) نفهم من الناحية النحوية ما معنى خرجت ليلاً أو جئت ليلاً؟ هذا ما قرره النحاة سيبويه وغيره عندما تقول ليلاً أو صباحاً أو جئت صباحاً هذا يعني إما في يومك أو في يوم بعينه. جئت صباحاً تتكلم عن يوم يعني اليوم، تتكلم مثلاً عن يوم مثلاً الجمعة تقول جئت صباحاً، أو إذا قلت جئت ليلاً يعني ليلتك هذه. لكن جئت في ليل أو في صباح تعني أيّ ليل أو أيّ صباح، هذه قاعدة مقررة في النحو. (وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ (16) يوسف) يعني عشاء ذلك اليوم الذي خرجوا فيه. إذن لما أقول أُخرج ليلاً يعني هذا اليوم الذي أكلمك الآن فيه، ليلاً وصباحاً ومساءً هذه مقررة، إذا أردت مساء ليلتك أو مساء يوم بعينه أو ليل يومك أو ليلة بعينها هذا كله يدخل فيه. إذن عندنا أمرين: أسر ليلاً يعني الليلة هذه، (أسر بعبادي) ليس فيها وقت محدد. قال في الشعراء (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55)) إذن فيها متسع حتى يجمع فرعون جماعته ويرسل في المدائن. وفي الدخان قال (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا) هذا أمر وقع هذا أسرع، هذا تصوير للحادثة في ليلة حدوثها عندما قال اليوم يعني اليوم تخرج وكأن سورة الشعراء وحيٌ من الله ليجهز نفسه حتى يأتي الأمر، بينما الكلام قبلها على السحرة (إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ (49)) كلام عام ووراءها قال (فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55)) تكلم كلاماً آخر وليس فيها الأمر بالخروج هذه الليلة والآن فرعون عنده متسع في الكلام وإرسال في المدائن. (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (24) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آَخَرِينَ (28) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (29) الدخان) فإذن ليلاً الآن تخرج هذه الليلة والسياق واضح.
الوقفة كاملة
|
| ١٢٣ |
كلمة حليم في القرآن:
وردت كلمة حليم في القرآن 15 مرة عشرة منها 11 مرة كإسم من أسماء الله عز وجل الحسنى:
1. (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225) البقرة).
2. (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235) البقرة).
3. (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) البقرة).
4. (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155) آل عمران).
5. (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12) النساء).
6. ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) المائدة).
7. (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44) الإسراء) .
8. (لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (59) الحج).
9. (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آَتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (51) الأحزاب).
10. (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (41) فاطر).
11. (إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (17) التغابن).
ووردت مرتين في ابراهيم :
1. (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (114) التوبة) .
2. (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75) هود).
ووردت مرة في اسماعيل عند البشارة به في قوله تعالى (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) الصافات).
ووردت مرة على لسان قول شعيب الذين كانوا يستهزئون به في قوله تعالى (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87)).
والحليم لا يأتي إلا بخير وهو السمت في الخُلُق العربي فالتزكية ربع المهمة المحمدية لأن عليه يقوم الأمر كله. والرسول يقول: "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق" فكأن هذه المهمة هي المهمة الرئيسية للرسول . وكما أن الأشياء توزن والأطوال تُقاس فإن وحدة قياس الأخلاق هي خُلُق رسول الله لأنه هو المثال البشري المنفوق هيّأه تفوقه أن يعيش واحداً فوق الجميع فعاش واحداً بين الجميع.
ونلاحظ في القرآن الكريم أنه عند البشارة باسماعيل جاءت بقوله تعالى (غلام حليم) فاسماعيل جدّ العرب حليم فكأن الحلم يتصف به جدُّ لعرب والحِلم كله خير ولا يأتي إلا بخير "كاد الحليم أن يكون نبياً".
وفي البشارة باسحق جدّ اليهود كانت البشارة (غلام عليم) فكأن العلم يتّصف به جدّ اليهود.
(من برنامج هذا ديننا للدكتور عمر عبد الكافي)
الوقفة كاملة
|
| ١٢٤ |
*(لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ (226) البقرة) الإيلاء أريد به الحلف فلِمَ قال تعالى (يؤلون) ولم يقل يحلفون أو يقسمون؟
لأن الإيلاء هو حلف ويمين ولكنه يقتضي التقصير في حق المخلوف عليه وهو مشتق من الألو وهو التقصير. والإيلاء فيه إجحاف وتقصير في حق المرأة التي حلف زوجها أن لا يقربها
الوقفة كاملة
|
| ١٢٥ |
* إذا تأملنا الآية في سورة يس (كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنْ الْقُرُونِ (31)) في القرآن الكريم في مواطن أخرى وردت (كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم) كما ورد في الأنعام (كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ (6)) والسجدة (كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ (26)) فما الفرق؟ وكيف نفهمه؟ (د.فاضل السامرائى)
(من) تفيد ابتداء الغاية حتى ذكرنا أكثر من مرة (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا (10) فصلت) ابتداء الغاية فيها التصاق بينما لو قال قبلهم هذا الزمن قد يكون قريباً وقد يكون بعيداً، من قبلهم ابتداء من الزمن الذي هو ألصق بهم وأقرب إليهم. ولو قال قبلهم تحتمل القريب والبعيد.
* يعني في سورة يس (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنْ الْقُرُونِ (31)) تحتمل أن يكون القوم قريبين منهم أو بعيدين؟
ولذلك قال (أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ) قديم يعني عموم القرون. بينما من قبلهم ابتداء منهم. لكن يبقى السؤال لماذا من قبلهم؟ نحن قلنا من قبلهم يعني ابتداء الغاية أقرب فربنا لما يأتي بـ(من) يقول من قبلهم يكون فيها تهديد وتوعد أكبر، توعد وتهديد أكبر.
* مثل ماذا؟
إهلاك القريب فيه تهديد أكبر من إهلاك البعيد في الزمن السحيق. يكون قريباً منك.
* يكون قريباً منك وشوهد وهو أردع !
أدل على العبرة من الأزمان السحيقة. لاحظ لما يكون تهديد كبير يأتي بـ (من) التي هي أقرب ولما يكون أقل يحذفها. قال في يس (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنْ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ) (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ (26) السجدة) المفروض الآن التهديد أشد (يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (26) السجدة) هم معاصرون لهم معايشون لهم قريبون منهم قال يمشون في مساكنهم.
* في مساكنهم هي للذين يروا أو الذين عُذبوا؟
للذين عُذِّبوا. لا شك أنك لما يدخل في دار المعذبين أمور في نفسه أدعى للموعظة وقال إن في ذلك لآيات ما قالها في يس ثم قال (أَفَلَا يَسْمَعُونَ) وبعدها قال (أَفَلَا يُبْصِرُونَ) (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاء إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (27) السجدة) هذا فيه تهديد وتحذير شديد. فرق بينها وبين من قبلهم، يمشون في مساكنهم، إن في ذلك لآيات.
* إذن القصة خاصة بمسألة قرب الزمن أو بعده عن الذين يتحدث عنهم الله سبحانه وتعالى؟
نعم والتحذير فيها أشد . ولذلك يقول (من قبلهم) فيما هو أشد فيقرّعهم (أَفَلَا يَسْمَعُونَ) (أَفَلَا يُبْصِرُونَ).
* لكن قال ربنا هنا (كم أهلكنا قبلهم من القرون) قدّم (قبلهم) ؟
قبلها أصلاً إضافة للتهديد قبل الاية قال (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21) السجدة) لاحظ كيف يكون التهديد بأن لهم عذاباً آخر، فلاحظ كيف يستعمل قبلهم ومن قبلهم. فرق كبير. حتى لو لاحظت في ق وص. في ص قال (كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (3)) وفي ق قال (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ (36)). في ص قال من قبلهم وفي ق قال قبلهم، لو لاحظنا السياق ستجد أن السياق أشد. في ق لم يقل بعدها إلا (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37)) أما في ص فذكر ثلاث أربع آيات يهددهم فيها (وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7) أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (8)). وقال (وَمَا يَنظُرُ هَؤُلَاء إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ (15) ص) لاحظ التهديد بينما في ق لم يذكر هذا الشيء.
* حتى هم قالوا (وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (16)) !
لاحظ التهديد أقوى بكثير. فرق كبير بين قبلهم ومن قبلهم.
الوقفة كاملة
|
| ١٢٦ |
* لماذا استغفر داوود ربه في سورة ص (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ)؟ (د.فاضل السامرائى)
هذه الآية في سورة ص (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21)) كانت في الحُكم. وفي كتب التفسير الكثير من الاسرائيليات يقولن فيها أنه في العهد القديم رأى داوود امرأة قائده (أورية) وكان لداوود تسع وتسعين زوجة فصعد إلى السطح ورأى امرأة قائده فوقعت في قلبه فأرسل زوجها إلى الحرب ليموت فيتزوجها هو فحصل وصار له مئة زوجة فانتبه داوود للمسألة التي وقع فيها فاستغفر ربه. وهذا ما تذكره الاسرائيليات وهذا كلام فيه نظر لأنه تصرف لا يُقبل من شخص عادي فكيف بنبيّ؟
لكن نقول أن هذا الحُكم الذي حكم به داوود خارج عن طريقة الحُكم الصحيحة لأنه لم يستوف أركان الحُكم. كيف؟:
أولاً فزع داوود من الخصم (إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22)) والقاضي لا يصح أن يحكُم بالفزع ولا بد أن يكون آمناً حتى يحكم وحُكم القاضي لا يجوز إذا كان خائفاً.
ثانياً: إن داوود استمع إلى خصم واحد ولم يستمع للآخر (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23)) وهذا لا يجوز في الحكم ومخالف لأركان الحُكم. وقد قيل في الحُكم إن إذا جاءك شخص قُلِعت عينه فلا تحكم حتى ترى الآخر فربما قُلِعت كلتا عينيه.
ثالثاً: لم يسأل عن البيّنة وإنما حكم مباشرة (قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ) فهل يجوز أن يحكم أحد بلا بيّنة؟
فداوود حكم في حالة خوف وسمع لخصم واحد ولم يسأل عن البيّنة فهل يجوز هذا في الحكم؟ وأظن أن الله تعالى أراد أن يُعلِّم داوود أصول الحكم الصحيح وقد جعله خليفة (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)) ولهذا استغفر داوود ربه. وكان داوود قاضياً قبل هذه الحادثة وكان يجلس للقضاء يوماً ويتعبّد يوماً فجاءه الخصم في يوم تعبّده ففزع منهم.
سؤال: لماذا لم يقل ففزع منهما بما أنه قال (خصمان بغى بعضنا على بعض)؟ إن كلمة خصم تشمل الواحد والأكثر (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21)) (فَفَزِعَ مِنْهُمْ) فكلمة خصم هي كلمة عامّة.
فما جاء في الاسرائيليات نستبعده لأنها لا تصح عن نبيّ لكن الظاهر لي والله أعلم أن الحُكم لم يستوف أركان الحُكم الصحيح.
* (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) ص) سورة ثم الآية (قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ (22) ص) وقوله تعالى (هذان خصمان اختصموا في ربهم) سورة الحج ، لماذا جاءت الخصم مرة مفردة ومرة مثنى وجمع؟ (د.فاضل السامرائى)
الخصم تأتي للمفرد والجمع (هل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب) مثل كلمة بشر والفلك وضيف وطفل، وربما تأتي للتثنية (هذان خصمان اختصموا في ربهم) .يقول المفسرون هما فريقان كل فريق له جماعة فلمّا جاءا يختصمان جاء من كل فريق شخص واحد يمثّل الفريق والمتحدثان هما أصحاب المسألة (خصمان). كما في قوله تعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما) فكل طائفة لها جماعة عند الصلح يأتي من كل طائفة من يفاوض باسمها لكن إذا وقع القتال بينهما يقتتل كل الأفراد، فإذا اختصم الفريقين يقال اختصموا وإذا اختصم أفراد الفريقين يقال اختصموا. وكذلك في كلمة بشر (أبشراً منا واحده نتبعه) وقوله تعالى (بل أنتم بشر مما خلق). وكلمة طفل قد تأتي للمفرد وجمع وقد يكون لها جمع في اللغة (الأطفال) وقد استعمل القرآن هاتين الكلمتين.
الوقفة كاملة
|
| ١٢٧ |
*ما سر الاختلاف في استعمال (وكفّلها زكريا) (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37) آل عمران) بالتضعيف و(أكفلنيها) بالهمزة (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) ص)؟
هي من الكفالة. الرسول يقول: أنا وكافل اليتيم كهاتين. الكافل الذي يتولى التربية والرعاية والتوجيه هذا الكافل فهو قد كفله هذا المولود أو الإنسان. لما يُضعّف (كفّلها) كفّلت ويداً مثل علّمت زيداً فيه معنى التكثير والمبالغة والتدرج. لما أُكفّل شيئاً معناه أتدرج في تربيته وأتدرج في أمره. (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا) جعله يمفلها مع التشدد مع أنه يتدرج في كفالتها.
أما أفعل: أعلم أي أوصل معلومة غير علّم. فهذان اللذان جاءا لامتحان داوود (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)) فالحاكم ينبغي أن يسمع من الإثنين وداوود سمع من واحد لذلك قال (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ) لأنه قضى بينهما بسماع الأول فقط (لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ) لم يسمع من الثاني. أكفلها : مجرد إيصال الكفالة. أكفلينها يعني أعطني هذا الحيوان وهو نعجة أجعلها مع نعاجي.
الوقفة كاملة
|
| ١٢٨ |
*هل سجدة داوود في سورة ص(وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ {س}(24)) سجدة شكر؟
سنظهر أكثر من صورة في هذه الآيات ونستفيد من السؤال لبيان شيء. أولاً بصورة موجزة نقول أن المصحف المتداول الآن الذي هو مصحف المدينة النبوية وما طُبِع عليه بملايين النسخ ودول أخرى أعادت الطباعة على الصورة نفسها هذا في أصل وضع الوقفات والرموز هي للجنة كانت في مصر في بداية الثلاثينات وكان مسؤول هذه اللجنة الشيخ محمد علي خلف الحسيني الشهير بالحدّاد من كبار علماء الأزهر وكان من كبار القُرّاء في مصر من علماء القراءات القرآنية وكتب نسخة المصحف بخط يده فالنسخة المتداولة منسوخة على ما كتبه بخط يده هو وكان عضواً في اللجنة ورئيساً للجنة فهم إختاروا أماكن الوقوف من كتب القراءات والوقف والإبتداء لم يكن عبثاً وإجتهدوا في هذا. فهذا المصحف الذي بين أيدينا في الحقيقة ثروة هائلة ينبغي أن لا يُفرّط في إختيارات اللجنة ثم جاءت اللجان من بعد فأقرّت ما صنعته اللجنة الأولى التي هي من كبار علماء الأمة.
لما نأتي إلى الآيات (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ {س}(24)) هم وضعوا علامة السجدة هنا. ما دام هذه اللجان التي هي من كبار علماء الأمة إذن لا نسأل هل هي سجدة عزيمة أو هل هي سجدة شكرإنما ما دامت موجودة أنا أسجد. لكن مع ذلك نتكلم عن الآية حتى نعرف هذا السجود لماذا كان؟ هو عبّر بالركوع.
الحديث عن داوود (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21)) الخصم يستعمل للمفرد والمثنى والجمع فجاء به أولاً عاماً. (إذ تسوروا) جمع، (إذ دخلوا) جمع، (ففزع منهم) جمع، (قالوا) جمع، (خصمان) مثنى، (بغى بعضنا على بعض) أحدنا على الآخر هذا ينبغي أن نفهم منه أن الذي تسور المحراب الخصمان مع من معهما من الشهود، الذي تسور المحارب جماعة خصمان وشهود ولذلك إستعمل الجمع فلما عرضت المشكلة (بغى بعضنا على بعض) تكلم كل واحد منهما يرى نفسه صاحب حق هذه خلاصة لكلامهم أن هناك بغي: أحدهما بغى على الثاني قد يكون أنا الذي بغيت وقد يكون الآخر. إذن هناك شكوى من طرفين شكوى متقابلة وهناك شهود لكل واحد. القاضي ينبغي أن يسمع من الطرفين ويسأل الشهود هذا الذي يُراد له أن يكون خليفة في الأرض يحكم. داوود كان معرّضاً لإمتحان عليه السلام. نقف عند الآية (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ) الآن المتكلم أحد الخصمان تكلم الخصم الأول (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23)) ظاهر الأمر أنه لا يحتاج إلى تحقيق لأن 99 نعجة وهو له نعجة واحدة وهذا يريد أن يأخذها يربّيها عنده مع نعاجه (وهي نعجة وليس كما يقولون في الإسرائيليات زوجات لا نخوض في هذا) لكن هذا النص القرآني تأتي إلى قاضي تقول له هذا أخي عنده 99 نعجة وأنا عندي نعجة واحدة أحلبها وأشرب منها وأخي يقول لي أعطني إياها وأنا أرعاها وآخذها (وعزني في الخطاب) ألحّ عليّ في الخطاب وغلبني أنه أنت ماذا تصنع بواحدة؟ إئتني بها. يعني عرضت عليه قضية واضح أن الحق مع المتكلم. الآن داوود عليه السلام حكم (قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ) ثم لما إختفى الجميع فجأة علِم أنهم ملائكة جاءوا يعلّمونه كما جاء حبريل يعلم المسلمين أمور دينهم ثم إختفى، علِم داوود أنه قد إمتُحِ، ولم ينجح في الإمتحان و(وظنّ) بمعنى تيقّن (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ {س}(24)) لاحظ التعقيب يؤكد (فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ (25) يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)) وليست القضية قضية نسوان. القضية قضية حكم (فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ (25) يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ) لذلك وهذا مبدأ عام عند المسلمين أن القاضي مهما تبيّن له أن الذي يعرض عليه المشكل أنه هو صاحب الحق لا يقضيه حتى يسمع الثاني لذلك ضربوا في الأمثال إذا جاءك من فُقئت عينه فلا تقضي حتى تسمع من الثاني فربما فقئت عيناه. فإذن هذا درس للمسلمين لذلك السجدة ما دامت ثبتت بالمصحف نسجد ونفقأ عين الشيطان لأن الشيطان يبكي يقول أُمروا بالسجود فسجدوا وأُمرت بالسجود فلم أسجد. والنية عند هذه السجدة هي نسجد لله تعالى كأي سجدة أخرى.
الوقفة كاملة
|
| ١٢٩ |
*ذكر الدكتور في حلقة سابقة في قضية عودة الضمير على غير مذكور ودلّ عليه السياق عندي مثال مطلع قصيدة: (فإن تنجو منها يا حزيم بن طارق فقد تركت ما خلف ظهرك بلقعا) ودل السياق على أنه الخيل فهل يمكن إعطاؤنا مثالاً من القرآن؟(د.فاضل السامرائى)
(كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ (26) القيامة) (فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) ص) الشمس هل التي توارت بالحجاب، الضمير يعود على غير مذكور ومعلوم من السياق.
الوقفة كاملة
|
| ١٣٠ |
*ما الفرق بين رحمة منا و رحمة من عندنا ؟(د.فاضل السامرائى)
في القرآن يستعمل رحمة من عندنا أخص من رحمة منا، لا يستعمل رحمة من عندنا إلا مع المؤمنين فقط أما رحمة منا فعامة يستعملها مع المؤمن والكافر. (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً (50) فصلت) عامة، قال على سيدنا نوح (وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِه (28) هود)، (من عندنا) يستعملها خاصة و (منا) عامة. حتى (نعمة منا) و (نعمة من عندنا)، يستعمل (منا) عامة و (نعمة من عندنا) خاصة مثل (فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ (49) الزمر) (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ (35) القمر).
حتى لو ورد هذان التعبيران في نبي واحد يختلف السياق، مثلاً في سيدنا أيوب (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44) ص) في سيدنا أيوب في سورة الأنبياء (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84)) قصة واحدة لكن مرة قال رحمة منا ومرة رحمة من عندنا. ننظر السياق في ص قال (إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ) وقال في الأنبياء (إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) لم يقل (وأنت أرحم الراحمين) في ص، لم يذكر رحمته، أرحم الراحمين يوسع عليه يعطيه أكثر وكأنه يستجدي من الله، يطلب رحمته سؤال برحمته، قال ربنا (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ) ولم يقلها في ص، قال (فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ) ما قالها في ص، لم يقل فاستجبنا له ولم يقل فكشفنا ما به من ضر. قال (وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ) وفي ص قال (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ) الإيتاء يشمل الهبة وزيادة في اللغة، الإيتاء يشمل الهبة وقد يكون في الأموال وهو يشمل الهبة وغيرها فهو أعم، (آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا (22) يوسف) (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً (59) الإسراء) لا يمكن أن نقول وهبنا (آتيناه الكتاب) آتينا أعم من وهبنا. قال في الأنبياء (وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) وفي ص قال (وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) العابدون يشملون أولي الألباب وزيادة، المكلَّف يجب أن يكون عنده عقل وإلا كيف يكلّف مجانين ليس عندهم عقل إذن العابدون أولي الألباب وزيادة. (وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) العابدين فيها خصوصية يعني ليس فقط أولي الألباب، أولو الألباب وزيادة فصار عندنا أرحم الراحمين واستجبنا له وفكشفنا له والعابدين وآتيناه فأين نضع رحمة من عندنا؟ نضعها مع كل هذا في آية الأنبياء.
سؤال: النبي واحد والرب واحد والموقف واحد وهو المرض ولكن السياق ليس واحداً فلماذا هذا التغير؟
هل حصل تناقض رحمة منا أو رحمة من عندنا؟ من أين الرحمة؟ الضمير عائد على الله سبحانه وتعالى إذن ليس هناك تناقض لكن الاختيار بحسب السياق، اختيار المفردات بحسب السياق لم تتناقض القصتان لكن اختيار الكلمات بحسب السياق الذي ترد فيه.
سؤال: قد يقول قائل ماذا قال سيدنا أيوب بالضبط؟
قد يكون قال أكثر من هذا لكن ربنا ذكر هذا فقط، في هذا الموقف قال هذه الجملة وفي ذلك الموقف قال هذه الجملة، هل دعا مرة واحدة.؟ لا، إذن لا تعارض ولا تغاير، لو قال لم يستجب له لصار تعارض.
* إضافة للدكتور فاضل :
*سيدنا أيوب ورد فيه الاثنان (رحمة منا) و (رحمة من عندنا)!
نحن عادة ننظر في السياق. نحن قلنا (رحمة منا) عامة و (رحمة من عندنا) خاصة:
في ص قال (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44)) في الأنبياء قال (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84)) ننظر في السياق في المكانين. قال في ص (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) واختلف المفسرون ما معنى مسني الشيطان؟ وسوس له وأطاعه بعض الشيء في هذه الوسوسة يعني دخل في نفسه شيء. بينما في الأنبياء قال (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ) ما قال الشيطان.
*لكن هو في الحالين مسّه الشيطان ؟
لا، تلك وسوسة وهذا الضر وليس بالضرورة الضر وسوسة الشيطان، عندما يصاب الواحد بضر هذا ليس شيطان.
*إذا سألنا ما الذي حدث فعلاً لسيدنا أيوب؟ وسوسة أو ضر؟
كلاهما. هناك ذكر حالة وهنا ذكر حالة أخرى. هناك قال (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) وهنا (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ). أيها خِلاف الأَوْلى؟ (مسني الشيطان) خلاف الأولى. قال في الأنبياء (وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) ذكر صفة الرحمة وهناك لم يذكر هذا الأمر. لما ذكر الله سبحانه وتعالى صفة الرحمة أليس هذا يستجيب له فيخصه برحمة؟. قال (وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) لم يقل هناك.
في الأنبياء قال (وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) أليس هذا فرق بين التعبيرين؟ في الأنبياء قال (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ) إستجاب لهذا الدعاء (وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) وفي ص لم يقل فاستجبنا له ولكن عرفنا ضِمناً أن ربنا استجاب له لكن في الأنبياء عرفنا تصريحاً (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ). الآن أي واحد يعرف بالمعنى أين يضع الخصوصية في مسني الشيطان أو مسني الضر؟ في مسني الضر. (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ (84) الأنبياء) أين يضعها؟
*ولهذا (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ (84) الأنبياء) الاستجابة سريعة والفاء فيها سرعة؟
ولذلك قال (رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا) رحمة خاصة.
هذا أمر. ثم حتى السياق لو نظرنا في سياق وضع الآيتين، لو نظرنا هي أين موضوعة في سورة ص، سياق قصة أيوب وأين موضوعة في الأنبياء؟. قصة أيوب في الموضعين ذكرت بعد قصة داوود وسليمان، سواء في الأنبياء أو في ص ذكر داوود وسليمان وذكر أيوب بعدهما في الموضعين. في ص ذكر في داوود وسليمان ما هو خِلاف الأوْلى من حيث في داوود (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ (22)) والنعاج التي ترمز إلى شيء (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23)) في التوراة يقولون أنها زوجاته وأنه أخذ زوجة القائد!. ثم قال (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24)) معناه هناك فتنة. فاستغفر ربه. يعني ذكر له خلاف الأوْلى. في سليمان قال (فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (33) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34)) إذن في الابتلاءات والفتن بالنسبة لسيدنا داوود وسليمان. إذن المقام في السياق هنا أيضاً (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41)) لاحظ السياق أيضاً في الابتلاء والفتن حتى السياق. بينما في الأنبياء بالعكس السياق في مقام الثناء (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا (79)) هذا مدح، حكم وعلم. وهناك قال (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) إذن (من عندنا) أيضاً تتناسب مع السياق الوارد.
الآن حتى ننظر في بناء الآيتين ليس فقط هذا الأمر الذي ذكرناه وإنما لو نظرنا في بناء الآيتين نفسها كيف مصوغة. قال في الأنبياء (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84)) في ص (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ (43)) (فاستجبنا له) لم يذكرها في ص (فكشفنا ما به من ضر) لم يذكرها في ص. في الأنبياء قال (وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ) وفي ص قال (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ)، (رحمة من عندنا) في الأنبياء (رحمة منا) في ص. (وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) في الأنبياء (وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ) في ص. هذا الاختلاف. نأتي إلى آتيناه ووهبنا له إضافة إلى ما ذكرناه قبل قليل في مسني الشيطان ومسني الضر نأتي إلى بناء الاية كيف يكون. قال في الأنبياء (آتيناه) وفي ص قال (وهبنا له). الإيتاء يشمل الهبة وزيادة الهبة وغير الهبة.
*مع أن الإثنين يدلان على العطاء!
لا، الإيتاء يستعمل في المال وغير المال (آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا (22) يوسف) (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً (59) الإسراء) لا نقول وهبنا ثمود الناقة مبصرة، (آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ (52) القصص) (وَإِيتَاء الزَّكَاةِ (73) الأنبياء) (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ (177) البقرة) الهبة غير ذلك، لا نقول وهبنا له الكتاب، وهبنا له الناقة! الإيتاء أوسع. إذن آتيناه يشمل وهبناه وزيادة، يشمل المال وغير المال إذن أيها الأوسع آتينا أو وهبنا؟ آتينا أوسع. (رحمة من عندنا) و (رحمة منا) رحمة من عندنا هذه رحمة خاصة زيادة على رحمة الناس فصارت رحمة منا وزيادة، آتينا وهبنا له وزيادة، رحمة من عندنا رحمة منا وزيادة في الرحمة، خصوصية. (وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) و (وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ) العابدين يشمل أولي الألباب وزيادة. العابد يجب أن يكون من أولي الألباب. قد يكون من أول يالألباب لكن ليس عابداً إذن كلمة العابدين تشمل أولي الألباب وزيادة. آتيناه وهبنا له وزيادة، رحمة من عندنا تشمل رحمة منا وزيادة، للعابدين لأولي الألباب وزيادة، أين تضع (رحمة من عندنا)؟ نضعها في آية سورة الآنبياء.
علاوة على أمر آخر. لو لاحظنا في السور نفسها نلاحظ في سورة ص ذكر مشتقات الهبة أكثر مما في الأنبياء وفي الأنبياء الإيتاء:
في ص (خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (9)) (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ (30)) (وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (35)) (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ (43)) خمس مرات في ص ومرتين في الأنبياء. إذن كلمة وهبنا، السمة التعبيرية للسورة كلمة الهبة أكثر من الإيتاء.
في الأنبياء العكس الإيتاء أكثر من الهبة، الإيتاء وردت ست مرات في الأنبياء (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء (48)) (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ (51)) (وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا (74)) (وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا (79)) (وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ (84)) (وَإِيتَاء الزَّكَاةِ (73)) ومرة واحدة في ص (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (20)) من هذه الناحية أيضاً لفظ الإيتاء ولفظ الهبة كل واحد موضوع في مكانه في السمة التعبيرية للسورة.
العبادة والعابدين في الأنبياء أكثر، وردت في الأنبياء عشر مرات وفي ص خمس مرات، في الأنبياء (لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ (19)) (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)) (بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ (26)) (وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84)) أصلاً أولو الألباب لم ترد في سورة الأنبياء أصلاً. أيضاً مما زاد حسن في ص قال (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (29)) في الأنبياء قال (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73)) (إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ (106)) (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84)) من أين تأخذها؟!
*المكان طبيعي. هل اللغة العربية تفرّق بين (من) و(عند)؟
نعم طبعاً (من) و (عند) هذا من اللغة لكن من حيث الاستعمال هذا من خصوصيات الاستعمال القرآني. أما هي في الأصل لا شك أن (من) حرف و(عند) ظرف لكن يبقى كيف يستعملها هذه خصوصية الاستعمال. نعمة منا، نعمة من عندنا مما يدل على أن التعبير القرآني تعبير مقصود.
*أبو لهب كان يفهم منا وعندنا كان لها خصوصية في القرآن؟
هو يفهم ما يسمع لكنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً، هذا السهل الممتنع يعني تفهمها لكن لا تستطيع أن تفعل مثلها. دائماً نضرب مثلاً البحتري شعره مفهوم جداً لو قرأت الديوان كله تفهمه لكن لا تستطيع أن تفعل مثله أو تكتب قصيدة مثله، أو المتنبي أنت تفهم شعره لكنه لا يعني أنك تستطيع أن تصنع مثل شعر المتنبيز تسمع خطيباً بليغاً وأنا مرة سمعت خطيباً بليغاً عجبت أعجب كيف ياتي بهذه المعاني وكيف يأتي بهذه الحِكَم، أسرني أسراً في سامراء، هو ليس عراقياً جاء وتكلم كلاماً أذهلنا جميعاً كلنا فهمناه لكن لا نستطيع أن نقول مثل كلامه.
الإعجاز القرآني متسع لكن أشهر شيء هو ما ذكرته. الإعجاز القرآني متسع إتساعاً كبيراً يعني كل واحد ينظر فيه من ناحية، الشارع المشرِّع ينظر فيه من ناحية إعجاز، من ناحية علمية يرون أن فيه إعجاز، اللغة إعجاز إختيار مفردات تاريخية إعجاز تاريخي وإختيار المفردة لذلك التاريخ أشياء عجيبة والإعجاز متسع لكن أشهر إعجاز هو هذا الإعجاز البياني الذي تحدى به، في سورة واحدة التي ليس فيها تاريخ ولا فيها غيبيات ولا فيها أمور، مثل سورة الإخلاص أو سورة الكوثر.
الوقفة كاملة
|