عرض وقفات التساؤلات

  • ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴿٢٧﴾    [الحج   آية:٢٧]
ما حكم تلبية المرأة؟ "والمَرْأَةُ تَرْفَعُ صَوْتَها بِحيثُ تُسْمِعُ رَفِيقَتها"، صَوْتُ المرأة والكلامُ فيهِ كثير لا سِيَّما عندَ المُتأخِّرين هل هُو عَوْرَة أو ليس بِعَوْرَة؟! خِلافِيَّة؛ لكنْ الذِّي يقول صَوْتُ المرأة عَوْرَة يَسْتَدِلُّ بمثل هذا، لماذا لا تَرْفَعُ صَوْتَها بالتَّلْبِيَة؟! لماذا لا تَجْهَر بالقِرَاءة؟! لماذا لا تفعل؟! لماذا تُصَفِّق ولا تُسَبِّح في الصَّلاة؟! كل هذهِ النُّصُوص تَدُلُّ على أنَّ صَوْتَها عَوْرَة، ويُسْتَثْنَى من ذلك ما يُحتاج إليهِ كما كان في مسائل البيع والشِّراء وغيرِها عند الحاجة، إذا دَعَتْ الحاجة إلى ذلك، ومنهُم من يقُول ليْسَ بِعَوْرَة، ما دَام يَسْمَعُها الرِّجال تَبِيع وتَشْتَري وتَرْوِي الحديث وتَتَلَقَّى الأحاديث ليْسَ بِعَوْرَة، ومَعْرُوفة آرَاء المَشايخ في هذه المسألة كرأي العُلماء والخِلاف مَبْسُوط؛ ولا شكَّ أنَّ الاحْتِيَاط للمرأةِ ألاَّ تَرَى الرِّجال ولا يَرَوْنَها ولا تَسْمَعُ كَلامَهُم ولا يَسْمَعُونَ كلامها ! مع ما يتيسَّر، ومع الأسَف الشَّديد أنْ تَسْمَع الآنْ المَرْأة لا تَخْتَلِف بشيء عن الرَّجُل، تَجِد المرأة نَصَبَتْ نَفْسَها للدَّعْوَة، وعُرِفَتْ بذلك، وشُهِرَتْ بذلك، ونَفَعَ اللهُ بها نَفْعاً عَظِيماً، ومع ذلك إذا دَاخَلَتْ في إذاعة أو في قناة أو ما أشبه ذلك رَفَعَتْ صَوْتَها أكثر من الرِّجال! هل هذا هو اللَّائِق بالنِّساء؟! لا والله ليسَ هذا هو اللَّائِق بالنِّساء، فالنِّساء ليسَ لَهُنَّ هذا الأمر؛ وإنَّما هُو للرِّجال، الرِّجال يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُم، والنِّساء يَخْفِضْنَ أصْوَاتَهُنّ، واللهُ المُستعان، ولا شكَّ أنَّ هذا تَشَبُّه، وهذهِ يُخْشَى أنْ تَكُون مُتَرَجِّلَة أوْ رَجِلَة من النِّسَاء.
  • ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴿٩٧﴾    [آل عمران   آية:٩٧]
هل على النساء جهاد؟ عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قلتُ يا رسول الله! على النِّساء جِهاد؟! تسأل لِتُشارك في الجهاد؛ لِما وردَ في الجِهاد وفي فَضْلِهِ؛ وأنَّهُ ذِرْوة سَنَام الإسلام، ومَصْدَرُ عِزِّ المُسلمين، فَتُريد أنْ تُشارك، على النِّساء جِهاد؟! قال: ((نعم، عليهنَّ جهاد لا قتال فيهِ، الحج والعُمرة)) والجِهاد هُو بذْل الجُهد واستفراغ الوسع في طاعة الله -عزَّ وجل- لا سِيَّما ما فيهِ مَشَقَّة، كالجِهاد الشَّرعي الاصطلاحي، والحج والعُمرة فيهما بَذْل جُهد ومَشَقَّة فهو جهاد، وكُلّ ما يحتاج إلى مُعالجة مع النَّفْس ومُجاهدة فهو جِهاد؛ لكنْ هنا يقول: ((عليهنَّ جهاد)) عليهنَّ هذه الصِّيغة تدُلُّ على الوُجُوب؟! {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ} [سورة آل عمران/97] صِيغة وُجُوب عند أهلِ العلم ((عليهنَّ جهاد لا قتال فيهِ)) والمقصُود أنَّهُ لا قتال ولا مُقاتَلَة، مَقْصُودة لِذاتِها، كما هو شأْن الجِهاد؛ وإنْ حَصَل قَتْل وموت في الحج بِسَبب زِحامٍ وشِبهه، هذا ليس بقتال ولا مُقاتلة، في السَّنوات الأخيرة بعض ما يتطلبُهُ الحج من أعمال قريبة من القتال، يعني من ذهب ليرمي الجمرة ضحى يوم العيد مثلاً، أو بعد الزوال في الثَّانية عشر هذا جِهاد؛ لكِنَّهُ لا قِتال فيهِ مَقْصُود لِذَاتِهِ بِسَلِّ السُّيُوف وشِبْهِها لا، وإنْ حَصَل فيهِ ما يَحْصُل في القِتال من مَوْت، واللهُ المُستعان. ((عليهنَّ جهاد)) {لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ} [النَّحل/7] وشخص من المُتْرَفين من أبناء المُلُوك قال: لا أحج بدُون شق الأنفُس ما يَلْزَم، أنا ابن ملك تيسر لهُ جميع أسباب ووسائل الرَّاحة فَحُمِل في هَودج، والنَّاس يَحْتَفُّونَ بِهِ من يمين وشِمال، بينما هو سائر إذْ مَرَّ بشجرةٍ فأخذت إحدى عينيه! والآنْ يُعلن عن بعض الحملات أنَّها بالرَّاحة التَّامة، ويُيَسِّرُون ويوفرون بعض وسائل الرَّاحة؛ لكنْ الخبر لن يَتَخَلَّف، لا بُدَّ من شَقِّ الأنْفُس مهما بَذَلْت من الأموال، لا بُدَّ من المَشَقَّة في الحج، ((عليهنَّ جهاد لا قتال فيهِ، الحج والعُمرة)) أمَّا وُجُوب الحج فإجماع والعُمرة محلُّ خِلافٍ بينَ أهل العلم.
  • ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٩﴾    [الجمعة   آية:٩]
ما حكم غسل الجمعة؟ وعلى كل حال قول جمهور أهل العلم على أن الغسل سنة مؤكدة لصلاة الجمعة، ومنهم من يحمل الحديث السابق ((غسل الجمعة واجب)) على ما كان عليه الأمر في أول الإسلام، قبل أن يوسع على الناس، كانوا يلبسون الثياب من الصوف، والصوف إذا أصابه البلل والعرق صارت له روائح كريهة، فأمروا وأكد عليهم في الغسل، لما وسع على الناس صاروا يلبسون الأنواع الثانية من الألبسة، وخفت هذه الروائح، من توضأ فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل، وكأن رأي الإمام مالك ممزوج من هذا كله، أنه يلزم أهل الحرف والمهن ومن تنبعث روائح كريهة يلزمه الغسل، يجب عليه أن يغتسل دون غيره. وأما ابن القيم فقد أكد على تأكد الغسل، وإن لم يصرح بوجوبه، إنما قال: الأمر بالغسل يوم الجمعة مؤكد جداً، يعني كأنه يقرب من الوجوب، فلم يصرح بالوجوب، ووجوبه أقوى من وجوب الوتر يعني عند من يقول بوجوب الغسل كالحنفية، مع أنه جاء الأمر: ((أوتروا يا أهل القرآن)) وأقوى من قراءة البسملة في الصلاة يعني عند الشافعية، ووجوب الوضوء من مس النساء إما مطلقاً عند الشافعية، أو مع شهوة عند الحنابلة، ووجوبه لمس الذكر كما يقول الحنابلة على ما تقدم، ووجوبه من القهقهة في الصلاة كما يقول الحنفية، عند الحنفية القهقهة مبطلة للوضوء، ومن الرعاف، ومن الحجامة وغيره، المقصود أن ابن القيم لم يصرح بالوجوب، إنما قال بالاستحباب المؤكد جداً، بل هو قريب من الوجوب، فإذا قلنا: بوجوب هذه الأمور فهو أوجب منها وآكد. وعلى كل حال قول جماهير أهل العلم على أن غسل الجمعة يتأكد استحبابه، ولا يليق بالمسلم تركه.
  • ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿٩٦﴾    [المائدة   آية:٩٦]
ما حكم صيد البحر للمحرم؟ ولا يحرم صيد البحر إجماعاً؛ لقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} [(96) سورة المائدة] هذا إذا لم يكن بالحرم، فإن كان بالحرم حرم صيده، جزم به غير واحد؛ لأن التحريم فيه للمكان، وليس من أجل الإحرام، نعم؟ طالب:....... لو وضع حوض مثلاً في مكة فيه سمك داخل الحرم منعه أهل العلم؛ لأن التحريم للمكان، أما تحريم صيد البر ما دمتم حرماً يُخرج صيد البحر ما دمتم حرماً، يجوز للمحرم أن يصيد أو يجوز للمحرم أكل صيد البحر، ما دمتم حرماً، العلة في ذلك الإحرام، مفهوم تحريم صيد البر حل صيد البحر للحرم وهو المحرم، لكن الحرم لم يتعرض له بشيء بالنسبة لصيد البحر، ولذا قالوا: هذا إذا لم يكن بالحرم، فإن كان بالحرم حرم صيده، جزم به غير واحد؛ لأن التحريم فيه للمكان. طالب:....... نعم، لكنه صيد؛ لأن صيد البر حرم على الحرم، مفهومه حل صيد البحر هذا بالنسبة للحرم، أما بالنسبة للحرم فلم يتعرض له بشيء، فإن كان صيداً وأصله من البحر أو بحري فيسمى صيد، ولا ينفر صيده، هذا من حيث العموم، لا شك أن الاحتياط مطلوب، لكن يحتاج مثل هذا إلى دليل.
  • ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿٢٠٣﴾    [البقرة   آية:٢٠٣]
كيف يَسْتَشْعِر المُسلمُ مناسك الحج حينَ تَأْدِيَتِها، خَاصَّةً في هذا الزَّمان الذِّي انْشَغَل أَهْلُهُ بالمال والبنين؟ استِشْعَار العِبادات عُمُوماً هُو لُبُّها وهو رُوحُها ، شخص يُصلِّي ولا يدري ما الصَّلاة ! شخص يَصُوم ويومُ صَومِهِ ويومُ لَهْوِهِ سَواء! لا فَرْقَ بينهُما ، يَعْتَكِفْ وكَأَنَّهُ في اسْتِرَاحة! يَحُجّ وكأنَّهُ في نُزْهَة! مثل هذا لا يُمْكِنْ أنْ يَسْتَشْعِر إذا لمْ يَكُن اتِّصَالُهُ بالله -جلَّ وعلا- وَثِيقاً في سَائِرِ عُمُرِهِ؛ فإنَّهُ لا يُعَان على هذا؛ بلْ على الإنْسَانْ أنْ يَتَعَرَّفْ على الله -جلَّ وعلا- في الرَّخاء؛ لِيَعْرِفُهُ في الشِّدَّة ، وكثيرٌ من النَّاس في السَّنة هذهِ في رمضان في العشر الأواخر وُجِدْ منْ يُصلِّي منْ بَعْدِ صلاة التَّراويح إلى صلاة التَّهَجُّد!!! بدُونِ فاصِل، يُصلِّي ركعتين ركعتين؛ لكنْ بدُونِ فاصِل هذا توفيق من الله -جلَّ وعلا-... هل يُوَفَّق لمِثْلِ هذا مَنْ شَغَلَ أوْقَاتَهُ باللَّهُو؟! ولا يَعْرِف الوتر إلاَّ ركعة أحياناً، وأحياناً لا يُعَانْ عليها! مِثْلِ هذا لا يُعان على مِثْلِ هذا في الأوقات الفَاضِلَة، وقد رَأيْنا من الصَّالِحين منْ يَسْتَغِلّ الوقت بعد صلاة التَّراويح إلى أنْ عُدْنَا لصلاة التَّهَجُّد وهو رافعٌ يديهِ يدعُو الله -جلَّ وعلا-! كيفَ يُعان على مثل هذا في سَائِرِ وقتِهِ لا يَعْرِفُ الله -جلَّ وعلا- إلاَّ بِجَسَدِهِ دُونَ قَلْبِهِ ورُوحِهِ؟! ندخُل المسجد وكأنَّنا داخلين مَلْهَى!!! نسأل الله العافية، ويَسْهُو الإمام، ويَتَجَاوز أحياناً آيات ونحنُ كأنَّنا لا نَشْعُر! والإمام نَفْسُهُ أيضاً قد يقرأ الآيات المُؤَثِّرة ولا يَتَأثَّر! ولا أحد من المأمُومين يَتَأَثَّر، وإذا تأثَّر الإمام وبَكَى في بعض آية تَجِد تَكْمِلَتَهُ للآية كلا شيء! كأنَّ شيئاً لمْ يَحْصُل! هل هذا تأثُّر؟! يعني قد يَبْكِي في جُزْءٍ من الآية، ثُمَّ بعد الآية يُنْهِيها على شيءٍ من التَّعتعة؛ لكنْ الآية الثَّانية التِّي تَلِيها كأنَّ شيئاً لمْ يَحْصُل! هل هذا تأثُّر؟! عُرِف من حال السَّلف أنَّ الإنسان إذا خَشَع في صَلاتِهِ أو في تِلاوتِهِ في اللَّيل يُعَاد في النَّهار!!! فنحتاج إلى مُراجعة، الصَّلاة التِّي لا تَنْهَى عن الفحشاء والمُنكر هذهِ بدُون لُبّ، الصِّيام الذِّي لا يَدُلُّ على التَّقوى بدُون لُبّ، في قولِهِ -جلَّ وعلا-: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى} [البقرة/203]، {لِمَنِ اتَّقَى} فَرَفعُ الإثْمِ لمن؟! لِمَنْ اتَّقَى، هذا خاصّ بالمُتأخِّر؟ أو يشمل المُتأخِّر والمُتَعَجِّل؟ لِمَنْ اتَّقَى يعني لمن تأخَّر ولاَّ الجميع؟ الجميع ، لا يُرْفَع الإثم عن الجميع سواءً تَعَجَّل أو تَأَخَّر إلاَّ إذا اقْتَرَنَ حَجُّهُ بالتَّقوى، ورفعُ الإثمِ هُنا كقولِهِ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-: ((رَجَعَ من ذُنُوبِهِ كيوم وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)) والذِّي لا يَسْتَشْعِر مثل هذهِ الأفْعَال، ومِثل هذهِ المناسك، ولا يُعَظِّمها حقَّ تعظِيمها، ما عَظَّم الله -جلَّ وعلا-، ولا وُجِدَتْ تَقْوَاهُ في قلبِهِ، تَعْظِيمُ الشَّعائِر من تَقْوَى القُلُوب، فالإنسان يدخُل على أيِّ هَيْئَة، وشخص يدخل المسجد ويَنتظِر شخصاً ظَاهِرُهُ الصَّلاح ومُلتحي يَنتظِر شخصاً خَشْيَة أنْ يخرج قبلَهُ لأنّ فاتته بعض الرَّكعات إلى أنْ سَلَّم الإمام فَكَلَّمَهُ ثُمَّ عاد يُصلِّي!!! هذا حَصَل! ومع ذلك يأتي شخص مثلاً، وجاء من المواضئ توضَّأ حاسرٌ رأسه، شماغُهُ على كتفِهِ، والعِقال على يدِهِ، ويصفّ ويُصلِّي ركعة ما بعد كمَّل، ما بعد لبس الشماغ، ولا بعد عدَّل عقاله ولا يديه، مثل هذا يستشعر عظمة هذهِ العِبادة؟! فلا بُدَّ من الاسْتِشْعَار، ولا بُدَّ من اسْتِحْضَار القلب؛ لِتُؤْتِي هذهِ العِبادات ثِمارها، لا يقُول قائل إنَّ هذهِ العِبادات ليست صحيحة باطلة! لا بُدَّ من إعادتها، العِبادة عُمُوماً إذا اشْتَمَلتْ على أرْكَانِها وشُرُوطِها وواجِباتها صَحَّت وسَقَطَ بها الطَّلب؛ لكنْ هل تُؤْتِي الثَّمَرة التِّي منْ أَجْلِها شُرِعَتْ؟! هل حَقَّقَ العُبُودِيَّة التِّي منْ أَجْلِها خُلِق على مُرادِ الله -جلَّ وعلا-؟! هذا خلل كبير، مثل هذا عُرْضَة لأنْ يَنْحَرِفْ، فلا بُدَّ أنْ يَتَّصِل المُسلم باللهِ -جلَّ وعلا- وتكُون صِلَتُهُ بِهِ وَثِيقَة في حَالِ شِدَّتِهِ ورَخَائِهِ.
  • ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴿١١٨﴾    [هود   آية:١١٨]
هَلْ نَصَبَكَ اللهُ حَكَمًا بين عِبَادِهِ؟ كثر في الآونة الأخيرة الخلاف بين طلبة العلم بعضهم مع بعض، وكثر تصنيف الناس تبعاً لذلك، فهذا من جماعة كذا وهذا من جماعة كذا وكذا، فهل من كلمة توجيهية لما في الفرقة والخلاف؟ نعم الفرقة شر، والخلاف كذلك، إلا ما لا بد منه مما يترتب على اختلاف في الفهم، وإلا فالأصل أن الخلاف شر، ولذا يقول الله -جل وعلا-: {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} [(118- 119) سورة هود]، فدل على أن المختلفين غير مرحومين في الجملة، أما الاختلاف بين أهل العلم الذي سببه اختلاف في فهوم أو بلوغ نصوص بلغت بعضهم ولم تبلغ الآخرين، أو اختلفوا في ثبوتها وعدم ثبوتها هذا هو الذي يؤجر عليه الإنسان إذا تحرى الصواب، إن أصابه فله أجران، وإن أخطأ الصواب فله أجر واحد، ومثل هذا الخلاف موجود بين الصحابة والتابعين فمن بعدهم. على كل حال تضييع الأوقات بمثل هذه الأمور من تصنيف الناس وهذا كذا وهذا كذا، لا شك أن هذا مما يورث حرمان العلم والعمل، فعلى الإنسان أن يعتني بعمله، ويخلص لله -عز وجل-، وأن يحافظ على هذا العمل، ألا يضيع عمره وعمله في فلان كذا، فلان كذا، فلان من جماعة كذا - لا - ، ألزم ما عليك نفسك، فاحرص على عملك، لا تفرق ما جمعت. وعلى طالب العلم أن يلتزم ويعتصم بالكتاب والسنة، ويترك الجماعات كلها، يعتصم بالكتاب والسنة، نعم كلٌّ يَدَّعي أنه على الكتاب والسنة، لكن إذا عرضت هذه الأعمال تبين الخلل فيها، أولاً: عليك بجماعة المسلمين، وعليك أن تعتصم كما ذكرنا بالكتاب والسنة، وأن تلتف حول أهل العلم الموثوقين في علمهم وعملهم وإخلاصهم، والله المستعان، هذا وجد كثير، صار نصيب بعض طلاب العلم من العلم القيل والقال، فلان كذا، وفلان أخطأ وفلان أصاب، فلان أفضل من فلان، فلان أعلم، ما عليك منهم، هَلْ نَصَبَكَ اللهُ حَكَمًا بين عِبَادِهِ؟! ألا تعلم أنَّ أعراض المسلمين حفرة من حفر النار كما قال ابن دقيق العيد؟ وهؤلاء مسلمون، نعم إذا وُجد في صفوف المسلمين من يُخشى منه الخطر على المسلمين ينبغي أنْ يحذَّر منه.
  • ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ﴿٨٨﴾    [الشعراء   آية:٨٨]
كيف تُعَالِج قَلْبَك؟ نودُّ كلمة في اهتمام طالب العلم بالأعمال القَلْبِيَّة؟ القَلْب لهُ شأنٌ عظيم، جاء في حديث النُّعمان: ((أَلَا و إِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَة إذا صَلحت صَلَح الجَسَدُ كُلُّهُ وإذا فَسَدت فَسَد الجَسَدُ كُلُّهُ)) ويُلاحظ في الخطابات الشَرعيَّة منْ نُصُوص الكتاب والسُّنَّة أنَّ كُلَّها مُوجَّه إلى القَلْب {يوم لا ينفعُ مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم} فالعِناية بالقَلْب من أهمِّ المُهمَّات، {لا ينفعُ مالٌ ولا بنون} ... وش اللي ينفع؟ {إلا من أتى الله بقلبٍ سليم} لا بُدَّ مِنْ سَلامَة القَلْب، كيف يُعالج قَلْبَهُ؟ يُعالج القَلْب بِقِراءة القُرآنْ على الوجه المأمُور بِهِ بالتَّدَبُّر والتَّرتيل، هذا عِلاج القَلْبْ بالفِعِلْ، وجاء من نُصُوص الكتاب والسُّنة ما يُخاطب القلب، ويُعَالِج أمْرَاض القُلُوب، وأيضاً كَتَبَ أَهْلُ العِلْم في هذا الباب كِتَابَات في غاية الأهمِيَّة، شيخ الإسلام لهُ التُّحْفَةُ العِرَاقِيَّة في الأعْمَال القَلْبِيَّة، كُتُبْ الإِمَام المُحَقِّقْ ابن القيِّم مَمْلُوءَة بِما يُعالجُ أمراض القُلُوب وأدْوَائِها، فَعَلَيْنَا أَنْ نُعْنَى بِهَذَا عِنايةً فَائِقَة، وقُلْت: إنَّ منْ أَعْظَم ما يُعَالَجْ بِهِ أَدْوَاء القُلُوب قِراءة القُرآن على الوجه المأمُور بِهِ.
  • ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴿٨٥﴾    [الإسراء   آية:٨٥]
كَيْف يمكن التَّخَلُّص مِن العُجْب؟ يقول: العُجْبُ صِفَةٌ مُلَازِمَةٌ لِلإِنْسَانْ، ومَعَ تَزْيِيِنْ الشَّيْطَان لَهُ؛ تُصْبِحْ صِفَة عَالِقَة بِشَخْصِيَّتِهِ في سُلُوكِيَّاتِهِ، وحَرَكَاتِهِ وكَلَامِهِ، كَيْفَ التَّخَلُّصْ مِنْهَا؟! لا شَكَّ أنَّ العُجْبَ آفَة، وهو النَّظَر إِلَى العَمَل بِعين الإعْجَاب، النَّظَر إِلَى الوَصْف، النَّظَر إِلَى جَمِيع التَّصَرُّفَات بِعين الإعْجَاب، عَلَيْهِ أنْ يَنْظُر فِي مَادَّتِهِ التِّي خُلِقَ مِنْها، المُعْجَب بِنَفْسِهِ عليهِ أنْ يَنْظُر في مادَّتِهِ التِّي خُلِقَ منها، المُعْجَب بِمَالِهِ يَنْظُر إِلَى حَال الأنْبِيَاء، والصَّالِحين، وخِيَارِ هذهِ الأُمَّة، المُعْجَب بِعِلْمِهِ لِيَنْظر إلى العُلماء الرَّبَّانِيِّين الذِّينَ جَمَع الله لهم بينَ العِلْمِ والعَمَلْ، ونَفَعَ اللهُ بِهِم الأُمَّة، المُعْجَب بِأَيِّ نَاحِيَة مِنْ نَوَاحِي الحَيَاة لا بُدَّ أنْ يَنْظُر إلى مَنْ حولهُ؛ فَيَجِد منْ هُو أكمل منهُ فيها، ولِيَعْلَم إنْ كان مَثَار إعْجَابُِهُ العِلْم؛ فإنَّهُ لمْ يَكْتَسِب من العِلْم شَيْئًا يَنْفَعُهُ، والعُجب؛ فَاحْذَرْهُ إنَّ العُجب مُجترفٌ أعمالَ صَاحِبِهِ في سَيْلِهِ العَرِمِ فالعِلْم إذا لَمْ يَدُلُّك على الخير فهو ليسَ بعِلم في الحقيقة، والعِلْم كلما ما ازْدَاد منهُ الإنْسَان؛ عَرَفَ حَقِيقَة نَفْسِهِ؛ وتَواضَعَ لله، وهذا هُو الوَاقِع، تَجِدْ طالب العلم الصَّغِير عِنْدَهُ من التَّكَبُّر -في الغَالِب- أكثر من العَالِم الكَبِير، والمُتَوَسِّطْ بِحَظِّهِ، فالعِلْم يُعَرِّفْ الإنْسَانْ مِقْدَارَ نَفْسِهِ، ولوْ أَحَاطَ بِعُلُومِ الدُّنْيَا مع أنَّهُ مُستحيل، ولو قَرَأَ في تَرَاجِم العُلماء الكِبَار الذِّينَ وُصِفُوا بِأنَّهُم بُحُور العِلْم، وَجَدَ أنَّ عِنْدَهُم شيء من الخلل، وعندهم شيء من النَّقْصْ، وعِنْدَهُم شيء مِمَّا فَاتَهُم مِنْ مَسَائل العِلْم الشَّيء الكثير، ولو جُمِعَتْ عُلُوم الأوَّلِينْ والآخِرِينْ؛ مَا خَرَجَتْ عنْ قَوْلِهِ -جلَّ وعلا-: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء/ (85)] وإنْ أُعْجِبَ بِعَمَلِهِ؛ فَلْيَنْظُر إلى عَمَلْ النَّبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-، وصَحَابَتِهِ الكِرَام، يَنْظُر إلى مَنْ هُو فَوْقَهُ في أُمُور الدِّينْ، إذا أُعْجِبْ بِأُمُور الدُّنْيَا؛ يَنْظُر إلى مَنْ دُونَهُ، واللهُ المُستعان، فهذهِ آفَة تَعْتَرِضُ طَالب العلم لَا بُدَّ منْ عِلَاجِها.
  • ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿٨﴾    [الممتحنة   آية:٨]
ما أنواع الجيران؟ والجيران ثلاثة: جار له ثلاثة حقوق، وجار له حقان، وجار له حق واحد. فالجار الذي له ثلاثة الحقوق هو الجار في المسكن القريب في النسب الموافق في الدين، فله حق الجوار وحق القرابة، وحق الدين، أخوة الدين. الجار الذي له حقان: الجار المسلم البعيد في النسب، له حق الجوار وحق الإسلام. والجار الذي له حق واحد: هو الجار غير المسلم، ليس له إلا حق الجوار، فلا يجوز أن يناله الجار بأذى، بل العكس، عليه أن ينفعه بما ينفعه في أمر دينه، وهذا بالدرجة الأولى مما يجب الاهتمام به، وفي أمر دنياه {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ} [(8) سورة الممتحنة] الجار يُبر، القريب ولو كان كافراً يبر ما لم يقاتل في الدين.
  • ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴿٤﴾    [الليل   آية:٤]
عمرك ماذا صنَعْتَ فيه؟ العُمر المُدَّة التِّي مكثتها في هذهِ الحياة، هل أنفقتها وصرفتها فيما يُرضِي الله -جلَّ وعلا-؟ أو فيما يُغْضِبُهُ أو في المُباح والإكثار منهُ ولم تلتفت إلى ما يَنْفَعُك في الآخرة، لا بُدَّ من السُّؤال ((عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أفْنَاهُ)) ماذا صنعت في هذهِ المُدَّة مُدَّة بقائك في الدُّنيا، والعُمر إذا لم يُفْنَ فيما يَنْفَعُ في الآخرة؛ فلا قِيمة له، يعني كون الإنسان يستمر السبت، الأحد، الاثنين، الثلاثاء، ثُمَّ الأُسبُوع الثَّاني كذلك ما فيه جديد، مثل هذا حياتُهُ وعدمهُ واحد إذا لم يكتسب ما يُقَرِّبُهُ إلى الله -جلَّ وعلا-؛ ولذا يقول الشاعر: عُمْرُ الفَتَى ذِكْرُهُ، لَا طُولَ مُدَّتِهِ ومَوْتُهُ خِزْيُهُ لَا يَومُهُ الدَّانِي فحقيقةً بعض النَّاس بين النَّاس يأكُلْ ويَشْرَبْ، ويروح ويجي، ويبيع ويشتري وهو في حكم الأموات!!! يعني ما يزداد من الله قرب؛ هذا إذا لن يَكُنْ الأموات أفضل منهُ! لأنه يزداد من الله بُعْد، وبعض النَّاس وهو مَيِّتْ في التُّرابْ في القبر وهو حيٌّ بين النَّاس يُفِيدُهُم ويَنْفَعُهُمْ، بعض النَّاس يجري عليه عَمَلُهُ مئات السِّنين، وبعض النَّاس تُكتب عليهِ أوزار النَّاس؛ لأنَّهُ تَسَبَّبَ فيها مئات السِّنين، كما قال الله -جلَّ وعلا-: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} [(4) سورة الليل] ما شاء الله مؤلِّف هذا الكتاب وغيره من المُؤلِّفين له ما يقرب من اثني عشر قرن! وكِتابُهُ يتداولُهُ النَّاس ويَقْرَؤُونهُ ويُفيدُونَ منهُ مثل مُؤلِّف هذا الكتاب، وغيره من الأئمَّة؛ لكنْ الكُتُب تتفاوت نفعُها، ماذا يُتَصَوَّر للإمام البُخاري من الأُجُور؟! نعم، وبعض النَّاس يُؤلِّف الكِتاب في عشرين مجلدة كبيرة، ومن نِعمة الله عليهِ قبلَ غيرِهِ أنَّ الأرضة أكَلَتْ الكِتاب من أوَّلِهِ إلى آخرِهِ ما أبْقَتْ ولا ورقة! من نعمة الله عليهِ قبل غيرِهِ؛ لأنَّ الكتاب فيه طَوام وهو شرحاً للبخاري؛ لكنْ على الإنسان أنْ يَحْرِصْ أنْ يَنْفَعَ نَفْسَهُ أَوَّلًا ومن ولَّاهُ اللهُ أَمَانَتَهُ، وجِيرَانَهُ، وأَقَارِبهُ، ومَعَارِفَهُ، وجَماعتُهُ، ثمَّ ينتشر علمُهُ بين النَّاس ((ومَنْ دَلَّ على هُدَى؛ كانَ لهُ من الأجر مثل أُجُور من تَبِعَهُ)).
إظهار النتائج من 1141 إلى 1150 من إجمالي 2167 نتيجة.